الشعائر الحسينية بين القربة لله والرياء |
|
زينب عبد العزيز محمد الصواف قال تعالى في محكم كتابه المجيد (ومن يعظّم شعائر الله فإنّها من تقوى القلوب). سورة (الحج 32)
الشعائر هي جمع شعيرة والشعيرة هي العلامة والدليل، الحسي التي تقود الانسان نحو صاحب الشعيرة تعني علامات الله وأدلّته وهي تضمّ عناوين لأحكامه وتعاليمه العامّة، مع إحتفاظ الآية بمفهوم شمولي لجميع الشعائر الإسلامية . ويمكن القول: إنّ شعائر الله تشمل جميع الأعمال الدينيّة التي تذكّر الإنسان بالله سبحانه وتعالى وعظمته، وإنّ إقامة هذه الأعمال دليل على تقوى القلوب. كما تجب ملاحظة أنّ المراد من عبارة (يعظّم) ليس كما قاله بعض المفسّرين من عظمة جثّة الاُضحية وأمثالها، بل حقيقة التعظيم تعني تسامي مكانة هذه الشعائر في عقول الناس وبواطنهم، وأن يؤدّوا ما تستحقّه هذه الشعائر من تعظيم وإحترام. كما أنّ العلاقة بين هذا العمل وتقوى القلب واضحة أيضاً، فالتعظيم رغم أنّه من عناوين القصد والنيّة، يحدث كثيراً أن يقوم المنافقون بالتظاهر في تعظيم شعائر الله. إلاّ أنّ ذلك لا قيمة له، لأنّه لا ينبع من تقوى القلوب. إنّما تجده حقيقة لدى أتقياء القلوب. ونعلم أنّ مركز التقوى وجوهر إجتناب المعاصي والشعور بالمسؤولية إزاء التعاليم الإلهيّة في قلب الإنسان وروحه، ومنه ينفذ إلى الجسد. لهذا نقول: إنّ تعظيم الشعائر الإلهيّة من علامات التقوى القلبيّة . وقد جاء في حديث عن الرّسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال وهو يشير إلى صدره . اذن الشعيرة هي الحركات والعلامات الحسيه المشهوده من الفرد اتجاه صاحب الشعيرة ويكون ذلك اما في الحزن او في الفرح ودرجات التعبيرحسب التفاعل مع هذه المناسبة وصاحبها ولان هذاالشعور فطري نابع من القلب عبر عنه بتقواه . وأي تعبير مشهود لشعائرعظيمه لافراح وأحزان أهل بيت محمد (صلى الله عليه وآله ) . هذا طريق يوصل ألانسان الى الله تعالى لأنها شعائر الله تعالى والقلب المتقي هو القلب الذي يخشى الله في السر والعلانية من الذنوب والمئاثم .فأن مظاهر التعبير سوف تغربل عند الله ويعلم بها ان كانت رياء أو نفاق ليجزي صاحبها عليها لكن هناك استثناء تقبل الشعيرة بريائها ونفاقها عند الله سبحانه وتعالى الا وهي شعائر الامام الحسين (عليه السلام ) في خوصياته (عليه السلام) المتعلقة بالخشوع لتذكّره والرقة والبكاء عليه واقامة مجالس المآتم والرثاء . والوجه : في ان البكاء احسان وأعزاز وأحترام , والبكاء اعزاز للاموات والمقتولين . ولذا سأل النبي إبراهيم عليه السلام ربه تعالى في ابنة تبكيه بعد موته . ولما سمع النبي صلى الله عليه وآله نساء الانصار يندبن قتلى اُحد قال صلوات الله عليه ووعلى آله " اما حمزة فلا بواكي له " فأمر الانصار نساءهم ان يندبن حمزة فسمع النبي محمداً المصطفى(صلى الله عليه وسلم ) فدعا لهن . وقد جاء ايضا . انه مرّ النبي (صلى الله عليه وسلم ) بنسوة من الانصار يبكين ميتاً فزجرهن عمر فقال النبي (صلى الله عليه وسلم ) دعهن يا عمر , فإن النفس مصابة . والعين دامعة . والعهد قريب . ولما بكت نساء اهل المدينة على قتلى اُحد قال النبي (صلى الله عليه وسلم ) " لكن حمزة لا باكية له " . فسمع ذلك اهل المدينة فلم يقم لهم ماتم بعدها الى اليوم إلا ابتدأ النساء فيه بالبكاء على حمزة ..... " . نكتة : حمزة سيد الشهداء عليه السلام تحققت له بعض اجزاء تجهيز الموتى من الكفن والصلاة والدفن والتشييع وغير ذلك الا النوادب . فعظم ذلك على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . ولكن الامام الحسين (عليه السلام) سيد الشهداء لم يكن له شيء من ذلك الا النوادب بل قد زيد في ابتلائه مقابل ابتلاء الحمزة عليهما السلام خلاف التمثيل بالجسد باستخراج كبد الحمزة . فقد زاد بلاء الحسين على الحمزة بالرض قبل وبعد الشهادة و تقطيع الجسد المبارك اربا اربا فكان الجرح على الجرح والطعنة فوق الطعنة وتكسير الضلوع والبدن السليب وقطع الاصبع وضرب الجبهة والغدر والموت عطشا وتقتيل اهل بيته واولاده واخوته وابناء اخوته وابناء عمومته قبل شهادته ........ ، حتى نادت اخته المباركة زينباً الكبرى عليها السلام بصوت حزين اخذت تنادي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليشهد الندبة . لكن قد منعوهن فيها . بل ومن البكاء . بل ومن اجراء الدمع . حتى اشبعوها ومن معها من الاطفال والنساء ضربا بالسياط حتى اسودت اجسامهم من شدة الضرب والزجر لهن وللاطفال . فهلم نبكي عليه وعلى مصاب محمداص وأهل بيته الاطياب (عليه السلام) بكاء قرابة حقيقية ان كنا من الموالين بأدنى درجات الولاء والانسجام معهم ومع خطهم القويم . فمن لا يبكي كذلك فهو عاق قاطع الرحم. الرقة لعلقة الالتحام التي هي من اعظم القرابة نظير العضو من الانسان اذا عرضه مرض ووجع يكون الوجع في الكل . ومن هذه الجهة بكاء الحور العين . ولطمهن على الامام الحسين (عليه السلام) . في الجنان التي هي دار السرور وذلك لان لكل من المخلوقات مادة . وقد خلقت الحور العين من نور الحسين (عليه السلام) . فهي ملتحمة به (عليه السلام) ومع ذلك كيف يمكن ان يكون واقعا على الارض تحت سنابك الخيل ورأسه المبارك على الرمح ودمه الطاهر مسفوك على الارض وفؤداه مثقوب وكبده مقرح وقلبه محترق ونساءه واطفاله مسبيات قد حرقت خيامهن قبل شهادته وسبين بعد شهادته ........ ، وتبقى الحور في القصور بأنعم بال واحسن حال !! . ومن جملة اقسام البكاء بكاء الشيعة عليه هذا القسم ايضا . وذلك في رواية عن الصادق (عليه السلام) قال : " شيعتنا منا وقد خُلقوا من فاضل طينتنا . وعُجنوا بنور ولايتنا . ورضوا بنا ائمة . ورضينا بهم شيعة . يصيبهم ما اصابنا . ويبكيهم ما ابكانا . ويحزنهم حزننا . ويسّرهم سرورنا . ونحن ايضا نتألم بتألمهم . ونطلع على احوالهم . فهم معنا لا يفارقونا ونحن لا نفارقهم " . ثم قال (عليه السلام) " الهم ان شيعتنا منا فمن ذكر مصابنا وبكى لأجلنا . استحى الله تعالى ان يعذبه بالنار " . وفي حديث الاربعمائة عن امير المؤمنين (عليه السلام) " انالله تبارك وتعالى اختارنا . واختار لنا شيعة ينصروننا . ويفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا . ويبذلون انفسهم واموالهم فينا . اولئك منا والينا " . فدّلت هذه الرواية على ان مخلصي الشيعة اختارهم الله تعالى كما اختار الشهداء . بل شهادتهم . وفي ذلك علامات كما استدل الرسول الاكرم (صلى الله عليه وسلم ) من المحبة الخاصة للطفل الذي رآه يلعب مع الامام الحسين (عليه السلام) على انه يكون من انصاره في واقعة كربلاء . فلاحظ علاقة الشيعة في نفسك وهلمّ نبكي عليه لذلك فان من لا يبكيه ولا يواليه ولو بأدنى درجات الولاء . فانه يكون لا علاقة له معه . ومقطوع عنه . فهلمّ نتألم لمصابه . فالحسين (عليه السلام) يتألم لآلامنا ايضا وكفى بذلك عزة لنا وفرجا . وانه عليه السلام يصلنا ايام تالمنا في احلك عواقب حالاتنا . البكاء للتبعية . فانه قد يتحقق البكاء تبعا للباكين مع قطع النظر عن المبكى عليه . فابك تبعا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فلكم فيه اسوة حسنة . لا بل تبعا للانبياء والاوصياء . لا بل تبعا للسموات والارضين او الوحوش او الطيور او الجنة او النار او ما يُرى وما لا يُرى او الجن او الملائكة . او ابك تبعا للاشجار او تبعا للحجار . فأي قلب هو اقسى من الحجر . او تبعا للحديد فقد بكى مسمار سفينة نوح النبي عليه السلام دماً كما جاء دليل ذلك كله في الاحاديث والروايات . فابك دماً تبعا له . العبرة والبكاء على الامام الحسين (عليه السلام) وفق فطرة الانسان . الرقة عليه بالفطرة التي فـُطر الناس عليها من غير اختيار, مع التفات الباكين الى انه رقة على المبكي عليهم . ويكون ذلك في احبائهم وفي اعدائهم . مع الغفلة عن بغضهم فيغلب جانب الرقة بحيث يوجب الغفلة عن البغض , وذلك كبكاء يزيد حين رأته هند . وبكاء معاوية على علي عليه السلام . وهذا القسم لا نحتاج فيه الى ان نقول : هلمّ وابك على اي شيء , بل نقول : اقطع النظر عن كل شيء . فافرض انك لا تعرف الحسين الشهيد عليه السلام . ولا تعرف قرابة ولا حقوقا ولا صفات ولا جلالة . وافرض انه لا ثواب للبكاء عليه ولا اجر ولا تبعية لاحد . فلاحظ هل يجري الدمع بلا اختيار ام لا ؟ هذه الفطرة توجب الرقة بلا اختيار مع الالتفات الى جهة البغض ومنع النفس عن الرقة وتشجيعها على التثبر . فمع ذلك يغلب البكاء كبكاء ابن سعد . وبكاء اخنس ابن زيد . وبكاء خولي وبكي السالب لحلي فاطمة بنت الحسين عليهما السلام . وبكاء العسكر كله حين عرضت عليهم حالات ابكتهم مع منع انفسهم عن البكاء . والتفاتهم الى جهة بغضهم . وعدم رغبتهم في البكاء . ومنافاته لما هم فيه وبصدده من مواجهة امام زمانهم ومعاداته وقتاله .
الاول : رؤية شبحه وظله في عالم الاشباح والظلال . بل رؤيته في عالم القدس . كما اتفق ذلك لادم عليه السلام حين شاهد الذر في عالم الذر . فمثّل الله تعالى له قضية كربلاء فبكى لذلك . ولما رأى ابراهيم (عليه السلام) ملكوت السموات والارض . رأى الاشباح الخمسة تحت العرش فأبكته رؤية الخامس . الثاني : سماع اسمه , كما قال عليه السلام ما ذُكرت عند كل مؤمن ومؤمنة الا بكى واغتم لمصابي فهو سبب بكاء لكل مؤمن . الثالث : النطق باسمه , كما قال الانبياء ادم وزكريا عليهما السلام . في ذكر الحسين عليه السلام . تسيل عبرتي وينكسر قلبي . بل ما ذكره نبي او سمع باسمه الا واعتبر . الرابع : النظر اليه , وقد تحقق هذا بالنسبة الى جده حينما رآه عند ولادته وبعدها . وقد قال ابوه عليه السلام ايضا حين نظر اليه وبكى : يا عبرة كل مؤمن . قال : انا يا ابتاه ؟ قال : نعم يا بني . فان كنا لم ننظر اليه في زمانه .فهل نظرنا اليه والى حالاته في كل مراحلها بل والى بهائه ببصائر قلوبنا ؟ فان لم ننظر اليه فهو ينظر الينا . رحمة من الله تعالى الحكيم والرؤوف . ففي الصحيح , ان الحسين (عليه السلام) على يمين العرش . ينظر الى مصرعه والى زواره . وانه لينظر الى من يبكي عليه ,ولا غرور من ان لا يحجب نظره البعد والجدران والدور . الخامس : النظر الى مدفنه . كما قال الصادق (عليه السلام) " الحسين (عليه السلام) غريب بأرض غربة , يبكيه من زاره , ويحزن عليه من لم يزره . ويحترق له من لم يشهده . ويرحمه من نظر الى قبر ابنه عند رجليه ." فهل ترون مدفنه . قال العارف : وكل بلدة فيها قبره وكربلاء كل مكان يرى السادس : يمس بدنه وتقبيله . فانه مبك . ولقد تحقق هذا بالنسبة الى جده (صلى الله عليه وسلم ) المصطفى . وفي مواضع خاصة . فقد كان (صلى الله عليه وسلم ) يقبّل نحره فيبكي . ويقبل فوق قلبه فيبكي . وجبهته ويبكي . ويقبل اسنانه فيبكي . ويقبل كل بدنه ويبكي . فيقول (عليه السلام) " يا أبت لِمَ تبكي؟ قال (صلى الله عليه وسلم ) " اُقبل مواضع السيوف منك وابكي . ولو سئل عن بكائه (صلى الله عليه وسلم ) عند تقبيل ثناياه . لقال : اقبّل موضع نكث الخيزران . وأقبّل ما يتبسم ضاحكا عند رؤيته ابن زياد . وابكي لضحكه . ولو سئل (صلى الله عليه وسلم ) لم تقبل فوق قلبه ؟ لقال : موضع السهم المثلث . ولكن قد ارادت اخته زينب عليها السلام في وقت ما تقبيل المواضع التي كان يقبلها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم تتمكن . لان الاعضاء كانت ممزقة . خصوصا بعد تحقق الرض بالخيول . بل ولو لم يتحقق فقد رض بالسهام والسيوف والرماح والحجر والتقطّع كما قال عليه السلام : كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات نعم قد قبّلت موضعا واحدا من بدنه المبارك . ولم يقبّله المصطفى (صلى الله عليه وسلم ) . فانها قبّلت النحر المنحور . والودج المقطوع . اي باطن ما قبّل النبي (صلى الله عليه وسلم ) ظاهره . السابع : دخول شهر شهادته . اعني المحرم . فانه يورث الكربة واختناق العبرة في قلوب من والاه . اما ترى التأثير في شهره فغص شرب الماء على من رعى .
الثامن : ورود ارض مدفنه . فانه باعث كبير على الحزن والبكاء . وقد تحقق ذلك بالنسبة الى كل نبي ورد تلك الارض . وورد انه ما من نبي الا وقد زار كربلاء . وقال : فيك يدفن القمر الازهر . وكل منهم كان اذا ورد اعتلّ وضاق صدره . واصابغ الغم . واصابته بلية حتى يسأل ربه تعالى عن ذلك . فيوحى اليه : ان هذه كربلاء وان الحسين يقتل فيها ,وقد تحقق ذلك ايضا بالنسبة الى اهل بيته لما وردوا كربلاء ونزلوا . قالت ام كلثوم (عليه السلام) " يا اخي هذه بادية مهولة . فقال الحسين عليه السلام : ان ابي نام في هذه الارض فاستيقظ باكيا وقال : رأيت ولدي الحسين في بحر من الدم يضطرب . ثم قال : يا ابا عبدالله كيف تكون اذا وقعت الواقعة هاهنا . التاسع : سماع اسم ارض مدفنه . وقد تحقق ذلك بالنسبة اليه (عليه السلام) فانه لما ورد ارض كربلاء وسأل عن اسمائا . اخبروه باسماء عديدة . ثم قالوا : انها تسمى كربلاء . فاغرورقت عيناه المباركتان بالدموع وقال : اللهم اني اعوذ بك من الكرب والبلاء . هاهنا مناخ ركابنا ومحط رحالنا . ومسفك دمائنا . ومذبح اطفالنا . فيها يراق دمي . وفيها تـُرى حرمي حواسرا عليهن من ثوب الذل سربال . وفيها تقتل ابطالي . وتذبح . وتستعبد الاحرار ارذال ". حطوا الرحال بها يا قوم وانصرفوا عني فمالي عنها قط ترحال العاشر : شرب الماء البارد. وقد كان هذا من المبكيات دائما للامام الصادق وغيره من الائمة عليهم السلام . كما ورد عن داوود الرقي . قال : كنت عند الصادق (عليه السلام) فشرب ماء . واغرورقت عيناه المباركتين بالدموع . فقال عليه السلام : ما انغص ذكر الحسين للعيش . اني ما شربت ماء باردا الا وذكرت الحسين (عليه السلام) " الى اخر الحديث . وقد نقل عن الحسين عليه السلام : شيعتي شيعتي ما ان شربتم عذب ماء فاذكروني او سمعتم بغريب فاندبوني ولكنه غلب على كل حالاتهم . حتى على شقاوتهم وخبث طينتهم . وفيهم ما فيهم من اولاد زنا وكفر ونفاق وشقاق وكفر . فاذا اردت ان تعرف هذه الحالة المبكية لمن كان عدوا له مع التفاته لعداوته ومنع نفسه عن البكاء . فاستمع ثم امنع نفسك عن البكاء تجد انه يغلب عليك البكاء تلو البكاء بلا اختيار . المصدر : كتاب الخصائص الحسينية / آية الله الشيخ جعفر التستري
|