كرامات
(2)
من كرامات الشهيد الأوّل
عاش المجتهد المجاهد الشيخ محمد بن جمال الدين مكي العاملي المعروف بالشهيد الأول في عصر سادت فيه توترات طائفية حادة بين المسلمين السنة والشيعة.
وقدّر للشهيد أن يكوّن لنفسه في الشام (محلّ إقامته) مكانة اجتماعية وفكرية كبيرة، وبشكل خاص في مدينة دمشق. فكان موضع احترام الشخصيات السياسية والدينية من السنة والشيعة. وهذا يدل على حكمة الشهيد وقدرته الثقافية وحسن سلوكه الذي استطاع به احتواء الخلافات الطائفية التي كانت تغذيها الصليبية الحاقدة على الإسلام والمسلمين.
لقد استفاد الشهيد الأول من علاقاته الطيبة مع الجميع ليوجههم نحو الإصلاحات السياسية وتوحيد السنة والشيعة.
بهذا التوجه التوحيدي للشهيد الأول أصبح بيته ملتقى علماء السنة والشيعة وعزّزت ديوانيته المفتوحة مكانته الرفيعة بين الناس مما جعلت الحكومة تراقبه بشدّة. وفي هذه الفترة بعث إليه حاكم خراسان (علي بن مؤيد) - أحد ملوك (سربداران) الذي تولى الحكم سنة (766) هـ - رسالة يطلب منه أن يقدم إلى خراسان ليتصدى منصب المرجعية الشيعية الكبرى، فرفض الشهيد الأول هذا الطلب، ولكنه كتب في جوابه كتاباً حول أحكام الشريعة الإسلامية ليكون الكتاب بمثابة دستور للدولة، وسمّاه (اللمعة الدمشقية).
ومن غريب الاتفاق أن (ديوانية الشهيد) التي لم تكن تخلو من الوجهاء والعلماء والمراقبين والشخصيات السياسية قد أصبحت خالية مدة انشغال الشهيد بتأليف هذا الكتاب، وهي مدة أسبوع فقط، حيث أكمل فيه تأليف كتابه اللمعة الذي احتل القمّة من بين الكتب الفقهية للشيعة، لانه جمع بين الوجازة والاختصار إلى جانب روعة التعبير إلى تنسيق الأبواب والأحكام والمسائل بشكل منظم وعمق فكري مما قد خلّد الكتاب إلى هذا اليوم، إذ يدرسه كلّ طالب في الحوزات العلمية والمدارس الدينية.
وقد اعتبر بعض العلماء أن خلوّ ديوانيته المزدحمة ممّن كان الشهيد يحذر منهم مدة أسبوع - لتأليف هذا الكتاب العلمي الدقيق والكبير، الذي هو بحدّ ذاته يفتقر إلى وقت طويل - من كرامات الشهيد الأول وتوفيق إلهي خارق للعادة. وكان الله قد أعانه في هذا التوفيق العظيم ليجمع بين إنجازه لهذه الخدمة، وبين حرصه الأكيد على عدم إثارة ما يسبب الخلافات الطائفية البغيضة.
هذا ولقد استشهد الشيخ سنة (786) هـ بطريقة فجيعة ولها قصة طويلة ذات مداخلات طائفية.