قصص الشهداء
(3)
عالِمٌ من أفغانستان
عاد آية الله الحاج السيد محمد سعيد الواعظ إلى وطنه أفغانستان بعد أن درس العلوم الإسلامية في حوزة النجف الأشرف وتتلمذ عند المرجع آية الله العظمى السيد أبي القاسم الخوئي (رحمه الله)، وقد التفّ حوله الناس في (كابل) عاصمة أفغانستان وكانوا يتجمهرون بالآلاف في الحسينية التي كان السيد الواعظ يلقي فيها خطابه ويرشد المسلمين إلى تعاليم دينهم. فذات مرة كان حشد الناس إلى درجة لم تسعهم الحسينية فازدحمت الشوارع المحيطة بها وإذا بموكب الملك داوود خان الذي عُرف بظلمه واضطهاده للمسلمين الشيعة خاصة، فسأل عن سبب هذه الحشود المجتمعة؟ قيل له: إن السيد محمد سرور الواعظ يرتقي المنبر ويعظ الناس هنا.
فتصاعدت وتيرة الأحقاد الأموية في قلب هذا الظالم فأخذ يمهّد الأسباب لاعتقال السيد... وهكذا ألقى عليه القبض في تلك السنة (1340) الهجرية فأودعوه سجن (غزني) لمدة ثلاث سنوات ومع سقوط داوود ومجيء ظاهر شاه إلى السلطة أطلق سراح العديد من السجناء بما فيهم هذا السيد المظلوم. ولقد نشط السيد في السجن ولم يدع فرصة تذهب عنه هباءً، حتى كان يدرّس بعض علماء السنة كتبهم الفقهية، لأنه كان مطلعاً على فقه السنة أيضاً، وهذا يعني أن الملك داوود كان ظلمه بالغاً المسلمين السنة كذلك. وما عدا ذلك لقد ألف السيد محمد في السجن كتاباً في الأخلاق ضمّ إليه خواطره.
وبعد خروجه من السجن - مع زميله العلامة السيد إسماعيل البلخي - واصل السيد نشاطه الإسلامي في جميع أبعاده الممكنة، وقد أسس مدرسة المحمدية في كابل وهي بناء ضخم في طابقين مع (32) حجرة لسكن طلبة العلوم الدينية وفيها صالات ثلاث للمحاضرات وإلقاء الدروس تَسَعُ خمسة آلاف طالباً وطالبة، مع مسجد كبير جداً يسع ألفين مصلياً، وأخذ يصدر مجلة إسلامية شهرية اسمها (برهان)، فما وصلت إلى العدد الحادي عشر حتى قام انقلاب الشيوعيين فمنعوا إصدارها كما أوقفوا جميع الأنشطة الإسلامية في أفغانستان، فاجتمع العلماء وأعلنوا معارضتهم لهذه الإجراءات الظالمة وتمثّل ردّ الحكومة الشيوعية في اعتقالهم بما فيهم آية الله المجاهد السيد محمد سعيد الواعظ. فخرجت الناس معترضة على الدولة ومطالبة بالإفراج عن العلماء، فاضطرت الدولة أن تطلق سراح هذا السيد ولكن منعته من أيّة أنشطة دينية، فكان السيد يعيش فترة تحت الإقامة الجبرية ممنوع اللقاء مع الناس، وبعد ذلك لما اشتدت معارضة الناس واندفعوا نحو خنادق الجهاد نقلت الحكومة الشيوعية كبار العلماء والشخصيات المعتقلين إلى موسكو ولم يُعرف إلى الآن مصيرهم ومصير هذا السيد، ورغم إعلان (حفيظ الله أمين) رئيس الجمهورية وعميل الروس أن المعتقلين السياسيين ماتوا جميعاً فإن المؤمنين لم يفقدوا الأمل في عودة الأبطال إلى أحضان الجماهير المجاهدة في أفغانستان، وهكذا عادوا وكان السيد واحداً معهم ولكنه لم يترك إصراره على تحمل المسؤولية، فقد دخل الكفاح المسلح ضد الشيوعيين العملاء وشارك بنفسه معارك باسلة حتى استشهد في أحدها وتقطع جسمه أرباً أرباً كجدّه الإمام الحسين سيد الشهداء (عليه السلام) وهو في الخامس والأربعين من العمر، وكانت ولادته سنة (1295) من الهجرة.