سياسة
(2)
شَرطُ القضاء بين الناس
طلب الحاكم العباسي من السيد الشريف الرضي أن يقبل منصب القضاء في الدولة. فقال السيد - وهو يتهرب من الدخول في جهاز الحكم الغاصب: إن بين عقلي وهواي نزاع طويل، وهما يطلبان مني أن أحكم بينهما بالعدل، فلما أحضرتهما عندي نطق عقلي وقال: لك الآخرة نسيئةً، وأريد أيضاً أن أمتعك في الدنيا بحلالها، فاعدل بيننا في الحكم! فأنا حكمت لعقلي، ثم مضتْ أيام وحكمتُ لهواي. ولقد استمر هذا النزاع بين عقلي وهواي مدة (خمسين) عاماً - يقصد مدة عمره في ذلك الوقت -، وأنا أميل تارة إلى العقل وتارة إلى الهوى! فالذي لا يمكنه الحكم بالعدل بين عقله وهواه، ولا يحسم الأمر بينهما بعد خمسين عاماً كيف يستطيع أن يتصدى لمنصب القضاء في الحكم بين المتنازعين من الناس، في الوقت الذي أنا أعرف إن الحقّ مع عقلي دائماً، بينما في قضايا الناس يعصب عليّ إحراز الحق ومعرفته بدقّة؟!
فابحث أيها الحاكم عن عالم يتصدى لهذا المنصب، وقد فرغ من القضاء بين عقله وهواه بالعدل، فأصلح بينهما وجعلهما متفقين في طاعة الله وطلب رضاه، إنه الأصلح للقضاء بين الناس!. وهكذا تهرّب الشريف الرضي من التورط مع الطواغيت وإعانتهم في البقاء على الحكم.