مكانة العلماء

 

(1)

كيف انكسرت الجوزة

كنت صباح (25 / جمادى الأولى / 1416) في بيت العلامة آية الله السيد محمد تقي المدرسي (دام ظله) جالساً معه على مائدة الفطور، فكان الجوز والجبن والحلوى مع الخبز والشاي والحليب، ويتوسطها كأس فيه ورود ملونة قال سماحته إنه اقتطفها من حديقة منزله قبل ساعة.

قلت له: حقاً إنك صاحب ذوق. وكانت هذه المائدة قد أعدها سماحته لضيفٍ كريمٍ من أفاضل علماء المنطقة الشرقية في الجزيرة العربية. فأخذ السيد يكسر بكفّيه الجوز، فأردت أن أساهم معه فأخذت جوزةً واحدة وكلما ضغطت عليها بكفي - كما كان يفعله السيد - فلم تنكسر. فقلت للسيد متعجباً! لا أظنك أقوى منّي في كسر الجوز، فما هو السر في أنها تنكسر بكفّيك ولا تنكسر بكفّي؟!

قال ضاحكاً: لأنك تضع جوزة واحدة وأنا أضع جوزتين على بعضهما فَتُكسِر إحداهما الأخرى بضغطة بسيطة. ثم قال السيد معلقاً: مع الأسف كذلك يفعل بنا الاستعمار، إذ يكسِّر بعضنا بالبعض الآخر، وهناك متفرِّجون ينظرون إلى التساقط والتداعي الناتج عن ذلك ولم يحرّكوا عجلة الإصلاح.

ورغم الابتسامة المرتسمة على وجه سماحة السيد المدرسي - كعادته - إلا أن الكلمات التي قالها كانت تخرج من حرقة قلب وتألم إنسان بصير في الأحداث الراهنة، وهو صاحب الأفكار الإصلاحية المعروفة والمبادرات التوحيدية العديدة، منها اقتراحه أسبوعاً لشهداء الإسلام في العراق تُحيى فيه ذكرى جميع شهداء التعدديات الفاعلة هناك. ومنها اقتراحه تشكيل قيادة إسلامية مؤلفة من رموز الجهات الثلاث العاملة في القضية العراقية وهم آية الله السيد محمد باقر الحكيم وسماحة العلامة الشيخ محمد مهدي الآصفي وسماحة السيد نفسه (حفظهم الله وسدد خطاهم) إلا أن الخلفيات النفسية قد عوّقت مثل هذه المشاريع الرسالية الرائدة، وكان من آثارها المشؤومة فشل الانتفاضة الجماهيرية في العراق بعد دحر القوات الصدامية من الكويت.

والغريب المؤسف أن تلك الخلفيات قد صنعتها أيادي البعث التي كانت كمينة للتأثير على البيوتات المرجعية، فما تعانيه شعوبنا المستغيثة للخلاص اليوم هو جرّاء ما صنعته تلك الأيادي القذرة وعدم تلخص المؤمنين من تبعاتها، وإني لاعتقد جازماً - كما أثبته الواقع الراهن - أن العالِم الذي يعجز عن إقلاع نفسه من التأثر بخلفياته هذه عاجز عن إنقاذ الناس من المآسي وخاصةً كالمأساة التي أصابت شعب العراق المنكوب، لذلك وجب البحث عن البديل الأنضج أو الحلّ الأنجح.

 الفهرس