قصص رائدة في الأخلاق

 

(1)

صبراً على قضائِك يا ربّ

المرجعية لدى الشيعة تعني التصدي لجميع شؤون المسلمين قدر المستطاع، ولا يعذر المرجع الديني الأعلى في مسؤوليته العظيمة هذه إلا بعد إفراغ جهده وبذل وسعه في متابعة ما يحيط بالمسلمين من تطورات ثقافية وسياسية وغيرهما، ثم يبسط ظله الشرعي وحضوره الميداني. كان المرحوم آية الله العظمى السيد أبو الحسن الأصفهاني (رحمه الله) مصداقاً لهذا المفهوم المرجعي، فلم يجلس بمعزل عن أمور المسلمين مكتفياً بـ (رسالة عملية) ووكلاء يجمعون له الأموال، وأكثرهم غير واعين لأهم موارد صرفها. كالمشاريع الأساسية التي تعود بالنفع الأكبر للإسلام والمسلمين.

فقد كانت تجبى للسيد الأصفهاني الأموال الطائلة من أقاصي البلاد وأدانيها ولم يبلغ أحد في عصره ما بلغه في ذلك حتى بلغت نفقاته في كل شهر عشرين إلى ثلاثين ألف دينار عراقي (وكان هذا المبلغ بقدرته الشرائية في ذلك الوقت يوازي ملايين الدنانير في عصرنا الحاضر) فكان ينفقها في وجوهها الشرعية وعلى الفقراء وطلاب العلم ومن تلزم مصانعتهم وتأليف قلوبهم خدمة للدين وشعائره.

وينقل في هذا الإطار، مما يكشف عن عظمة روحه المعنوية إنه قد ابتلي بقتل ولده وفلذة كبده ابنه السيد حسن الذي كان من أهل العلم والفضل والنجابة وساعد والده في شؤون المرجعية، قتله في أواخر سنة 1348 هجرية رجل كان قد طلب من والده زيادة على حقه مما يأخذه من أموال الفقراء وطلبة العلم فحملته نفسه الشريرة على الانتقام من السيد الأصفهاني بقتل ولده الفاضل ومُعينه في أموره، فأخذ سكيناً وشحّذها وجاء إليه وهو يؤدي التعقيبات بعد ما صلى صلاة المغرب خلف والده في الصحن العلوي الشريف والصحن مملوء عن آخره بالمصلين خلف والده وذبحه ذبح الشاة على غرة من أمر الجميع وفرّ إلى مخفر للشرطة قريب من باب الصحن خوفاً من أن يقتل ويقطع إرباً إرباً من قبل الجمهور الغاضب فحكم عليه بالسجن لأن السيد الأصفهاني عفى عنه بوصفه صاحب الدم فسلم من عقوبة الإعدام، إنها كانت فاجعة عظيمة نادرة المثيل، ورثاه جماعة وعزّوا به والده بقصائد.

غير أن هذه الفاجعة التي ألمّت بالجميع وأثارت الحسرات والآهات وفجرت كوامن السخط والغضب والنفور تجاه المجرم الآثم قد زادت من شعبية ومكانة السيد الأصفهاني بسبب تصرفه الحكيم الذي يشبه تصرف الأنبياء والأولياء وهو عفوه عن قاتل ابنه وفلذة كبده والتغاضي عن كل حق له وحتى إنه كان يساعد قاتل ابنه مالياً وهو في السجن.

لقد برهن السيد الأصفهاني بحلمه وصبره وكظم غيضه إنه جدير بأن يكون نائباً للإمام ومرجعاً للأنام، وعندما توفي ليلة الثلاثاء التاسع من ذي الحجة سنة 1365 في مدينة الكاظمية عن عمر يناهز الثمانين شيع جثمانه تشيعياً عظيماً لم يسبق له مثيل.

 الفهرس