التواضع والأدب

 

(2)

نَجمٌ علميٌّ لامعٌ

هو المجتهد الكبير والمدرس القدير آية الله العظمى الشيخ محمد كاظم الخراساني المعروف بالآخوند، وقد جاء في ترجمة حياته إنه: عندما أحس الآخوند الخراساني باستغنائه العلمي عن مواصلة التتلمذ على يد الأساتذة، ترك مرحلة الأخذ والاستفادة، وبدأ رحلة العطاء والإفادة، وذلك في عام 1290 هـ، وقد تركّز جهده في هذه المرحلة على: إلقاء الدروس العليا في الفقه والأصول، وتميّزت دروسه بالابتكار والتحقيق، واتّسمت أبحاثه بالقوة في الاستدلال والإحاطة العلمية، مضافاً إلى الدقة المتناهية في المسائل والجاذبية والوضوح في بيانها، مما كسب مجلس درسه رونقاً جماهيرياً سريعاً ومتصاعداً.

وقد أدى لمعان نجمه في حق التدريس إلى أن يطلب منه أستاذه الميرزا حسن المجدد الشيرازي (قدس سره) العودة إلى النجف الأشرف - بعد أن خرج مع جماعة كبيرة من العلماء والفضلاء إلى سامراء عام 1292 هـ، ليقوم بالتدريس فيها - نظراً لحاجة الحوزة في ذلك اليوم إلى مثل كفاءته، لإدارة دفّة الدراسات الفقهية والأصولية العليا (الخارج).

وبذلك تربّع الآخوند الخراساني على كرسيّ التدريس العالي الذي تولى عليه فطاحل من المجتهدين والعلماء طوال ألف سنة أمثال الشيخ الطوسي والشيخ الأنصاري والمجدد الشيرازي (قدس الله أسرارهم).

ولم يكتف السيد المجدد الشيرازي بهذا القدر بل حثّ الطلبة والفضلاء في النجف الأشرف على الحضور في درس الآخوند والاستفادة من معين علمه، وكان يسعى (رحمه الله) قدر جهده في ترويج أمره، ويمتدح فضله وعلمه.

وفد فاق الآخوند - بحق - أقرانه ومعاصريه من كبار الأساتذة والعلماء في الحوزة العلمية في النجف، وتفوّق عليهم في استقطاب أكبر عدد من الطلبة والفضلاء حتى صار مجلس درسه شيئاً فشيئاً أشبه ما يكون بجامعة كبرى قلّ نظيرها في التاريخ الإسلامي منذ عهد الإمام الصادق (عليه السلام) وقد أحصي الحضور في مجلس درسه فتراوح ما بين 1200 و2200، فيهم ما يقرب من 300 إلى 400 مجتهد مسلم الاجتهاد، ويذهب بعض المحقّقين والمترجمين إلى أن هذا الاختلاف في العدد ناشئ من أن أحده راجع إلى درس الأصول، والآخر إلى درس الفقه.

ويرجع هذا النجاح والتوفيق الكبيرين إلى ما كان يطرحه الآخوند في دروسه من مبان وأسس جديدة في الأصول مع حسن تقريره وقوة بيان، واستحكام أدلة مما جذب انتباه الجميع فشدّت إلى مجلس درسه الرحال من كل فجّ عميق، وكان لآرائه وأفكاره ومبانيه وأدلتها أكبر الأثر في الحوزات العلمية بعد مباني الشيخ الأنصاري وآرائه ونظرياته، ولقيت من البحث والنقاش أكثر مما لقيت نظريات ومباني غيره من تلامذة الشيخ الأنصاري.

وقد بلغ من إحاطته العلمية أنه لما ذاع صيته في البلاد وعرف به علماء المسلمين في خارج العراق اشتاق شيخ الإسلام في الآستانة عاصمة الدولة العثمانية إلى رؤيته بنفسه بعد أن سمع الكثير عن علمه وفضله، فقصد العراق بحجة السفر إلى قبر أبي حنيفة في بغداد، ومن هناك عرّج على النجف الأشرف، ودخل إلى مجلس درس الآخوند متنكراً بصحبة بعض أفراده، فعرفه الآخوند بفراسته، فنقل البحث إلى قول أبي حنيفة بأن النهي في الوجوب والحرمة دليل الصحة، وذكر أدّلته وما يؤيده بأحسن بيان مما أدهش شيخ الإسلام وبهره لما رأى من تضلّع الآخوند وإحاطته بمباني أبي حنيفة وغيره من أئمة السنّة.

ثم عمد الشيخ الآخوند إلى نقض أدلّة أبي حنيفة وإبطال مبناه بحيث أذعن شيخ الإسلام بذلك، ثم طرح الآخوند القول الفصل في هذا المجال وهو رأي أستاذه الشيخ الأنصاري بأن النهي في الوجوب والحرمة دليل على فساد ذلك الحكم.

وعندما انتهى الآخوند إلى هنا قال: الظاهر أن القادم هو شيخ الإسلام العثماني واحتراماً لمقدمه أنزل عن المنبر ليفيض علينا من علومه.

ولم يكن من شيخ الإسلامي العثماني الذي انبهر بمعلومات الشيخ الآخوند وسعة إطلاعه وإحاطته العلمية وقوّة بيانه وحسن تقريره إلاّ أن امتنع من تلبية مطلب الشيخ واكتفى بمجرّد الحديث إلى الشيخ بعض الوقت، انصرف بعده إلى بلده وهو يلهج بذكر الشيخ بين أهله.

 الفهرس