تهجدات في الليل
(3)
ارتقاءٌ وارتفاع
من يرتقي سُلم الكمالات الروحية ويرتفع نحو المعارف السماوية يرى الدنيا حوله صغيرة. أما جربت ذلك في صورته المادية حينما تنظر إلى الأرض من نافذة الطائرة؟!
كان آية الله السيد محمد كاظم المدرسي (قدس سره) واحداً ممن شملته العناية الإلهية في ارتقائه الروحي وارتفاعه السماوي، لقد عرفُته من قرب بعض الشيء وكان يأبى أن تظهر لأحد أسراره العبادية وملكاته العرفانية، ولكني لمست من زهده العجيب وتواضعه وتسامحه والمواضبة على إخفاء عباداته بعض رشحاتها ومن باب الأثر يدلّ على المؤثر، فقد كنت أسمع كثيراً عن تهجّده في آناء الليل، وذات مرة وفي ليلة من ليالي شهر شعبان عام (1414 هـ) - أي قبل وفاته بشهرين تقريباً - نِمتُ بداره في مدينة قم إذ كنت قادماً من مشهد المقدسة زائراً، قمت في منتصف الليل قاصداً حرم السيدة فاطمة المعصومة (عليها السلام) فشعرت أن السيد يصلي في زاوية من ساحة الدار جانب سريره الخشبي القديم، مكثت لحظات على السُلم لاستمع إلى مناجاته مع الله تعالى ولكني فوجئت به في الظلام ينادي: مَن على السلم هناك؟
علماً أن السلم يقع في الخلف من مكان صلاته بمسافة ستّة أمتار تقريباً. فاضطررتُ أن أقول: أنا يا (آغا جان) - وهو الاسم العائلي للسيد -، ولما نزلت قال إلى أين تذهب؟
قلت: إلى الحرم.
قال: لا تنساني من الدعاء.
قلت: ومثلك يا سيد يسألني الدعاء فأنا أحوج إلى دعاك. ودّعته ولم أتمكّن من اكتشاف حتى دقائق من بعض ليلته تلك، وسمعت من أكثر مقرّبيه إنه كان شديد الحرص على كتمان عباداته الخاصة وحالاته المعنوية.
يقول أهله: منذ سنوات طويلة لم تكن تفوته صلاة الليل أبداً، وحتى آخر ليلة من حياته قام للتهجد وهو في غرفة (العناية القصوى) في المستشفى بطهران، نقل لي ابن أختي الأخ الكريم حسن أحمد (دام عزه) إذ كان مع المرحوم في المستشفى تلك الليلة قال: إنه طلب مني ساعة، قلت له: ما حاجتك إليها وأنت في هذه الحالة؟!
قال: هذه ليلة هامّة جداً، أريد معرفة ساعاتها. فأعطيته ساعتي وتبيّن أنه كان يريد قيام الليل للتهجد والعبادة.
ولقد قال طبيبه أنه في تلك الليلة سمع السيد حينما كان يسبغ الوضوء لصلاة الليل يخاطب نفسه قائلاً: (يا كاظم كفاك هذا العمر، لا تخف إنه الطريق الذي سلكه الآخرون، يا كاظم فهذه ليلتك الأخيرة، قوِّ إيمانك بالله ولا تخف...).
وهكذا جاءته المنيّة مستبشراً برحلته الأبدية إلى نعيم الجنة وهو في حال قنوت صلاة الصبح صلاة الفجر.
يقول ولده الأكبر سماحة آية الله السيد محمد تقي المدرسي تلك الليلة رجعنا إلى البيت في ساعة متأخرة وكنا مرهقين فصلّيتُ صلاة الصبح مع الأذان وكنت بعدها في غفوة وكأني أسمع هاتفاً يقول: محمد كاظم المدرسي ذهب إلى جنان الله.
ولما اتصلوا بي من المستشفى وأخبروني أن والدك انتقل إلى رحمة الله. سألتهم متى؟
قالوا: قبل نصف ساعة. يعني وقت سماعي ذلك الهتاف كان هو لحظات عروج روحه الكبيرة، سبحان الله.