المرجعية والتقليد
(9)
لا للنارجيلة لا للاستعمار
وافقت حكومة الشاه ناصر الدين القاجار سنة (1312) الهجرية، على منح امتياز زراعة وتجارة التبغ في إيران للشركة البريطانية، وهذه كانت بوابة لدخول الاستعمار في بلاد الإسلام وفرض الهيمنة السياسية والاقتصادية والثقافية أيضاً على المسلمين في إيران، وبالتالي في غيرها من بلدان المنطقة.
فلم يمض على توقيع هذه المعاهدة الاستعمارية الخطيرة وقت طويل حتى شاع بين الناس إن الميرزا الشيرازي قد أفتى بتحريم التدخين وإن كان صورة الفتوى لم تنشر بعد بين الناس نظراً لعدم وجود وسائل إعلام سريعة بين مدينة سامراء في العراق وبلاد إيران في ذلك العهد، وعلى الأثر ترك جميع أفراد الشعب الإيراني التدخين وكُسرت كُل نارجيلة وكل آلة تستعمل للتدخين حتى إن نساء وخادمات القصر الملكي في طهران كسرن كل نارجيلة وجدت في زوايا القصر (النارجيلة كانت آلة التدخين في إيران آنذاك وكانت تستعمل على نطاق واسع) وقد حدث كل ذلك في فترة قصيرة والشاه لا يعلم بما حصل، فطلب من خادمه المُقرّب إليه أن يُعدّ له نارجيلةً حسب الأصول وأن يأتيها إليه، فذهب الخادم وعاد دون أن يأتي بنارجيلة، فأمره الشاه بإحضارها فذهب وعاد بدونها، حتى فعل ذلك ثلاث مرات، وفي المرة الثالثة غضب الشاه ونهره بشدةٍ فأجابه الخادم بالقول: عفواً سيدي لم تبق في القصر نارجيلة واحدة إلا وكسرتها السيدات وهنّ يقلن: إن الميرزا الشيرازي قد حرّم التدخين.
وحُكي أن بعض الفسقة كانوا جالسين في إحدى المقاهي فعندما سمعوا أن الميرزا الشيرازي قد حرّم التدخين قاموا على التو بكسر وتحطيم نارجيلاتهم، فقال لهم بعض الجالسين في المقهى: أنتم ترتكبون كل منكر ولا تتورعون عن فعل المُحرّم وكيف والحالة هذه تمتثلون لفتوى الشيرازي وتمتنعون عن التدخين وتكسرون آلته، إن هذا الأمر مستغرب منكم، فقالوا إننا نفعل المعاصي ولنا أمل بالرسول وآل بيته أن يشفعوا لنا إلى الله سبحانه وتعالى ويطلبوا لنا غفران ذنوبنا، والميرزا الشيرازي اليوم هو نائبهم وحامي شرعهم ومُؤدّيه إلى الناس فنحن نأمل أن يشفع لنا عندهم فإذا أغضبناه فمن الذي يشفع لنا ويسأل من الله غفران ذنوبنا؟
إن هذا الكلام البسيط يبرهن لنا كيف أن فتاوى الميرزا الشيرازي كانت تترك تأثيراً عميقاً وعلى أوسع نطاق سواء في الوسط الشعبي أو في الأوساط السياسية الحاكمة.
وهكذا ترك الملايين من مواطني إيران آنذاك التدخين عملاً بفتوى الميرزا الشيرازي فاضطر الشاه إلى فسخ الامتياز مع الشركة الإنجليزية ودفع ما خسرته بسبب ذلك، وقد تكون فتوى الشيرازي قد تسببت في خسارة الحكومة الإيرانية في حينه لكنها صانت بلاد الإسلام من تغلغل النفوذ الأجنبي ومن الاحتكارات الاستعمارية التي لو انتصرت بحصولها على امتياز التبغ والتنباك في إيران لتمادت في امتصاص خيرات بلاد الإسلام ولفرضت بالتدريج هيمنتها وسلطاتها على مقدرات الإسلام والمسلمين، ومن هنا كانت فتوى الميرزا الشيرازي نابعة عن تبصر وبُعدِ نظرٍ وحرصٍ شديد على صيانة أرض الإسلام وحماية مصالح المسلمين بوجه أطماع الأجانب.