المرجعية والتقليد
(3)
آفةُ المرجعيّة
القصة التالية من القصص الدالة على قوة التقوى في الغلبة على الهوى، حيث لا يخلو منه أحد حتى العلماء الأتقياء، لذلك جاء في القرآن الكريم: (لا أُبرِء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي).
والرحمة الربانية تكون من نصيب الذين يمارسون التقوى بيقظة روح.
نقل الشهيد الورع الشيخ القدوسي (رحمه الله)، عن الشيخ مرتضى الحائري، عن والده المرحوم آية الله العظمى الشيخ عبد الكريم الحائري: إن أستاذه الورع المرحوم آية الله العظمى السيد محمد فشاركي - وهو من أفاضل تلامذة المجدّد الشيرازي الكبير (قائد ثورة التبغ المعروفة في إيران سنة 1920 م)- قال إنه في الليلة التي انتقل فيها المجدد الشيرازي إلى رحمة الله تعالى، ذهبتُ إلى المنزل وشعرتُ في داخل قلبي بالنشاط والحيويّة!
تأملتُ في زوايا نفسي، فلم أعثر على سبب لهذه الحيوية والنشاط القلبي.. كيف يكون هذا والحال إني في عزاء رجل عظيم كالمجدد الشيرازي، أستاذي ومعلمي الذي ربّاني.
فقد كان فقده أليماً على قلبي وقلوب المؤمنين، ما لي أجد في قلبي هذه الذرات من الحيوية والنشاط. إن المجدد الشيرازي هو قمة في العظمة، إذ جمع في شخصيته الرسالية (العلم) و(التقوى) و(الفطنة) و(الذكاء) ومثله نادر جداً في مراجع الدين، وإلى جانب ذلك كان في الفهم السياسي للأحداث إنساناً متميزاً ذا حواس جامع وذاكرة قوية وصفات متميزة أخرى. ولقد خسر العالم الإسلامي قائداً مثل هذا المرجع، فلِم تداخلني البهجة القلبية؟
جلستُ أتدبر حالي وأتأمل في نفسي، ما الذي تغيّر فيّ؟ أين العطب الروحي الحاصل عندي؟!
بعد هذه التأملات، قلتُ لنفسي.. لعلك تفكر في الزعامة والمرجعية التي ترثها بعد أستاذك؟!
نعم إن المرحوم آية الله السيد محمد فشاركي الذي كان مرشحاً للمرجعية العليا بعد وفاة أستاذه توصّل إلى هذا الاحتمال بأن استلامه للزعامة المرجعية قد يكون السبب في ذلك النشاط السارّ الذي شعره في قلبه. فخرج من المنزل إلى الحرم الشريف وتوسل حتى الصباح بأمير المؤمنين وأسوة المتقين الإمام علي (عليه السلام) أن يبعد عنه (آفة المرجعية) مادام قلبه مال إليها.
وهكذا رفض السيد محمد الفشاركي أن يتسلّم الزعامة، في محاولة منه لتأديب نفسه والمزيد من ترويضها، ولإنقاذ المرجعية من خطر الهوى وحبّ الأنا.