(19)

الفارسُ المُنقِذ

لقد تشرفتُ - مع بعض أصدقائي الطلبة البحرانيين - في حوزة النجف الأشرف بحضور دروس الإخلاص الخاصة عند المرجع الديني الورع سماحة آية الله العظمى المرحوم السيد عبد الأعلى السبزواري (أعلى الله مقامه).

وذات مرة ذكر لنا القصة التالية عن نفسه لما كان في الأربعين من عمره الشريف، قال:

لقد خرجنا مع قافلة الحاج السيد إسماعيل حبل المتين في حافلة باص من إيران، قاصدين حج بيت الله الحرام، ولما دخلنا الأراضي الصحراوية للجزيرة العربية، ضلّ السائق طريق مكة المكرمة، وأخذ يضرب يمنةً ويُسرة من دون جدوى، حتى نفذ وقود محرّك السيارة (الماكنة).. فنزلنا منها بحال يُرثى لها، ألقينا النظر على ما حولنا فلم نجد سوى صحراء قاحلة، ولا أثر لذي حياة ولا دابة ولا جادة.

مضت ساعات ونفذ الماء وانتهى الطعام أيضاً، وأخذ أملنا في النجاة يضعف تدريجياً ويخمد.. إنها كانت لحظات في منتهى الرعب وفي غاية من القساوة.. إذ كان شبح الموت يدنو إلينا بخطاه الموحشة.

البعض ممدّد، قد سلم أمره إلى الله.. والبعض الآخر منطو على نفسه يائس من الحياة وهو يفكر في أهله وماله الذي خلّفه في وطنه، وقام بعض منا يحفر قبراً لنفسه ليرقد فيه لدى اللحظة الأخيرة.

يقول السيد السبزواري (رحمه الله): وأما أنا فأخذت في هذه الساعة أبحث عن نافذة للهروب منها إلى الحياة وإنقاذ هؤلاء الأشخاص أيضاً. وليس هناك طريق سوى الهروب إلى واهب الحياة وخالقنا القوي المتعال.

وبينما كنت أتأمل في هذه الحال وإذا بي أتذكر القيام بصلاة جعفر الطيار والتوسل بها إلى الله تعالى.

أخذتُ سجادتي وابتعدتُ قليلاً، حتى صرتُ لا أرى أمامي أحداً يشغلني عن التوجه إلى الله عز وجل.

والمعروف أن صلاة جعفر الطيار رغم أنها ركعتان، إلا أنها طويلة من حيث الأدعية الخاصة بها، ولكنها مؤكدة الاستجابة إن اجتمعتْ معها بقية شروط الاستجابة.

ولمّا أصبحتُ على وشك الانتهاء منها، سمعتُ أحد الركّاب يناديني: أسرع يا سيد، تعال فإننا ننتظرك أنت فقط! نظرت إلى الوراء، فرأيت أصحابي كلهم جالسين في السيارة، مستعدين للحركة.

جئت، فوجدتُ كل شيء جاهزاً، وماكنة السيارة تشتغل!

قلت: ما الذي حدث؟

قالوا: إن فارساً جاء، فأطعمنا وأروانا، وأمر السائق بتشغيل السيارة، فاشتغلتْ كما ترى، ثم أشار بيده إلى تلك الجهة، وقال: إنها طريق مكة المكرمة، ولما أراد الرحيل قال نادوا السيد وبلّغوه سلامي!

وهكذا تحرّكنا على ذات الاتجاه المشار إليه فوصلنا إلى مكة المكرمة سالمين. فسلام الله عليه وتحياته وصلواته روحي لتراب مقدمه الفدى.

إنه كان سيدي ومولاي الحجة بن الحسن المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف).

ذلك الفارس المنقذ، القائم من آل محمد الذي يملؤ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن مُلئتْ ظلماً وجوراً، جعلنا الله وإياكم من أنصاره الأوفياء والمستشهدين بين يديه.

 

 الفهرس