المبررات الشرعية
للصمود والتضحية:
ربما يتساءل البعض ان الشيعة تجيز
التقية، فلماذا لم يستخدم حجر و أصحابه
التقية، حفاظاً على حياتهم، ولماذا صمدوا في
موقفهم المعارض الى حد التضحية بأرواحهم؟
واننا وان كنا لانجرؤ على تحديد رايهم
وموقفهم، لانهم اعرف منا واكثر علماً بالحكم
الشرعي والواقع الموضوعي، ولكننا نطرح بعض
الاراء التي ربما سلطّت الضوء على شرعية
الصمود والتضحية في بعض المواقف ودوافعها
وآثارها، ولعل البعض منها تجسد في موقف حجر
وامثاله من الموالين والمؤمنين الحقيقيين
عبر التاريخ الطويل. وذلك خلال ذكر اربعة
مبررات:
1 ـ قسمت التقية الى تقية واجبة، وتقية
محرمة، وتقية جائزة. ومثل السيد الخوئي في
التنقيح للتقية المحرمة بموردين احدهما: كما
إذا اجبره الجائر بقتل النفس المحترمة فانه
لا يجوز له ان يقتلها تقية، لما دل على ان
التقية انما شرعت لحقن الدماء فإذا بلغت
التقية الدم فلا تقية، فإذا مثلها تقية ارتكب
محرماً ذاتيا لا محالة.
والثاني: كما إذا كانت المفسدة على فعل
التقية اشد واعظم من المفسدة المترتبة على
تركها، أو كانت المصلحة في ترك التقية اعظم من
المصلحة المترتبة على فعلها، كما إذا علم
بانه ان عمل بالتقية ترتب عليه اضمحلال الحق
واندراس الدين الحنيف وظهور الباطل وترويج
الجبت والطاغوت، وإذا ترك التقية ترتب عليه
قتله فقط أو قتله مع جماعة آخرين، ولا اشكال
حينئذ في ان الواجب ترك العمل بالتقية وتوطين
النفس للقتل، لان المفسدة الناشئة عن التقية
اعظم واشد من مفسدة قتله، نعم ربما تكون
المفسدة في قتله اعظم واكثر كما إذا كان
العامل بالتقية ممن يترتب على حياته ترويج
الحق بعد الاندراس، وانجاء المؤمنين من المحن
بعد الابتلاء ونحو ذلك، ولكنه امر آخر
والتقية بما هي تقية متصفة بالحرمة في تلك
الصورة كما عرفت، ولعله من هنا اقدم الحسين
سلام الله وصلواته عليه واصحابه رضوان الله
عليهم لقتال يزيد بن معاوية وعرضوا انفسهم
للشهادة وتركوا التقية عن يزيد، وكذا بعض
اصحاب امير المؤمنين(عليه السلام) بل بعض
علمائنا الابرار قدس الله ارواحهم وجزاهم عن
الاسلام خيراً كالشهيدين وغيرهما)[204].
وسنذكر في المبرر الثالث للتضحية بما
له علاقة بهذا القسم من التقية.
ومن موارد (جواز) التقية، ما لو فرض على
المؤمن سب الامام(عليه السلام)فهناك بعض
الروايات عن ائمتنا تجيز التقية، والسب.
ولكنها لا توجبه وتلزمه، فيجوز للمؤمن السب
تقية، كما يجوز له عدم السب وأن يبقى صامداً،
وإن تعرض للتعذيب والشهادة، وربما كان أعلى
درجة ومقاماً من الاول، لان خير الامور
أحمزها واشقها.
ونذكر هنا بعض هذه الروايات:
(عن عبد الله بن عطا قال: قلت لابي جعفر(عليه
السلام): رجلان من أهل الكوفة اُخذا فقيل لهما:
ابرآ من أمير المؤمنين(عليه السلام)، فبرئ
واحد منهما، وأبى الاخر، فخلّي سبيل الذي برئ
وقتل الاخر، فقال: «أما الذي برئ فرجل فقيه في
دينه، وأما الذي لم يبرأ فرجل تعجّل الى الجنة» )[205].
إذن، فكلا الرجلين عمل عملاً مشروعاً
يثاب عليه، والمراد من البراءة هنا، هي
البراءة باللسان فحسب، لا في الاعتقاد القلبي
كما هو واضح، فالمراد من البراءة في هذه
الرواية أن تشمل السب باللسان أيضاً دون أن
تسري إلى القلب، إضافة إلى أن الاعتقاد
القلبي لا يقبل الاكراه.
وقال أمير المؤمنين(عليه السلام): «ستدعون
إلى سبي فسبوني، وتدعون إلى البراءة مني
فمدوا الرقاب، فإني على الفطرة»[206].
ولعل المراد من البراءة هنا هي
البراءة في الاعتقاد القلبي، بأن يتبرأ
الانسان اعتقادا عن الولاء للامام(عليه
السلام)، وهذا يعني الخروج عن الاسلام. وأما
السب فهو ما كان باللسان فحسب، وهذا ما أجازه
الامام(عليه السلام)، وأما البراءة
الاعتقادية القلبية فلم يجزها، لانها تعني
الخروج عن الاسلام.
ومن هذه الروايات، ما رواه الكشي
باسناده عن حجر بن عدي قال: «قال علي(عليه
السلام): كيف تصنع انت إذا ضربت وامرت بلعني،
قال: قلت له: كيف اصنع؟ قال: العنّي ولا تبرأ
مني فأني على دين الله)[207].
وقد وردت بهذا المعنى عدة روايات،
تفرق بين السب واللعن فيجوز، والبراءة فلا
تجوز، وقد ذكر العلماء بعض الاراء في الفرق
بين البراءة والسب واللعن، تعرض لها الشيخ
المجلسي في مرآة العقول منها (... واقول: الجمع
بين تلك الروايات في غاية الاشكال، ويمكن
الجمع بينها بحمل البراءة المنهي عنها على
البراءة القلبية، والمجوزة على اللفظية)[208].
وبهذا الجمع أيضاً يجمع بين الروايات
التي تدل على جواز البراءة فتحمل على البراءة
اللفظية، والروايات التي تدل على عدم جواز
البراءة حيث تحمل على البراءة القلبية، وهناك
آراء اخرى في الجمع بين هذه الروايات ذكرتها
بعض الكتب ومنها مرآة العقول.
وفي هامش البحار (ولا يخفى انه لا
يستفاد من الرواية جواز التبرؤ مطلقاً عند
التقية، فإن التبرؤ اعم من القلب واللسان،
والتبرؤ بالقلب لا يجوز، بل ولا يجبر الانسان
بالامر القلبي اصلاً، واما التبرؤ باللسان
دون القلب فعند التقية يجوز، وبما ذكرنا يجمع
بين روايات الباب الناظرة الى جواز السب
والتبرؤ وعدم جوازهما)[209].
وفي التنقيح، يذكر، من موارد جواز
التقية، ما إذا اكره على التبرؤ من أمير
المؤمنين(عليه السلام)، فقد ورد في عدة من
الاخبار من الامر بمد الاعناق والنهي عن
التبرؤ منه، ثم يذكر الروايات، التي ذكرنا
بعضها في هذا المجال، ويناقش بعض الروايات
التي يستفاد منها وجوب التقية أو ترجيحها في
هذا المجال، واخيراً يقول (وعليه فالاخبار
انما تدلنا على الجواز في كل من التقية باظهار
التبرؤ منه(عليه السلام) باللسان وتركها
باختيار القتل ومد الاعناق)[210].
ويذكر: ان بعض الروايات يستفاد منها
وجوب ترك التقية، واختيار القتل، ولكن
يناقشها ان الامر فيها باختيار القتل، في
مقام توهم الحضر، فلا تدل على الوجوب[211].
ثم يذكر رواية ربما استفاد منها البعض
وجوب التقية أو ارجحيتها ولكن يناقش هذا
التفسير، بما يلقي الضوء على هذا الموضوع:
والرواية هي (ما رواه محمد بن مروان
قال: قال لي أبو عبدالله(عليه السلام)ما منع
ميثم(رحمه الله) من التقية، فوالله لقد علم ان
هذه الاية نزلت في عمار واصحابه: إلاّ من اكره
وقلبه مطمئن بالايمان).
وذكر في تفسير الرواية (لابدّ من قراءة
كلمة منع) مجهولة ومبنية للمفعول، هكذا (ما
منع ميثم) أي لم تكن التقية ممنوعة وغير سائغة
في حقه، بل كانت مرخصة بالنسبة إليه، وهو
أيضاً كان عالماً بجوازها ومع ذلك اختار
القتل باختياره، إذاً فلا يستفاد منها توبيخ
ميثم على عمله، بل معناها احد امرين:
احدهما: ان تكون هذه الجملة (ما منع
ميثم) دفعاً للاعتراض على ميثم بانه لماذا
اختار القتل ولم يتق وهل كان ممنوعاً من
التقية، فاجاب(عليه السلام) عن ذلك بانه ما
كان ممنوعاً عن التقية، وانما اختار القتل
لتساوي التقية وتركها في الرجحان عند الله
سبحانه، وحينئذ لا يستفاد منها مدح ميثم ولا
قدحه.
وثانيهما: ان تكون الجملة دالة على مدح
ميثم وانه مع علمه بالحال وان التقية جائزة في
حقه قد اختار القتل لعدم طيب نفسه بالتبرؤ من
سيده ومولاه ولو بحسب الظاهر واللسان لقوة
ايمانه وشدة حبه وعلاقته بمولاه(عليه السلام).
إذن تكون الرواية دالة على مدحه رضوان
الله عليه. وعلى كل لا يستفاد منها ارجحية
التقية عن القتل.
ويحتمل ان يكون الوجه في اختيار ميثم
القتل على التقية هو علمه بانتفاء موضوع
التقية في حقه لانه كان يقتل على كل حال
لمعروفيته بالولاء واشتهاره بالتشيع
والاخلاص لامير المؤمنين صلوات الله عليه.
وعلى الجملة: فالرواية اما ان تدلنا
على ارجحية القتل من التقية، واما ان تدل على
تساوي التعرض للقتل والتقية، واما ان التقية
بالتبري منه(عليه السلام)ارجح من التعرض
للقتل فلا يكاد يستفاد من الرواية بوجه
فالحكم بارجحية التقية من القتل في نهاية
الاشكال)[212].
ولعل ما يدل على سمو الصابر عن السب
والبراءة، ومواجهة القتل في هذا السبيل ما
روي عن ميثم قال: «دعاني أمير المؤمنين علي بن
ابي طالب(عليه السلام)وقال: كيف أنت يا ميثم
إذا دعاك دعي بني أمية عبيد الله بن زياد إلى
البراءة مني؟ فقلت: يا أمير المؤمنين أنا
والله لا أبرأ منك؟ إذاً والله يقتلك ويصلبك،
قلت: اصبر فذاك في الله قليل فقال: يا مثيم
إذاً تكون معي في درجتي».
وقد ذكرنا أن البراءة تستعمل أيضاً في
السب والبراءة اللسانية فحسب، ولعل المراد من
البراءة في حديث ميثم هو هذا المعنى.
وربما يجوز للمسلم ان يظهر كلمة الكفر
بلسانه، ولكنه يسر الايمان في قلبه، كما انه
في مثل هذا الموقف يجوز له الصبر والصمود، فلا
يظهر الكفر على لسانه، وان قتل في هذا السبيل،
كما ورد مثل ذلك في قضية عمار بن ياسر وأبويه،
فإن عماراً اظهر الكفر على لسانه فحسب، وكان
عمله مشروعاً، حيث نزلت فيه الاية الشريفة: (إلاّ
من اُكره وقلبه مطمئن بالايمان)[213]، وهذه
الاية الشريفة من أدلة الشيعة على قولهم
بمشروعية التقية إسلامياً، وأما ياسر وسمية
فقد صبرا وصمدا، فقتلا في سبيل الله، وعجّل
بهما الى الجنة، وعن الامام الصادق(عليه
السلام): أنه ذكر أصحاب الكهف فقال: «لو كلّفكم
قومكم ما كلّفهم قومهم، فقيل له: وما كلّفهم
قومهم؟ فقال: كلّفوهم الشرك بالله العظيم،
فاظهروا لهم الشرك وأسروا الايمان حتى جاءهم
الفرج»[214].
وفي الدر المنثور للسيوطي: «أخرج عبد
الرزاق وابن سعد وابن جرير وابن ابي حاتم وابن
مردويه والحاكم وصححه، والبيهقي في الدلائل
من طريق أبي عبيدة بن محمد بن عمار عن ابيه،
قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر فلم يتركوه
حتى سب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وذكر
آلهتهم بخير، ثم تركوه، فلما أتى رسول الله(صلى
الله عليه وآله وسلم) قال: ما وراءك شيء؟ قال:
شر، ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير،
قال: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئن بالايمان، قال:
إن عادوا فعد، فنزلت: (إلاّ من أكره وقلبه
مطمئن بالايمان) »[215].
إذن، ففي مثل هذه الحالات، والمواقف،
التي يكره فيها المسلم على السب أو اللعن أو
البراءة في اللسان فحسب، يكون مخيراً بين
الفعل تقية والترك وتحمل التعذيب وحتى القتل
والشهادة، ولعل الترك والصبر على البلاء
أولى، لان خير الامور أحمزها، وخاصة فيما لو
كان في صبره وتحمله إعزاز للدين، ونشر لشريعة
سيد المرسلين، ويتاكد هذا الموقف من رؤساء
الدين، حيث يكون إظهار الكفر، أو اللعن والسب
منهم، مما له تأثيره السيئ على الاخرين،
فالاولى لهم الصبر وتحمل التعذيب أو القتل في
هذا السبيل. ولكن يجوز لهم الاستجابة لسانا
وظاهراً لارادة الاعداء.
ذكر في مرآة العقول نقلاً عن بعض
العلماء: «فاما اظهار كلمة الكفر وانكار
الايمان او انكار كلمته مع الخوف على النفس،
مع الامساك عن الاول، واظهار الثانية، فيختلف
الحال فيه، فان كان مظهر الايمان والحجة به
ومنكر الكفر والممتنع من اظهار شعاره في رتبة
من يكون ذلك منه اعزازاً للدين كرؤساء
المسلمين في العلم والدين والعبادة وتنفيذ
الاحكام، فالاولى به اظهار الايمان
والامتناع من كلمة الكفر، فان قتل فهو شهيد،
ويجوز له ما اكره عليه، وان كان من اطراف
الناس وممن لا يؤثر فعله ما اكره عليه
واجتنابه غضاضة في الدين ففرضه مادعي اليه
فليورّ في كلامه ما يخرج به عن الكذب، والا
يحل له ماجاز لمن ذكرناه من رؤساء الملة على
حال»[216].
ولكن الظاهر. وكما يبدو من اقوال بعض
العلماء، ومن بعض الروايات جواز عدم التقية
ايضاً لغير الرؤساء، وكذلك يظهر منها ايضاً
جواز التقية ودفع الضرر والقتل للرؤساء
ايضاً، وان اختلفا في الدرجة، ولكنهما
لايختلفان في الجواز، بل كانت الظروف
الموضوعية التي يشخصها الرؤساء الكبار،
لانهم اعرف من غيرهم بها، وبرأي الشريعة
فيها، تفرض عليهم استخدام التقية فيها بما لا
يجوز فيه لغيرهم. ربما رأوا بان الظروف
الموضوعية، ورأي الشريعة تفرض عليهم عدم
التقية، وعلى كل حال، فالعلماء الابرار هم
اعرف من غيرهم بالموضوع وبالحكم الشرعي.
ويلخص الشهيد الاول اقسام التقية بحسب
الاحكام الخمسة بقوله: «التقية تنقسم بانقسام
الاحكام الخمسة، فالواجب إذا علم أو ظن نزول
الضرر بتركها به أو ببعض المؤمنين والمستحب
إذا كان لا يخاف ضرراً عاجلا أو يخاف ضرراً
سهلاً أو كان تقية في المستحب كالترتيب في
تسبيح الزهراء(عليها السلام)وترك بعض فصول
الاذان، والمكروه التقية في المستحب حيث لا
ضرر عاجلاً ولا آجلاً ويخاف منه الالتباس على
عوام المذهب، والحرام التقية حيث يؤمن الضرر
عاجلاً وآجلاً أو في قتل مسلم، والمباح
التقية في بعض المباحات التي ترجحها العامة
ولا يصل بتركها ضرر»[217]، وما ذكره كان
امثلة لهذه الاقسام. وهناك امثلة اخرى لها كما
ذكرنا بعضها هنا.
ولعل الموقف الذي تعرّض له حجر كان من
هذه المواقف التي يجوز فيها التقية، والسب،
كما يجوز له الصبر، وعدم الاستجابة لارادة
الاعداء، ولكن بما أن موقفه كان فيه إعزاز
للدين، ووقوف بوجه الانحراف الاموي،
والجاهلية التي تحاول العودة مرة اُخرى إلى
المسلمين، وبما أنه كان من رؤساء المسلمين
والشيعة وزعمائهم، كان الاولى به الصمود
والصبر، وإن قتل في هذا السبيل. أو ان موقف حجر
كان من موارد عدم جواز التقية، وذلك لان
اعداءه طلبوا منه البراءة من الامام علي(عليه
السلام) لا مجرد السب واللعن، كما نقلنا ذلك
سابقاً، حين طلب منه رسول معاوية التبرؤ من
الامام علي لا مجرد السب، وقد ذكرت الروايات
عدم جواز التبرؤ من الامام(عليه السلام) ،
وكما طلب الامام(عليه السلام)، من حجر نفسه
عدم التبرؤ منه في الرواية التي رواها حجر
نفسه عن الامام(عليه السلام).
2 ـ يمكن أن نعتبر موقف حجر وجماعته، من
مواقف عدم جدوى التقية وعدم جوازها، لان
حجراً وأصحابه كانوا يعلمون بأنهم مقتولون لا
محالة، فلا جدوى من التقية، أو اظهار البراءة
والسب، فإن النظام الحاكم قد أثبت عدم وفائه
بعهوده، وكم أعطى الامان لافراد، ثم نكّل بهم
أو قتلهم، وكذلك فإن هذا النظام قد صمم على
مطاردة الشيعة، والتنكيل بهم وقتلهم، وخاصة
اقطاب الشيعة، الذين كان لهم تاريخ طويل في
محاربة الطغاة والحكام المنحرفين عن
الاسلام، لذلك كان حجر يعلم بأنه مقتول على كل
حال. ولا جدوى من التقية، وقد ورد في بعض
الروايات منع من التقية في أمثال هذا المواقف:
عن الامام الباقر(عليه السلام) قال: «انما
جعلت التقية ليحقن بها الدم، فاذا بلغ الدم
فليس تقية».
وقد فسّر العلماء هذه الروايات بانه
لو توجه الضرر الى مسلم، في امواله او اعراضه
او نفسه، وكان يمكنه من خلال التقية ان يدفع
الضرر عن نفسه، ويوجهه الى مسلم آخر، بان يقتل
المسلم الاخر ليدفع القتل او الضرر عن نفسه،
فمثل هذه التقية غير جائزة.
ولكن بعض العلماء فسر الروايات
تفسيراً آخر يمكن انطباقه على موقف حجر، قال:
«بل معناه حصول سفك الدم لامحالة ان اتقى او
لم يتق، فكان تشريع التقية لغواً بلا غاية، اذ
بعد ان كان الشخص مقتولاً لا محالة له يكن
للتقية معنىً ومحل، وهذا مما يحكم به العقل
بلا حاجة الى ورود الحديث»[218].
فمعنى هذه الروايات ـ على هذا التفسير
ـ ان الانسان لو علم بانه مقتول لا محالة، فلا
فائدة من استخدام التقية، لان التقية انما
شرعت لدفع القتل او الضرر عن نفسه، فاذا علم
بانه سيصيبه القتل او الضرر فلا جدوى من
التقية.
وقد تعرض هذا التفسير للمناقشة[219].
وعلى كل حال، سواء انطبقت هذه
الروايات على التفسير الثاني، ام لم تنطبق،
فان مما يدركه العقل وجدانا، ويوافقه الشرع
ايضاً، أن الانسان المسلم لو كان يواجه مثل
هذا الموقف، الذي يحدد فيه الحالة التي
يعيشها، وانه لا جدوى من التقية، وانه مقتول
لا محالة، لا تشرع له التقية حينئذ باظهاره
الكفر او البراءة او اللعن، اذ لايدفع بتقيته
هذه القتل او الضرر عن نفسه، اذ فيه دعم
للاعداء بدون جدوى.
اذن، فان حجراً وامثاله من اقطاب
الشيعة، كانوا يعلمون بانهم معرضون للقتل بيد
النظام الحاكم، اذ ان هذا النظام قد صمم على
مطاردة الشيعة الموالين للامام(عليه السلام)
وخاصة اولئك المقربين الابطال من اصحابه،
والذين قاتلوا معه، وقتلوا الكثير من اصحاب
معاوية، وخاصة بعد ممارستهم لمهمة الامر
بالمعروف والنهي عن المنكر، واستنكار اعمال
معاوية، فسوف يقتلهم النظام الحاكم لا محالة،
حتى لو اظهروا اللعن، واستجابوا في الظاهر
لمتطلباته، ولكن هذا النظام الغاشم يعلم
جيداً بان حجراً، وعمرو بن الحمق، ورشيد
الهجري، وصعصعة بن صوحان، وميثماً وامثالهم،
ممن يشكلون خطراً على وجوده، وممن لا
يستسلمون و لايتخلون عن مبادئهم، وولائهم،
وممن يطلبهم معاوية وامثاله بالثأر
والانتقام لمواقفهم الجهادية مع الامام(عليه
السلام)، ولانهم يمثلون زعماء الشيعة. هذه
وغيرها من العوامل تفرض على المسلم الواعي ان
يعلم مسبقاً بانه مقتول لا محالة على ايدي هذا
النظام، وان لا جدوى من التقية.
وقد ذكرنا بعض النصوص والشواهد التي
تدل على تتبع زياد ومعاوية للشيعة وقتلهم،
وقد سار على سيرتهم سائر الخلفاء الامويين بل
العباسيين.
3 ـ ذكر العلماء انه لو تعرضت بيضة
الاسلام وكيانه الى الخطر، فيجب على المسلم
الجهاد، او النهي عن هذا المنكر، حتى لو قتل
في هذا السبيل.
وقد فسر المراد من بيضة الاسلام، التي
تفرض الجهاد والمواجهة: اما المراد منها
الدولة الاسلامية الشرعية الصحيحة، او وجود
المسلمين وحياتهم، او معالم الاسلام ووجوده
ومعتقداته، كما لو تعرضت الحكومة الاسلامية
الشرعية، الى العدو الذي يستهدف القضاء
عليها، او ان المسلمين تعرضوا الى خطر
الابادة، بحيث استهدف الاعداء قتلهم
وابادتهم، او تعرض كيان الاسلام ومعالمه
ومعتقداته ووجوده الى خطر الابادة، او
التحريف، والتشويه، بحيث كان الاعداء
يستهدفون محو الاسلام، او تشويهه وتحريفه،
بحيث يحاولون تغيير الامة نفسياً وعقائدياً،
لينسوا اسلامهم الاصيل، وليتطبعوا على مبادئ
اخرى، او على اسلام محرف ومشوه[220].
ولعله الى ما ذكرنا يشير المحقق القمي
في كتابه جامع الشتات:
(الظاهر ان المراد من الخوف على بيضة
الاسلام الخوف من استئصاله وانقطاعه بالمرة،
ولما كان يحصل انقطاع كل شيء بانقطاع اصله
وانصرافه كاساس الجدار واصل الشجرة، فاريد
بالخوف على بيضة الاسلام الخوف على مابه
قوامه وقيامه، فالمراد ان الكفار يريدون
انصراف الاسلام بانصرام السلطان الذي هو
يمنزلة الرأس لاستلزامه انصرام البدن، ولك ان
تجعل البيضة مأخوذة من الحوزة بمعنى الناحية،
يعني اذا حصل الخوف على ناحية الاسلام
والمسلمين وجانبهم بحيث يخاف انصرامه او
انصرامهم، فيجب الدفاع وان لم يكن باذن
الامام، والحاصل ان المراد من الخوف على بيضة
الاسلام الخوف على استئصاله وانقطاع رسمه،
واما عطف المسلمين على بيضة الاسلام فهو
ايضاً مما يوجب الدفاع وان لم يخف على انصرام
اصل الاسلام اذ قد يكون هجومهم على جماعة خاصة
من المسلمين بدون ارادة انصرام اصل الاسلام)[221].
ويفهم من هذا النص وامثاله، ان الخوف
على بيضة الاسلام له ثلاث مجالات:
1 ـ الخوف على الحكومة الاسلامية،
ويعبر عنه بسلطان المسلمين (أي الخوف من
انصرام هذا السلطان)، حيث يستهدف العدو
الكافر الاطاحة بالحكومة الاسلامية الصحيحة
ليمسك بيده مقدرات المسلمين، ويسيطر على زمام
حكمهم.
2 ـ الخوف على الاسلام نفسه (الخوف على
استئصاله وانقطاع رسمه)، حيث يحاول العدو
الكافر ازالة معالم الاسلام وشعائره
واحكامه، أي الوجود الاسلامي في ذلك المجتمع
ويستخدم في ذلك مختلف الاساليب من الارهاب
والاغراء وغيرهما، من اجل القضاء على الروح
الدينية وهدم معالم الاسلام ومحو آثاره
واحكامه.
3 ـ الخوف على المسلمين انفسهم (إذ قد
يكون هجومهم على جماعة خاصة من المسلمين بدون
ارادة انصرام اصول الاسلام). فيستهدف العدو
الكافر بهجومه ابادة المسلمين انفسهم
وقتلهم، وتشريدهم والتنكيل بهم، وهتك
اعراضهم، وغيرها من الممارسات التي تستهدف
المسلمين انفسهم.
اذن، في مثل هذه الحالات الثلاث التي
تتعرض فيها بيضة الاسلام للخطر، يجب على
المسلم مواجهة هذا الخطر، والجهاد، والنهي عن
المنكر، مهما بذل من تضحيات.
وقد حدد حجر واصحابه الواقع الموضوعي
في تلك المرحلة الزمنية، وان معاوية كان
يحاول اما ابادة الاسلام وازالة كيانه
ومعالمه، او انه يحاول تحريفه وتشويهه،
وتطبيع الامة على اسلام مشوه منحرف، فحددوا
المرحلة بان كيان الاسلام يتعرض فيها الى خطر
الابادة، بفعل الاساليب والممارسات التي
يستخدمها النظام الاموي، من اجل القضاء على
الاسلام الاصيل او تحريفه وتشويهه، ومن اجل
اعادة الجاهلية ومنكراتها، وتقاليدها، وفي
مثل هذه الحالة، يجب الجهاد والنهي عن
المنكر، حتى لو بذلوا الدماء في هذا السبيل،
حتى تثير دماء الشهداء، وصرخات المعذبين،
الخوف في قلوب الاعداء والطغاة، ويردعوهم عن
مواصلة ممارساتهم العدوانية ضد الاسلام
والمسلمين، او التعرض لكيان الاسلام وبيضته،
وكذلك حتى يبعثوا الوعي، والثورة والجرأة، في
قلوب المسلمين، وبالفعل كانت لهذه الدماء
الثائرة الزكية، هذه المعطيات، فانفجرت
الانتفاضات، والثورات، بوجه الحكومات
الظالمة، ودبت الصحوةوالجرأة والثورة في
النفوس، وتزعزعت عروش الطغاة، واحلامهم،
وكانت مبادىء اهل البيت(عليهم السلام)
وقادتهم، وشعاراتهم، وتضحياتهم، وتضحيات
اتباعهم وشيعتهم، هي الفتيل الذي الهب
الجماهير المسلمة، وقد استغلها العباسيون في
تفجير الثورة ضد الحكم الاموي، حين لم تكن
الظروف الموضوعية متوفرة للقادة الحقيقيين،
ائمة اهل البيت(عليهم السلام)من القيام بهذه
الثورات، او قيادتها بانفسهم.
4 ـ الامر بالمعروف والنهي عن المنكر:
وهما من اهم الواجبات الدينية، ويكتسبان
الاهمية من الاثار التي تترتب عليهما. ونحن
نعلم بان الاحكام تابعة للمصالح والمفاسد في
متعلقاتها، فالواجب يكتسب اهميته من مصالحه
والاثار المترتبة عليه، وقد وردت نصوص كثيرة
في معطيات الامر بالمعروف والنهي عن المنكر
بما يؤكد اهميتهما، ومنها، انه يوفر المناخ
الملائم لامتثال سائر الاحكام، ويطهر
المجتمع من عوامل الفتنة والانحراف، وفي بعض
مراحله، وهو النهي باليد جرحاً أو قتلاً،
يردع الشخص العامل بالمنكر وغيره عن ارتكاب
المعصية، وبذلك يتوفر المناخ المناسب لاعمال
الخير واقامة الفرائض والتكامل الفردي
والاجتماعي وتحسين حالة المجتمع اجتماعيا،
ودينياً واخلاقياً واقتصادياً، وغيرها من
الاثار فقد ورد عن المعصومين(عليهم السلام)(ان
الامر بالمعروف والنهي عن المنكر سبيل
الانبياء ومنهاج الصلحاء، فريضة عظيمة بها
تقام الفرائض، وتأمنُ المذاهب وتحلُ المكاسب
وتُردُ المظالم وتعمرُ الارض وينتصفُ من
الاعداء ويستقيمُ الامر)[222].
ونحن لو تأملنا في هذا النص وامثاله
بدقة، لرأيناه حافلاً بالاثار الدنيوية
والاخروية الكثيرة المترتبة على الامر
بالمعروف والنهي عن المنكر، ولعلها آثار
ونتائج طبيعية اضافة للمدد الغيبي الخاص الذي
يفيضه الله تعالى لمن يقوم بهذا الواجب
المهم، وهذه هي التي تمثل الملاكات لهذا
الحكم.
وهذه الاثار تشبه الاثار الايجابية
التي رتبت في النصوص الاسلامية على فعل
الجهاد، والاثار السلبية التي رتبت على تركه،
وقد اشير في نهج البلاغة الى بعض هذه الاثار
السلبية لتركه (فمن تركه ـ اي الجهاد ـ رغبة،
البسه الله ثوب الذل، وشمله البلاء، وديث
بالصغار والقماء، وضرب على قلبه بالاسداد (بالاسهاب)،
وأُديل الحق منه بتضييع الجهاد، وسيم الخسف
ومنع النصف) واما آثاره الايجابية فتشير
النصوص اليها. منها ان الجهاد (درع الله
الحصينة، وجنته الوثيقة) ومنها (جاهدوا
تغنموا) وكذلك (ان الله فرض الجهاد وجعله نصره
وناصره والله ما صلحت دنيا ولا دين الا به).
فان الامة التي تقوم بواجب الامر
بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد، هي امة
قوية يمكنها الحفاظ على نفسها ومبادئها ربما
لا يفكر الاعداء حتى في محاربتها واما غير
القائم بذلك، فلا يمكنها الحفاظ على نفسها
ومبادئها، لذلك ربما تموت في مجاهل التاريخ،
ويستولي الاعداء على مقدراتها، ويقضون على
مبادئها ومن هنا ذكرت الاثار الايجابية لفعل
هذا الواجب والاثار السلبية لتركه.
ودراسة هذه الاثار تحتاج الى بحث اوسع.
ونحن نعلم ان النهي عن المنكر له مراتب
متدرجة، لا ينتقل للمرحلة الاشد إلاّ بعد عدم
تأثير الاضعف، فيبدأ من الانكار القلبي، فان
امكن ردع العامل وتحقيق الاهداف المنشودة من
هذا الواجب بالاعراض والانكار قلباً فيكتفى
به، وإلاّ انتقل للنهي باللسان والكلمة، فان
لم تؤثر هذه المرحلة أيضاً، فينهى عن المنكر
باليد، بضرب العامل بالمنكر أو جرحه، بل حتى
لو توقف على قتله، وفي هذه المرحلة الاخيرة
وهي مرحلة اليد يشترط اذن الحاكم الشرعي،
ويعلله صاحب الجواهر بقوله (... كل ذلك مضافاً
الى ما في جواز ذلك لسائر الناس عدولهم
وفساقهم، من الفساد العظيم، والهرج والمرج
المعلوم عدمه في الشريعة وخصوصاً في مثل هذا
الزمان الذي غلب النفاق فيه على الناس فانهما
ـ الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ انما
وجبا لمصلحة العالم، فلا يقفان على شرط
كغيرهما من المصالح، بعد ما عرفت من اقتضاء
وجوبهما على هذا الوجه فساد نظام العالم)[223].
والنهي عن المنكر باليد بالجرح أو
القتل يتم بصورتين:
1 ـ فيما لو كان الحاكم الشرعي مبسوط
اليد متمكنا من اجراء الحدود، فهنا يعاقب
العامل بالمنكر بالعقوبات المحددة شرعاً.
2 ـ فيما لو لم يمكن اجراء الحدود، بان
لم يكن الحاكم متمكناً من اجرائها، فهنا يقوم
بعض المسلمين العاملين بمحاربة المنكر،
واستئصاله من المجتمع ولو بضرب العامل به،
فيما لو لم تفلح الاساليب الاخرى من الانكار
القلبي واللساني.
وهذا يدل على ان القوة هي العلاج
الاخير الذي يستخدمه الاسلام لمواجهة
الانحراف، وتطهير المجتمع منه حيث لا تثمر
الاساليب الاخرى.
وتدل على المراحل الثلاث للنهي عن
المنكر نصوص عديدة، (عن عبد الرحمن بن ابي
ليلى، قال: اني سمعت علياً(عليه السلام) يوم
لقينا أهل الشام يقول: ايها المؤمنون انه من
رأى عدوانا يعمل به ومنكراً يدعى إليه،
فانكره بقلبه فقد سلم، ومن انكره بلسانه فقد
اُجر، وهو افضل من صاحبه، ومن انكره بالسيف
لتكون كلمة الله العليا وكلمة الظالمين
السفلى فذلك اصاب سبيل الهدى، وقام على
الطريق ونور في قلبه اليقين).
(وعن الامام الباقر(عليه السلام):
فانكروا بقلوبكم، والفظوا بالسنتكم وصكوا
بها جباههم، ولا تخافوا في الله لومة لائم،
فان اتعظوا والى الحق رجعوا فلا سبيل عليهم،
انما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون
في الارض بغير الحق، اولئك لهم عذاب اليم،
هنالك فجاهدوهم بابدانكم، وابغضوهم بقلوبكم
غير طالبين سلطانا، ولا باغين به مالاً،
ولامريدين بالظلم ظفراً، حتى يفيئوا الى امر
الله، ويمضوا على طاعته)[224].
وقد ذكر العلماء: ان من شروط النهي عن
المنكر عدم خوف الضرر بالنسبة للقائم بعملية
النهي عن المنكر.
ولكن الملاحظ ان الفقهاء فرقوا بين ما
لو لم يكن المنكر ضرراً كبيراً على كيان
الاسلام والمسلمين، فلا يجب النهي عن المنكر
فيما لو خاف ترتب الضرر عليه، أو على غيره من
المسلمين، واما لو كان للمنكر ضرر كبير كما لو
تهدد بيضة الاسلام وكيان المسلمين، فهنا يلزم
النهي عنه حتى لو لزم منه الضرر على القائم
بالنهي ولكن فيما إذا احرز تأثير عمله في هذا
المجال.
فقد ذكروا في شروط النهي عن المنكر (ان
لا يلزم من الامر بالمعروف والنهي عن المنكر
ضرر على النفس أو في العرض أو في المال على
الامر أو على غيره من المسلمين، فإذا لزم
الضرر عليه أو على غيره من المسلمين لم يجب،
والظاهر انه لا فرق بين العلم بلزوم الضرر
والظن به والاحتمال المعتد به عند العقلاء
الموجب لصدق الخوف، هذا فيما إذا لم يحرز
تأثير الامر أو النهي واما إذا احرز ذلك فلابد
من رعاية الاهمية، فقد يجب الامر بالمعروف
والنهي عن المنكر مع العلم بترتب الضرر أيضاً
فضلاً عن الظن به أو احتماله)[225].
ومن هنا ربما جاز أو لزم النهي عن
المنكر حتى لو ترتب الضرر على القائم بعملية
النهي، فيما لو توفرت المبررات الشرعية لذلك،
كما لو كان للمنكر ضرر كبير على بيضة الاسلام
وكيانه، فيما لو احرز تاثير نهيه والضرر الذي
يتعرض له في الدفاع عن بيضة الاسلام، ودفع
المنكر، ومن هنا يلزم الدقة الشرعية في مجال
النهي عن المنكر الذي يترتب عليه الضرر، وان
يكون القائم بعملية النهي عالماً بالاحكام
الشرعية والظروف الموضوعية التي يعيشها ولا
يحق لكل احد وفي أي ظرف كان التصدي لذلك، مع
عدم علمه بمثل هذه الاحكام والظروف.
وربما يعترض على تحمل الضرر في ذلك بان
قاعدة نفي الضرر (لا ضرر ولا ضرار في الاسلام)
تنفي الحكم الذي ينشأ منه الضرر، أو تنفي
الموضوع الضرري، الذي يعني نفي الاحكام
والاثار الشرعية الثابتة للموضوع قبل عروض
الضرر، حيث ينفيها الضرر، فمثلاً الوضوء قبل
عروض الضرر، له حكم الوجوب شرعاً، ولكن بعروض
الضرر من الوضوء، ينتفي هذا الحكم، وهكذا
هنا، انما يجب النهي عن المنكر فيما لو لم
يترتب عليه ضرر، واما لو ترتب الضرر فلا وجوب
للنهي، وهكذا الامر في وجوب الجهاد.
والجواب عن ذلك:
أولاً: ان هذا المورد الذي تتعرض فيه
بيضة الاسلام وكيان المسلمين إلى الخطر، حيث
للمنكر ضرره وله مفسدة بالغة على الاسلام فأن
وجوب دفع الضرر عن الاسلام اهم من دفع الضرر
عن نفسه، فهنا تزاحم بين الضررين، الضرر
الشخصي الذي يتعرض له الشخص القائم بالنهي عن
المنكر، والضرر الكبير الذي تتعرض له بيضة
الاسلام، ولا شك بان الضرر الثاني اهم من
الاول، في وجوب دفعه عن الشريعة، حيث ان
مفسدته اكبر من مفسدة الضرر الشخصي، وفي مقام
التزاحم بين حكمين، يقدم ما كان معلوماً أو
محتمل الاهمية.
ثانياً: بان قاعدة نفي الضرر انما تجري
في غير موارد تعارض الضررين في بعض صوره،
لانها قاعدة امتنانية شرعت امتنانا على
المسلمين، ولا امتنان في دفع الضرر عن شخص
فيما لو ترتب عليه ضرر اهم على نفسه أو على
غيره من المسلمين أو الاسلام نفسه، فيتحدد
جريان القاعدة في حدود توفر الامتنان.
ثالثاً: ذكر العلماء بان قاعدة نفي
الضرر قاعدة ثانوية ناظرة لنفي الاحكام
الثابتة للموضوعات بعناوينها الاولية، وبناء
على تفسير نفي الضرر ببعض التفاسير، حيث ان
القاعدة تنفي الحكم الثابت للموضوع بعنوانه
الاولي، فلو كان للموضوع قبل عروض الضرر حكم
شرعي، فانه بعروض الضرر ينتفي ذلك الحكم،
بمفاد قاعدة نفي الضرر، كما مثلناه في
الوضوء، وكما هو الامر في حديث الرفع، فلو كان
للموضوع قبل عروض الاكراه أو الخطأ عليه حكم
ما، فأنه بعروض الخطأ مثلاً عليه، يرتفع ذلك
الحكم، واما إذا كان الموضوع بنفسه قد اخذ فيه
الخطأ، أي ان الحكم لم يترتب على ذات الفعل
وانما ترتب على الفعل الصادر خطأ، فاخذ الخطأ
في موضوعيته للحكم، كوجوب الدية المترتب على
القتل خطأ، فهنا بحصول الخطأ لا ينتفي وجوب
الدية، لانه بالقتل خطأ يتحقق موضوع هذا
الحكم، وكيف يمكن للحكم ان ينتفي عن موضوعه
ويتخلف عنه، لان الموضوع بالنسبة للحكم مثل
العلة بالنسبة للمعلول، ولا يتخلف المعلول عن
علته، وهكذا الامر في قاعدة نفي الضرر، فانما
تنفي الحكم عن الموضوع الذي لم يؤخذ فيه
الضرر، واما إذا ثبت الحكم للموضوع الضرري،
أي اخذ الضرر في موضوع الحكم، فلا ينتفي
بالقاعدة، كما هو الامر في وجوب الخمس
والزكاة والجهاد، فانه قد اخذ في موضوع هذا
الوجوب الضرر المالي أو البدني، فلا يمكن
القول بعدم الوجوب بحجة التعرض لمثل هذا
الضرر، وربما يقال بذلك في بعض صور الامر
بالمعروف والنهي عن المنكر وانه اخذ في
موضوعها الضرر.
نعم ربما يقال: إن ما ذكر يصح في مثل
وجوب الخمس أو الجهاد حيث لا يمكن تحقق الجهاد
بدون ضرر واما وجوب النهي عن المنكر فقد اخذ
عدم الضرر في موضوعه، فكيف يؤخذ الضرر في
موضوعه.
ولكن يمكن القول: إن بعض صور النهي عن
المنكر هي في واقعها من الجهاد موضوعيا، كما
لو كان المنكر يتهدد بيضة الاسلام، ويجب
دفعه، فان مثل هذه الصورة مما يلازم الضرر
خارجاً، ومن هنا يكتسب النهي عن المنكر في هذا
المورد خصائص الجهاد واحكامه، بالاضافة لما
ذكرناه من وقوع التزاحم في بعض الموارد بين
الضرر الشخصي، والضرر الذي يترتب على الاسلام
والمسلمين.
ومن هنا يمكن تأييد هذه الفكرة
بانطباق بعض صفات الجهاد واهدافه وآثاره على
بعض هذه المواقف، مما يفرض الوقوف بوجه
الانحراف والمنكرات، والمنحرفين، حتى لو
استلزم ذلك تحمل الضرر.
ومثل هذه الفكرة يمكن صدقها على مواقف
بعض المؤمنين الموالين لاهل البيت(عليهم
السلام) في مواجهة اعدائهم، اعداء الاسلام
الاصيل الذين يريدون اطفاء هذا النور الالهي
لتعيش البشرية في ظلمات الانحراف والسقوط.
وقد ذكرنا معطيات الامر بالمعروف
والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله، حتى
لو استلزم الضرر منه، وذلك بالدفاع عن بيضة
الاسلام وكيان المسلمين ودفع المنكر الشديد
وكذلك الاثار التي استعرضناها في بداية هذا
العامل.
واما آثار الضرر الذي يتعرض له القائم
بعملية الامر بالمعروف والنهي عن المنكر من
الاضطهاد، والجرح بل وحتى القتل والشهادة
فلها آثارها الكبيرة في الدنيا والاخرة، ذكرت
الروايات الشريفة الكثير من هذه الاثار.
فمن المسلمات في الشريعة الاسلامية (ان
افضل الاعمال احمزها) فكلما كان العمل اكثر
مشقة، كان اكثر فضيلة وثوابا لانه يدل على ان
صاحبه اكثر تعلقاً بمحبوبه بحيث يكون مستعداً
للمشقة والتضحية براحته في سبيله، وكلما كان
العمل اكثر مشقة كان اكثر تأثيراً في تكامل
الانسان، ولكن يجب ان نعلم ان الضرر الذي
يصيبه لا يعد ضرراً تجاه المنافع الكبيرة
التي تترتب على متاعبه.
واما آثاره الاخروية فهي كثيرة وخاصة
للشهيد في هذا السبيل، وقد ذكرت في الروايات،
يضيق المجال لو تعرضنا لها، منها (عن الامام
الصادق(عليه السلام): من قتل في سبيل الله لم
يعرفه الله شيئاً من سيئاته) وغيرها[226]، وفي
الروايات ما يدل على ان له منزلة سامية في
الاخرة، وهي تدل على ما وصل إليه في الدنيا من
سمو ومكانة، حيث ان المقام في الاخرة، يعبر عن
مستوى الانسان ايمانيا في الدنيا.
اضافة إلى بعض آثار هذا الضرر في
الدنيا وخاصة الشهادة في سبيل الله إذا كانت
لها مبرراتها الشرعية، حيث انها تخيف
الاعداء، وتبعث روح التضحية والوعي في قلوب
الانصار، وتحافظ على المبدأ والامة، فانها
تخيف الاعداء وتؤرقهم بوجود امثال هؤلاء
الذين يستعدون للتضحية في سبيل مبادئهم
والوقوف في وجوههم، ومقاومتهم.
وتبعث روح الوعي في نفوس الانصار: لان
الاخرين يدركون ان هناك من هو أكثر اهمية،
واعتباراً وربما اكثر توفراً على المكتسبات
الدنيوية وانضر شبابا، قد ضحى في سبيل
المبدأ، فيقتنع بان المبدأ اغلى من كل شيء،
وبذلك يزول الشعور بالخوف من النفوس بالاضافة
الى انه يكسر حاجز الخوف النفسي والاجتماعي
من قوى الطواغيت واساليبها حتى يرى تحدي
المؤمنين لها، وتزعزع الظلمة من مواجهتهم.
ولو كان الاعداء كما يدّعون حقاً
ملتزمين المبادئ الحق والعدالة والاسلام،
اذن لماذا طاردوا هؤلاء الذين لا يطالبون
إلاّ بالحق والعدالة والاسلام والمبادئ
الخيرة، والفضائل والقيم الانسانية، وهذا ما
يثير الناس اكثر، ويسقط اعتبار الاعداء.
وكلما كان الانحراف اشد، احتاج الى دم
اغلى واكثر اهمية وقداسة لمواجهته، وليكون
اكثر تأثيراً في تحقيق الاهداف التي ينشدها،
لذلك كانت دماء الامام الحسين(عليه السلام)
والموالين الكبار لاهل البيت(عليهم السلام)
كحجر بن عدي اكثر تأثيراً ولو لا هذه الجهود
والتضحيات من الموالين لاهل البيت(عليهم
السلام)خلال التاريخ ربما لضعفت مبادئهم
بتأثير الضربات المتوالية التي وجهت لها عبر
التاريخ، اذن فالذي حافظ على حياة الموالين
ومبادئهم، هو ما تملكه هذه المبادئ من تعاليم
حقة سامية، لانها تمثل الاسلام الاصيل،
وللجهود والتضحيات الكبيرة التي بذلها
انصارها في سبيل الحفاظ عليها والدفاع عنها.
وهناك آثار ومعطيات كثيرة، للامر
بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل
الله، والاضرار والمشاق التي يتحملها القائم
بها، تذكر في النصوص الاسلامية واقوال
العلماء والباحثين يضيق المجال لو تعرضنا
لها، نكتفي بهذا العرض الموجز عنها.
وربما كانت المبررات المذكورة هي
الدافع لحجر، جميعها، او بعضها، وربما كان
الدافع غيرها. والله العالم.
واخيراً يجدر بنا ان نقول: إن ما قام به
حجر و امثاله من المؤمنين، والعلماء والعباد
الابطال، هي حالات موضوعية، وهم اعرف من
غيرهم بالواقع الموضوعي، الذي عاشوه،
وبالموقف الذي يلزم عليهم اتخاذه تجاه تلك
الظروف التي تواجه الاسلام، مع علمنا وعلم
الجميع، بما يملكه هؤلاء من ايمان وعلم،
ووعي، فان لهم مبرراتهم الاسلامية المشروعة
من اتخاذ هذه المواقف.
ويدل على مشروعية تضحيته وحركته ـ
والشواهد كثيرة ـ ثناء الرسول(صلى الله عليه
وآله وسلم)، والامام امير المؤمنين(عليه
السلام) عليه، وعلى حركته وتضحيته، وكذلك
سائر الائمة(عليهم السلام)، وثناء الكثير من
الصحابة والتابعين والعلماء. وقد نقلنا خلال
هذا الكتاب الكثير من هذه الاحاديث والاقوال،
ونكتفي هنا بما قاله الامام علي(عليه السلام)لحجر،
حيث كان الامام(عليه السلام) على فراش
الاحتضار بعد طعن ابن ملجم له، وقد ذكرنا
الخبر بكامله سابقاً، ونذكر هنا ماله علاقة
بهذا الموضوع، بحيث يدل ايضاً على ما ذكرناه
في موضوع التقية. قال الامام(عليه السلام)ـ له
ـ لحجر: «كيف لي بك اذا دعيت الى البراءة مني
فما عساك ان تقول؟ فقال: والله يا امير
المؤمنين، لو قطعت بالسيف اربا اربا، واضرم
لي النار، والقيت فيها، لاثرت ذلك على
البراءة منك. فقال: وفقت لكل خير يا حجر، جزاك
الله خيراً عن اهل بيت نبيك»[227]. |
|
[204] التنقيح في شرح
العروة الوثقى، ج4 ص357، كتاب الطهارة.
[205] وسائل الشيعة 11 / ص476
طبعة دار احياء التراث الاسلامي بيروت ـ
لبنان.
[206] وسائل الشيعة 11 / ص476.
[207] رجال الكشي ص94.
[208] مرآة العقول ج9 ص186.
[209] البحار ج39 ص317.
[210] التنقيح ج4 ص262.
[211] المصدر السابق.
[212] التنقيح ج4 ص365.
[213] النحل / آية 106.
[214] وسائل الشيعة 11 / ص480.
[215] الدر المنثور ج 4 /
ص 132.
[216] مرآة العقول ج 9 / ص
178.
[217] نقلاً عن مرآة
العقول. ج9 ص183.
[218] حاشية المكاسب،
الميرزا علي الايرواني / ص 47.
[219] مصباح الفقاهة ج 1
/ ص 453.
[220] يلاحظ جامع
الشتات ج1 / ص86، وكشف الغطاء ص381.
[221] جامع الشتات ج 1 / ص
84.
[222] وسائل الشيعه ج16 ص119.
[223] جواهر الكلام 21 /
383.
[224] وسائل الشيعة باب
3 من ابواب الامر والنهي حديث 8 ـ 1.
[225] منهاج الصالحين 1 /
352.
[226] يراجع الوسائل ج11
ص9.
[227] البحار ج 42 / ص 290. |
|
|