فهرس الكتاب

مكتبة أصحاب المعصومين(ع)

مكتبة الموقع

 

مرج عذراء :

دفع زياد حجر بن عدي وأصحابه إلى وائل بن حجر الحضرمي، وكثير بن شهاب، وأمرهما أن يسيرا بهم إلى الشام، وبعث زياد الى معاوية كتاباً ارسله مع الركب ونص الكتاب: (بسم الله الرحمن الرحيم لعبد الله معاوية امير المؤمنين من زياد بن ابي سفيان. اما بعد فإن الله قد احسن عند امير المؤمنين البلاء، فكاد له عدوه وكفاه مؤنة من بغى عليه. ان طواغيت من هذه الترابية السبائية رأسهم حجر بن عدي خالفوا امير المؤمنين وفارقوا جماعة المسلمين ونصبوا لنا الحرب، فاظهرنا الله عليهم وامكننا منهم. وقد دعوت خيار اهل المصر واشرافهم وذوي السن والدين منهم فشهدوا عليهم بما رأوا وعملوا. وقد بعثت بهم الى امير المؤمنين وكتبت شهادة صلحاء اهل المصر وخيارهم في اسفل كتابي هذا)، فخرجوا عشية، ـ ولعل السير بهم ليلاً، وتحت ستار الظلام كان خوفاً من إثارة أهل الكوفة لو ساروا بهم في وضح النهار امام عيون الناس ـ وقد حذر البعض زياداً ان هناك من يحاول اعتراض الركب. ففي الطبري: «فاتاه ـ زياد ـ قيس بن الوليد فقال انه قد بلغني ان هؤلاء اذا خرج بهم عرض لهم، فبعث زياد الى الكناسة فابتاع إبلاً صعاباً فشد عليها المحامل، ثم حملهم عليها في الرحبة اول النهار، حتى اذا كان  العشاء قال زياد: فليعرض، فلم يتحرك من الناس احد»، وسار معهم صاحب الشرطة، حتى أخرجهم من الكوفة، فلما انتهوا إلى جبانة عرزم، نظر قبيصة بن ضبيعة العبسي إلى داره، وهي في جبانة عرزم، فاذا بناته مشرفات، فقال لوائل وكثير: ائذنا لي فأوصي أهلي، فأذنا له، فلما دنا منهن وهن يبكين، سكت عنهن ساعة، ثم قال: اسكتن، فسكتن، فقال: اتقين الله عزوجل، واصبرن، فإني أرجو من ربي في وجهي هذا إحدى الحسنيين، إما الشهادة وهي السعادة، واما الانصراف اليكن في عافية، وإن الذي رزقكن ويكفيني مؤونتكن هو الله تعالى، وهو حي لايموت، ارجو أن لا يضيعكن، وان يحفظني فيكن، ثم انصرف فمر بقومه، فجعل القوم يدعون الله له بالعافية.

فساروا حتى انتهوا بهم إلى مرج عذراء عند دمشق، وهم اثنا عشر رجلا، حجر بن عدي، الارقم بن عبدالله، شريك بن شداد، صيفي بن فسيل، قبيضة بن ضبيعة، كريم بن عفيف، عاصم بن عوف، ورقاء بن سُميّ، كدام بن حيان، عبدالرحمن بن حسان، محرز بن شهاب، عبدالله بن حويّة، واتبعهم زياد برجلين مع عامر بن الاسود، فتموا اربعة عشر رجلا، حبسوا بمرج عذراء.

وقد عفا معاوية، بعد الحاح بعض حاشيته الذين لهم تأثير كبير عليه، ولهم علاقة ببعض أصحاب حجر، عن سبعة منهم، فيكون عدد من قتل منهم مع حجر، سبعة أشخاص، ذكرهم الطبري وهم: (حجر بن عدي، شريك بن شداد الحضرمي، صيفي بن فسيل الشيباني، قبيصة بن ضبيعة العبسي، محرز بن شهاب السعدي، كدام بن حيان العنزي. واما عبدالرحمن بن حسان العنزي فبعث به الى زياد، فدفن حيا بقس الناطف، فهم سبعة قتلوا، وكفنوا وصلّي عليهم)[166].

ومرج عذراء كما يقول صاحب الاغاني (تقع على بعد أميال من دمشق). واما الطبري فيقول: (بينها وبين دمشق اثنا عشر ميلاً).

ولما علم معاوية بوصول ركب العقيدة والولاء إلى مرج عذراء، بعث إلى قائدي الركب، وهما وائل بن حجر، وكثير بن شهاب، أن يأتيا اليه، وقرأ رسالة زياد، إلاّ أن معاوية تجاهل أو جهل خطورة الموقف، كما كان يدركها زياد، وخطورة وجود حجر وجماعته، وان حجراً يهدد سلطان معاوية، وربما أدى وجوده إلى ظهور حركة تمرد ضد زياد، تهدد ولايته، وتهدد سلطان معاوية، فاستشار معاوية بعض حاشيته حول الموقف الذي يلزم اتخاذه ضد حجر وجماعته، فأشار عليه البعض بنفيهم إلى بعض قرى الشام، فتردّد معاوية في قتلهم، وربما كان سبب التردد ما كان يخشاه من التذمر والاستنكار بين المسلمين، الذي يعقب قتله لحجر وجماعته، فكتب الى زياد رسالة ذكر فيها تردده: (اما بعد فقد فهمت ما اقتصصت به من امر حجر واصحابه وشهادة من قبلك عليهم فنظرت في ذلك، فاحيانا أرى قتلهم افضل من تركهم واحيانا ارى العفو عنهم افضل من قتلهم. والسلام). حينئذ اضطر زياد أن يكشف عن وجهه الحقيقي أمام معاوية، وعن السبب الحقيقي في قتلهم، فليس السبب دافعاً دينياً، كما هو مذكور في متن الشهادة، بل سببه الخوف من انهيار سلطته في الكوفة، والعراق، فكتب إليه زياد مع يزيد بن حجية: (أما بعد. فقد قرأت كتابك، وفهمت رأيك في حجر وأصحابه، فعجبت لاشتباه الامر عليك فيهم، وقد شهد عليهم بما قد سمعت من هوأعلم بهم، فإن كانت بك حاجة في هذا المصر فلا تردن حجراً وأصحابه إليّ)[167].

وهنا انكشف السبب الحقيقي، وهو بقاء العراق تحت سيطرة الحكم الاموي، أو تحت ولاية زياد فاقبل يزيد بن حجية حتى مر بهم بعذراء فقال: (يا هؤلاء اما والله ما أرى براءتكم، ولقد جئت بكتاب فيه الذبح فمروني بما اجبتم مما ترون انه لكم نافع اعمل به لكم وانطق به) فقال حجر: «أبلغ معاوية أنا على بيعتنا لا نستقيلها ولا نقيلها وانه إنما شهد علينا الاعداء والاظناء» ولما أخبروا معاوية بما قاله حجر، أجاب: «زياد أصدق عندنا من حجر».

قال ابن الاثير: «فوصل إليهم، وهم بمرج عذراء، الرجلان اللذان الحقهما زياد بحجر وأصحابه، وهما عتبة بن الاخنس السعدي، وسعيد أو سعد بن نمران الهمداني الناعطي، فلما وصلا سار عامر بن الاسود العجلي من عذراء الى معاوية ليعلمه بهما. فقام اليه حجر بن عدي يرسف في القيود، فقال: «يا عامر، اسمع مني، أبلغ معاوية ان دماءنا عليه حرام، واخبره انا قد اُومنّا وصالحناه وصالحنا، وانا لم نقتل احداً من اهل القبلة فتحل له دماؤنا، فليتق الله، ولينظر في امرنا»[168].

ولعله اشار بالامان الى اعطاء زياد الامان لهم، وأراد من الصلح صلح الامام الحسن(عليه السلام) وبنوده، ومنها عدم مطاردته لشيعة الامام(عليه السلام).

وفي الاصابة: «من طريق ابي اسحاق، قال: رأيت حجر بن عدي وهو يقول: إلا اني على بيعتي لا اقيلها واستقيلها»[169] وفي المستدرك: «فلما قدم ـ حجر ـ عليه ـ معاوية ـ قال: السلام عليك يا امير المؤمنين. قال: وامير المؤمنين انا اني لا اقيلك ولا استقيلك. فامر بقتله، فلما انطلقوا به طلب منهم ان يأذنوا له فيصلي ركعتين، فاذنوا له فصلى ركعتين ثم قال: لا تطلقو عني حديداً ولا تغسلوا عني دما وادفنوني في ثيابي فاني مخاصم، فقتل»[170].

وعدد الذين استشهدوا مع حجر ستة:

1 ـ حجر بن عدي.

2 ـ شريك بن شداد الحضرمي.

3 ـ قبيصة بن ضبيعة العبسي.

4 ـ صيفي بن فسيل الشيباني.

5 ـ محرز بن شهاب السعدي.

6 ـ كدام بن حيان العنزي.

واما عبد الرحمن بن حسان العنزي، فانه ارسل لزياد ودفنه حياً، وهو اول من دفن حياً في الاسلام.

ويذكر الطبري: انه بعد ان سير حجر الى معاوية، اجتمعت كندة وغيرها عند مالك بن هبيرة، وتشاوروا فيما بينهم، وصمموا على انقاذ حجر، ولذلك ساروا إلى الشام من اجل ذلك، ولكن عندما وصلوا إلى مرج عذراء فاستقبلهم بعض من جاء منها فاخبروهم ان القوم قد قتلوا، وحين اخبروا معاوية بمسير مالك بن هبيرة ومن معه من الناس قال (اسكنوا فانما هي حرارة يجدها في نفسه وكانها قد طفئت). وارسل الى مالك ان ياتي إليه، فابى، فبعث إليه بمائة الف درهم، واسترضاه[171]، وهكذا كان دهاء معاوية واساليبه، ومواقف بعض الناس.

 

مواقف بطولية في مرج عذراء:

لقد ظهرت منهم في مرج عذراء مواقف بطولية، سجلها التاريخ، وتحدث بها الرواة والناس. وهذه المواقف تتلاءم وعقيدتهم الثابتة وولائهم، وعدالة قضيته وما يتمتعون به من خصال الفتوة والشجاعة.

يقول الطبري: «حينما قدموا الى مرج عذراء، قال لهم رسول معاوية: انا قد أمرنا ان نعرض عليكم البراءة من علي واللعن له، فإن فعلتم تركناكم، وإن أبيتم قتلناكم، فابرؤوا من هذا الرجل نخل سبيلكم، قالوا: اللهم إنا لسنا فاعلي ذلك»[172].

ولعل معاوية وجلاوزته طلبوا من حجر واصحابه البراءة من أمير المؤمنين(عليه السلام) لا مجرد السب واللعن، وهذا مما لا يجوز للمؤمن ارتكابه كما ذكر ذلك في رواية عن حجر. حيث روى في رجال الكشي باسناده عن حجر بن عدي قال: «قال علي كيف تصنع انت إذا ضربت وامرت بلعني؟ قال: قلت له: كيف اصنع؟ قال: العني ولا تبرأ مني; فاني على دين الله» وبهذا المضمون روايات عديدة سنذكرها في فصل آخر.

وفي مروج الذهب، يذكر القصة بعبارة اُخرى مشابهة لها: «فلما وصل إليهم ـ رسول معاوية ـ قال لحجر: إن أمير المؤمنين قد أمرني بقتلك يا رأس الضلال، ومعدن الكفر والطغيان، والمتولي لابي تراب، وقتل أصحابك، إلاّ أن ترجعوا عن كفركم وتلعنوا صاحبكم،وتتبرأوا منه، فقال حجر وجماعته ممن كان معه: إن الصبر على حد السيف لايسر علينا مما تدعونا إليه، ثم المقدم على الله، وعلى نبيه وعلى وصيه، أحب إلينا من دخول النار»[173].

والملاحظ في ذلك أن القتلة لم يشيروا إلى ما ذكر في نص الشهادة من نقضه لبيعة معاوية، وإنما كانوا يؤكّدون على ولائه للامام(عليه السلام)، وكانوا يطلبون منه البراءة من امامه خليفة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ولكنه ابى ذلك.

وقام حجر وأصحابه يصلّون عامة الليل، فلما كان الغد قدموهم ليقتلوهم، فقال لهم حجر بن عدي: «اتركوني اتوضأ وأصلي، فاني ما توضأت إلاّ صليت، فتركوه فصلى، ثم انصرف منها، وقال: والله ما صلّيت صلاة قط أخف منها، ولولا أن فيّ جزعاً من الموت لاستكثرت منها، ثم قال: اللهم إنا نستعديك على امتنا، فإن اهل الكوفة شهدوا علينا، وإن أهل الشام يقتلوننا أما والله لئن قتلتموني بها، فإني لاول فارس من المسلمين هلك في واديها، وأول رجل من المسلمين نبحته كلابها»[174]. وقال حجر: «لا تنزعوا عني حديداً ولاتغسلوا عني دماً; فاني لاق معاوية على الجادة».

وقيل: إن حجراً لما قدم ليقتل، قيل له: مد عنقك، فقال: «ما كنت لاُعين الظالمين»[175].

وفي الاصابة: «وروى ابراهيم بن الجنيد في كتاب الاولياء بسند منقطع ان حجر بن عدي اصابته جنابة، فقال للموكل به: اعطني شرابي اتطهر به، ولا تعطني غدا شيئاً، فقال: اخاف ان تموت عطشا فيقتلني معاوية. قال: فدعا الله فانسكبت له سحابة بالماء، فاخذ منها الذي احتاج اليه، فقال له اصحابه: ادع الله ان يخلصنا، فقال: اللهم خر لنا، قال: فقتل هو وطائفته..»[176].

وقال المرزباني: «ثم مشى اليه ـ حجر ـ هدبه الاعور بالسيف فشخص اليه حجر، فقال: الم تقل انك لا تجزع من الموت؟ فقال: ارى كفناً منشوراً وقبراً محفوراً، وسيفاً منشوراً، فمالي لا اجزع؟ اما والله لئن جزعت لا اقول ما يسخط الرب، فقال له: فابرأ من علي، وقد اعد لك معاوية جميع ما تريد ان فعلت، فقال: الم اقل لك: اني لا اقول ما يسخط الرب، ثم قال: ان كنت امرت بقتل ولدي فقدمه، فقدمه فضربت عنقه، فقيل له: تعجلت الثكل، فقال: خفت أن يرى ولدي هول السيف على عنقي فيرجع عن ولاية أمير المؤمنين علي(عليه السلام). ولم يذكر قتل ولده غير المرزباني»[177].

فقد ذكر السيد الامين انه «لم يذكر قتل ولده معه في مرج عذراء غير المرزباني، ولكنه بعد ذلك يقول «وقال الشهيد: كان اسم ابن حجر الذي قتل معه همام، وفي الدرجات الرفيعة، قال شيخنا الشيخ محمد بن مكي المعروف بالشهيد الاول قدس الله روحه: الشهداء الذين بعذراء دمشق الذين قتلهم معاوية، بعد أن بايعوه وأعطاهم العهود والمواثيق، حجر بن عدي الكندي حامل راية رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وولده همام..»[178].

ومن أبطال مرج عذراء، عبدالرحمن بن حسان. قالوا له: «يا اخا ربيعة ما تقول في علي؟ قال: دعني ولاتسألني، فهو خير لك، قال: والله لا ادعك. قال: اشهد انه كان من الذاكرين لله تعالى كثيراً، من الامرين بالحق، والقائمين بالقسط، والعافين عن الناس. قال: فما قولك في عثمان؟ قال: هو أول من فتح أبواب الظلم، وأغلق ابواب الحق قال: قتلت نفسك قال: بل إياك قتلت، ولا ربيعة بالوادي ـ يعني ليشفعوا فيه ـ . فرده معاوية الى زياد وأمره ان يقتله شر قتلة، فدفنه حياً»[179].

وقد ذكر في مروج الذهب وغيره عن حجر: «وهو أول من قتل صبراً في الاسلام»[180].

«وقال عبدالرحمن بن حسان العنزي: اللهم اجعلني ممن تكرم بهوانهم وانت عني راض، فطالما عرضت نفسي للقتل فابى الله الا ما اراد»[181].

 

استنكار المجزرة:

حدثت بعد مقتل حجر وجماعته رجة بين المسلمين، حيث أثارت هذه الجريمة الوحشية، استنكاراً شديداً عند الكثير من الصحابة والتابعين، والافراد الذين يعرفون منزلة حجر وأهدافه.

ومن الذين استنكروا هذه المجزرة، معاوية نفسه، فقد ذكر الطبري: «زعمو أنه ـ معاوية ـ قال عند موته: يوم لي من ابن الادبر طويل، ثلاث مرات، يعني حجراً»[182]، وهناك أقوال اخرى تنقل عن معاوية، تؤكد ندمه على فعلته الشنعاء هذه[183]، ولعله أراد أن يخفف حدة الغضب الجماهيري، الذي التهب بعد اقترافه هذه الجريمة، باعلان توبته وندمه ظاهراً.

والتذمر والاستنكار الذي أعلنه الكثير من الشخصيات الذائعة الصيت آنذاك، أدّى بدوره الى تذمر واستنكار عامّين، بين المسلمين، فينقل الطبري عن ابن ابي اسحاق أنه قال: «أدركت الناس وهم يقولون: إن أول ذل دخل الكوفة، موت الحسن بن علي، وقتل حجر بن عدي، ودعوة زياد»[184].

ولعل هذا التعبير يدل على انه قد وجدت آنذاك بين المسلمين حالة من الشعور بالندم والاستنكار لهذه المجزرة.

والملاحظ ان الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) كان اول من استنكر قتل حجر و اصحابه، كما سيأتي في حديث عائشة عنه(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذا الحديث النبوي، يشبه الرواية المنقولة عن الامام امير المؤمنين(عليه السلام)، في دلالة الاخبار عن المغيبات، وان حجراً وجماعته على حق، وقتلته على باطل، واستنكار قتلهم.

كما ان استنكار الاخرين من الصحابة والتابعين وغيرهم يحمل نفس هذه الدلالات.

واستنكر الامام امير المؤمنين(عليه السلام) قتل حجر واصحابه في الرواية التي نقلناها سابقاً، حينما دخل حجر عليه بعد ضربة ابن ملجم له(عليه السلام)، وهناك رواية اخرى رواها ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد عن عبد الله بن زرير الغافقي قال: «سمعت علياً(عليه السلام)يقول: يا اهل العراق سيقتل سبعة نفر بعذراء مثلهم كمثل اصحاب الاخدود، منهم حجر بن الادبر واصحابه، يقتلهم معاوية بالعذراء من دمشق، كلهم من أهل الكوفة»[185].

ويشير(عليه السلام) في قوله: «مثلهم كمثل أصحاب الاخدود» للاية الشريفة (وما نقموا منهم إلاّ أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد)[186].

واستنكر الامام الحسين(عليه السلام) على معاوية قتله حجراً وأصحابه، وجاء هذا الاستنكار في إحدى الرسائل التي كتبها الامام(عليه السلام) إلى معاوية، قال فيها: «ألست قاتل حجر وأصحابه العابدين المخبتين، الذين كانوا يستفظعون البدع، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فقتلتهم ظلماً وعدواناً، من بعد ما أعطيتهم المواثيق الغليظة والعهود المؤكّدة، جرأة على الله واستخفافاً بعهده»[187]، وهذه الرسالة طويلة يذكر فيها الامام(عليه السلام) جرائم معاوية وانحرافاته[188].

ويشير بالعهود والمواثيق الى البند الذي ذكر في بنود الصلح مع الامام الحسن(عليه السلام)، من أن الناس جميعاً آمنون حيث كانوا من أرض الله تعالى، وكذلك يشير إلى إعطاء الامان لهم حين القبض عليهم.

وفي كشف الغمة: «لما قتل معاوية حجر بن عدي رحمه الله وأصحابه، لقي في ذلك العام الامام الحسين(عليه السلام) فقال: يا أبا عبدالله هل بلغك ما صنعت بحجر و أصحابه من شيعة أبيك؟ قال: لا. قال: إنا قتلناهم وكفنّاهم وصلّينا عليهم، فتبسم الحسين(عليه السلام) ثم قال: خصمك القوم يوم القيامة يا معاوية، أما والله لو ولينا مثلها من شيعتك ما كفنّاهم، ولا صلّينا عليهم، وقد بلغني وقوعك بأبي حسن وقيامك به، واعتراضك بني هاشم بالعيوب، وايم الله، لقد أوترت غير قوسك، ورميت غير غرضك، وتناولتها بالعداوة من مكان قريب، ولقد اطعت امرأً ما قدم ايمانه، ولا حدث نفاقه وما نظر لك فانظر لنفسك أودع (يريد عمرو بن العاص) »[189].

وكذلك استنكرت عائشة قتله، ففي الاستيعاب: «وروينا عن سعيد المقبري قال: لما حج معاوية جاء المدينة زائراً، فاستاذن على عائشة فاذنت له، فلما قعد قالت له: يا معاوية أما خشيت الله في قتل حجر وأصحابه؟ قال: إنما قتلهم من شهد عليهم»[190].

وفي الاصابة: «دخل معاوية على عائشة، فعاتبته في قتل حجر وأصحابه، وقالت: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: ( يقتل بعدي اُناس يغضب الله لهم وأهل السماء) وفي بعض المصادر: ذكر (سيقتل بعذراء ناس..) »[191]، كما في تاريخ دمشق.

وفي اعلام الورى (دخل معاوية على عائشه فقالت: ما حملك على قتل اهل عذراء، حجر واصحابه؟ فقال: يا أم المؤمنين اني رأيت قتلهم صلاحاً للامة وبقاءهم فساداً للامة، فقالت: سمعت رسول الله يقول: سيقتل بعذراء اناس يغضب الله لهم وأهل السماء)[192].

وفي أسد الغابة: «قال نافع: كان ابن عمر في السوق، فنعي إليه حجر، فأطلق حبوته، وقام ، وقد غلبه النحيب»[193].

«وسئل محمد بن سيرين عن الركعتين عند القتل، فقال: صلاّهما خبيب وحجر، وهما فاضلان»[194].

وقال الحسن البصري: (أربع خصال كن في معاوية، لو لم يكن فيه منهن إلاّ واحدة، لكانت موبقة، انتزاؤه على هذه الامة بالسفهاء، حتى ابتزها أمرها بغير مشورة منهم وفيهم بقايا الصحابة، وذوو الفضيلة، واستخلافه ابنه بعده سكّيراً خمِّيراً، يلبس الحرير، ويضرب بالطنابير، وادعاؤه زياداً وقد قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «الولد للفراش وللعاهر الحجر»، وقتله حجراً، ويلا له من حجر وأصحاب حجر)، مرتين»[195].

وفي اسد الغابة: «وكان الحسن البصري يعظم قتل حجر وأصحابه»[196].

وفي الاستيعاب: «قال مبارك بن فضالة، سمعت الحسن البصري يقول. وقد ذكر معاوية وقتله حجراً وأصحابه: ويل لمن قتل حجراً وأصحاب حجر»[197].

قال الاعمش: «أول من قتل في الاسلام صبراً حجر بن عدي، وأول رأس أهدي من بلد إلى بلد رأس عمرو بن الحمق»[198].

وذكر الكامل في حوادث سنة ثلاث وخمسين: «وفيها مات الربيع بن زياد الحارثي، عامل خراسان من قبل زياد، وكان سبب موته أنه سخط قتل حجر بن عدي، حتى انه قال: لا تزال العرب تقتل صبراً بعده، ولو نفرت عند قتله، لم يقتل رجل منهم صبراً، ولكنها أقرت فذلت..»[199].

وقيل لابي اسحاق السبيعي: «متى ذل الناس؟ فقال: حتى مات الحسن، وأدّعي زياد، وقتل حجر بن عدي»[200].

وروى الشيخ الطوسي في أماليه باسناده عن الحسن البصري، قال: «كنت غازياً من معاوية بخراسان، وكان علينا رجل من التابعين، فصلّى بنا يوماً الظهر، ثم صعد المنبر فحمد الله واثنى عليه وقال: أيها الناس قد حدث في الاسلام حدث عظيم، لم يكن منذ قبض الله نبيه مثله. بلغني أن معاوية قتل حجر بن عدي وأصحابه، فإن يك عند المسلمين خير قبيل، ذلك وان لم يكن عندهم خير فأسال الله يقبضني إليه، وأن يعجل ذلك.

قال الحسن: «فلا والله ما صلى بنا صلاة غيرها حتى سمعنا عليه الصياح»[201] ولعل هذا الرجل الذي مات تألماً واستنكاراً لمقتل حجر واصحابه هو الربيع بن زياد الحارثي لتشابه قصة وفاته في المصادر[202].

وكانت شهادة حجر وأصحابه، من الشعارات التي رفعها أبطال كربلاء، ففي الكامل انه حين خرج زهير بن القين، خاطب أهل الكوفة، وكان مما قال: «.. إنا ندعوكم إلى نصره ـ الامام الحسين(عليه السلام) ـ وخذلان الطاغية ابن الطاغية عبيد الله بن زياد، فانكم لا تدركون منهما إلاّ سوءاً، يسملان أعينكم، ويقطعّان أيديكم وأرجلكم، ويمثلان بكم، ويرفعانكم على جذوع النخل، ويقتلان اماثلكم وقراءكم، أمثال حجر بن عدي وأصحابه وهانئ بن عروة واشباهه»[203]

حيث استعرض الجرائم البشعة التي ارتكبها زياد وابنه عبيد الله، في حق القراء والاخيار.

[166] الطبري ج 4 / ص207.

[167] الطبري ج 4 / ص 203.

[168] الكامل ج 3 / ص 484.

[169] الاصابة ج 1 / ص 315.

[170] المستدرك ج 3 / ص 470.

[171] الطبري ح4، ص207.

[172] الطبري ج 4 / ص 205، الكامل ج 3 / ص 486.

[173] مروج الذهب ج 2 / ص 4.

[174] تاريخ الطبري ج 4 / ص 305.

[175] المجالس السنية ج 2 / ص 88 ، اعيان الشيعة ج 4 / ص 581 نقلاً عن المرزباني.

[176] الاصابة ج 1 / ص 315.

[177] أعيان الشيعة ج 4 / ص 581.

[178] نفس المصدر / ص 582 ، الدرجات الرفيعة / ص 428.

[179] تاريخ الطبري ج 4 / ص 206.

[180] مروج الذهب ج 3 / ص 2.

[181] تاريخ الطبري ج 4 / ص 205.

[182] الطبري ج 4 / ص 208، الاستيعاب ج 1 / ص 357، الدرجات الرفيعة 29.

[183] أعيان الشيعة ج 4 / ص 583.

[184] الطبري ج 4 / 208 ، الكامل ج 2 /   .

[185] كنز العمال ج 13 / ص ؟؟؟؟ ، اعلام الورى ص 33.

[186] سورة البروج / الاية 8 .

[187] الغدير ج 1 / ص 161 ، نقلاً عن الامامة والسياسة وجمهرة الرسائل، وفي الدرجات الرفيعة / ص 430. مع بعض الاختلاف في الالفاظ.

[188] الدرجات الرفيعة / ص 434.

[189] كشف الغمة ج 2 / ص 240.

[190] الاستيعاب ج 1 / ص 356.

[191] الاصابة ج 1 / ص 315 ، البحار ج 18 / ص 124 ، الدرجات الرفيعة / ص 49.

[192] اعلام الورى ص43.

[193] اسد الغابة ج 1 / ص 386.

[194] الاستيعاب ج 1 / ص 357.

[195] تاريخ الطبري ج 4 / ص 208 ، الكامل ج 3 / ص 487 ، الاستيعاب ج 1 / ص 359.

[196] اسد الغابة ج 1 / ص 386.

[197] الاستيعاب ج 1 / ص 358.

[198] الدرجات الرفيعة / ص 429.

[199] الكامل ج 3 / ص 493.

[200] مقاتل الطالبيين / ص 50 ، وشرح نهج البلاغة ج 16 / ص 51.

[201] الدرجات الرفيعه ص430.

[202] قاموس الرجال 4 / 343.

[203] الكامل في التاريخ ج 4 / ص 63.