زياد بن أبيه:
أما زياد فكان يتصف بالبطش والغلظة،
وكان محباً للشهرة والمنصب، وكان مستعداً
لاجل ذلك للتضحية بمبادئه وارتكاب أبشع
الجرائم. فقد كان والياً من قبل الامام(عليه
السلام)، وكان على الظاهر مؤمناً بمبادئه،
ولكنه انقلب فجأة على عقبيه، وتحول حبه إلى
عداء شديد، كما صرح بذلك لحجر، وأخذ يطارد
بعنف كل الموالين المؤمنين، ويرتكب ابشع
الجرائم والمنكرات، ولكنه في نفس الوقت لم
يستسلم لمعاوية تماماً، لذلك كان يحافظ على
منصبه، وشخصيته، ويدعم معاوية ويحاول
إرضاءه، لذلك لم يقتل حجراً وأصحابه بنفسه،
بل وجّهه لمعاوية، ولكنه في نفس الوقت،
استخدم شهادة الشهود، لتتوجه النقمة اليهم،
وليلقى اللوم على الشهود، وبذلك يحافظ على
حكم معاوية، ومنصبه معاً.وقد صرح المغيرة بأن
زياداً محب للشهرة والمنصب، لذلك قدم معاوية
بعض التنازلات من أجل استمالة زياد الى صفه،
لانه كان يعرف صفاته وقدراته[134]، ولذلك
ولاه على الكوفة اضافة لولايته على البصرة.وقد
خاف زياد على منصبه من حركة حجر وأصحابه،
لانها تتهدد وجوده في الكوفة، لذلك واجهها
بكل عنف وشدة، حتى يتسنى له المقام في العراق.
ففي مروج الذهب: «كان زياد جمع الناس بالكوفة
بباب قصره يحرّضهم على لعن علي فمن أبى ذلك
عرضه على السيف»[135].(وكان زياد يتتبع
الشيعة، وهو بهم عارف، لانه كان منهم، فقتلهم
تحت كل حجر ومدر، وأخافهم، وقطع الايدي
والارجل، وسمل العيون وصلبهم عل جذوع النخل،
وطردهم وشرّدهم عن العراق، فلم يبق بها معروف
منهم)[136].ومن
جرائمه قتله لعمرو بن الحمق الخزاعي، فحين
تولى زياد الكوفة، طلب عمرو بن الحمق
الخزاعي، فهرب منه فاعتقل زوجته وسجنها، ثم
تعقب عمراً حتى ظفر به جلاوزة زياد، وقطعوا
رأسه، فبعث به زياد إلى معاوية، وهو أول رأس
طيف به في الاسلام.وكذلك فعل برشيد الهجري،
وكان من خواص الامام(عليه السلام)، عرض عليه
زياد البراءة واللعن، فأبى، فقطع يديه ورجله
ولسانه، وصلبه خنقاً في عنقه.وكذلك فعل
بجويرية بن مسهر العبدي، حيث أخذه زياد فقطع
يديه ورجليه وصلبه على جذع نخلة.وقد هدم بيت
حجر بعد أن اعتقله وأرسله إلى معاوية.وفي مروج
الذهب أن «معاوية عيّن زياداً والياً على
المدينة، بالاضافة للكوفة والبصرة، وذلك في
أواخر حياة زيد. واتصلت ولايته بأهل المدينة،
(فاجتمع الصغير والكبير بمسجد رسول الله(صلى
الله عليه وآله وسلم)وضجوا إلى الله، ولاذوا
بقبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ثلاثة
أيام، لعلمهم بما هو عليه من الظلم والعسف،
فخرجت في كفه بثرة، ثم حكها ثم سرت واسودت
فصارت آكلة سوداء، فهلك بذلك)[137].موقف حجر
من ولاة معاوية:عرفنا فيما سبق خوف معاوية من
الامام(عليه السلام) وشيعته، على سلطانه حيث
كان يرى في شخص الامام(عليه السلام) وشخصيته
سداً أمام سلطانه. ففي حياته كان متمثلاً
بوجوده الشريف، وأما بعد وفاته، فكان متمثلاً
بالشيعة والموالين له(عليه السلام)، وفي
شخصيته التي كان لها تأثير كبير في الامة
الاسلامية. فأما الشيعة فقد استخدم معاوية
مختلف الاساليب في القضاء عليهم، وأما شخصيته(عليه
السلام)، فقد استخدم معاوية أسلوباً آخر من
أجل تشويهها في المجتمع الاسلامي. وقد ذكرنا
أساليبه في ذلك من وضع الاحاديث الكاذبة،
وسبه للامام(عليه السلام)على المنابر وفرض
ذلك على أئمة الجوامع والخطباء والولاة، من
أجل توهين سمعة الامام وأهل البيت(عليهم
السلام)، وحط مكانتهم بين المسلمين.حجر
والمغيرة بن شعبة:عندما أراد معاوية تعيين
المغيرة والياً على الكوفة، دعاه وقال له: (أما
بعد فإن لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا،
وقد قال المتلمس:لذي الحلم قبل اليوم ما
تقرع العصاوما علم الانسان إلاّ ليعلماوقد
يجزي عنك الحكيم بغير التعليم، وقد أردت
ايصاءك باشياء كثيرة، فأنا تاركها اعتماداً
على بصرك بما يرضيني، ويسعد سلطاني ويصلح به
رعيتي، ولست تاركاً إيصاءك بخصلة: لاتتحمَّ[138] عن
شتم علي وذمّه، والترحم على عثمان والاستغفار
له، والعيب على أصحاب علي، والاقصاء لهم وترك
الاستماع منهم، وبإطراء شيعة عثمان...
والادناء لهم والاستماع منهم. فقال المغيرة:
قد جربت وجُربت، وعملت قبلك لغيرك، فلم يذمم
بي دفع ولا رفع ولا وضع، فستبلو فتحمد أو تذم،
قال: بل نحمد إن شاء الله»[139].وأقام المغيرة على
الكوفة سبع سنين وأشهرا، ولم يدع في هذه المدة
(ذم علي، والوقوع فيه، والعيب لقتلة عثمان
واللعن لهم، والدعاء لعثمان بالرحمة
والاستغفار له، والتزكية لاصحابه)[140]. (وكان
المغيرة لا ينام عن شتم علي(عليه السلام)وأصحابه
واللعنة بهم)[141].ولكن حجراً المؤمن
الموالي لم يسكت، فكان كلما سمع ذلك قال: «بل
إياكم فذمم الله ولعن»، ثم قال: «إن الله
عزوجل يقول: (كونوا قوّامين بالقسط شهداء لله)،
وأنا أشهد أن من تذمّون وتعيرون لاحقّ
بالفضل، وأن من تزكونه وتطرونه أولى بالذم،
فيقول المغيرة: يا حجر، لقد رمي بسهمك إذ كنت
أنا الوالي عليك، يا حجر ويحك، اتق السلطان،
اتق غضبه وسطوته، فإن غضبة السلطان أحيانا
مما يهلك أمثالك كثيراً، ثم يكف عنه ويصفح»[142].واستمر
حجر و المغيرة على هذا الصراع، حتى كان في
أواخر أيام المغيرة، فخطب كعادته، ونال من
الامام(عليه السلام)، ولعن شيعته، ولم يسكت
حجر (فوثب ونعر نعرة، سمعها كل من كان في
المسجد وخارجه. قال له: إنك لا تدري أيها
الانسان بمن تولع أو هرمت، مرلنا بأعطياتنا
وأرزاقنا، فإنك قد حبستها عنا، ولم يكن ذلك
لك، ولا لمن كان قبلك، وقد أصبحت مولعاً بذم
أمير المؤمنين، وتقريظ المجرمين)[143].وكان
لهذه الوثبة صداها بين الحاضرين، إذ قام معه
أكثر من ثلثي الناس، كما في رواية الطبري. أما
في رواية الاغاني فقام معه أكثر من ثلاثين
رجلاً ـ ولعل سبب الاختلاف بين ثلثين و ثلاثين
هو اختلاف الخط القديم، ولعل الاصح هو (ثلثي
الناس) ـ يقولون ما قاله حجر، ويكررون هذه
النقمة، فاضطر المغيرة أن ينزل ويذهب إلى دار
الامارة، إلاّ أن بعض النفعيين
والانتهازيين، الذين يتحينون مثل هذه الفرص،
ليظهروا ولاءهم للسلطة الحاكمة، اجتمعوا عند
المغيرة، وقالوا: «علام تترك هذا الرجل يقول
هذه المقالة، ويجترئ عليك في سلطانك هذه
الجرأة؟ انك تجمع على نفسك بهذا خصلتين، اما
أولهما فتهوين سلطانك، واما الاخرى فان ذلك
ان بلغ معاوية كان أسخط له عليك»[144]. قال لهم:
«إني قد قتلته، إنه سيأتي أمير بعدي فيحسبه
مثلي فيصنع به شبيها مما ترونه يصنع بي،
فيأخذه عند أول وهلة فيقتله شرّ قتلة، إنه قد
اقترب أجلي وضعف عملي، ولا اُحب أن أبتدئ أهل
هذا المصر بقتل خيارهم وسفك دمائهم، فيسعدوا
بذلك وأشقى، ويعز في الدنيا معاوية ويذل يوم
القيامة المغيرة»[145].وهذا الموقف من
المغيرة يتلاءم مع مزاجه وسلوكه، مضافاً إلى
أنه يدلّ على تناقض بين أعماله ومعتقداته،
فإذا كان يعتقد بأن حجراً وجماعته من
الاخيار، وأن البطش بهم يؤدّي إلى الذل يوم
القيامة، فهذا يدلّ على أنهم على حق، وأن
معاوية على باطل وضلالة، فلماذا يستجيب
لمعاوية في سب الامام(عليه السلام)والطعن
فيه، وفي شيعته وانصاره؟ ولماذا ينحاز إلى صف
معاوية، ويواجه هؤلاء الاخيار؟ ولعل موقفه
هذا لم يكن عن وازع ديني، وخوف حقيقي من
القيامة، بل إنه هو الملائم لمزاجه وسلوكه،
حيث كان يؤثر السلامة، ويتجنب المشاكل
والمصاعب، أو لان وجدانه يستيقظ في بعض
اللحظات فيبصر الحق، ولكن حبّه للدينا،
وماتراكم في نفسه من أدران، سرعان ما يقضي على
صوت الوجدان.حجر وزياد:ولما هلك المغيرة سنة
(51) هجرية، عيّن معاوية زياد ابن أبيه على
الكوفة، بالاضافة إلى ولايته على البصرة،
وكان عليه أن يتخذ موقفاً متشدّداً مع
الشيعة، الذين يقود حجر حركتهم في الكوفة.وفي
بداية الامر حاول زياد إغراء حجر، لعلّه
يتراجع عن موقفه، ويكفّ عن أمره بالمعروف
ونهيه عن المنكر، لذلك (وجّه إلى حجر فجاءه،
وكان له قبل ذلك صديقاً، فقال له: «قد بلغني ما
كنت تفعله بالمغيرة، فيحمله منك، وإني والله
لا احتملك على مثل ذلك أبداً، أرأيت ما كنت
تعرفني به من حبّ علي وودّه، فإن الله قد سلخه
من صدري فصيّره بغضاً وعداوة، وما كنت تعرفني
به من بغض معاوية وعداوته، فإن الله قد سلخه
من صدري وحوّله حباً ومودة، وإني أخوك الذي
تعهد، إذا اتيتني وأنا جالس للناس، فاجلس معي
على مجلسي، وإذا أتيت ولم أجلس للناس، فاجلس
حتى أخرج اليك، ولك عندي في كل يوم حاجتان:
حاجة غدوة، وحاجة عشية. إنك إن تستقم تسلم لك
دنياك ودينك، وإن تأخذ يميناً وشمالاً، تهلك
نفسك وتشط عندي دمك. إني لا اُحب التنكيل قبل
التقدمة، ولا آخذ بغير حجة، اللّهم اشهد»[146].فإن
زياداً حاول إغراءه وتهديده في نفس الوقت،
لما يعرفه من شعبية حجر وشهرته، وقدم له
الكثير من التنازلات والاغراءات حتى يكف عن
موقفه الاسلامي المشروع، ولكن حجراً لم
يستسلم ولم يسكت، وكانت مواقف حجر اللاحقة
جواباً على هذا الاغراء والتهديد.فقد ذكر
اليعقوبي في تاريخه: «وحين قدم زياد الكوفة
خطب خطبة له مشهورة لم يحمد الله فيها، ولم
يصلّ على محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) وأرعد
فيها وأبرق، وتوعّد وتهدّد، وأنكر كلام من
تكلّم،وحذّرهم ورهّبهم»[147].وقال غيره: ولما
ولي زياد جمع أهل الكوفة، فملا منهم المسجد
والرحبة والقصر، ليعرضهم على البراءة من علي،
فقام في الناس وخطبهم، ثم ترحّم على عثمان،
وأثنى على أصحابه ولعن قاتليه. فقام حجر ففعل
مثل الذي كان يفعله بالمغيرة.وحين ذهب زياد
إلى البصرة بحسب ولايته عليها، فإنه كان يشتو
في البصرة، ويعيّن عمرو بن حريث بالكوفة
نيابة عنه، ويصيف بالكوفة، ويعين سمرة بن
جندب نيابة عنه في البصرة. فحين ذهب للبصرة
كان حجر يجلس في المسجد، ويجلس حوله أصحابه،
يلهجون باللعن لمعاوية وشتم زياد، وتوسعت
حلقته أكثر، ولما ارتقى عمرو بن حريث المنبر،
وجرى على سنة الولاة آنذاك، لم يسكت حجر
وأصحابه على ذلك، بل أخذوا بالتكبير، ولما
دنوا من عمرو حصبوه، فرجع للقصر، وكتب رسالة
لزياد، ولما وصلت الرسالة لزياد قال وهو في
البصرة: «ما أنا بشيء إن لم أمنع الكوفة من
حجر، وأدعه نكالاً لمن بعده ويل اُمك يا حجر،
لقد سقط العشاء على سرحان، ثم أقبل إلى الكوفة
فدخل القصر، ثم خرج وعليه قباء سندس ومطرف خز
أخضر، وحجر جالس في المسجد وحوله أصحابه»[148].بينما
يذكر الطبري سبباً آخر لنقمة زياد على حجر،
ينقله عن عوانة: «خطب زياد يوماً في الجمعة،
فأطال الخطبة وأخّر الصلاة، فقال له حجر بن
عدي: الصلاة. فمضى فى خطبته، ثم قال: الصلاة.
فمضى في خطبته، فلما خشي حجر فوت الصلاة ضرب
بيده الى كف من الحصى وثار الى الصلاة، وثار
الناس معه، فلما رأى ذلك زياد نزل فصلّى
بالناس. فلما فرغ من صلاته كتب إلى معاوية في
أمره، وكثر عليه، فكتب إليه معاوية أن شدّه في
الحديد، ثم احمله إليّ، فلما أن جاء كتاب
معاوية، أراد قوم حجر أن يمنعوه، فقال: لا،
ولكن سمع وطاعة، فشد في الحديد، ثم حمل إلى
معاوية»[149].والملاحظ في رواية الطبري أنها
ارادت اختصار الطريق، والظاهر أن هناك مواقف
عديدة واجه فيها حجر زياداً، فكانت سبباً في
اشتداد نقمته عليه، حيث لم يستجب لاغراءاته
وتهديداته، ولم يكف عن أعماله. منها رده على
خطبه، ومنها هذا الموقف منه، وكل تلك، أدت إلى
أن يفكر زياد في أساليب اخرى للقضاء عليه،
وعلى كل حال فان مواقف حجر كانت لاجل النهي عن
المنكر، واستنكاره الطعن في اهل البيت الذين
امر الله بمودتهم، أو لاجل تاخير الصلاة عن
وقتها، او لاجل ما ارتكبه الولاة من جرائم
وانحرافات واستئثار باموال المسلمين.ففي
الدرجات الرفيعة: «لما ولّى معاوية زياد ابن
أبيه الكوفة، خطب زياد فقال: أما بعد، فإن غب
البغي وخيم، وايم الله لئن لم تستقيموا
لاُداوينكم بدوائكم، ولست بشيء إن لم أحم
ناحية الكوفة من حجر بن عدي وأدعه نكالاً لمن
بعده»[150].فاستدعى زياد أمير الشرط (شداد بن
الهيثم الهلالي) وأخبره أن يأتي بحجر، فذهب
ليأتي به، الاّ أن أصحابه منعوه من أخذه، فرجع
هذا إلى زياد خائباً، فبعث زياد معه نفراً،
فرجعوا إلى حجر، إلاّ أن جماعة سبّوهم
وشتموهم، وبعد ذلك، غضب زياد، فجمع شيوخ
الكوفة وأمرهم بسحب أولادهم وأفراد عشيرتهم،
من جماعة حجر، فقام كل رئيس بذلك. وهذا يكشف أن
زياداً كان يخطّط للقضاء على حجر، وتجنب
النقمة التي سوف يثيرها اعتقاله، أو قتله،
لذلك استخدم رؤساء العشائر المنتفعين في
مواجهة انتفاضة حجر وجماعته، ولرؤساء
العشائر تأثيرهم الكبير في ذلك المجتمع
العشائري، كما استخدمهم أيضاً في الشهادة على
حجر، وكما استخدم غيره رؤساء القبائل
المنحرفين والمتزلفين، حربة في مواجهة
الاصوات المؤمنة الرافضة، لما يعلمونه من
تأثيرهم في ذلك الوسط القبلي. وفي الوقت الذي
كان ابناء الاُمة يعيشون حالة الجوع والهوان،
كان معاوية وزياد وامثالهما يقربون رؤساء
القبائل ويغرونهم بالاموال والمناصب استمالة
لهم، واسكاتاً لاصواتهم، إذ ان في اسكاتهم
اسكاتاً للقبائل الخاضعة لهم، وشغلهم عن
التفكير في مواجهة السلطات الغاشمة بالرغم من
الاوضاع المزرية التي يعيشونها.وقد استجاب
رؤساء القبائل لطلب زياد، وسحبوا ابناء
قبائلهم من جماعة حجر (فلما رأى زياد خفة فيهم
قال لصاحب شرطته: اذهب فائتني بحجر، فإن تبعك
وإلا فمر من معك أن ينتزعوا غمد السيوف، ثم
يشدوا عليه حتى يأتوا به، ويضربوا من حال دونه)[151].فذهب
شداد بن الهيثم ليأتي بحجر إلى زياد، إلاّ أن
أصحاب حجر أجابوا: «لا والله ولا نعمة عين»،
حينئذ نفّذ ما أمر به زياد، ولما كان أصحاب
حجر قد خفوا بعملية زياد السابقة بعد
استدعائه شيوخ الكوفة وسحبهم لافراد
عشيرتهم، ولما كان أصحاب حجر الباقون
الملتفون حوله مجردين من السلاح إلا سيفاً
واحداً، كما أشار الى ذلك أحد أصحاب حجر، وهو
عمير بن يزيد الكلبي، وهذا يدلّ على أن حجراً
وجماعته لم يفكّروا في الاطاحة بالحكم الاموي
بمقاتلة زياد أو معاوية، وإلاّ لكانوا يعدّون
العدّة لذلك، وبعد ذلك اضطر حجر نزولا عنه
إلحاح أصحابه إلى الاختفاء، فلحقته جلاوزة
زياد، وتمكنوا من ضرب عمرو بن الحمق الخزاعي،
الصحابي المعروف، مما اجبر أصحاب حجر على أن
يحملوه إلى إحدى الدور لمعالجته.ولما رأى
زياد اختفاء حجر، حينئذ لجأ إلى عملية
تقليدية خبيثة اُخرى لمطاردة حجر، ثم القضاء
عليه بعد أن وجد أن مهمة القضاء على حجر مهمة
عسيرة لما لشخصيته الدينية والقبلية من تأثير
كبير في الكوفة، بأن أوعز لبعض القبائل مهمة
مطاردة حجر، وبذلك يحّول قضية حجر إلى قضية
داخلية، وقبلية، وأن قبائل الكوفة هي التي
طاردت حجراً واعتقلته، وبذلك يجنّب نفسه
النقمة التي يتوقع انفجارها. ونحن نعلم بأن
أحد أساليب المستكبرين في إسكات الشعوب،
وتبديد قواها الذي يؤدي ذلك بالتالي إلى
سيادة المستكبرين، هو سلاح التفرقة. وقد
استخدم الطغاة عبر التاريخ هذا السلاح في
مواجهة الشعوب، وكما أشار القرآن الكريم إلى
الاساليب التي استخدمها فرعون في توطيد
سلطانه، ومن هذه الاساليب نشر الفساد
الاخلاقي، وإذلال الامة وامتهانها،
والتفرقة، (وجعل أهلها شيعاً)، وبث الذعر
والخوف من السلطة الحاكمة، من خلال قتل
كبارهم أو التنكيل بهم، وغيرها من الاساليب،
التي استخدمها الطغاة والمستكبرون على مرّ
التاريخ. ومنهم معاوية وزياد والحجاج وغيرهم.ولذلك
أوعز زياد مهمة مطاردة حجر والقبض عليه إلى
بعض القبائل، بأن تحاصر الحيّ الذي اختفى فيه
حجر، وتفتش عنه في دورها، وتقبض عليه، فارتقى
المنبر وقال: «لتقم همدان وتميم وهوازن
وأبناء بغيض ومذحج وأسد وغطفان، فليأتوا
جبّانة كندة، وليمضوا من ثم إلى حجر،
فليأتوني به»[152]، ولكنه التفت إلى
ناحية قبلية مهمة،وهو الخوف من الصراع
والتناحر المباشر بين هذه القبائل المتعاونة
إذا ارسلها مجتمعة، وبذلك يشغلها هذا الصراع
عن مهمة المطاردة لحجر (فكره أن تثير مضر مع
اليمن فيقع شغب واختلاف، وقد تنشب الحميّة
فيما بينهم)[153]، وذلك لان بعض هذه
القبائل، ممن يرتبط بحجر بعلاقة قبلية، في
ذلك الوسط القبلي، ربما تثور حميتها من
مطاردة القبائل الاخرى لزعيم من زعمائها،
وربما كان يخشى أن تتعاطف مع قضية حجر، أو على
الاقل، يتجنب مطاردته، كما فعلت بعض القبائل
حيث انسحبت، ولو أرسلها مجتمعة فربما أثّر
هذا الموقف على سائر القبائل الاخرى.ولذلك
فرّقهم زياد لهذه العوامل، وأرسل كلاً منها
إلى جانب لمحاصرة حجر، ولكن أهل اليمن
لقرابتهم مع قبيلة حجر، كندة، اعتزلوا هذه
العملية، بصورة مباشرة، خوفاً من نشوب صراع
بينهما، فتباطؤوا في العمل دون علم زياد ـ حسب
إشارة أحد زعمائهم ـ ظناً بأن مذحجاً وهمدان
سوف تسبقهم بالقيام بهذه المهمة، وعندما وصلت
مذحج وهمدان إلى مكان اجتماع حجر وأصحابه،
شعر حجر أن لا فائدة من مقاتلتهم لقلة أصحابه،
فأمر أصحابه بعدم القتال، واختفى هو في دار
أحد أصحابه، ولكن بالرغم من ذلك، نشبت معركة
قصيرة بينهما، أدت الى جرح عدد من أتباع حجر،
وأسر آخرين، ولما علم حجر بأن مغبة الامر ليست
في صالحه، أمرهم بترك القتال، وكان صاحب
الدار التي اختفى فيها حجر، قد استعد لمقاتلة
كل من تسول له نفسه الاقتراب من حجر، ولما رأى
حجر أن ذلك يعني تعريض هذا الشخص الى القتل،
للعدد الكبير من الاعداء، ابتعد عن منزله
أيضاً، الى دار شخص آخر من أصحابه، وهو (عبد
الله بن الحارث) أخو الاشتر، وعلم جلاوزة زياد
بذلك، فابتعد أيضاً عن داره إلى دار اُخرى،
وهكذا لم يبق له أثر يدلّ عليه.وبعد أن فشلت،
كل هذه المحاولات، في القبض على حجر، لجأ زياد
إلى عملية خبيثة اُخرى، وهي إثارة الشقاق
والصراع بين أفراد القبيلة الواحدة، فقد (أمر
محمد بن الاشعث الكندي بالقبض عليه هادفاً من
وراء ذلك إلى زرع بذور الشقاق في كندة، وهي من
أقوى قبائل الكوفة، ليستريح من وحدتها، ويلهي
كلاً من أنصار حجر وأنصار محمد بأعدائه
الجدد، ولكن يقظة حجر فوتت على زياد هذه
الفرصة فسلّم نفسه الى السلطة طوعاً) بعد أن
أخذ الامان من زياد حتى يبعثه إلى معاوية ليرى
فيه رأيه، (فبعثوا اليه ـ اي الى حجر ـ رسوله
ذلك يعلمونه ان قد اخذنا الذي تسأل وامروه ان
يأتي، فاقبل حتى دخل على زياد، فقال زياد:
مرحباً بك ابا عبدالرحمن حرب في ايام الحرب
وحرب وقد سالم الناس؟! على اهلها تجني براقش.
قال: ما خالعت طاعة ولا فارقت جماعة واني لعلى
بيعتي. فقال: هيهات هيهات يا حجر تشبح بيد
وتأسو باخرى وتريد إذ امكن الله منك ان نرضى؟
كلا والله. قال: ألم تؤمني حتى آتي معاوية فيرى
فيّ رأيه؟ قال: بلى قد فعلنا، انطلقوا به الى
السجن[154].وهكذا انتهت اولى مراحل الصراع مع
حجر بالقبض عليه وسجنه وبعد ذلك أخذ زياد في
مطاردة اصحاب حجر واحداً بعد آخر واعتقالهم
وإيداعهم السجن، كما فعل بحجر فجمع منهم اثني
عشر رجلاً في السجن.(وجدّ زياد في طلب أصحاب
حجر فهربوا، وأخذ من قدر عليه منهم... فجاء قيس
بن عباد الشيباني إلى زياد فقال له: ان امرأً
منا يقال له صيفي، من رؤوس أصحاب حجر، فبعث
زياد فاُتي به، فقال: يا عدو الله ما تقول في
أبي تراب؟ قال: ما أعرف أبا تراب. فقال: ما
أعرفك به! أتعرف علي بن أبي طالب؟ قال: نعم. قال:
فذاك أبو تراب. قال: كلا ذاك ابو الحسن
والحسين، فقال له صاحب الشرطة: يقول الامير:
هو أبو تراب، وتقول: لا؟ قال: فإن كذب الامير
أكذب أنا وأشهد على باطل كما شهد؟ فقال له
زياد: وهذا أيضاً؟ عليّ بالعصا، فاُتي بها،
فقال: ما تقول في علي؟ قال: أحسن قول. قال:
اضربوه. حتى لصق بالارض، ثم قال: اقلعوا عنه.
ما قولك في علي؟ قال: والله لو شرحتني
بالمواسي ما قلت إلاّ ما سمعت مني، قال:
لتلعننه، أو لاضربن عنقك. قال: لا أفعل.
فأوثقوه حديداً وحبسوه)[155].ويكفي نقل هذه
الخبر عن التعليق عليه، وهو موقف بطولي من
أصحاب حجر، يدلّ على عمق ما يملكونه من ولاء
وإيمان.(فبعث ـ زياد ـ إلى قبيصة بن ضبيعة بن
حرملة العبسي صاحب الشرطة وهو شداد بن الهيثم.
فدعا قبيصة في قومه، وأخذ سيفه فأتاه ربعي بن
حراش بن جحش العبسي، ورجال من قومه ليسوا
بالكثير، فاراد أن يقاتل، فقال صاحب الشرطة:
أنت آمن على دمك ومالك، فلم تقتل نفسك؟ فقال
له أصحاب: قد اومنت فعلام تقتل نفسك وتقتلنا
معك؟ قال: ويحكم إن هذا الدعي ابن العاهرة،
والله لئن وقعت في يده لا أفلت منه أبداً أو
يقتلني. قالوا: كلا. فوضع يده في ايديهم
فأقبلوا به الى زياد، فلما دخلوا عليه قال
زياد: وحي عبس تعزّوني على الدين، اما والله
لاجعلن لك شاغلاً عن تلقيح الفتن والتوثب على
الامراء. قال: اني لم آتك إلاّ على الامان. قال:
انطلقوا به إلى السجن)[156]. وقتل مع من قتل من
أصحاب حجر.ويدلّ هذا الخبر على أن زياداً أعطى
الامان لحجر وأصحابه، ثم غدر بهم. ويدلّ أيضاً
على أن أصحاب حجر كانوا يعلمون سابقاً بأن
القتل مصيرهم.
الشهادة على حجر:إن إعطاء زياد الامان
لحجر وأصحابه لا يعني السكوت عنهم، أو
الاكتفاء باعتقالهم وحبسهم، فقد رأى أن وجود
حجر يشكل خطراً يهدد وجوده ووجود الحكم
الاموي ليس في الكوفة فحسب، بل في العراق عامة.
بل قد يمتد تأثيره الى سائر الاوساط لما عرفته
من قوة شخصيته، وعدالة موقفه، واحقية مطالبه،
فاراد زياد ان يقضي على حركة حجر قضاء تاماً
ليتخلص من هذا الخطر، وذلك بالقضاء على حجر
وجماعته المؤمنين الثائرين ولكن القضاء على
حجر ليس امراً يسيراً كالقضاء على بعض
الافراد، او الشخصيات الاخرى للاسباب
التالية:1 ـ شخصية حجر الاجتماعية بين
المسلمين، بوصفه صحابياً وزعيما دينيا
معروفاً بالثقة والتقوى، فربما بعث قتله
الاستنكار والغضب بين المسلمين، وكذلك لما
لشخصيته من ثقل اجتماعي عند قبيلته كندة، مما
يبعث فيهم الشعور القبلي وطلب الثأر.2 ـ أن
حجراً أخذ الامان من زياد، لذلك لا يستطيع
زياد قتله بعد هذا الامان وإلا أدى ذلك إلى
نشوء تساؤل فتوتر واضطراب داخل الكوفة.3 ـ أن
حجراً أعلن مراراً أنه باق على بيعته
لمعاوية، فلا يكون هناك سبب يبرر قتله، سوى
انكاره على ولاة معاوية في سبّهم للامام(عليه
السلام) في خطبهم، وأمره بالمعروف ونهيه عن
المنكر، فلا يملك ذلك المبرر القوي المبيح
لقتله.وهذه الاسباب وغيرها وضعت زياداً أمام
موقف حرج، فهو من جانب يرى ضرورة القضاء على
حجر وقتله، لتوطيد سلطانه، وتثبيت دعائم
الحكم الاموي، ومن جانب آخر لا يتمكّن من قتله
للاسباب المذكورة، ففكّر في الطريق الذي يلزم
عليه سلوكه في هذا المجال، ولم يجد أفضل من
الشهادة على حجر بأنه قد ارتكب ما يبّرر قتله
من نقضه لبيعة معاوية، ومن تحريضه على نقض
البيعة، والاطاحة بحكمه، وكفره بالله. فهو
بذلك:1 ـ سوف يسلب من شخصية حجر، أو من قضية
مصرعه، تأثيرها الديني والاجتماعي، بشهادة
بعض الشيوخ والافراد الذين لهم تأثيرهم بحسب
بعض الاعتبارات الاجتماعية والقبلية آنذاك.2
ـ سوف يملك معاوية المبرّر الشرعي، كما يتوهم
لقتله، أمام الرأي العام، وهو نقضه لبيعته،
أو العمل على الاطاحة بحكمه، لذلك حينما واجه
حجر معاوية بأنه باق على بيعته له انهار امام
هذا الاعتراف، إلاّ أنه سرعان ما وجد الخلاص،
بأن قال: زياد أصدق من حجر.وفي كل ما تقدم،
رأينا أن زياداً عندما طلب من الشهود الشهادة
أمرهم أن يذكروا في متن الشهادة عناصر لها
أهميّتها في تبرير قتل حجر وجماعته، بحيث
تخدع بعض الافراد، ولو ان الواعين لم تخدعهم
هذه الشهادة، ولذلك استنكر جريمة معاوية
الكثير من الصحابة و غيرهم كما سيأتي ذلك، لان
حجراً لم يقترف ما يبرر قتله بهذه الصورة
الوحشية.
ويذكر المؤرخون في هذا المجال أن
زياداً بعد أن جمع اثني عشر رجلاً من أصحاب
حجر في السجن، بعث إلى رؤوس الارباع ـ لان
الكوفة كانت تقسم إلى أربع مناطق ـ فحضروا
فقال: اشهدوا على حجر بما رأيتموه. وهم عمرو بن
حريث على ربع أهل المدينة، وخالد بن عرفطة على
ربع تميم وهمدان، وقيس بن الوليد على ربع
ربيعة وكندة، وأبو بردة بن أبي موسى الاشعري
على ربع مذحج وأسد، فشهدوا أن حجراً جمع إليه
الجموع، وأظهر شتم الخيلفة، ودعا الى حرب
امير المؤمنين، وزعم ان هذا الامر لا يصلح الا
في آل ابي طالب ووثب بالمصر واخرج عامل امير
المؤمنين، وأظهر عذر أبي تراب والترحّم عليه،
والبراءة من عدوه وأهل حربه، وأن هؤلاء الذين
معه رؤوس أصحابه، وعلى مثل رأيه وامره، ولكن
زياداً لم يجد في متن الشهادة، وفي عدد الشهود
ما يكفي، لذلك أراد أن يذكر في متن الشهادة
بعض المبررات التي تعطيها صفة شرعية تسوّغ
لمعاوية قتلهم أمام الرأي العام، بأن ينصّ
فيها على نقضه للبيعة، ودعوته الناس لنقضها،
وتحريضهم على الاطاحة بالحكم الاموي، وأنه قد
خرج من الدين وكفر بالله، وان لا يقتصروا في
الشهادة على استنكار حجر لسب الامام(عليه
السلام) فحسب.
ولذلك وضع أبو بردة بن أبي موسى ـ
وسيأتي بعض الحديث عنه ـ صيغة اُخرى
للشهادة ارتضاها زياد، لانه كتب فيها العناصر
التي ينشدها زياد (فكتب أبو بردة: بسم الله
الرحمن الرحيم. هذا ما أشهد عليه أبو بردة بن
أبي موسى لله رب العالمين، شهد أن حجراً بن
عدي خلع الطاعة، وفارق الجماعة، ولعن
الخليفة، ودعا إلى الحرب والفتنة. وجمع إليه
الجموع، يدعوهم إلى نكث البيعة وخلع أمير
المؤمنين معاوية، وكفر بالله كفرة صلعاء)[157]،
ومراده من (كفرة صلعاء) انه يوالي الامام عليا(عليه
السلام) كما سيأتي توضيح ذلك وهذا يوجب الكفر
عند زياد وابي بردة.
ومن الواضح إن هذه شهادة زور، ودعوى
باطلة، إذ إن حجراً كان بريئاً من هذه التهم،
ولم يقم بمثل هذه الاعمال التي نصّ عليها في
هذه الشهادة، مع تصريح حجر نفسه، وتصريح سائر
الصحابة والمستنكرين لمصرع حجر.
وشهد مع أبي بردة رؤوس الارباع
الباقون، ولم يكتف زياد بهذا العدد من
الشهود، بل أراد أن يعطي لهذه الشهادة صورة
جماعية، بمستوى الاستفتاء الشعبي، أو على
الاقل بمستوى مجلس أهل الحل والعقد، فجمع
الناس وطلب منهم تأييد هذه الشهادة، فسارع
بعض المنتفعين حتى اجتمع له سبعون رجلاً.
لقد قال زياد عن الصيغة الاولى
للشهادة، وعن عدد الشهود وهم أربعة (ما أظن
هذه شهادة قاطعة وأحب أن يكون الشهود أكثر من
أربعة). ثم بعد أن وضع أبو بردة صيغة الشهادة
الثانية، وأمضاها رؤوس الارباع الباقون قال
زياد: على مثل هذه الشهادة فاشهدوا، اما والله
لاجهدن على قطع عنق الخائن الاحمق. ثم إن
زياداً دعا الناس فقال: اشهدوا على مثل ما شهد
عليه رؤوس الارباع، فقام عناق بن شرحبيل
التيمي أول الناس، فقال: بينوا اسمي، فقال
زياد: ابدأوا بأسامي قريش ثم اكتبوا اسم عناق
في الشهود ومن نعرفه، ويعرفه أمير المؤمنين
بالنصيحة والاستقامة. وكان من جملة الشهود
شداد بن المنذر أخو الحصين بن المنذر، وكان
يدعى ابن بزيعة، فقال زياد: ما لهذا أب يُنسب
إليه ألقوا هذا من الشهود، فقيل له: إنه اخو
الحصين وهو ابن المنذر، قال: فانسبوه الى ابيه
فنسب، فبلغ ذلك شداداً فقال: ويلي على ابن
الزانية، أو ليست اُمّه أعرف من أبيه؟! والله
ما ينسب إلاّ إلى اُمّه سمية[158].
إذن، فكان يختار تلك الاسماء المعروفة
لاعتبارات اجتماعية او قبلية، ويترك الاسماء
غير المعروفة، لتكون الشهادة اكثر وقعاً في
النفوس.
كما انهم أضافوا للشهود أسماء بعض
الشخصيّات آنذاك، دون ان توافق على هذه
الشهادة، امثال شريح بن الحارث، وشريح بن
هانئ، فأما شريح بن الحارث فقال: سألني عنه ـ
أي عن حجر ـ فقلت: أما إنه كان صوّاماً قوّاماً.
وأما شريح بن هانئ، فقال: ما شهدت. ولقد بلغني
أن قد كتبت شهادتي فاكذبته ولمته. وكتب كتاباً
إلى معاوية وبعثه إليه بيد وائل بن حجر، وفي
الكتاب: أما بعد فإنه بلغني أن زياداً كتب
اليك بشهادتي على حجر بن عدي، وإن شهادتي على
حجر، أنه ممن يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة،
ويديم الحج والعمرة، ويأمر بالمعروف وينهى عن
المنكر، حرام الدم والمال، فإن شئت فاقتله،
وإن شئت فدعه. فلما قرأ معاوية الكتاب قال: ما
أرى هذا إلاّ قد أخرج نفسه من شهادتكم[159].
وكتب أيضاً شهادة السري بن وقاص
الحارثي، وهو غائب في عمله.
(فغضبت ربيعة على هؤلاء الشهود الذين
شهدوا من ربيعة وقالوا لهم: شهدتم على
اوليائنا وحلفائنا؟! فقالوا: ما نحن الا من
الناس)[160].
وقد طلبوا من بعض الافراد أن يشهدوا،
ولكنهم لم يستجيبوا له، وهم اسماء بن خارجة
الفزاري، والهيثم بن الاسود النخعي، ودعا
المختار بن ابي عبيد وعروة بن المغيرة بن شعبة
فراغا.
ونحن لو تأمّلنا في الشهادة وظروفها،
وشهودها لرأينا:
1 ـ أن زياداً لم يقتل حجراً بنفسه،
لئلاّ يفقد رصيده في العراق. مركز الشيعة،
ومركز زياد، فإن حدث رد فعل واستنكار بعد ذلك،
فسوف تتجه النقمة إلى معاوية، ليحتفظ هو
بمركزه، كما توجه بالفعل استنكار الامة الى
معاوية، بل ربما يعطي لمعاوية أيضاً سبيل
الخلاص من هذه النقمة والاستنكار، حيث يمكن
لمعاوية أن يلقي اللوم على الشهود، ويجنب
نفسه رياح الثورة والاستنكار، وبذلك يتجنب
زياد نفسه، ويتجنب معاوية ايضاً الضجة التي
سيحدثها مصرع حجر.
2 ـ أن الشهادة اشتملت على العناصر
التي كان ينشدها زياد، لمواجهة الضجة التي
سيحدثها مقتل حجر أو تقليلها، من حيث زيادة
عدد الشهود، وكونهم من الاسماء المعروفة لبعض
الاعتبارات، ومن حيث بنود الشهادة، حيث نص
فيها على نقض حجر لبيعة معاوية وتحريضه الناس
على نقضها، وكفره بالله وخروجه عن الدين،
وهذه العناصر ربما أثرت في اسكات الغضب
الجماهيري الذي سينجم عن قتل حجر وجماعته.
وربما أثرت هذه العناصر على بعض
الافراد غير الواعين، ولكنها لم تؤثر على
أصحاب الوعي الذين عرفوا واقع الشهادة
والشهود، ولذلك استنكروا مقتل حجر، ومن ثم
تسرب هذا الاستنكار إلى سائر الامة. فكان مقتل
حجر من جملة الحوافز التي دفعت بعض الجماعات
للانتفاض بوجه الحكم الاموي.
وعلق الشيخ الاميني على هذه الشهادة،
وهؤلاء الشهود بقوله: (هذه شهادة زور لفقها
ابن أبيه أو ابن امه على أصناف من الناس، منهم
الصلحاء الاخيار الذين اكذبوا ذلك العزو
المختلق، كشريح بن الحارث، وشريح بن هانئ،
ومن حذا حذوهما، وشهدوا بخلاف ما كتب عنهما.
ومنهم من كانوا غائبين عن ساعة الشهادة
وساحتها، لكن يد الافك اثبتتها عليهم كابن
وقاص الحارثي ومن يشاكله. ومنهم رجرجة من
الناس يستسهلون شهادة الزور، ويستسوغون من
جرائها اراقة الدماء، ليس لهم من الدين موضع
قَدم ولا قِدم، كعمر بن سعد، وشمر بن ذي
الجوشن، وشبث بن ربعي، وزجر بن قيس، فتناعقوا
بشهادة باطلة لاجلها وصفهم الدعي بأنهم خيار
أهل المصر وأشرافهم، وذوو النهى والدين. وإن
معاوية جد عليم بحقيقة الحال، لكن شهوة
الوقيعة في كل ترابي[161] حبذّت له قبول
الشهادة المزورة والتنكيل بحجر وأصحابه
الصلحاء الاخيار، فصرم بهم أصول الصلاح، وقطع
أواصرهم يوم أودى بهم، ولم يكترث لمغبة ما ناء
به من عمل غير مبرور، فإلى الله المشتكى)[162].
والحديث عن بعض الشهود وانحرافهم عن
مبادئ الاسلام، أمثال عمر بن سعد وشمر بن ذي
الجوشن وشبث بن ربعي وغيرهم طويل، يعرفه كل من
قرأ تاريخ حياتهم، وجرائمهم في كربلاء
معروفة، ولكن نكتفي هنا بذكر موقف واحد من
مواقف أبي بردة، وهو من رؤوس هذه الشهادة.
قال عنه ابن أبي الحديد: (ومن المبغضين
القالين ـ للامام علي(عليه السلام) ـ أبو
بُردة بن أبي موسى الاشعري، ورث البغضة له
لاعن كلالة[163]. وروى عبد الرحمن
بن جندب قال، قال: ابو بردة لزياد: اشهد ان حجر
بن عدي قد كفر بالله كفرة أصلع. قال عبدالرحمن:
إنما عنى بذلك نسبة الكفر إلى علي بن أبي طالب(عليه
السلام)، لانه كان اصلع. قال: وقد روى عبد
الرحمن المسعودي عن ابن عياش المنتوف، قال:
رأيت أبا بردة قال لابي العادية الجهني قاتل
عمار بن ياسر: أأنت قتلت عمار بن ياسر؟ قال:
نعم. قال: ناولني يدك، فقبلها وقال: لا تمسّك
النار أبداً)[164].
وقد تنكر أبو بردة في موقفه هذا للكثير
من الاحاديث التي وردت عن الرسول(صلى الله
عليه وآله وسلم)في عمار منها: «ما لهم ولعمار!
يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار» ومنها
قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «من عادى
عماراً عاداه الله، ومن أبغض عماراً أبغضه
الله»[165].
ومما يجدر الاشارة إليه موقف اهل
الكوفة من حجر وجماعته، حيث لم يندفعوا
للدفاع عنه، والوقوف بوجه زياد، او منعه عن
السير بهم الى معاوية، بعد ان كانوا ملتفين
حول حجر ومؤيدين لحركته. وهناك عوامل كثيرة
ادت الى حصول هذا الموقف، ومنها اساليب
الترهيب والاغراء التي استخدمها زياد
ومعاوية وغيرهما من الحكّام والولاة، التي
صنعت مثل هذه الحالة بين المسلمين، بالرغم من
احساسهم الداخلي ببشاعة اعمال الحكام
والولاة، وانحرافها عن الاسلام، ومواقفهم
المجرمة بحق اهل البيت(عليهم السلام)والموالين
لهم. وليس هذا الموقف من اهل الكوفة اول موقف
ولا آخره، فقد وقفوا امثاله مع الامام امير
المؤمنين(عليه السلام) والامام الحسن(عليه
السلام) قبل حجر، وكذلك مع الامام الحسين(عليه
السلام)في واقعة الطف الدامية ومع زيد في
ثورته، وغيرها، بالرغم من شعورهم بالاستنكار
لمواقف السلطات الحاكمة. وكان مثل هذا الشعور
بالندم والاستنكار احيانا يغلي في نفوسهم،
ويفجر بعض الانتفاضات بوجه السلطات المجرمة،
امثال حركة التوّابين ولكن بعد فوات الاوان. |
|
[134] يراجع شرح نهج
البلاغة ج 16 / ص 180.
[135] مروج الذهب ج 3 / ص
26.
[136] الدرجات الرفيعة /
ص 6.
[137] مروج الذهب ج 3 / ص
26.
[138] لاتتحم : لا تتورع .
[139] الطبري ج 4 / ص 188.
[140] المصدر السابق.
[141] الدرجات الرفيعة /
ص 426.
[142] الدرجات الرفيعة /
ص426.
[143] الاغاني ج 16 / ص4.
[144] الطبري ج 4 / ص 189.
[145] الطبري ج4 / ص189.
[146] الاغاني ج 16 / ص 4.
[147] تاريخ اليعقوبي ج
2 / ص 217.
[148] الاغاني ج 16 / ص 5.
[149] الطبري ج 4 / ص90.
[150] الدرجات الرفيعة /
ص 427.
[151] الاغاني ج 6 / ص 16.
[152] الاغاني ج 16 / ص 7.
[153] المصدر السابق.
[154] تاريخ الطبري ج4 /
ص196.
[155] الكامل ج3 / ص477،
والطبري ج4 / ص198.
[156] الطبري ج4 / ص197.
[157] الاغاني ج 16 / ص 11،
والطبري ج 4 / ص 200.
[158] يراجع الطبري ج 4 /
ص 201.
[159] يراجع الطبري ج 4 /
ص 201، والاغاني ج 16 / ص 13.
[160] الطبري ج 4 / ص 200.
[161] نسبة إلى أبي تراب
الامام علي عليه السلام.
[162] الغدير ج 11 / ص 48.
[163] أي لم يرثه عن عرض
بل قرب، يريد أنه ورث البغض عن أبيه أبي موسى
الاشعري.
[164] شرح نهج البلاغة ج
4 / ص 99.
[165] شرح نهج البلاغة ج
3 / ص 52. |
|
|