دوره في صفين:
ذكرنا أقوال العلماء أنه شارك في صفين.قال
في الاستيعاب: «وكان على كندة يوم صفين»[101]،
إذن فقد كان من قادة الجيش العلوي في صفين. وفي
الاصابة: «وذكره يعقوب بن سفيان في اُمراء علي
يوم صفين»[102]، وفي البحار: «وأمّر علي(عليه السلام)حجر
بن عدي الكندي على كندة وحضرموت وقضاعة ومهرة»[103].وفي
الكامل حول صفين: «فكان علي(عليه السلام)
يُخرج مرّة الاشتر، ومرة حجر بن عدي الكندي..»[104]
ولعل مراده لقياة الجيش.وقال عنه السبيتي: «وكان
حجر من الرؤساء الذين تركّزت عليهم صفين،
فإنه كان من كندة، وكندة يخرج منها اثنا عشر
ألف سيف، وهو شجاع معدود من شجعان الكوفة
وفرسانها»[105].وفي صفين حين استشار الامام(عليه
السلام) اصحابه في الحرب، قام له أصحابه
واحداً بعد الاخر يبذلون الطاعة والنصر، وقام
حجر وقال: «يا أمير المؤمنين، نحن بنو الحرب
وأهلها الذين نلقحها وننتجها، وقد ضاربتنا
وضاربناها، ولنا أعوان ذوو صلاح وعشيرة ذات
عدد، ورأي بحرب وبأس محمود، وازمتنا منقادة
لك بالسمع والطاعة، فإن شرّقت شرّقنا وان
غرّبت غرّبنا. وما امرتنا به من امر فعلناه،
فقال علي(عليه السلام): أكلّ قومك يرى مثل
رأيك؟ قال: ما رأيت منهم إلاّ حسناً، وهذه يدي
عنهم بالسمع والطاعة وحسن الاجابة، فقال له
علي(عليه السلام)خيراً»[106].ويظهر منه أنه كان
زعيم قومه، وأنه كان شجاعاً مقداماً، وكذلك
يظهر منه إيمانه بالولاء إلى حد التضحية.ومن
مواقفه في صفين ما ذكروه: «وخرج أدهم بن لام
القضاعي مرتجزاً ـ مخاطباً سعيد بن قيس ـ :اثبت
لوقع الصارم الصقيلفانت لا شك أخو قتيلفقتله
حجر بن عدي، فخرج الحكم بن الازهر قائلاً:ياحجر
حجربن عدي الكندياثبت فإني ليس مثلي
بعديفقتله حجر، فخرج مالك بن مسهر القضاعي
يقول:اني أنا مالك وابن مسهرأنا ابن عمّ الحكم
بن الازهرفاجابه حجر:إني حجر وانا ابن مسعر
أقدم إذا شئت ولا تؤخر»[107]وفي شرح نهج البلاغة:
«قال نصر: فحدثنا عمرو بن شمر عن جابر عن
الشعبي أن أول فارسين التقيا في هذا اليوم ـ وهو
اليوم السابع من صفر، وكان من الايام العظيمة
في صفين، ذا أهوال شديدة ـ حجر الخير، وحجر
الشر، امّا حجر الخير فهو حجر بن عدي، صاحب
أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام)،
وأما حجر الشر فابن عمه، كلاهما من كندة، وكان
من أصحاب معاوية، فاطّعنا برمحيهما، وخرج رجل
من بني أسد، يقال له خزيمة، من عسكر معاوية
فضرب حجر بن عدي ضربة برمحه، فحمل أصحاب علي(عليه
السلام) فقتلوا خزيمة الاسدي، ونجا حجر الشرّ
هارباً، فالتحق بصف معاوية»[108].وروى نصر
بن مزاحم أن عمرو بن الحمق قال لامير المؤمنين(عليه
السلام)في يوم من أيام صفين: «والله يا أمير
المؤمنين إني ما أجبتك ولا بايعتك على قرابة
بيني و بينك، ولا إرادة مال تؤتينيه ولا
التماس سلطان ترفع ذكري به، ولكن أجبتك بخصال
خمس: أنك ابن عم رسول الله ووصيّه، وأبو
الذريّة التي بقيت فينا من رسول الله، وأسبق
الناس إلى الاسلام، وأعظم المهاجرين سهماً في
الجهاد، فلو أني كُلفت نقل الجبال الرواسي
ونزح البحور الطوامي، حتى يأتي عليّ يومي في
أمر اُقوي به وليّك، وأوهن به عدوّك، ما رأيت
أني قد أدّيت فيه كلّ الذي يحقّ عليّ من حقك،
فقال علي(عليه السلام): اللهم نوّر قلبه
بالتقى، واهده إلى صراطك المستقيم، ليت أن في
جندي مائة مثلك، فقال حجر: إذاً والله يا أمير
المؤمنين صحّ جندك، وقل من يغشّك»[109].ولهذا
السبب طارد معاوية وولاته وأبناؤه أمثال
هؤلاء المؤمنين الصامدين، وعزموا على قتلهم،
وحاربوا ولاءهم ومبادئهم، لانهم خافوا
انتشار هذا الصمود والولاء والمبادئ في
الامة، وبذلك يستحيل القضاء عليها، ويتزعزع
النظام الاموي وسلطانه.دوره مع الخوارج:وكان
من قادة جيش الامام (عليه السلام) الذي خرج
لحرب الخوارج. ذكر في الاستيعاب: «وكان على
الميسرة يوم النهروان»[110].وفي الكامل أنه «كان
من الذين جمعوا الناس لقتال الخوارج في
النهروان»[111].
مواقفه القتالية الاخرى:
وبعد صفين كان معاوية يبعث الغارات
على المدن التي كانت تحت سيطرة الامام(عليه
السلام)، وترتكب ابشع الجرائم فيها.ويذكر
الكامل: «وجّه معاوية الضحّاك بن قيس، وأمره
أن يمرّ بأسفل واقصة ويغير على كل من مرّ به
ممن هو في طاعة علي من الاعراب، وأرسل ثلاثة
آلاف رجل معه، فسار الناس، وأخذ الاموال،
ومضى إلى الثعلبية، وقتل وأغار على مسلحة
علي، وانتهى إلى القُطقُطانة، فلما بلغ ذلك
علياً أرسل إليه حجر بن عدي في أربعة آلاف،
وأعطاهم خمسين درهماً، خمسين درهماً، فلحق
الضحّاك بتدمر فقتل منهم تسعة عشر، وقتل من
أصحابه رجلان، وحجز بينهما الليل، فهرب
الضحّاك وأصحابه، ورجع حجر ومن معه»[112].وفي
أواخر حياة الامام(عليه السلام)، كانت غارة
سفيان بن عوف الغامدي على الانبار من قبل
معاوية، وقد تقاعس الناس وتكاسلوا عن
الاستجابة للامام(عليه السلام)، والتهيؤ
لمحاربة معاوية، ولكن كانت هناك جماعة من
الابطال استعدّوا للتضحية والقتال، «فقام
حجر بن عدي الكندي وسعيد بن قيس الهمداني
فقالا: لايسوؤك الله يا أمير المؤمنين، مرنا
بأمرك نتبّعه، فوالله ما نعظم جزعاً على
أموالنا إن نفدت، ولا على عشائرنا إن قتلت في
طاعتك، فقال: تجهّزوا للمسير إلى عدوّنا»[113].وأخيراً
نذكر ما قاله الشيخ المامقاني حول مواقف حجر
البطولية مع الامام(عليه السلام): «وما يشهد
بعدالته تأمير أمير المؤمنين(عليه السلام)
إيّاه تارة في صفين على كندة وحضرموت وقضاعة،
واُخرى بعد صفين عقد له على أربعة آلاف وسرحه
لرد غارة الضحّاك بن قيس الفهري ... فإنه لا
يعقل تأميره(عليه السلام) غير العادل والثقة
المأمون»[114].
دوره حين شهادة الامام(عليه
السلام):
وأخيراً.. كان موقفه حين قتل الامام (عليه
السلام) بيد المجرم ابن ملجم بتحريض من
الاشعث، حيث يذكر التاريخ أنه عرف القاتل
والذين حرّضوه، بعد أن سمع الواعية من
المسجد،فقد ذكر ابن أبي الدنيا في كتابه: (مقتل
أمير المؤمنين(عليه السلام)): «حدثنا الحسين،
قال: حدثنا عبد الله، قال: حدثني عبد الله بن
يونس بن بكير، قال: حدثني أبي عن عبدالغفار بن
القاسم الانصاري، قال: سمعت غير واحد يذكر أن
ابن ملجم بات عند الاشعث بن قيس، فلما أسحر
جعل يقول له، اصبحت، وكان حجر مؤذنهم، فخرج
حجر وأذّن، فلم يكن أسرع من أن سمع الواعية،
فجعل حجر ينادي فوق المنارة: قتله الاعور ـ
وكان الرجل أعور ـ وكان علي يسميه عرف النار».وفيه
«حدثنا الحسين، قال: حدثنا عبد الله، قال:
حدثني أبي عن هشام بن محمد، قال: حدثني عوانة
بن الحكم أن حجر بن عدي لما انصرف الناس من
صلاة الغداة من مسجد الاشعث، وكان حجر بن عدي
إمامهم، فلما سلّم قال الناس: ضرب أمير
المؤمنين الليلة، فنظر حجر إلى الاشعث فقال:
ألم أر ابن ملجم معك وأنت تناجيه تقول له: فضحك
الصبح؟ والله لو أعلم ذلك حقاً لضربت أكثرك
شعراً، فقال: إنك شيخ قد خرفت»[115].ويظهر من
هذا الخبر أن حجراً كان إمام مسجد، وكان شيخاً
حين قتل الامام(عليه السلام).وقد ذكر المفيد
في الارشاد، وأبو الفرج الاصفهاني في مقاتل
الطالبيين، وابن أبي الحديد في شرح النهج، أن
حجراً كان قد أحس بعزم ابن ملجم على قتل
الامام(عليه السلام) بتحريض من الاشعث، فأسرع
ليخبر الامام(عليه السلام)بهذه المؤامرة
لاغتياله، ولكن سبقه المجرم القاتل، ولم
يتمكن حجر من إعلام الامام(عليه السلام) بذلك.قال
أبو الفرج: «وقد كان ابن ملجم أتى الاشعث بن
قيس في هذه الليلة، فخلا به في بعض نواحي
المسجد، ومر بهما حجر بن عدي فسمع الاشعث وهو
يقول لابن ملجم: النجاء النجاء بحاجتك، فقد
فضحك الصبح، فقال له حجر: قتلته يا أعور، وخرج
مبادراً إلى علي، وقد سبقه ابن ملجم فضربه،
فاقبل حجر والناس يقولون: قُتل أمير المؤمنين»[116].ويذكر
التاريخ أن الامام(عليه السلام) لما ضربه ابن
ملجم، دخل الناس عليه فقال(عليه السلام): «أيها
الناس اسألوني قبل أن تفقدوني، وخفّفوا
سؤالكم لمصيبة إمامكم، قال: فبكى الناس عند
ذلك بكاءً شديداً واشفقوا أن يسألوه تخفيفاً
عنه، فقام إليه حجر بن عدي الطائي فقال
ابياتاً مطلعها:فيا اسفي على المولى التقيابو
الاطهار حيدرة الزكيقتله كافر حنث زنيملعين
فاسق نغل شقيفيلعن ربنا من حاد عنكمويبرأ
منكم لعناً وبيلانكم بيوم الحشر ذخريوانتم
عترة الهادي النبيفلما بصر به وسمع شعره، قال
له: كيف لي بك إذا دعيت إلى البراءة مني فما
عساك أن تقول؟ فقال: والله يا أمير المؤمنين
لو قطعت بالسيف إرباً إرباً، واُضرم لي النار
وألقيت فيها لاثرت ذلك على البراءة منك، فقال:
وفقت لكل خير يا حجر، جزاك الله خيراً عن أهل
بيت نبيّك»[117].مع الامام الحسن(عليه
السلام):وكان له دور أيضاً في زمان خلافة
الامام الحسن(عليه السلام). قال أبو الفرج
الاصفهاني: «فاجتمعت العساكر إلى معاوية بن
أبي سفيان، وسار قاصداً إلى العراق، وبلغ
الحسن خبر سيره، وأنه بلغ جسر منبج، فتحرّك
لذلك وبعث حجر بن عدي يأمر العمال والناس
بالتهيؤ للمسير»[118].وبتعبير ابن أبي
الحديد: «فوجّه حجر بن عدي يأمر العمال
بالاحتراس ويذبّ الناس فسارعوا»[119].ولكن بقي
موقف من حجر يثير التساؤل والاستغراب، وهو
موقفه من صلح الامام الحسن(عليه السلام).فقد
ذكر المدائني وغيره: «أنه لما كان من صلح
الحسن(عليه السلام)لمعاوية ماكان دخل عبيدة
بن عمرو الكندي، وهو من قوم حجر بن عدي، على
الحسن(عليه السلام)، وكان على وجهه ضربة
أصابته وهو مع قيس بن سعد بن عبادة، فقال
الحسن(عليه السلام): مالذي أرى بوجهك؟ فقال:
جرح أصابني مع قيس. فالتفت حجر إلى الحسن(عليه
السلام)، فقال: لوددت أنك متّ قبل هذا اليوم
ومتنا معك، ولم يكن ما كان! إنا رجعنا راغمين
بما كرهنا، ورجعوا مسرورين بما أحبّوا، فتغير
وجه الحسن(عليه السلام)، وغمز الحسين(عليه
السلام)حجراً فسكت. فقال الحسن: ياحجر، ليس كل
الناس يحب ما تحب ولا رأيه رأيك، وما فعلت ما
فعلت إلاّ إبقاءً عليكم، والله كل يوم في شأن».وعلّق
السيد الامين على هذه الحادثة: «ولا شك أن هذا
الكلام فيه سوء أدب من حجر مع الحسن(عليه
السلام)، ولكنّه دعاه إليه شدة الحب وزيادة
الغيظ مما كان»[120].وعلق التستري: «ولعلّه
لفرط اسفه من تسلّط معاوية لم يفهم ماقال»[121].وإذا
صحّت هذه القصّة ولم نشكك في صحتها وسندها كما
ناقش البعض في سند امثال هذه المواقف التي
وقفها بعض اصحاب الامام(عليه السلام) من قضية
الصلح[122]. فلم يكن دافع حجر إلى هذا الكلام،
وكما ذكره السيد الامين، إلاّ شدّة الحب،
وزيادة الغيظ مما كان، وفي جواب الامام(عليه
السلام) مايظهر منه مدحه لشجاعة حجر وولائه،
وكذلك كشف له الامام(عليه السلام) عن موقف
الكثير من المحيطين به وأنهم لا يملكون شجاعة
حجر وولاءه، وأطلعه بإيجاز على بعض الدوافع
التي دفعته لهذا الموقف المسالم، ومنها
الحفاظ على البقية الباقية من المؤمنين، حتى
لا تخلو الارض من رسل الهداية والنور، ليؤدّي
بقاؤهم إلى الحفاظ على صوت الاسلام الاصيل
الذي يحمل لواءه هذه البقية الباقية من
الابطال المؤمنين، وحتى تحين الفرصة
المناسبة لاتخاذ الموقف الحاسم من النظام
الغاشم، ونحن نعلم ان من أسباب الصلح تخاذل
المحيطين بالامام(عليه السلام).وربما كان حجر
يعلم بكل هذه الاسباب والظروف، ولكنه كان
متألّماً لوقوع الامام(عليه السلام) في مثل
هذه الظروف الصعبة، التي دفعته لهذا الصلح،
كما ان الامام(عليه السلام)بنفسه كان متألماً
لحصول مثل هذه الظروف والاسباب، وتخاذل
اصحابه، كما كان الامام أمير المؤمنين(عليه
السلام) قبله قد تألم من غدر البعض من أتباعه،
ومن الظروف السيئة المحيطة به.ولعل السبب في
موقف حجر وأمثاله، من أصحاب الامام الحسن(عليه
السلام)من الصلح، أنه في تلك الاجواء
المحمومة لم تكن ظروف الصلح وعوامله واضحة
عند البعض، كما عرفت بعد ذلك، في الاجيال
اللاحقة، نتيجة للدراسات والبحوث التي قام
بها الباحثون والعلماء لظروف تلك المرحلة،
وعواملها. بل ربما يصح القول بأن معتقدات
الامامية وخاصة غير الرئيسية، بالنسبة لجميع
الشيعة، إلاّ القلّة منهم، لم تكن بمثل هذا
الوضوح الذي نملكه اليوم، بعد هذا التاريخ
الطويل من الجهود الكبيرة التي بذلها أئمتنا(عليه
السلام)وعلماؤنا في مجال توضيح هذه المعتقدات
وترسيخها. ويلاحظ أمثال هذه المواقف
والتساؤلات عند البعض من أصحاب الائمة(عليهم
السلام) المؤمنين الذي لا يشك أحد في إخلاصهم
وولائهم، وقد درس بعض العلماء والباحثين هذه
الظاهرة حين دراستهم لظاهرة الغلوّ، أو نسبة
الغلو لبعض أصحاب الائمة(عليهم السلام)أو
الشيعة، وتعرّضنا لها بايجاز في دراستنا
للعبدي. وهذه الفكرة، وهي مدى وضوح المعتقدات
وبلورتها وبقائها عبر التاريخ الطويل أو
تغيرها، تحتاج لدراسة علمية موسعة في هذا
المجال.ولعل حجراً أراد التساؤل من الامام
الحسن(عليه السلام) عن أسباب هذا الموقف،
ليكشف بعض تلك الاسباب له وللاخرين.وربما
كانت القصة منحولة أساساً، لان حجراً لو كان
يستهدف الاستنكار حقاً، لما كان هذا يتلاءم
واعتقاده الشديد بإمامة أهل البيت(عليهم
السلام)، هذا الاعتقاد الذي حمله خلال حياته،
قبل الامام الحسن(عليه السلام) وبعده، حتى
استشهد في سبيله.وعلى كل حال. ليس في موقف حجر
هذا ما يسيء إلى شخصيته وعقيدته، كما يظهر ذلك
من سيرة حياته قبل هذا الموقف وبعده، ومن مدح
الامام الحسن(عليه السلام) له بعد ذلك، ومدح
الامام الحسين(عليه السلام) له أيضاً، ومدح
سائر الشيعة المؤمنين.قبل استعراض هذه
الواقعة الدامية، لابد من التمهيد بالبحث
وبايجاز عن أساليب معاوية وممارساته خلال
حكمه. هذه الاساليب والممارسات التي حفزت
حجراً، وأمثاله على التحرك والمواجهة اللذين
أدّيا بطبيعة الحال إلى القتل الذي هو
النتيجة الحتمية في زمن الارهاب لكل من
تحدّثه نفسه بتحدي سياسة معاوية.اساليب
معاوية وممارساته:أدرك معاوية، من خلال
تجاربه منذ بعثة الاسلام، حتى توفرت الظروف
لاستيلائه على زمام الخلافة الاسلامية، أن
الاسلام الاصيل المتجسد بحمَلَته الواعين
والملتزمين بولاية أهل البيت(عليهم السلام)
يشكل العقبة الكأداء الوحيدة في مواجهة نظامه
وأهوائه وأطماعه، لذلك استخدم مختلف
الاساليب من اجل القضاء عليها، حتى يستتب له
الامر. وأساليبه كثيرة في هذا المجال، لما
يتمتع به من دهاء، فإنه كان من دهاة العرب،
كما يقولون، وقد ذكر الباحثون هذه الاساليب،
ونحن نشير إليها بإيجاز مع عدم ذكر الشواهد
عليها، ونحن نلاحظ انه استخدم اساليب فرعون
بل زاد عليها. وقد اشار القرآن الكريم الى
اساليب فرعون بقوله: (إن فرعون علا في الارض
وجعل اهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبّح
ابناءهم ويستحيي نساءهم انه كان من المفسدين)[123]
حيث تشير الى انه استخدم اسلوب التفرقة
والارهاب، والفساد الاخلاقي.1 ـ مطاردة
الموالين للامام(عليه السلام)، الذي كان يمثل
في سيرته وخلافته ومبادئه العدالة والاسلام
الصحيح، أي مطاردة الوعي الاسلامي، والافراد
الملتزمين به.2 ـ محاربة الاحاديث التي وردت
عن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في فضائل
أهل البيت(عليهم السلام)ومطاردة الذين يروون
هذه الاحاديث والفضائل، وكذلك وضع الاحاديث
الكاذبة التي تمدح معاوية وامثاله وتدعم
سلطته، وتذم أهل البيت(عليهم السلام)والمؤمنين
المخلصين، وكذلك سب الامام(عليه السلام)
واتباعه على المنابر، وتمجيد معاوية وبني
اُمية وزمرتهم، وفرض ذلك على العمال
والخطباء، وتنشئة الجيل عليها، وقد يضاف لذلك
عقيدة المرجئة التي أخذت تتسرب إلى النفوس،
وتشجيع الحكم الاموي عليها، ليبرّر بها
منكراته وأعماله المنحرفة.3 ـ اغراء محبي
الدنيا، ورؤساء القبائل وغيرهم من الافراد
الطامعين بالثروة والمنصب، وضعاف العقيدة
والضمير، بمختلف المغريات من الاموال
والمناصب، كما فعله مع زياد وعمرو بن العاص.4 ـ
إعادة النزعة القبلية والعصبية الجاهلية،
وهذه تؤدي الى التفرقة والتنازع بين طوائف
الامة، الامر الذي يؤدي بدوره إلى الضعف
والفشل، (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم)[124].5
ـ التشجيع على نشر المجون والفساد الاخلاقي
في الامة الاسلامية، من أجل تخديرها وقتل
العقيدة بل الوعي وروح الفتوة ايضاً، وخاصة
في المراكز الدينية المهمة كمكة والمدينة،
وتلك البلدان التي يتوقع منها الثورة.6 ـ
اتباع سياسة الارهاب، من أجل اخماد الانفاس،
وعدم التفكير في التحرّك، ومواجهة أي تحرك
بأقسى مواجهة وأشدّها.هذه وغيرها بإيجاز،
أساليب وممارسات استخدمها معاوية من أجل
تثبيت عرشه، والوصول لاطماعه، وخنق الوعي
الاسلامي، وإسكات الاصوات الرافضة. لقد أراد
معاوية أن ينشأ الجيل بل الاجيال اللاحقة من
خلال أساليبه هذه، على تربية منحرفة بعيدة عن
الروح الاسلامية، بل تحريف الدين نفسه وعرضه
بصورة مشوّهة، فقد صرح هو نفسه بذلك، حينما
أمر العمال والخطباء أن يسبوا الامام(عليه
السلام)على المنابر، وأنه سيستمر في ذلك «حتى
ينشأ أو يربو عليه الصغير، ويهلك أو يهرم عليه
الكبير»[125]، ولولا الدماء الزكية لحجر وأمثاله،
ولولا التحدي الذي قام به بعض المؤمنين
الواعين، بالرغم من كل أساليب التحريف
والارهاب والاغراء، لتمكن معاوية وخلفاؤه
وجلاوزته، من تحقيق أهدافهم.لقد أدرك معاوية
وزمرته أن الاسلام الاصيل يعرقل أطماعهم
ويهدم سلطانهم، لذلك حاولوا ضربه وضرب
الافراد الثابتين عليه.وكانت تحيط به حاشية
تملك نفس الاطماع والانحرافات، وتتصف
بالدهاء والشيطنة، لذلك كانت تخطط له
الاساليب والممارسات التي يلزم على معاوية
استخدامها في هذا المجال.لذلك كان معاوية هو
وزمرته يرسمون الخطط المدروسة في هذا المجال،
وينفذونها بكل دقة[126].يقول ابن أبي
الحديد، في (أخبار متفرقة عن معاوية): «وقد طعن
كثير من أصحابنا في دين معاوية، ولم يقتصروا
على تفسيقه، وقالوا عنه: إنه كان ملحداً، لا
يعتقد النبوّة، ونقلوا عنه في فلتات كلامه
وسقطات الفاظه ما يدل على ذلك». ثم ينقل عن
الزبير بن بكار في الموفقيات عن المطرّف بن
المغيرة بن شعبة ما يدل على ذلك، ثم يقول: (وأما
أفعاله المجانبة للعدالة الظاهرة من لبسه
الحرير، وشربه في آنية الذهب والفضة، حتى
أنكر عليه أبو الدرداء، فقال له: إني سمعت
رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: إن
الشارب فيهما ليجرجر في جوفه نار جهنم. وقال
معاوية: أما أنا فلا أرى بذلك بأساً. فقال أبوا
الدرداء: من عذيري من معاوية؟ أنا أخبره عن
الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يخبرني
عن رأيه! لا أساكنك بارض أبداً).نقل هذا الخبر
المحدثون والفقهاء في كتبهم في باب الاحتجاج...
وهذا الخبر يقدح في عدالته كما يقدح في عقيدته...
ومن المعلوم أيضاً من حالة استئثاره بمال
الفيء، وضربه من لا حدّ عليه، واسقاط الحد عمن
يستحق إقامة الحد عليه، وحكمه برأيه في
الرعية وفي دين الله، واستلحاقه زياداً، وهو
يعلم قول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):
«الولد للفراش وللعاهر الحجر»، وقتله حجر بن
عدي وأصحابه ولم يجب عليهم القتل، ومهانته
لابي ذر الغفاري، وجبهه وشتمه وإشخاصه إلى
المدينة على قتب بغير وطاء لانكاره عليه،
ولعنه علياً حسناً وحسيناً وعبدالله بن عباس
على منابر الاسلام، وعهده بالخلافة إلى ابنه
يزيد مع ظهور فسقه وشربه للسكر جهاراً، ولعبه
بالنرد، ونومه بين القيان المغنيات،
واصطباحه معهن، ولعبه بالطنبور بينهن،
وتطريقه بني امية للوثوب على مقام رسول الله(صلى
الله عليه وآله وسلم) وخلافته حتى افضت إلى
يزيد بن عبد الملك، والوليد بن يزيد
المفتضحين الفاسقين..»[127].وقال الشيخ محمد
جواد مغنية في الشيعة والحاكمون: (وإلى جانب
قطع الرؤس والايدي والارجل والصلب ودفن
الاحياء، فقد كان سجن معاوية يغص بالشيعة
رجالاً ونساء، وكان معاوية يزور هولاء
السجناء يبرد من غلته، ويخفف عنه ألم الحقد
واللؤم، ولكن سجناء الشيعة كانوا يسمعونه ما
يزيده حرقة وألماً، معاوية يقتل الابرياء
صبراً، ويدفنهم أحياءً، ويقطع رؤوس الرجال
ويهديها الى نسائهم المسجونات، ويشرد
بالطيبين، ويسجنهم تحت الارض، ويقطع الايدي
والارجل، فعل هذا وأكثر من هذا بشيعة علي، بعد
أن بايعوه وانقادوا له لايخرجون من طاعة ولا
يفارقون الجماعة، ومع ذلك قال قائل: كان
معاوية رقيقاً حليماً كريماً»[128].وفي
الدرجات الرفيعة: «وروى أبو الحسن علي بن محمد
بن أبي يوسف المدائني في كتاب الاحداث قال: (كتب
معاوية نسخة واحدة إلى عماله بعد عام المجاعة
أن برئت الذمة ممن روى شيئاً من فضل أبي تراب
وأهل بيته، فقامت الخطباء في كل كورة وعلى كل
منبر يلعنون علياً، ويبرؤون منه، ويقعون فيه
وفي أهل بيته، وكتب معاوية الى عماله في جميع
الافاق أن لا يجيزوا لاحد من شيعة علي (عليه
السلام)وأهل بيته شهادة، فلبثوا بذلك حيناً،
ثم كتب إلى عماله أن الحديث في عثمان قد كثر
وفشا في كل مصر وفي كل وجه وناحية، فإذا جاءكم
كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضل
الصحابة والخلفاء الاولين لاتتركو خبراً
يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلا
وائتوني بمناقض له من الصحابة، فإن هذا أحب
إلي وأقر لعيني وأدحض لحجة أبي تراب وشيعته،
فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة
لا حقيقة لها، حتى اشادوا بذكر ذلك على
المنابر، والقي إلى معلمي الكتاب، فعلموا
صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع حتى
رووه وتعلموه كما يتعلمون القرآن، فلبثوا
بذلك ماشاء الله تعالى، ثم كتب إلى عماله نسخة
واحدة إلى جميع البلدان: انظروا من قامت عليه
البينة أنه يحب علياً وأهل بيته فامحوه من
الديوان واقطعوا عطاءه ورزقه وشفع ذلك بنسخة
أخرى: من إتهمتموه بمولاة هؤلاء القوم فنكلو
به واهدموا داره، فلم يكن البلاء اشد ولا اكثر
منه بالعراق ولا سيما بالكوفة..»[129].وكما
يلاحظ القارئ، فإن هذه أساليب ومخططات مدروسة.
أساليب ميكافيلية لا يتورع فيها معاوية، عن
استخدام أبشع الممارسات في مطاردة الوعي
الاسلامي وفي تشويه الاسلام وتحريفه، وتربية
الناس على مبادئ منحرفة توطد له سلطانه حيث
يتدرج في تغيير الامة من مرحلة لاخرى بما يحقق
هدفه من تغييرهم تماماً. ومن الشواهد
البارزة، على عدم التزام معاوية بالاسلام، بل
محاربته للاسلام والمسلمين، والشواهد كثيرة،
موقفه من حجر بن عدي، كما أشارت لذلك عائشة
حينما أنّبت معاوية على قتله لحجر وأصحابه،
وكذلك موقف الكثير من الصحابة والتابعين من
معاوية حول هذه المجرزة، بل إحساس معاوية
نفسه، بمخالفته للاسلام، في هذه الجريمة
البشعة، وسنذكر كل ذلك لاحقاً.حكاية مقتل حجر:في
البداية يجدر أن نقول: إن النبي(صلى الله عليه
وآله وسلم)، وكذلك الامام علي(عليه السلام)،
قد أخبرا عن مقتل حجر، وقد ذكرنا هذه الاحاديث
خلال هذه الدراسة.أما حكاية مقتله، بواعثها،
وظروفها، ووقائعها ونتائجها، فقد ذكرها أكثر
المؤرخين، الذين بحثوا عن حجر، وما يلاحظ في
أحاديثهم:1 ـ أن بعض المؤرخين يكتفي بحديث
قصير حول مقتل حجر، ولا يتوسع كثيراً في
تفصيلاته، كما فعل ذلك المسعودي في مروج
الذهب، وابن سعد في الطبقات.2 ـ وهناك من بحث
بتوسع عن مصرعه، واستعرض شتى الظروف التي
أحاطت به، كما فعل الطبري في تاريخه،
والاصفهاني في الاغاني، وابن الاثير في
الكامل.3 ـ ولكن رغم التشابه في أحاديثهم،
إلاّ أن هناك بعض الاختلافات بينهم في بعض
النقاط.وسوف نبحث بالتفصيل عن مصرع حجر
وجماعته.وفي البدء لابد أن نعرف أن حجراً عاصر
من ولاة معاوية المغيرة بن شعبة، وزياد بن
سمية، وله معهما مواقف بطولية سجلها التاريخ.ويجدر
بنا ان نبحث بايجاز حول المغيرة وزياد.المغيرة
بن شعبة:ذكر المؤرخون أن دهاة العرب خمسة، وهم:
معاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة،
وقيس بن سعد، وعبدالله بن بديل، وكان قيس وعبد
الله بن بديل، مع علي، والمغيرة بن شعبة
معتزلاً بالطائف حتى حكم الحكمان[130].ونذكر
هنا بعض مواقفه وأعماله، مما يعرفنا بايجاز
على مزاجه، وصفاته.لقد حث الامام(عليه السلام)
على استبقاء معاوية وعمال عثمان على ولاية
الشام وغيرها وهو من المتخلفين عن بيعة
الامام أمير المؤمنين(عليه السلام)[131].وقد طلب
من الامام أمير المؤمنين(عليه السلام) إبان
الثورة على عثمان أن يعتزل الفتنة[132].وقد
اعتزل الجمل وصفيناً، منتظراً من ينتصر حتى
ينحاز إليه، وقد انحاز إلى معاوية بعد
التحكيم.واستجاب لمعاوية في سب أمير المؤمنين(عليه
السلام) على المنابر وهو الذي كلّفه معاوية في
استمالة زياد الى صفه[133].ويلاحظ من هذه
المواقف وغيرها أن المغيرة كان يؤثر السلامة
والراحة وتجنّب المشاكل، وأنه كان متقلباً،
ولم يكن مبدئيا، وهذا يدل على أن موقفه من
حجر، لم يكن لدافع ديني، بل لاجل مزاجه، بما
يتلاءم وسيرة حياته. |
|
[101] الاستيعاب ج 1 / ص355،
وشرح نهج البلاغة ج 4 / ص 27، ووقعة صفين / ص205.
[102] الاصابة ج 1 / ص 313.
[103] البحار ج 32 / ص408،
وشرح نهج البلاغة ج 3 / ص194، ووقعة صفين / ص117.
[104] الكامل ج 3 / ص286،
ووقعة صفين / ص195.
[105] حجر بن عدي / ص 103.
[106] شرح نهج البلاغة ج
3 / ص182، والدرجات الرفيعة / ص423، ووقعة صفين / ص104،
وفيه بدل ضاربتنا وضاربناها ضارستنا
وضارسناها وفيه ايضا ورأي مجرب بدل ورأي
بحرب.
[107] مناقب آل ابي طالب
ج 1 / ص 355.
[108] شرح نهج البلاغة ج
5 / ص195، والدرجات الرفيعة / ص424، ووقعة صفين / ص243.
[109] الدرجات الرفيعة /
ص 432.
[110] الاستيعاب ج 1 / ص356،
والكامل ج 3 / ص373.
[111] الكامل ج 3 / ص 340.
[112] الكامل ج 3 / ص 377،
وشرح نهج البلاغة ج 2 / ص 118.
[113] شرح نهج البلاغة ج
2 / ص 90، والدرجات الرفيعة / ص423.
[114] تنقيح المقال ج 1 /
ص 257.
[115] مجلة تراثنا،
العدد الثالث، السنة الثالثة، رجب 1408.
[116] مقاتل الطالبيين
ص 20، وشرح نهج البلاغة ج 6 / ص117، والارشاد
للشيخ المفيد / ص17.
[117] هكذا وردت
الابيات في البحار ج42 / ص290، بما فيها من خلل
نحوي وعروضي. ولم اعثر عليها في مصدر آخر مع
تتبعي، وقد رأيت ذكرها على ما فيها لاجل
اهمية الواقعة التي قيلت فيها، ولاجل
استيعاب ما ذكر حول حجر، وإن كان هناك نوع من
شك حول نسبتها لحجر بصورتها المغلوطة
المذكورة في البحار، أو هناك تصحيف وتحريف
من قبل الناقلين لهذا الشعر عن حجر.
[118] مقاتل الطالبين /
ص 39.
[119] شرح نهج البلاغة ج
16 / ص 26 و 38.
[120] أعيان الشيعة ج 4 /
ص574، والدرجات الرفيعة / ص425.
[121] قاموس الرجال ج 3 /
ص 131.
[122] معجم رجال الحديث
ج8 ص151.
[123] القصص: 4.
[124] الانفال: 46.
[125] ابن ابي الحديد،
شرح نهج البلاغة، ج 13 / ص 222.
[126] يلاحظ في هذا
المجال ثورة الحسينعليه السلام للشيخ محمد
مهدي شمس الدين / ص 47.
[127] شرح نهج البلاغة ج
5 / ص 129.
[128] الشيعة والحاكمون
/ ص72.
[129] الدرجات الرفيعة /
ص 7.
[130] بن مسكويه، تجارب
الامم، ج 1 / ص 388.
[131] في رحاب أهل البيت
ج 2 / ص 4.
[132] الطبري ج 3 / ص 422.
[133] يراجع شرح نهج
البلاغة ج 16 / ص 180. |
|
|