1. أهمية السجود من بين العبادات يعتبر السجود لله أهم العبادات في نظر الإسلام، أو من أهم العبادات، وكما جاء في الروايات: إنّ أقرب ما يكون الإنسان من ربّه وهو ساجد. وكان لقادتنا العظماء سجدات طويلة، وخاصة رسول الله(صلى الله عليه وآله)وأهل بيته(عليهم السلام). إنّ السجود الطويل لله تعالى يربي الروح الإنسانيّة، وهو من أجلى مصاديق العبودية والخضوع للذات الإلهية، ولهذا السبب جاءت الشريعة بالسجدتين في كل ركعة من الصلاة، ومن أبرز مصاديق السجود: سجدة الشكر، إضافة إلى سجدات تلاوة القرآن الواجبة والمستحبة. الإنسان في حال السجود ينسى كل شيء ماعدا الله سبحانه، ويرى نفسه قريباً جدّاً منه، وقد أخذ مكانه على بساط القرب. وأساتذة السير والسلوك والعرفان، ومعلمو الأخلاق يؤكدون كثيراً على مسألة السجود. إنّ مجموع ما ذكرناه دليل واضح على الحديث المشهور: إنّه لا يوجد عمل يزعج الشيطان أكثر من سجود الإنسان لربّه. ونقرأ في حديث آخر أنّ [ 116 ] النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) قال لأحد أصحابه: «وإذا أردتَ أن يَحْشُرَكَ اللهُ مَعِي يَوْمَ الِقيَامة فَأطِلِ السُّجُودَ بَيْنَ يَدَي اللهِ الوَاحِد القَهَّار»(1). نحن نعتقد أنّه لا يجوز السجود لغير الذات المقدّسة لله الواحد الأحد الفرد الصمد; لأنّ السجود نهاية الخضوع، والمصداق البارز للعبادة، فالعبودية مختصة بالله سبحانه وتعالى. والتعبير بقوله تعالى: (وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)(2). ومع الالتفات إلى تقديم كلمة (لِلّهِ) في بداية الجملة المذكورة يستفاد منه الحصر.وهذا يعني أن جميع من في السماء والأرض لايسجدون إلاّ لله تعالى. وكذلك جملة (لَهُ يَسْجُدُونَ)(3) إشارة أخرى إلى انحصار السجود لله تعالى. وفي الواقع يمثل السجود أقصى درجة من الخضوع، وهو مختص بالله سبحانه وتعالى، وإذا سجدنا لشخص أو لشيء آخر، فهذا يعني: أن نجعله كفواً لله، وهو عمل غير صحيح. ونحن نعلم أنّ أحد معاني التوحيد «التوحيد في العبادة» يعني: أن تكون العبادة خالصة لله، وبدونه لا يكتمل التوحيد. وبعبارة أخرى: إنّ عبادة غير الله شعبة من شعب الشرك، والسجود نوع من أنواع العبادة، أمّا سجود 1. سفينة البحار، مادة (سجود). 2. سورة الرعد، الآية 5 . 3. سورة الأعراف، الآية 206 . [ 117 ] الملائكة لآدم الذي جاء في بعض الآيات، فهو كما قال بعض المفسرين: إنّه بمعنى التعظيم والاحترام والتكريم لآدم، وليس بمعنى العبادة. أو يكون السجود بمعنى العبودية لله; لأنّهم أطاعوا الله ونفذوا ما يؤمرون، أو يكون السجود شكراً لله. وسجود يعقوب(عليه السلام) وزوجته وأولاده ليوسف(عليه السلام) كما جاء في القرآن (وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا)(1) إمّا أن يكون سجود شكر لله تعالى، أو هو نوع من الاحترام والتعظيم. والجدير بالذكر: أنّه ورد في كتاب «وسائل الشيعة» ـ وهو من المصادر المعروفة عندنا ـ تحت عنوان «عدم جواز السجود لغير الله» من باب السجود في الصلاة، سبعة آحاديث عن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله)والأئمة المعصومين(عليهم السلام) مفادها عدم جواز السجود لغير الله(2)، وأوردنا هذا الكلام هنا للاستفادة منه في الأبحاث التالية. اتفق أتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام) على عدم جواز السجود على غير الأرض، ويعتقدون أيضاً بجواز السجود على ما تنبته الأرض، بشرط أن لا يكون من المأكول والملبوس، مثل: أوراق وأغصان الأشجار والحصير والقصب وأمثالها. في الوقت الذي يعتقد فيه عموم فقهاء السنّة بجواز السجود على كل 1. سورة يوسف، الآية 100 . 2. وسائل الشيعة، ج 4، ص 984 . [ 118 ] شيء، نعم هناك مجموعة استثنت من ذلك العموم تقول: لا يجوز السجود على كم الثياب وأطراف العمامة وأمثالها. ويصر أتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام) على هذا الاعتقاد، استناداً إلى الروايات المنقولة عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) وأئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، ولذا يرجحون عدم السجود على السجاد الموجود في المسجد الحرام ومسجد النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله)، ولابدّ من السجود على الحجر أو على الحصير الذي يجلبونه معهم عادة. إنّ جميع المساجد الموجودة في إيران والعراق والبلاد الشيعية الأخرى مفروشة بالسجاد، لذلك قاموا بإعداد قرص من التراب يطلق عليه (التربة) ووضعها فوق السجاد في حالة الصلاة ليسجدوا عليها، ولتلامس الجبهة ـ وهي من أشرف أعضاء الإنسان ـ التراب في حضرة الله تعالى، ليظهر تمام الخضوع والتذلل له تعالى، وتنتخب هذه التربة عادة من تراب الشهداء، ليستحضر تضحيات هؤلاء في سبيل الله ليكون دافعاً لحضور القلب في الصلاة، ويرجحون تربة شهداء كربلاء على غيرها، وهم غير مقيدين دائماً بهذه التربة، أو هذا التراب، كما ذكرنا سابقاً بجواز السجود على الأحجار التي تغطي أرض المسجد كما هو الحال في المسجد الحرام والمسجد النبوي(صلى الله عليه وآله). وعلى كل حال فأتباع أهل البيت(عليهم السلام) لديهم أدلة كثيرة لإثبات وجوب السجود على الأرض، ومن جملتها أحاديث مروية عن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله)وسيرة الصحابة التي سنذكرها في الأبحاث التالية، والروايات المروية عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) والتي سنأتي على ذكرها عاجلاً. [ 119 ] والعجيب في الأمر هنا هو لماذا اتخذ بعض أهل السنّة ردة فعل سلبية اتجاه هذه الفتوى، حيث اعتبروها بدعة تارة وكفراً وعبادة للأصنام تارة أخرى. فإذا أثبتنا من خلال الكتب التي هي مورد قبول هؤلاء الإخوة بأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) وأصحابه قد سجدوا على الأرض، فهل يكون هذا بدعة أيضاً؟! وإذا أثبتنا أنّ بعض أصحاب النبي(صلى الله عليه وآله) كجابر بن عبدالله الأنصاري، إنّه كان يأخذ قبضة من الحصى في يده ويضعها في يده الأخرى لتبرد ـ وذلك لشدّة الحرارة وسخونة الحصى والرمل ـ ليتمكن من وضع جبهته عليها حين الصلاة، فهل يعتبرون جابر بن عبد الله عابداً للأصنام أو سانّاً لبدعة؟! فهل من يسجد على الحصير أو يرجح السجود على الأحجار التي تغطي أرضية المسجد الحرام أو المسجد النبوي(صلى الله عليه وآله)، يصبح عابداً للحصير، أو لتلك الأحجار؟! أفلا يجب على هؤلاء الإخوة قراءة كتبنا الفقهية العديدة، ـ باب ما يمكن السجود عليه ـ ، ليروا أنّ ما ينسب إلينا عار عن الحق والصحة. فهل يعفو الله سبحانه وتعالى يوم القيامة عن الذين يتهمون الآخرين بالبدعة والكفر وعبادة الأصنام بسهولة؟ وبعد الالتفات إلى هذا الحديث المروي عن الإمام الصادق(عليه السلام)يتضح لماذا يسجد الشيعة على الأرض؟ وهو: عن هشام بن الحكم ـ وهو من الحكماء وأتباع الإمام(عليه السلام) ـ قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام) أخبرني عمّا يجوز السجود عليه وعمّا لا يجوز؟ قال: «السّجودُ لا يَجُوزُ إِلاّ على الأَرْضِ أوْ مَا أنْبَتَتِ الأرضُ إلاّ مَا اُكِلَ أوْ لُبِسَ»،
|