فهرس الكتاب

مكتبة العقائد الإمامية

مكتبة الموقع

 

 

المبحث الخامس: الزواج المؤقت

الزواج المؤقت   

 جميع علماء الإسلام يعتقدون بأنّ الزواج المؤقت كان موجوداً في عصر نبي الإسلام(صلى الله عليه وآله) لمدّة من الزمن. وبعضهم يقول: إنّ التحريم وقع في عصر الخليفة الثاني بأمر من الخليفة نفسه، ويقول بعضهم: إنّ التحريم وقع في عصر الرسول(صلى الله عليه وآله)، ونحن أتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام)نعتقد بأنّه لم يحرم مطلقاً، وهو باق على حاله (طبقاً للشروط).

وهناك مجموعة قليلة من أهل السنّة توافقنا على هذا الاعتقاد، والأغلبية تخالفنا الرأي، وكانوا دائماً يشكلون علينا، وهو ليس محلاً للنقد، بل هو نقطة قوّة لحل الكثير من المشاكل الاجتماعية.

وستقرأون شرح هذه المطالب في المباحث الآتية:

 الضرورات والاحتياجات:

إنّ الكثير من الناس وخصوصاً الشبّان لا يتمكنون من الزواج الدائم، إضافة إلى أنّ الزواج الدائم يحتاج إلى مقدمات وإمكانيات وتحمل مسؤوليات مختلفة، وهي غير متوفرة لدى البعض، وعلى سبيل المثال:

[ 92 ]

أ) إنّ الكثير من الشبّان لا يستطيعون الزواج في فترة الدراسة ـ وخصوصاً في زماننا، حيث تستمر الدراسة لفترة طويلة ـ لعدم وجود العمل والمسكن المناسب ولا الإمكانيات الأخرى، حتى ولو حاول الاقتصار على ما هو ضروري في حفلة الزواج (زواج بسيط) مع ذلك لابدّ من بعض الإمكانيات كحد أدنى وهي غير متوفرة.

ب) هناك أشخاص متزوجون يتعرضون لضغوط جنسية في سفرهم للخارج، وخصوصاً عندما يطول بهم السفر، وهم لا يستطيعون اصطحاب أزواجهم معهم، وليس لهم القدرة على الزواج الدائم مرّة أخرى في تلك الديار.

ج) هناك أشخاص تعاني أزواجهم من أمراض مختلفة ومشاكل أخرى، وليس لديهن القدرة على رفع حاجات أزواجهن الجنسية.

د) هناك جنود يذهبون في مهمّات طويلة الأمد لحفظ الحدود وغيرها، فقد يتعرضون إلى ضغوط جنسية بسبب بعدهم عن نسائهم. كما سنرى وقوع ذلك في عصر النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله)، حيث حصلت نفس هذه المشكلة لكثير من جنود الإسلام ممّا أدى إلى تشريع الزواج المؤقت.

هـ ) قد يتعرض بعض الرجال ـ وخصوصاً الشبّان ـ إلى مشاكل نفسية بسبب عدم اقترابهم من أزواجهم طيلة فترة الحمل; للظروف الخاصّة التي تصاحبها عادة.

إنّ هذه الضرورات والمشاكل الاجتماعية كانت موجودة دائماً،وستستمر، وهي لا تختص بعصر النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) فقط، بل قد تكون في عصرنا أشد; وذلك بسبب تعدد العوامل المهيجة التي تحيط بالمجتمع الحالي.

[ 93 ]

فالأشخاص في هذه الحالات يقفون على مفترق طريقين: إمّا التورط بالفحشاء (والعياذ بالله)، أو الاستفادة من الزواج المؤقت البسيط الذي لا يترتب عليه ما يترتب على الزواج الدائم من تكاليف ماديّة، ويلبي الحاجات الجنسية للشخص.

واقتراح الزهد وغض النظر عن كليهما اقتراح جيد، ولكنّه خارج عن قدرة الكثيرين، وعلى الأقل هؤلاء الذين يرونه أمراً خيالياً.

 زواج المسيار:

الملفت للنظر أنّ أكثر المنكرين للزواج المؤقت من أهل السنّة، اضطرّوا تدريجياً وبسبب وقوع بعض الضغوطات على الشبّان وغيرهم من الأشخاص المحرومين، إلى القبول بنوع يشبه الزواج المؤقت يسمى «زواج المسيار» ومع أنّهم لم يطلقوا عليه الزواج المؤقت، إلاّ أنّه لا يوجد أي اختلاف معه، وبالتالي فهو يجيز للشخص المضطر، الزواج من امرأة بشكل دائم حتى وإن نوى الطلاق بعد فترة قصيرة، واشترط سقوط النفقة وحق المبيت والإرث، وهو في الواقع يشبه الزواج المؤقت بشكل كبير، باستثناء الانفصال، فإنّه هنا يتحقق بالطلاق، وفي الزواج المؤقت يتحقق إمّا بهبة المدّة المتبقية أو انتهاء المدّة المقررة، ولكلا النوعين من الزواج زمان محدد قد أخذ بعين الاعتبار منذ البداية.

والجميل في الأمر أنّ بعض الشبّان من أهل السنّة قاموا أخيراً وبسبب المشاكل والضغوط التي تواجههم في طريق الزواج الدائم بالاتصال بنا من خلال الشبكة العنكبوتية (الانترنيت) ووجهوا لنا هذا السؤال: هل هناك مانع

[ 94 ]

في مسألة الزواج المؤقت من الأخذ بفتوى الشيعة؟

وقلنا: إنّه لا مانع أبداً.

فهؤلاء الذين ينكرون الزواج المؤقت، يقبلون بزواج المسيار، فهم وإن لم يقبلوا بعنوانه، ولكنهم في الواقع قد قبلوا به.

نعم الضرورات التي تواجه الإنسان قد تجبره على قبول الأمور الواقعية، حتى وإن اختلفت العناوين.

وبناءً على هذه النتيجة ومع إصرارهم ومخالفتهم للزواج المؤقت فهم يقومون ـ من حيث يعلمون أو لا يعلمون ـ بتمهيد الطريق للفحشاء، إلا إذا اقترحوا نوعاً آخر مشابهاً كما هو الحال في زواج المسيار، ولأجل هذا جاءت روايات أهل البيت(عليهم السلام) «لولا مخالفتهم للزواج المؤقت الإسلامي لما ابتليَ أحد بالزنا»(1).

ومع هذا قاموا بتشويه موضوع الزواج المؤقت الذي شرّع للضرورات وتلبية حاجة المحرومين، وأظهروه بصورة قبيحة، وبهذا مهدوا لانتشار الفساد بالزنا في المجتمع الإسلامي، فهم في الواقع شركاء المذنبين في ارتكاب المعصية; لأنّهم منعوا الناس من الاستفادة الصحيحة من الزواج المؤقت.

وعلى كل حال فالإسلام وضع قانوناً يتطابق مع فطرة البشر، ليلبّي جميع الحاجات الواقعية له، ولا يمكن أن لا تدرج مسألة الزواج المؤقت في


1. يقول الإمام الصادق(عليه السلام): «لولا ما نهى عنه عمر ما زنى إلاّ شقي»، وسائل الشيعة، ج14، ص 440، ح 24. وجاء هذا الحديث كثيراً في كتب أهل السنّة وهو قال الإمام علي(عليه السلام): «لولا أنّ عمر نهى عن المتعة ما زنى إلاّ شقي»، تفسير الطبرى، ج 5، ص 119; وتفسير الدر المنثور، ج2، ص 140; وتفسير القرطبي، ج 5، ص 130 .

[ 95 ]

أحكامه، وسيتضح فيما بعد أنّ الزواج المؤقت جاء في القرآن الكريم والأخبار النبوية، وعمل به مجموعة من الأصحاب، إلاّ أنّ مجموعة أخرى تدّعي أنّ هذا الحكم الإسلامي قد نسخ، وسنرى أنّهم لا يملكون أي دليل مقنع على هذا النسخ.

 ما هو الزواج المؤقت؟

قام بعضهم وبدون علم، بتعريف الزواج المؤقت تعريفاً غير مناسب، ومازالوا، حيث جعلوه مرادفاً «للاعتراف الرسمي بالفحشاء والإباحية والحرية الجنسية»!!

ولو كان هؤلاء من العوام لكان الأمر سهلاً، ولكن للأسف هناك بعض علماء الدين من أهل السنّة من يؤيّد هذه التهمة الخطيرة. وأنا على يقين من أنّهم لم يكلفوا أنفسهم بقراءة كتب الموافقين للزواج المؤقت، ولعلهم لم يقرأوا حتى سطراً واحداً، وهذا ممّا يؤسف له كثيراً.

ونحن مضطرون في هذا المختصر لبيان شروط الزواج المؤقت، وبيان الفرق بينه وبين الزواج الدائم بشكل واضح، حتى تتم الحجة الإلهيّة على الجميع:

إنّ أغلب الشروط والأحكام الموجودة في الزواج المؤقت هي نفسها موجودة في الزواج الدائم:

1. يجب حصول الرضا من قبل الرجل والمرأة بالزواج مع كامل الحرية، وبدون إجبار أحد الطرفين للآخر.

2. يجب أن تكون الصيغة في العقد بلفظ "أنكحت" أو"زوجت" أو بلفظ «متعت» ولا يصح بألفاظ أخرى.

[ 96 ]

3. يشترط إذن الولي إذا كانت الزوجة باكراً، ولا يشترط ذلك إذا لم تكن باكراً، أي ثيباً.

4. لابدّ من تعيين المدّة والمهر بشكل دقيق، وإذا لم تذكر المدّة لنسيان سيتحول العقد إلى عقد دائم، بناءً على فتوى الكثير من الفقهاء، وهذا دليل على أنّ ماهية كلا النوعين من النكاح واحدة باستثناء الفرق الوحيد، وهو ذكر المدة أو عدم ذكرها. فتأمّلوا.

5. انتهاء المدّة بمنزلة الطلاق، ويجب على المرأة أن تعتد بعدها مباشرة، هذا إذا دخل بها.

6. عدّة العقد الدائم ثلاثة قروء، وبرؤية القرء الثالث تكتمل العدّة، ولكن عدة العقد المؤقت قرءان لا أكثر.

7. الأولاد المولودون من العقد المؤقت هم أولاد شرعيون، ولهم جميع أحكام الأولاد المولودين من العقد الدائم ـ بلا استثناء ـ ويرثون من الأب والأم والأخوة وجميع الأقرباء، ولا يوجد أي فرق بين أولاد هذين النوعين من ناحية الحقوق.

8. أولاد العقد المؤقت يجب أن يكونوا تحت كفالة الأب والأم، ويجب دفع النفقة وجميع مصاريفهم ـ كما هي الحال مع أولاد العقد الدائم ولعلّ بعضهم عندما يسمع هذا الكلام يستغرب كثيراً، إنّهم على حق; لأنّ أذهانهم غير سليمة وعامية فيما يتعلق بالعقد المؤقت، ولعلهم يعتقدون بأنّه زواج غير رسمي وغير كامل، وهو خارج عن حدود القوانين.

 

[ 97 ]

وبعبارة أخرى: هو شبيه بالزنا، وفي الواقع هو ليس كذلك مطلقاً.

نعم هناك فوارق بين هذين العقدين من جهة الزوج والزوجة، فالواجبات على كل واحد منهما تجاه الأخر في العقد المؤقت تكون أقل كثيراً منها في العقد الدائم; لأنّ الهدف من الزواج المؤقت التسهيل وعدم التقييد، ومن هذه الفوارق:

1. إنّ المرأة في الزواج المؤقت ليس لها نفقة ولا إرث. هذا إذا لم تشترط ذلك، كما ذكره مجموعة من الفقهاء، فإذا اشترطت ذلك، فيجب حينه العمل على طبقه.

2. المرأة في العقد المؤقت حرّة في انتخاب العمل خارج المنزل، ولا يشترط إذن الزوج إذا لا يعارض حقّه، ولكن في الزواج الدائم لا يجوز ذلك إلاّ بالموافقة.

3. لا يجب على الرجل في الزواج المؤقت المبيت عند زوجته.

وستتضح ـ بالتأمل في الأحكام التي ذكرناها ـ الأجوبة على الكثير من التساؤلات والأحكام المتعجرفة والشبهات والافتراءات، وستزول الذهنيات الكاذبة والسقيمة عن هذا الحكم الإسلامي المقدس والحكيم، وفي الحقيقة أنّه لا يوجد أي تشابه بين الزواج المؤقت وبين الزنا والأعمال المنافية للعفة. ويقيناً أنّ هؤلاء الأشخاص الذين قاسوا بين هذين النوعين من الزواج مغفلون وليس لديهم أي معرفة بحقيقة النكاح المؤقت وشرائطه.

[ 98 ]

الاستغلال السلبي:

الاستغلال السلبي للأمور الحقّة يمنح الفرصة لأصحاب الألسن البذيئة ويقدم الذرائع والحجج لمن يبحث عنها، ويستند إليها في الطعن بتلك الأمور الحقّة والشرعية.

والزواج المؤقت هو من المصاديق الواضحة لمثل هذا البحث.

ولكن للأسف الشديد قام بعض المغرضين وأتباع الهوى بتشويه هذا الزواج وتحريفه ـ والذي شرع في الأصل ليكون حلاً لبعض المعضلات الاجتماعية المهمّة والضرورات ـ ليعطوا المخالفين الذرائع لنقد هذا التشريع الحكيم.

ولكن السؤال هنا هو: أي حكم لم تنله يد الاستغلال إلى يومنا هذا، وأي مبدأ قيّم لم تستغله جماعات غير مؤهلة؟

فإذا وضعت المصاحف يوماً على رؤوس الرماح كذباً وخداعاً لتوجيه حكم الظالمين والمتعصبين، فهل معناه أن يوضع القرآن جانباً؟

وإذا قامت مجموعة من المنافقين ببناء مسجد ضرار، وأمر رسول الله(صلى الله عليه وآله)بتدميره أو إحراقه، فهل هذا يعني أنّ تترك المساجد بشكل كلي؟

وعلى كل حال، نحن نعترف أنّ بعضهم استغل هذا الحكم الإسلامي المهم، ولكننا لا يمكن أن نغلق أبواب المسجد لأجل مجموعة تاركة للصلاة، أو نشعل الحريق لأجل منديل قيصري.

فيجب أن نغلق الباب أمام أتباع الهوى والاستغلاليين، وأن نضع ضوابط صحيحة للزواج المؤقت، وخصوصاً في عصرنا الحاضر، حيث لا يمكن تطبيق هذه القضية من دون تخطيط دقيق وصحيح. فلابدّ من قيام مجموعة من المختصين وأهل الخبرة بكتابة وتدوين قانون لتنظيمه وتطبيقه، لقطع الأيادي الشيطانيّة عنه، والحفاظ على الجانب المشرق لهذا التشريع الحكيم، وسد المنافذ على كلا المجموعتين: أي: أتباع الهوى، والمنتقدين الحاقدين.

[ 99 ]

 الزواج المؤقت في الكتاب والسنّة وإجماع الأمة:

جاء الزواج المؤقت في كتاب الله العزيز بلفظ «المتعة» حيث يقول: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً)(1).

والنقطة المهمّة هنا أن هناك روايات كثيرة تنقل عن رسول الله(صلى الله عليه وآله)جاء فيها لفظ المتعة بمعنى الزواج المؤقت، وسنعرض على القارئ المحترم هذه الروايات في الأبحاث الآتية. إضافة إلى أنّه جاء في كتب فقهاء الإسلام ـ أعم من الشيعة والسنّة ـ التعبير عن الزواج المؤقت بالمتعة. وإنكار هذا الموضوع من قبيل إنكار المسلّمات وسنعرض لكم مجموعة من كلمات الفقهاء في البحوث التالية أيضاً.

ومع هذا يصرّ بعضهم على تفسير «الاستمتاع» في الآية بالتلذذ، وقالوا: إنّ معنى الآية هو إعطاء المهر للمرأة التي يراد الاستمتاع بها جنسياً.


1. سورة النساء، الآية 24 .