|
المقدّمة
هذا الطريق لا يؤدي إلى الوحدة:
بنظرة إجمالية إلى وضع عالم اليوم نرى طوفاناً مرعباً يهب عليه،
أزاح الستار عن وجهه الحقيقي، والذي سيطرت عليه الشعارات البرّاقة
كإعلان حقوق الإنسان والديمقراطية، والمنظمات الدولية المغلوبة على
أمرها، وأقوياء العالم أعدّوا مخططاتهم الخطيرة للسيطرة على دول
العالم الأخرى، وكشفوا عن نواياهم بكل وضوح.
والجميل أنّهم قالوا كل شيء، وبحسب المثل القائل: «آب پاك بر دست
همه خوش باورها ريختند»(1).
وفي هذه المعمعة لم يبق بعد اللطف والعناية الإلهيّة ملاذ سوى
إمكانية الشعب وقدرته!
فيجب على الشعب أن يكون قوياً في إرادتهِ في هذا النظام العالمي
الضعيف والمسحوق!
فإذا اتّحد مسلمو العالم في هذه الظروف الصعبة واستفادوا من القدرة
1.
ومعناه: أنّ إفصاحهم عن مخططاتهم قد أتم الحجّة على الجميع (مثل
فارسى).
[
6 ]
العظيمة (الثقافية والمادية) التي يمتلكونها لأصبحوا في مأمن من شر
أصحاب النفوذ.
مضت سنوات عديدة والحديث عن وحدة المسلمين يرتفع في كل مكان،
وتوالت الأخبار عن تشكيل أسبوع الوحدة، وعقدت مؤتمرات وندوات حول
الوحدة، وشعارات ترفع هنا وهناك.
هذه الأمور وإن كان لها أثر إيجابي في المجالات السياسية
والاجتماعية، ولكن إلى الآن لم نستطع تحقيق الوحدة المطلوبة للوقوف
بوجه الطوفان العظيم.
ويمكن تلخيص ذلك في الأمور التالية:
1.
الأعمال التي أنجزت لم تكن أساسية، وموضوع الوحدة لم يستطع النفوذ
إلى أعماق المجتمعات الإسلاميّة، ولا إلى داخل المنظومة الفكرية،
ولم يعبّأ مسلمو العالم في اتجاه واحد.
2.
عمل الأعداء بشكل واسع ومخطط على بث اليأس وسوء الظن والاختلاف
والنفاق في المجتمعات الإسلاميّة، كما يتجلّى ذلك ممّا ينقل من
أخبار، ورصدوا لها أموالاً طائلة لتحقيق ذلك، وعبّأوا المتطرفين
والمتعصبين من الطرفين لتنفيذ مخططاتهم المشؤومة، ومن جملتها:
أ)
تنقل بعض الأخبار الموثّقة أخيراً عن قيام السلفيين المتعصبين في
السعودية بطبع عشرة ملايين كتاب لنشر الفتنة والتفرقة وتوزيعها على
الحجاج. والحج الذي يفترض أن يكون عامل وحدة بين المسلمين في
العالم جعلوه عامل فرقة بينهم، وهذا العمل يتكرر كل سنة وللأسف.
[
7 ]
ب)
يبذل الخطباء الوهابيون المتعصبون جهداً كبيراً في أيّام الحج
والعمرة في بث جميع أشكال السموم لإيجاد حالة النفاق، وعلى الرغم
من التقارب السياسي بين إيران والسعودية، إلاّ أننا نرى حملاتهم ضد
الشيعة أخذت في الاتساع والزيادة.
ج)
لا يخفى على أحد عمليات جيش الصحابة المتكررة بين الحين والآخر
والتي تستهدف قتل الأبرياء والمظلومين المستضعفين، والأكثر يشاعة
من ذلك هو الافتخار والابتهاج بعمليات القتل والاغتيال.
د)
ومن الأعمال الخطيرة التي يقومون بها هو تحريك بعض العناصر
المتشددة مثل: حركة طالبان من قبل الاستخبارات الأمريكية ـ طبقاً
لبعض الوثائق الموجودة ـ لتشويه صورة الإسلام وإظهاره بصورة وحشيّة
وخشنة لا رحمة فيه، وبعيداً عن العلم والمعرفة من جهة، ومن جهة
أخرى لإيجاد الفرقة والفتنة بين صفوف المسلمين، مع أنّ هؤلاء الذين
ترعرعوا في أحضان الاستخبارات والسياسة الغربية بدأوا بالخروج عن
سيطرتهم، لتحل عليهم المصيبة واللعنة من الذين ربوهم وأمدوهم
ليدفعوا ضريبة ما صنعوه.
3.
تقصير بعض الساسة الإسلاميين حيث قدموا مصالحهم الشخصية والمحدودة
على المصالح العامة للعالم الإسلامي، وهذا أحد العوامل التي حالت
دون تحقيق الأهداف الأساسية للوحدة.
وعلى سبيل المثال: أقامت بعض الدول الإسلاميّة ـ المعروفة ـ علاقات
تعاون حميمة مع الكيان الصهيوني في المجال السياسي والاقتصادي;
لتحقيق بعض المصالح المحدودة والصغيرة، وهي مكشوفة للجميع، بل
[
8 ]
وصل الأمر إلى القيام بالمناورات العسكرية المشتركة!
وعلى كلّ حال فالمجال المتاح لعلماء الإسلام هو التذكير بالعواقب
السيئة لهذه الإشتباهات، وإنّ تلك السياسات المدمرة والعنيفة لن
تدع أي دولة إسلاميّة أو أي فريق إسلامي في أمان وراحة، وإنّ طرح
هذه المسائل الطائفية بشكل واضح وشفاف قدر الإمكان سيفوت الفرصة
على الأعداء في نشر سمومهم، ويقف بوجه بث عدم الثقة وسوء الظن من
قبل بعض المجموعات المتشددة والمتعصبة من كلا الطرفين.
ولأجل هذا تمّ وضع هذا الكتاب بين يدي القراء الأعزاء، بأسلوب
مبتكر وشيق وجذاب; لأجل تقوية الروابط، وبهذا الأسلوب ستتضح هذه
المسألة بشكل كامل، من أن جذور الموارد الخلافية المهمّة بين أتباع
مذهب أهل البيت(عليهم السلام) وأهل السنّة موجودة في كتبهم
المعروفة، وإنّ ما تقوله الشيعة في هذا المجال أدلته موجودة في كتب
أهل السنّة، وكما يقول أحد علماء السنّة الأحرار: «يستطيع الشيعة
أن يثبتوا جميع أصول وفروع مذهبهم من كتبهم وتصانيفهم»!
فإذا ثبت هذا المطلب وإن شاء الله يثبت في هذا الكتاب فلن يبقى
مجال للقلق أو لنشر الشبهات بالنسبة لعقائد أتباع مذهب أهل
البيت(عليهم السلام)، وسيكون سبباً للتفاؤل ووحدة الصف ورفع سوء
الظن عند أهل الإنصاف والمنطق، وستبقى الجمهورية الإسلاميّة
الإيرانية دولة قوية تدافع عن الإسلام، وكذلك عن مذهب التشيّع في
العالم الإسلامي.
والآن أنتم والأدلّة الموجودة بين أيديكم!
[
9 ]
المواضيع العشرة
أهم الموضوعات التي تدور الحوار وناقش بيننا وبينهم عبارة عن عشر
مواضيع:
1. عدم تحريف القرآن الكريم
2. التقية في الكتاب والسنّة
3. عدالة الصحابة
4. احترام قبول العظماء
5. الزواج المؤقت
6. السجود على الأرض
7. الجمع بين الصلاتين
8. المسح على الأرجل في الوضوء
9. جزئية البسملة في سورة الحمد
10. التوسل بأولياء الله
[
10 ]
عدم تحريف القرآن
نحن نعتقد ـ بالرغم من كل الدعايات السيّئة للنّيل من الشيعة ـ بأنّ
القرآن الكريم الموجود عندنا وعند جميع المسلمين اليوم هو عين
القرآن الذي نزل على رسول الله(صلى الله عليه وآله) من دون زيادة
أو نقصان حتى في كلمة واحدة.
وقد بيّنا هذا الأمر بوضوح في كتب التفسير وأصول الفقه وغيرها من
الكتب، وأثبتنا ذلك بالأدلة العقلية والنقلية.
نحن نعتقد بأنّ المسلمين ـ أعم من الشيعة والسنّة ـ متفقون على أنّ
القرآن الموجود بين الدفتين لم يضف إليه شيء، وأمّا بالنسبة لجانب
النقص فأكثر المحقّقين من الطرفين ـ بل كاد يكونُ إجماعاً ـ على
عدم وجود النقص في القرآن الكريم.
هناك أشخاص معدودون من كلا الفريقين يعتقدون بوجود نقص في القرآن
الكريم، ولا يوجد من يؤيد كلامهم بين أهل التحقيق المعروفين من
المسلمين.
[
14 ]
كتابان من كلا الفريقين:
ومن جملة هؤلاء: «ابن الخطيب المصري» وهو من أهل السنّة، فقد ألّف
كتاباً بعنوان «الفرقان في تحريف القرآن» ونشر في سنة 1948 م
الموافق لعام 1367 هـ ق، وعندما علمت جامعة الأزهر بذلك قامت بسحب
جميع النسخ وإتلافها، إلاّ أنّ هناك بعض النسخ وقعت في أيدي بعض
الناس وبشكل غير قانوني.
وكذلك هناك كتاب تحت عنوان «فصل الخطاب في تحريف كتاب ربّ الأرباب»
كتب بقلم أحد محدّثي الشيعة هو «الحاج نوري» وطبع في سنة 1291 هـ
ق، وبمجرّد أن طبع استنكر كبار علماء حوزة النجف الأشرف هذا العمل
وأمروا بجمع نسخ الكتاب، وكتبوا كتباً متعددة في الردّ عليه، ومن
جملة العلماء الذين كتبوا في الردّ على كتاب «فصل الخطاب»:
1.
الفقيه الكبير المرحوم الشيخ محمود بن أبي القاسم، المعروف بمعرب
الطهراني (توفي سنة 1313 هـ ) كتب كتاباً تحت عنوان «كشف الارتياب
في عدم تحريف الكتاب».
2.
المرحوم العلاّمة السيد محمّد حسين الشهرستاني (توفي سنة 1315 هـ)
كتب في الرد على كتاب فصل الخطاب كتاباً تحت عنوان «حفظ الكتاب
الشريف عن شبهة القول بالتحريف».
3.
المرحوم العلاّمة البلاغي (توفي سنة 1352 هـ) وهو أحد المحقّقين في
حوزة النجف الأشرف خصص فصلاً في تفسيره المعروف «آلاء الرحمن» للردّ
على كتاب «فصل الخطاب»(1).
1.
تفسير آلاء الرحمن، ج 1، ص 25 .
[
15 ]
4.
ونحن بدورنا بحثنا مسألة تحريف القرآن الكريم بحثاً موسّعاً في
كتابنا «أنوار الأصول» وأجبنا بشكل قاطع عن كل الشبهات الموجودة في
كتاب «فصل الخطاب».
إنّ
المرحوم الحاج النوري مع كونه عالماً، إلاّ أنّه اعتمد على روايات
ضعيفة كما قال العلاّمة البلاغي وقد ندم بعد انتشار كتابه على ما
خطته يداه. وعد كبار علماء حوزة النجف الأشرف عمله هذا من الأخطاء
الواضحة(1).
والملفت للنظر أنّ الحاج النوري بعد انتشار كتابه اضطر إثر النقد
الكبير الذي واجهه من قبل الطرفين أن يكتب رسالة يدافع بها عن نفسه
ويوضّح أن مقصوده من ذلك عدم وقوع التحريف في كتاب الله، وأنّ
الناقدين أساؤوا فهم عباراته.
يقول المرحوم العلاّمة السيد هبة الدين الشهرستاني: «عندما كنت في
سامراء التي حوّلها المرحوم الميرزا الشيرازي الكبير إلى مركز علمي،
كانت هناك ضجة كبيرة ضد الحاج النوري وضد كتابه، وأطلق بعضهم كلمات
بذيئة ونابية تنال من شخصه».(2)
ومع هذا كله، هل يمكن القول بأنّ كلام الشيخ النوري يمثّل عقيدة الشيعة؟
ولكن هناك عدّة من الوهابيين المتعصبين ـ بحجّة وجود كتاب فصل
الخطاب ـ مصرون على نسبة مسألة تحريف القرآن للشيعة. فإذا كان رأي
كاتب ما دليلا على اعتقاد الشيعة بهذا الأمر، فلابد أن ننسب مسألة
تحريف القرآن الكريم أيضاً إلى علماء السنّة; لأن «ابن الخطيب» ذكر
هذا الأمر
1.
تفسير آلاء الرحمن، ج 2، ص 311 .
2.
«برهان روشن» باللغة الفارسية، ص 143 .
[
16 ]
في
كتابه «الفرقان في تحريف القرآن». فإذا كان انزعاج علماء الأزهر من
هذا الكتاب دليلا على معارضتهم لمضمونه، فكذلك الأمر بالنسبة
لمعارضة علماء النجف الأشرف لكتاب «فصل الخطاب» يكون دليلا على نفي
التحريف.
وقد نقل كلّ من تفسير «القرطبي» و«الدر المنثور» ـ وهما من
التفاسير المعروفة عند أهل السنّة ـ عن عائشة (زوجة النبي(صلى الله
عليه وآله)) قولها: «إنّها ـ أي سورة الأحزاب ـ كانت مائتي آية فلم
يبق منها إلاّ ثلاث وسبعون»(1). بل هناك في صحيح البخاري وصحيح مسلم روايات يشم منها رائحة التحريف(2).
ولكننا لا نجيز لأنفسنا أن ننسب القول بالتحريف لإخواننا السنّة
استناداً لرأي كاتب، أو وجود روايات ضعيفة في كتبهم، وفي المقابل،
عليهم أن لا ينسبوا ذلك للشيعة لمجرد وجود رأي كاتب ما، أو وجود
روايات ضعيفة في كتبهم لا يقبلها علماء الشيعة. ولو ألقينا نظرة
على مجموع الروايات التي اعتمدها الشيخ النوري لوجدنا أنّها مروية
عن ثلاثة رواة، وهم مابين فاسد المذهب أو كذّاب أو مجهول الحال وهم:
أحمد بن محمّد السياري: فاسد المذهب.
علي بن أحمد الكوفي: كذّاب.
أبو الجارود: مجهول الحال أو مردود(3).
1.
تفسير القرطبي، ج 12، ص 113; وتفسير الدر المنثور، ج 5، ص 180.
2.
صحيح البخاري، ج8، ص208 ـ 211; وصحيح مسلم، ج4، ص167 وج5، ص116.
3.
لمعرفة المزيد عن أحوال هؤلاء يراجع كتاب رجال النجاشي وفهرست
الشيخ الطوسي وكتب رجالية أخرى.
[
17 ]
مخاطر هذه الاتهامات:
هناك أفراد يصرون على توجيه تهمة تحريف كتاب الله، للشيعة، وكأنّهم
غير ملتفتين إلى أنّ توجيه التهمة لمجرّد الخصومة الطائفية يؤدّي
إلى زعزعة أصل الإسلام; وذلك لأنّ الأعداء يقولون: إنّ مسألة عدم
تحريف القرآن غير مسلّمة عند المسلمين، وهناك فرقة عظيمة تعتقد
بتحريف القرآن، ونحن ننصح هؤلاء الإخوة أن لا يجعلوا قلب الإسلام،
وهو القرآن الكريم، هدفاً بسبب الخلافات والتعصبات المذهبية.
ارحموا الإسلام والقرآن، لكي لا يستغل الأعداء كثرة الحديث عن
التحريف للنيل من الإسلام والقرآن الكريم.
لقد انتشرت هذه التهم والافتراءات إلى حدٍّ كبير وللأسف، حتى أنني
إلتقيت في إحدى سفراتي إلى بيت الله الحرام للعمرة، وزير الشؤون
الدينية السعودي، وقال: لقد سمعت أنّ لكم مصحفاً غير مصحفنا!!
فقلت له: إنّ اكتشاف هذا الأمر سهل جدّاً، فما عليك إلاّ أن تذهب
بشخصك أو تبعث مندوباً عنك ـ على نفقتنا ـ إلى طهران، وتبحث في
جميع نسخ القرآن الموجودة في المساجد والبيوت، وانتخب أي مسجد تشاء
وأي منزل ترغب، واطلب قرآناً من أي شخص، فستجد أنّه لا يوجد أي
اختلاف ولا في كلمة واحدة مع جميع نسخ القرآن الموجودة في العالم
الإسلامي، وعالم كبير مثلك يجب أن لا يقع تحت تأثير هذه الشائعات
والأكاذيب.
وقرّاؤنا ولله الحمد شاركوا في الكثير من المسابقات الدولية لقراءة
القرآن وحصلوا على المراكز الأولى، وكان حفّاظنا وخصوصاً البراعم
منهم مورد إعجاب وثناء الكثيرين من شخصيات دول العالم الإسلامي.
[
18 ]
ويزداد عدد القرّاء وحفّاظ القرآن عندنا بالآلاف في كل عام، ومدارس
حفظ القرآن وتلاوته وتفسيره، وكليات علوم القرآن منتشرة في جميع
أنحاء بلادنا الواسعة، ومن السهل إثبات ذلك للجميع من خلال مشاهدة
تلك البرامج عن كثب.
ولا يوجد في جميع هذه الأماكن قرآن آخر غير هذا القرآن المعروف بين
جميع المسلمين، ولا يوجد أحد يعرف قرآناً غيره، ولا حديث عندنا عن
تحريف القرآن في أي مناسبة أو احتفال.
الأدلّة
العقلية والنقلية على عدم التحريف:
نحن نعتقد بأنّ هناك أدلة كثيرة عقلية ونقلية تدل على عدم تحريف
القرآن، فقد قال الله تعالى في القرآن الكريم: (إِنَّا نَحْنُ
نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)(1)، وفي آية
أخرى قال تعالى: (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ
الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ
حَكِيم حَمِيد)(2).
فإذا كان الله سبحانه وتعالى تعهد بحفظ هذا الكتاب، أفهل يمكن أن
تطال يد التحريف هذا الكتاب ؟
إضافة إلى أنّ القرآن الكريم لم يكن متروكاً أو منسيّاً حتى يأتي
شخص ويضيف أو ينقص منه شيئاً. فكتّاب الوحي قد إزداد عددهم من
أربعة عشر إلى أربعمائة شخص، وكانوا يقومون بتدوين وضبط كلّ آية
بمجرّد نزولها، ووصل عدد حفّاظ القرآن الكريم في عهد رسول الله(صلى
الله عليه وآله)إلى المئات، حيث
كانوا يحفظون كلّ آية حين نزولها.
1.
سورة الحجر، الآية 9 .
2.
سورة فصلت، الآية 41 و 42 .
[
19 ]
وقد كانت تلاوة القرآن في ذلك الزمان من أفضل العبادات، حيث كان
يتلى ويقرأ ليلاً ونهاراً.
كما أنّ القرآن الكريم هو القانون الأساسي للإسلام والدستور العملي
للمسلمين، وحاضر في جميع جوانب حياتهم.
فالعقل يدرك أنّ مثل هذا الكتاب لا يمكن أن يقع فيه تحريف سواء من
جهة الزيادة أو النقصان.
والروايات الإسلاميّة الواصلة إلينا من الأئمّة المعصومين(عليهم
السلام) تؤكّد على تمامية القرآن الكريم وعدم وقوع التحريف فيه.
فأمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) يصرح في نهج البلاغة:
«وَأَنْزَلَ عَلَيْكُمُ (الْكِتَابَ تِبْيَاناً)، وَعَمَّرَ فِيكُمْ
نَبِيَّهُ أَزْمَاناً، حَتَّى أَكْمَلَ لَهُ وَلَكُمْ فِيَما
أنْزَلَ مِنْ كِتَابِهِ دِينَهُ الَّذِي رَضِيَ لِنفْسِهِ»(1).
وفي مواضع كثيرة من نهج البلاغة عندما يتعرض الأميرالمؤمنين(عليه
السلام)للقرآن الكريم لا نجد أي حديث عن تحريف القرآن، بل يؤكّد
على تمامية القرآن بشكل واضح وصريح.
وذكر الإمام التاسع محمّد بن علي الجواد(عليه السلام) في خطابه
لأصحابه حول انحراف الناس عن جادة الحق قائلاً: «وكَان مِنْ
نَبذِهم الكِتَاب أن أقامُوا حُرُوفَه وحرَّفوا حُدُودَه»(2).
إنّ هذا الحديث وأمثاله يشير إلى أنّ ألفاظ القرآن الكريم ظلت
محفوظة،
1.
نهج البلاغة، الخطبة 85 .
2.
اصول الكافي، ج 8، ص 53 . |