إن خلقنا للفناء فكيف نفسر غريزة حبّ البقاء؟ *لو لم تكن القيامة قضية فطرية، لماذا لم تنفك هذه العقيدة عن البشر على مدى التأريخ؟ *ليس من المعقول أن تكون هناك في باطننا محكمة، و ليس هنالك من حساب و كتاب في هذا العالم الكبير! تمّت الأبحاث الابتدائية حول القيامة. و حان الآن دخول ذي المقدمة فنتناول بالبحث عن أدلة إثبات ذلك العالم بخصائصه و مميزاته على ضوء ما يسعه إدراكنا نحن الذين نعيش السجن في الجدران الأربعة لهذه الدنيا. لندع كل شيء جانباً و لنستمع إلى النداء الذي ينطلق من باطننا، فهل هناك زمزمة عن الحياة بعد الموت، هل هذه المسألة مطروحة لدى القلوب أم لا؟ لماذا إتجهنا في البداية إلى هناك؟ [ 122 ] لا داعي لهذا التعطيل... لأنّ حوادث العالم ظهرت هناك سابقاً. توضيح ذلك: كما تتألف روحنا من جهازين «تلقائي» و «غير تلقائي» فإنّ القوانين الكبرى للعالم قد تبلورت في مجالين; قوانين الخلق «التكوين» و قوانين التعاقد «التشريع» و كأنّ القوانين الأولى تشكل جهازنا الروحي التلقائي و الثانية غير التلقائي. فقوانين الخلق تشق سبيلها دون إرادتنا و عزمنا و توجهنا، و هي على غرار أجهزتنا التلقائية التي لا تكترث لإرادتنا، أمّا القوانين التشريعية و ما يتعلق بالتربية و التعليم فهي تابعة لإرادتنا، و ممّا لاشك فيه أنّ كل قانون بصفته قانوناً سماوياً أوحي للنبي قد كانت له جذور في الخليقة و قد صودق من قبل مجلس الخليقة، و الحقيقة هي أنّ هذين الجهازين هما الخيوط الأصلية لنسيج الوجود، فهل يمكن لخيوط قماش أن تتضارب مع بعضها؟ قطعا لا. و إلاّ لما كان هناك قماش و لابدّ أن تكون مكملة لبعضها البعض للحصول على قماش جميل، على سبيل المثال وجودنا في هذا العالم دون علم يحيله إلى خواء لاروح فيه و ليس له من قيمة، و من هنا فإن عصب عالم الوجود تكاتف ليسوقنا نحو العلم والمعرفة. فقد طرح بادىء الأمر حبّاً شديداً في أعماق روحنا بحيث لاينفصل عنّا لحظة من المهد إلى اللحد، فأحياناً بمطالعة المجرّات و أخرى بما يجري في المريخ و يوماً بخلايا أبداننا و آخر بأسرار أعماق البحار و المحيطات والغابات، والخلاصة إنّ هذا المحرك التلقائي لاينفك عنّا لحظة واحدة. و الطريف إنّنا نشاهد في التعاليم الدينية شبيه ذلك تجسيداً لنداء الخلقة والفطرة: «اُطْلِبُوا الْعِلْمَ مِنَ الْمَهْدِ اِلَى الْلَّحْدِ»(1). 1. نهج الفصاحة، الحديث 367. [ 123 ] و عليه فليس فقط لأصل «التوحيد» بل جميع الأصول و الفروع وتعليمات الأنبياء جذور في فطرة الإنسان و إنّ كافة و صايا الأنبياء على كافة الأصعدة إنّما تربي الفطرة الإنسانية و تنميها، و هنا نخلص إلى نتيجة مفادها إننا إذا شعرنا بتعلق فطرتنا بشيء فلابدّ أن يكون لذلك الشيء وجوداً خارجياً. و الآن نعود لنرى جذور القيامة و نبحث عنها في وجودنا: لو خلق الإنسان للفناء حقاً لوجب أن يعشق ذلك الفناء و لتلذذ بالموت وإن حلّ به في وقته و في السنين المتقدمة، و الحال لا نراه يستسيغ الموت (بمعنى العدم) في أي وقت، ليس فقط ذلك فحسب، بل يعشق البقاء والوجود بكل كيانه، و يبرز هذا العشق من بين جميع نشاطاته، ما الجهود التي يبذلها من أجل حفظ اسمه و ذكره و بناء الأهرام و المقابر الدائمية وتحنيط أجساد الموتى بتلك التكاليف الباهضة و حتى الرغبة بحياة ولده كامتداد لحياته و... كل ذلك دلالة واضحة على غريزة حب البقاء لديه، إلى جانب سعيه لإطالة عمره وتعامله مع إكسير الشباب و ماء الحياة التي تشكل أدلة أخرى على ثبوت الحقيقة المذكورة. فلو خلقنا للفناء فما معنى هذا الحبّ و الرغبة بالبقاء؟ لو كان الأمر كذلك لكان هذا الحب و الرغبة ضرباً من العبث و اللغو، لقد تجلت الحقيقة المذكورة بأروع صورها في كلام الإمام علي (ع) إذ قال: «مَا خُلِقْتَ أنْتَ وَلاَ هُمْ لِدارِ الْفَنَاءِ بَلْ خُلِقْتُمْ لِدارِ الْبَقاءِ». [ 124 ]
كما يشير التاريخ البشري إلى وجود الأديان لدى الأقوام السالفة، يشهد أيضا باعتقادهم الراسخ بالحياة التي تعقب الموت. و الشاهد على ذلك الآثار التي وصلتنا من الإنسان القديم لما قبل التاريخ ولاسيّما طريقة بناء القبور و كيفية دفن الأموات و التي تدل بأجمعها على أنّهم لم يكونوا يعتبرون الموت نهاية الحياة. فقد ورد في كتاب عالم الاجتماع «كنيغ» ص 192 أنّ التحقيقات تفيد وجود الأديان لدى الطوائف الأولى من البشر، كما لاسلاف الإنسان المعاصر (النياندرتال) حيث كانوا يعتمدون أساليب خاصّة في دفن أمواتهم و كانوا يضعون أدوات عملهم إلى جوارهم ليبرزوا عقائدهم للعالم. و كتب «ويل دورانت» في المجلد الأول من تأريخه ص 225 لم بنى المصريون لأهرام؟ لاشك لم يكن مرادهم بناء أثر معماري، و قد قاموا بذلك بدافع ديني. كانت أهرام مصر قبوراً ترقت شيئاً فشيئاً لتخرج من صورتها الابتدائية وتصبح بهذا الشكل. ثم تطرق بالتفصيل إلى عقائد المصريين بشأن الحياة التي تعقب الموت والتي تعدّ الدافع لبناء الأهرام. و الحق أنّ الأهرام المصرية من أعظم و أعجب البناء الذي قامت به البشرية و هي ثلاثة: هرم خوفو و خفرع و منكورع، و قد ضم هرم خوفو بمفرده مليونين ونصف قطعة حجرية تزن كل واحدة منها طنين و نصف، و يصل وزن البعض منها إلى 150 طن. و قد إحتلت مساحة من الأرض تبلغ 46 ألف متر مربع! و قد جاءوا بهذه [ 125 ] الأحجار من مسافات تبلغ مئات الفراسخ و قد إشتغل مئة ألف عامل خلال عشرين سنة من أجل بناء هذه الأهرام، حتى قيل إنّ تكاليف الخضرة وبعض الأدوية للعمال بلغت 16 مليون دولار خلال تلك المدّة.(1) ويتضح من كل هذا مدى رسوخ عقيدة المصريين القدماء بالمعاد (طبعاً العقيدة الممزوجة بالخرافات)، فلا يمكن تجاهل هذه العقيدة و اعتبارها مجرّد عادة أو قضية تلقينية، بل تدل مثل هذه العقائد المترسخة بين عموم الناس على فطريتها و إستنادها إلى أعماق روح الإنسان، لأنّ الفطرة والغريزة التي يمكنها الصمود إزاء العواصف الشديدة لمرور الزمان والتطورات الاجتماعية والفكرية، فتبقى ثابتة مستقرة. كما أشرنا سابقاً بأنّ نموذج القيامة و المحكمة الكبرى إنّما تكمن في وجودنا، حيث تعقد في أعماق روح الإنسان فور قيامه بالأعمال الحسنة أو السيئة. فقد تنتابه أحياناً حالة من الفرح و السرور و الهدوء و السكينة الباطنية تجاه بعض الأعمال الحسنة بحيث يعجز القلم و البيان عن وصفها و بالعكس فإذا ما صدر منه خطيئة و مخالفة فإنّه يشعر بالهم و الغم و الألم الذي يعتصره بحيث قد يستعد أحياناً لأن يصلب بهدف الخلاص من مخالب ذلك الإنزعاج. ترى ما الشبه بين هذه المحكمة الداخلية العجيبة و محكمة القيامة العجيبة! 1. ويل دورانت، تأريخ الحضارة، ج 1، ص 211، 224، 225. [ 126 ] 1ـ أنّ القاضي و الشاهد و منفذ الحكم هو واحد، كما هو عليه الحال بالنسبة للقيامة: (عَالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهَادَةِ اَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ)(1). 2ـ ليس هنالك من توصية ورشوة و واسطة في محكمة الضمير بالضبط كما في محكمة القيامة: (وَ اتَّقُوا يَوْمَاً لاَتَجزي نَفْسُ عَنْ نَفْس شَيْئاً وَلاَيُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَة وَ لاَيُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَ لاَهُمْ يُنْصَرُونَ)(2). 3ـ تعالج محكمة الضمير أهم و أضخم و أعقد القضايا في أقل مدّة ممكنة و تصدر أحكامها بسرعة، فلا إستئناف و لاتمييز و لاتجديد نظر و لا أشهر وسنوات من تضييع الوقت، و هذا هو شأن محكمة القيامة: (وَ اللهُ يَحْكُمُ لاَمُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَ هُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ)(3). 4ـ أنّ العقوبة و الجزاء و خلافاً للعقوبات العادية المتعارفة في هذا العالم فهي تنقدح في الباطن ثم تسري إلى الخارج; إنّها تؤرق روح الإنسان في البداية ثم تظهر آثارها على جسمه و نومه و طعامه، على غرار القيامة: (نَارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفِئدةِ)(4). 5 ـ لاتحتاج محكمة الضمير إلى الشاهد و الحاضر و لا تحتاج في حصولها على المعلومات إلى خارج الإنسان و نفس الإنسان يدلي بالشهادة لنفعه أو ضرره كمحكمة القيامة التي تشهد فيها أعضاء الإنسان و جوارحه على أعماله:(حَتَّى اِذَا مَا جَاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَ أَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ)(5). فهذا الشبه العجيب بين هاتين المحكمتين هو دليل آخر على كون هذه 1. سورة الزمر، الآية 46. 2. سورة البقرة، الآية 48. 3. سورة الرعد، الآية 41. 4. سورة الهمزة، الآية 6 ـ 7. 5. سورة فصلت، الآية 20. [ 127 ] المسألة فطرية، حيث كيف يعقل وجود مثل هذا الحساب و الكتاب الدقيق والمحكمة السرية العجيبة في الإنسان الذي يمثل قطرة صغيرة في محيط الوجود العظيم، بينما ليس هناك من حساب و كتاب و لا محكمة في هذا العالم الكبير، و عليه يمكن إثبات فطرية الإيمان بالحياة بعد الموت من خلال ثلاثة طرق; طريق غريزة حبّ البقاء و طريق وجود واستمرار هذا الإيمان طيلة التاريخ البشري و أخيراً عن طريق وجود محكمة الضمير في باطن الانسان. [ 128 ]
إنّ الإنسان يحاكم في أربع محاكم في هذا العالم أما... لايسع الإنسان أن يستثنى من قانون العدالة العامة للخلق. نعم يعاقب الإنسان على ما يبدر منه خلاف و ظلم في «أربع محاكم مختلفة» في هذا العالم و يدفع فيها ثمن جريمته باهضاً، الأولى المحكمة ذات الأسرار «الضمير» التي تكتفي أحياناً يتصفية كافة الحسابات بحيث لايبقى شيء. و الثانية محكمة «الآثار الطبيعة للعمل» و لاسيما في الذنوب ذات البعد «العام» حيث يتضح سريعاً تأثير حكم هذه المحكمة، و تاريخ البشرية طافح بالدروس و العبر بشأن المصير المؤلم و المأساوي للمجتمعات إثر الظلم والجور و الإحجاف و التمييز العنصري و الكذب و الخيانة و النفاق و التقاعس حيث إجتثت جذورهم و أصبحوا عبرة لغيرهم. و الثالثة محكمة «جزاء الأعمال» و هي أغمض من كل هذه المحاكم وعلاقاتها مجهولة! و كأن قضاة هذه المحكمة جلسوا يتدارسون الحكم خلف الأبواب المغلقة ليصدروا أحكامهم القاطعة و التي تنفذ بصورة خفية. [ 130 ] ليس لدينا لحدّ الآن أي تفسير علمي لمسألة «الجزاء»، إلاَ أنّه لايمكن أن نكرر رؤيتنا مراراً في حياتنا أو طالعنا في صفحات التاريخ أنّ الأفراد الظلمة قد واجهوا آخر الأمر جزاءاً جهنمياً لم يكن أحد قد تكهن به، و العلاقة القائمة بين مصيرهم الأسود الأليم و أعمالهم الشائنة التي إرتكبوها لايمكن تفسيرها عن طريق «الضمير» و لا عن طريق «الآثار الطبيعية للعمل» كما لايمكن حملها على الصدفة. و هذا يقوي الإعتقاد القديم بوجود الجزاء في الأعمال بصورة غامضة ومبهمة، إلاّ أنّه يعمل بشكل قاطع و صارم. و أخيراً رابع محكمة هي «المحكمة الرسمية» و العادية البشرية ذات القدرة الضعيفة، و التي قد لا ترى سوى مورداً واحداً من بين عشرة موارد وتغيب عنها البقية، مع ذلك فأحكامها ليست عادلة تماماً حتى في هذا المورد، لأنّه كما نعلم فهي عرضة للتأثر بهذا و ذاك، إلى جانب صعوبة تشخيص الحق و العدل والتعامل معه بحزم و من هنا فعادة ما يختل توازن هذه المحكمة.
هذه هي المحاكم الأربعة التي تواجهنا، إلاّ إنّنا إذا أمعنا النظر في كل واحدة منها لرأينا أنّه كتب على بوابة كل منها هذه العبارة «هذه المحكمة خاصة ولا تعالج إلاّ بعض الجرائم». و خصوصية هذه المحاكم لا تحتاج إلى بحث، لأنّ وظيفة المحاكم الرسمية ـ كما ذكرنا آنفا ـ واضحة و ليس لها أن تطول جميع المجرمين والآثمين، و لو وسعها ذلك و إنتصرت للمظلوم من الظالم، لما إحترق العالم اليوم بنيران كل هذا الظلم و الجور و الاستعباد و الاستعمار و الاستغلال. [ 131 ] و أمّا محكمة الجزاء فهي الأخرى لا بُعد عمومي لها، و كأنّي بها ليست إلاّ برنامج تربوي و تحذير للجميع من خلال إبانتها لبعض النماذج! و لذلك نرى بعض المجرمين الذين فروا من مخالبها، إضافة إلى أنّ بعض الجنايات قد تكون ثقيلة بحيث لايسعها الجزاء و يقتصر على التعامل مع جانب معين من جوانبها. و أمّا محكمة الآثار الطبيعية للأعمال فهي كسابقتها لها بعد خاص، لأنّ شعاع عمله إنّما يشتمل غالباً على ذنوب تتخذ بعداً عاماً، أو إن إرتكبه فرد لابدّ أن يواصل العمل به لمدّة طويلة ليتضح شؤمه و مرارته، و عليه فإنّ كثيراً من المجرمين و الجرائم خارجة عن نطاق قضاء هذه المحكمة و لم تبق إلاّ «محكمة الضمير» و التي أثبتنا خصوصيتها في الأبحاث السابقة حين تعرضنا إلى وظيفة هذه المحكمة، فلا يتمتع كافة الناس بضمير حي ويقظ، فضعف الوجدان الذي يحصل بسبب عدّة عوامل إنّما يؤدّي إلى هروب جماعة من المجرمين و الجناة الخطرين تحت ذرائع مختلفة من مخالب عقوبات هذه المحكمة. و بناءاً على ما تقدم فالنتيجة التي نخلص إليها من خلال الدراسة الشاملة للمحاكم الأربع المذكورة إلى أنّ أي من هذه المحاكم ليس لها بعداً عاماً و شاملا بحيث تنزل العقاب بكافة الجناة و المجرمين لإرتكابهم أية جنحة أو جناية بعد مثولهم للمحاكمة، و كأنّها بمنزلة إخطارات و إشعارات متتالية تهدف إلى تربية البشر و إيقاظه ليس أكثر. [ 132 ] قانون العدالة في عالم الوجود لابدّ أن نرى هنا هل يمكن الوثوق بوجود عدالة عامة و شاملة في ما وراء هذه الحياة، أم أنّ البشرية تنتقل من هذا المكان دون أن توفي حسابها وليس هناك من شيء ينتظرها!لو ألقينا نظرة إلى الحياة البشرية التي تشكل جانباً صغيراً جدّاً من نظام الخلقة و طالعنا بصورة عامة الوضع العام لعالم الوجود، لرأينا قانون «النظام والعدالة» الذي يحكم جميع الأشياء، و القانون المذكور على درجة من القوّة بحيث إنّ أدنى إنحراف عنه يؤدّي إلى فناء كل شيء «بالعدل قامت السموات و الأرض»(1). فالنظام و العدالة هي سبب تلك الحركة العظيمة و الوجود والسعة للسموات والأرض و جميع الكرات العظيمة التي ملأت أركان الوجود، و ما استمرار حبة غاية في الصغر «الذرة» خلال ملايين السنين بتلك الدقة والظرافة التي استعملت في بنيتها، و الذي ينبغي عادة أن يختل مثل هذا الجهاز اللطيف مبكراً، أنّما هو وليد تلك العدالة و الحساب الدقيق لنظام الالكترونات والبروتونات، فليس هنالك من جهاز ـ صغير أم كبير ـ بمعزل عن هذا النظام الدقيق و العدالة العامة الشاملة سوى الإنسان!
هناك فارق رئيسي بين الإنسان و كافة كائنات عالم الطبيعة، و هو إتصاف الإنسان بتلك القدرة العجيبة التي تعرف بالإرادة و المقرونة بالحرية والإختيار; أي إنّه يشخص الأشياء بعد المطالعة و الفكر و البحث فما كان 1. تفسير الصافي للفيض الكاشاني، ذيل الاية 7 من سورة الرحمن. [ 133 ] لصالحه أتى به وما كان بضرره تركه و من هذه الناحية فإليه تعيين مصيره، و هذا الإمتياز الكبير هو الضامن لتكامله المعنوي و الأخلاقي و الإنساني، لأنّه لو لم يكن حراً مختاراً و قام مثلا بالأعمال الحسنة و أسدى الخدمات للناس بدافع الإجبار أو تحت تأثير بعض العوامل الداخلية و الخارجية، لما كان هناك من فرق بينه و بين أحجار الصحراء التي تختزن بينها بعض الأجناس النفيسة و الغالية إلى جانب الرخيصة، و ليس في هذا الفارق بين الأجناس أي إمتياز أخلاقي. على سبيل المثال لو أجبر شخص بقوّة الحديد و النار على التبرع بعدّة ملايين لمؤسسة خيرية، و قامت تلك المؤسسة ببعض النشاطات، مع ذلك فهذا الأمر لايدعو لأي تكامل أخلاقي و إنساني لذلك الشخص، بينما لو تبرع طواعية و لو بريال واحد بدافع من حريته و إختياره لأحرز تكاملا بذلك المقدار، و بناءاً على هذا فالشرط الأول للتكامل الإنساني و الأخلاقي التمتع بالحرية و الإرادة بحيث يسلك الإنسان طريقه بإرادته، لا من خلال الإجبار من قبيل العوامل الإضطرارية لعالم الطبيعة، و هذا هو الهدف الذي من أجله منح الله سبحانه الإنسان هذا الإمتياز العظيم (عليك بالدقة). و من الطبيعي أن يستغل بعض الأفراد هذه الحرية فيرتكبون مختلف الجنايات، طبعاً إذا نوى الإنسان الذنب وأتى به فقد أران على قلبه، و إن أكل مال اليتيم سار برجله نحو الموت، و حين يمد يده إلى سرقة ـ على حد زعم ذلك الرجل الأبله الذي كان يحدد وظيفة الله ـ تتيبس فوراً و يكتب إسمه بخط واضح و كبير على صفحة السماء أنّه سارق، طبعاً ليس هنالك لإنسان أدنى فخر إمتياز إنساني و تكامل روحي فيما إذا لم يقارف الذنوب تحت طائلة الإجبار... هذا من جانب.
[ 134 ] و من جانب آخر لايمكن للإنسان أن يستثنى من قانون العدالة الذي يمثل أمر الخالق في كافة أرجاء عالم الوجود، فليس هنالك من مبرر لهذا الاستثناء، و من هنا نوقن بأنّ هناك محكمة سيمثل فيها الجميع دون إستثناء، و سينالون نصيبهم من العدالة العامة لعالم الخليقة (عليك بالدقة أيضا). [ 135 ]
تقول فلسفة الخلق هنالك عالم بعد الموت إنّ معرفة فلسفة الخلق و خلقة الإنسان تساعد في التعرف على عالم ما بعد الموت بالتالي سيأتي اليوم الذي تسكن فيه المنظومة الشمسية! هل ستتوقف عجلة تكامل الإنسان بعد كل ذلك الرقي و التطور؟ أليس هذا من العبث؟ غالباً ما يطرح هذا السؤال: ما فلسفة خلقنا و هذا العالم الواسع؟ ماذا كان سيحدث لو لم نخلق؟ إن الفلاح يزرع الأشجار ليحصد الثمار، فما الذي يحصده فلاح عالم الوجود من زرعنا؟ إنّنا لا نفهم لم جئنا؟ و ما الهدف منّا؟ و لماذا سنرحل من هنا؟ و من هنا نشعر بالعبثية و إنّ هذا الشعور المؤذي لينتابنا كلما فرغنا من أعمالنا وإستغرقنا في التفكير. [ 136 ] و يبدو من خلال المطالعات و الآثار إنّ هذا الشعور كان سائداً أيضاً لدى بعض الفلاسفة و الشعراء. و لعلنا أشرنا سابقاً أنّه لابدّ من الانطلاق من نقاط بسيطة و واضحة للإجابة على هذه الأسئلة التي قد تبدو صعبة و معقدة، و قد تكون تلك النقاط الواضحة هي الأسس التي أرسى عليها الفيلسوف الفرنسي المعروف «ديكارت» دعائم مدرسته. لنفرض أنّنا مررنا بمنطقة فوقعت أعيننا على بناية عظيمة وضخمة قد فرغ منها للتو، فيطالعنا فيها الاسلوب الدقيق و الخارطة الممتازة و العمارة الرصينة و الانارة الكافية و الاختيار الصحيح للمواد و ما إلى ذلك من الأمور التي تشير إعجابنا، فإنّنا نرى كل شيء قد وضع مكانه على ضوء تخطيط دقيق، إلاّ أنّنا لا ندري ما هو الغرض الذي من أجله بني هذا المبنى الضخم؟ فهل يجيزنا العقل أن نعتقد بأنّ كافة أجزاء هذا المبنى قد بنيت لتحقيق هدف و وفق خارطة معينة، بينما ليس للمبنى بأجمعه أي هدف ووجد للعبث؟... قطعاً لا، فمن كان له هدف في الجزء كيف لا يكون له ذلك في الكل؟ و الآن نغوص في الباطن العميق لمصنع وجودنا و نشاهد القلب الذي يعمل بصوت موزون و حركات منظمة متتالية دون أدنى توقف، كما نرى تفرعات القلب من قبيل البطين و الاذين و الأوردة و الشرايين التي تضنخ الدم و تلك التي تستقبل الدم، كما نرى هدف كل واحد منها و هي تتحرك وتنشط للقيام به، بحيث لا نرى أي شيء زائد في هذه المضخة، ثم نتجاوز القلب و نتيجة صوب المعدة ثم الكبد و الكلية و الرئة و العظلات و... فنرى لكل عضو هدفه ووظيفته. [ 137 ] ثم نرد بعد ذلك جهاز الدماغ المذهل و نتعرف على هدفه و وظيفته، بعد ذلك نستغرق في التفكير لنطرح على أنفسنا هذا السؤال: أو يمكن أن يكون لأصغر أجهزة البدن و الأعضاء ـ حتى أهداب العين ـ هدفاً، بينما لا يكون هناك أي هدف للإنسان ككل؟ فهل يسمح لنا العقل بطرح مثل هذا الاحتمال و التفكير به؟ ثم نخرج من باطننا العميق و نتسلق أجنحة الملائكة لنحلق معها و نسير في عالم الوجود لنرى كل ذرة و قد كتب على لوحة إلى جانبها الهدف من خلق هذه الذرة، و هو الأمر الذي تمكننا من الوقوف عليه في ظل تطور العلوم والمعارف. فقد وقفنا على الهدف الذي تنطوي عليه جميع ذرات العالم، أفهل يمكن ألاّ يكون هناك هدف للعالم بأسره؟ أو ليس هناك من لوحة نصبت إلى جانب هذا العالم الواسع المترامي للدلالة على هدفه النهائي، إلاّ أنّ عظمتها لم تجعلنا نراها للوهلة الاُولى، وهل من عبارة كتبت على تلك اللوحة سوى «التكامل و التربية»(1). و الآن بعد أن عرفنا بأنّ هدف الخلق هو تكاملنا و تربيتنا و هذه هي فلسفة خلق الإنسان، و لابدّ أن نرى هل سينتهي هذا التكامل بموتنا، بحيث ينتهي كل شيء عند الموت؟ هل يمكن لهذه الدنيا بمدّتها القصيرة و كل هذه المصاعب و الويلات أن تكون هدفاً لهذا الخلق العظيم؟ 1. للوقوف على المزيد راجع كتاب «أسرار الوجود». [ 138 ]
يمكن أن يقال إنّ عالم البشرية لاينتهي بموتنا، بل فمنح مكاننا لأفراد أكثر منّا رقيّاً و تطوراً، و هكذا تسير قافلة التكامل إلى الأمام فاليوم في المجالات المادية و التكنولوجية و غداً في المجالات الأخلاقية و الإنسانية، و بناءاً على هذا فإن فلسفة الخلق هو تكامل و تربية النوع الإنساني لا الأفراد، و مثل هذا التكامل لايتوقف بموت الأفراد و يسير قدماً، إلّا إنّ هذه الإجابة تشبه الدواء المسكن، فهي لا تحل المشكلة الأصلية من جذورها و ذلك لأنّه: أولا: أليس إستمرار تكامل نوع الإنسان بفناء فرد و زواله هو تمييز عنصري ظالم؟ فإن كانت نتيجة حياتنا هي تمهيد السبيل و توفير الأرضية الخصبة من أجل رقي و تطور الآخرين القادمين و ليس لنا من ذلك سوى أن تكون جسراً لترقيهم فيحصلون عليه دون أدنى جهد أو عناء بينما نشقى فمن أجل إعداده لهم، أفليس يتناقض هذا و العدالة المطلقة التي تحكم عالم الوجود؟ (لأنّ كل هذه الأبحاث ترد بعد الإقرار بوجود الله و صفاته). و عليه فلا يمكن للموت أن يكون نقطة إنتهاء حتى بالنسبة للفرد، و إلّا لأصبحت حياة فرد حي عبثية لاطائل من وراءها. ثانياً: يخبرنا جميع العلماء: أنّ السيارة التي نعيش عليها ستؤول إلى السكون في المستقبل ـ المستقبل الذي ليس ببعيد من حيث المقاييس الفضائية ـ كما ستظفىء بالتدريج الحضارة الرفيقه و التكامل لذلك الزمان، وتتحول الأرض إلى كرة خربة و باردة و ساكنة، و آنذاك يبرز هذا السؤال: ما الذي حصل من هذا الذهاب و الإياب؟ ألا يشبه هذا الأمر صنع لوحة نفيسة و جميلة للغاية و من ثم كسرها و تحطيمها؟ [ 139 ] أمّا إن قبلنا بأنّ حياة الإنسان ستعيش اللانهاية و الخلود في عالم أوسع، آنذاك نستطيع لمس فلسفة الخلق بوضوح و نعيش استمرارية قانون التكامل. و بناءاً على هذا فإنّ فلسفة الخلق و قانون التكامل يقول للإنسان لا يمكن للموت أن يكون نهاية الحياة، و ستستمر الحياة بشكل أرفع وأسمى بعد الموت.
رغم أنّ القرآن الكريم تحدث على هامش مختلف السور القرآنية عن القيامة والحياة ما بعد الموت و خاض في تفاصيلها، مع ذلك نرى بعض السور التي تصدت لقضية المعاد من بدايتها إلى نهايتها، و من ذلك سورة الواقعة التي تعالج تقريباً بأجمعها المعاد. و قد تعرضت آياتها (من الآية 57 إلى 73 تقريباً سبع عشرة آية) إلى بحث فلسفة الخلق و قانون التكامل بشكل رائع و بذكر عدّة أمثلة، و خلاصتها كالآتي: «كيف تشكون في المعاد والقيامة» رغم أنّه: أولا: إنّا خلقناكم من نطفة في رحم الأم ثم طويتم مسيرة التكامل حتى أصبحتم أناساً كاملين، فهل لمن جعل النطفة تتكامل جنيناً أن يوقفه عند هذا الحد، أم هل هو عاجز عن إعادة الحياة بعد الموت؟ ثانياً: أفلا تنظرون إلى ما تحرثون من الأرض، فهل أنتم تزرعونه أم نحن الزارعون، فلو شئنا لجعلناه حطاماً فلا تحصلوا منه على شيء، إلاّ أنّنا نسير بهذا العالم نحو السمو و التكامل و ننبت مئات الحبات من حبة قمع واحدة
|