فهرس الكتاب

مكتبة العقائد الإمامية

مكتبة الموقع

 

 

القيامة ردود على الألغاز

 لو قطعنا رابطة هذه الحياة من عالم ما بعد الموت، لأصبح كل شيء على هيئة لغز و لتعذر علينا الردّ على أكثر التعليلات.

 العالم في عين فرخ!

نريد أن نتعرف على مفهوم الحياة و الماضي و المستقبل و كذلك عالم الوجود من زاوية نظر «فرخ» لم يخرج لحدّ الآن من البيضة و يرى العالم: «آه! ياله من سجن صغير، لا أستطيع تحريك يدي و رجلي...

لا أدري لم خلقني خالق العالم لوحدي، و لم خلق الدنيا بهذا الصغر والضيق، ماذا ينفعه سجن وحيد، و ما عساه أن يحل مشكلة؟

لا أدري مم صنع جدار هذا السجن، كم هو محكم و أصم لعل سرّ ذلك عدم سراية موج العدم المخيف من خارج هذا العالم إلى داخله، لا أدري....

آه! لقد نفد غذائي الرئيسي من الصفار (المح) تماماً و الآن أتغذى على الزلال، و لعله سينفد سريعاً فأموت جوعاً و تنتهي الدنيا بموتى، ياله من عبث ولغو و دون طائل خلق هذا العالم مع ذلك فهو يستحق منّي الشكر، فقد منحني العزّة حيث خلقني وحدي و أنا صفوة العالم!

[ 64 ]

قلبي هو مركز هذا العالم و أطراف بدني هي شماله و جنوبه و شرقه وغربه!... إنّي لأشعر بالفخر و الإعتزاز من تصور هذا الأمر، لكن ما الفائدة فليس هنالك من يشاهد كل هذا المجد و يبارك لهذا الموجود صفوة الخلق!

آه لقد برد الجو فجأة (لقد نهضت الدجاجة بضع لحظات من البيضة من أجل الحب و الماء) لقد إجتاح البرد الشديد جميع محيط السجن و قد دبّ في عظمي، آوه، إنّ البرد يقتلني، لقد شع نور عظيم من حدّ العدم في باطن هذا العالم فأضاء جدران سجني، أظن قد حانت اللحظة الأخيرة للدنيا و قد أشرف كل شيء في هذا العالم على نهايته، أنّ هذا الضوء الشديد المؤذي وهذه البرودة القارسة تكاد تقتلني.

آه! كم كان عبثياً هذا الخلق و سريعاً لاهدف له و لاطائل من وراءه، ولادة في السجن، و موت في السجن، ثم لا شيء!...

بالتالي لم أفهم «من أين جئت، و كيف كان!»...

آه! يا إلهي، لقد زال الخطر (عادت الدجاجة ثانية لتنام على البيضة) بدأت تدبّ الحرارة في عظمي، و قد زال الضوء الخاطف و القاتل، أشعر باطمئنان كبير، كم هي لذيذة هذه الحياة!

يا ويلي زلزلة! أصحبت الدنيا كن فيكون (تقوم الدجاجة بتقليب البيوض تحت أقدامها للحصول على حرارة متساوية) لقد هز جميع عظامي صوت ضربة قوية مرعبة، إنّها لحظة نهاية الدنيا و سينتهى بعدها كل شيء، أشعر بالدوار و أعضاء بدني ترتطم بجدار السجن، و كأنّه قدر لهذا الجدار أن يتحطم و يقذف بعالم الوجود بغتة في وادي العدم الرهيب... إلهي ما الذي يحدث!

آه! ياإلهي، لقد حسنت الأوضاع وها أناذا أشعر بالإستقرار; فقد زالت

[ 65 ]

الزلزلة، و عاد كل شيء إلى سكونه، لم يكن لهذه الزلزلة من أثر سوى أنّها غيرت قطبي العالم فقد أصبح القطب الشمالي جنوباً و الجنوبي شمالا! إلاّ أنّ الأوضاع أصبحت أحسن من السابق، شعرت لمدّة بحرارة شديدة في رأسي و على العكس كان البرد دبّ في يدي و رجلي، و الآن عاد الاعتدال و التوازن.

كأنّها لم تكن زلزلة، بل كانت حركة للحياة! (مرّت عدّة أيّام على هذه الحالة) آه! لقد نفد غذائي تماماً، حتى أنّي لعقت كل ما في جدار السجن ولم يبق شيء... خطر، هذه المرة، جدي... إنّها نهاية الدنيا، و قد فغر الموت والفناء فاه على مقربة منّي. حسناً دعني أموت، لكن لم يعلم بالتالي الهدف من خلق هذا العالم و من هذا المخلوق السجين الوحيد؟ ياله من عبث! كم هو لغو! لا طائل من وراءه! ولادة في السجن و موت و فناء في السجن، «لست راضياً بهذه الخلقة، كانت مفروضة!».

آه! إنّ الجوع قد أخذ مأخذه منّي، لقد فقدت توازني و الموت يلاحقني، كأنّ هذا السجن بكل بؤسه هو أفضل من العدم، جاءني خاطر، كأنّي بصوت ينطلق من أعماقي إضرب بمنقارك و بشدّة جدار السجن! يالها من فكرة خطيرة! أفيمكن ذلك. هذا إنتحار، هذا آخر الدنيا، هنا الحد الفاصل بين العدم والوجود... لكن لا، لعل هناك خبراً آخر و أنا لا أعلمه... أنا محكوم بالموت، دعني أموت بعد جهد.

لقد إشتد هذا الصراخ في أعماقي و هو يناديني حطم الجدار... آه! لعلي أمرت بقتل نفسي... على كل حال ليس لي من سبيل سوى طاعة ذلك النداء الباطني (هنا يشرع الفرخ بالضرب بمنقاره الغطاء الشفاف للبيضة).

إضرب بقوة... بقوة أشد... لا تخف! أكثر قوة!...

[ 66 ]

آوه! تحطم جدار الوجود و العدم، مرّت من هذه النافذة عاصفة إلى باطنها، لا نسيم لطيف و منعش، لقد تجددت حياتي! لقد تغير كل شيء، إنّ الأرض والسماء في حالة تبدل و تغيّر، لابدّ من الطرق بقوة أكثر! لابدّ من تحطيم هذا السجن تماماً...

آه! يا إلهي ياله من جمال!... ياله من ساحر!... ياله من واسع! ياله من كبير!

يالها من كواكب رائعة! ياله من ضياء لطيف! إن عيني تمتلىء بالضوء، يالها من أزهار! يالها من أنغام!...

أي أمٍّ حنونة لدي!... ما هذه الأطعمة المتنوعة و المختلفة!...

ما أكثر مخلوقات الله!... آه كم أنا صغير و هذا العالم الكبير! كيف أكون مركز العالم! لست أكثر من ذرة غبار معلقة في فضاء واسع...

الآن فهمت لم يكن ذلك المكان سجناً، كان مدرسة، كان مؤسسة تربوية، كان وسطاً تربوياً عظيماً أعدني للعيش في هذا العالم الواسع الجميل، الآن بدأت أفهم المعنى الذي تنطوي عليه الحياة، و ما هدفها و ما هي برامجها ومشاريعها، الآن أستطيع القول بقوة كم كانت قياساتي بسيطة بينما كبيرة جدّاً هي مفاهيم هذا العالم، و قد كنت في حلقة صغيرة ضمن سلسلة طويلة، و هناك حوادث لا تعرف بدايتها من نهايتها، و الحال كنت أرى كل شيء منحصراً في تلك الحلقة التي تخلص فيها البداية و النهاية.

الآن عرفت أنّي فرخ صغير، و أصغر ممّا يتصور.

كان ذلك شكل عالم الوجود على ضوء رؤية فرخ سجين.

أفلا نتصور كذلك هو الأمر لهذا العالم الذي نعيش فيه إزاء العالم الذي يعقبه؟ هل هناك دليل يقوم على نفي ذلك؟ لقد صور التأريخ مدى الإيرادات الضخمة التي طرحتها المدارس المادية إزاء خلق الإنسان، وبصورة عامة خلق العالم و كذلك المصائب و المعاناة و الآلام و الويلات التي يواجهها الإنسان طيلة عمره القصير، و أفضل نموذج على ذلك ما أورده الشاعر العربي المادي النزعة المعروف «إيليا أبو ماضي» و الذي يختتم فيه أحد أشعاره باللازمة «لست أدري». كما نشاهد شبيه ذلك في أشعار الشاعر الفارسي المعروف «بهمني».

[ 67 ]

إلاّ إنّنا نعتقد بأنّ أغلب هذه الإشكالات هي وليدة المطالعات المحدودة في الدنيا المادية لهذا العالم و الانقطاع عن الحياة القادمة و عالم ما بعد الموت، وهي بالضبط كتلك التي أوردها الفرخ الذي لم يخرج بعد من بيضته، و قد مرّ علينا جانب من شعوره و حسابه للأمور.

طبعا إذا أغضضنا الطرف عن القيامة و حياة ما بعد الموت فسوف لن نمتلك إجابة على كثير من التعليلات، أمّا إن نظرنا إلى هذه الحياة بصفتها حلقة تكاملية وسط سلسلة طويلة من التكاملات لتغير الحال و لحلت أغلب المسائل العالقة من خلال إرتباط حاضر الحياة البشرية بمستقبلها، و أمّا قولنا أغلب المسائل ـ لاجميعها ـ فذلك لأنّ بعض هذه المسائل من قبيل الآلام و المصائب و الويلات إنّما تنبثق عادة كنتيجة لأعمالنا أو نظامنا الاجتماعي الفاسد أو الحركات الاستعمارية أو الضعف و الوهن و الكسل، وهي الأمور التي ينبغي التفتيش عن عواملها في كيفية الأنشطة الفردية والاجتماعية و العمل أجل إزالتها.

[ 68 ]

القيامة في الكتب السماوية

جهد «اليهود» إثر غرقهم في الماديات وسجودهم للثروة في محو آيات القيامة ليتسنى لهم مواصلة أعمالهم دون تأنيب من ضمير.

و أمّا «النصارى» فقد إقتعلوا الآثار التربوية للإيمان بالقيامة على ضوء مسألة الفداء و الخلاص بواسطة السيد المسيح (عليه السلام) و صكوك غفران القساوسة.

لقد تضمنت رسالة الأنبياء و المفكرين إلفات إنتباه الإنسان إلى أمرين والإجابة على لغزين; هما بداية الخليقة و نهايتها و بعبارة أخرى: «المبدأ» و«المعاد».

و من المسلم به أنّ فهم معنى الحياة لايتيسر دون فهم الأمرين المذكورين، و كذلك يتعذر دون فهمهما المعرفة الواقعية للعالم.

و التربية بمعناها الحقيقي ـ يعني التربية التي لا تقتصر على التشريفات وآداب الضيافة و أسلوب تناول الطعام و مجاملة الأصدقاء و ما إلى ذلك، بل تلك التي تتجاوز سطحية الحياة و تغوص في أعماق حياة الإنسان وروحه ـ فنحتاج إلى حلّ هاتين المسألتين; يعني الإلتفات إلى جهاز المراقبة الذي يحكم الإنسان و التوجه إلى الثواب و العقاب و تكامل الإنسان و سقوطه على ضوء أعماله.

و عليه فليس هناك أي كتاب سماوي و لا نبي إلاّ وقد إستندت دعوته إلى الموضوعين المذكورين، ولكن دفع الجهل و قلّة العلم بالكتب و إمتداد يد التحريف إلى الكتب السماوية قد شوه صورة القيامة عن واقعها الصحيح.

[ 70 ]

و لا بأس أن نعرض هنا إجمالا إلى مضامين تلك الكتب وتسليط الضوء على بحث القيامة الوارد فيها بغية إحراز بعض الفوائد.

الكتب التاريخية بدل الكتب السماوية

ينبغي الإلتفات هنا إلى أنّ الكتب المقدسة لليهود و النصارى اليوم هي كتب مقدسة فقط كما يرونها، لا أنّها كتب سماوية، و من هنا فهم لايصطلحون عليها بالكتب السماوية، فإنّنا لانجد يهودياً و لانصرانياً واحداً يقول أنّ هذا الكتاب هو ذلك الوحي السماوي الذي نزل على موسى وعيسى (عليهما السلام)، بل يعترف الجميع بأنّ هذين الكتابين قد خطّا بعد هذين النبيين العظيمين من قبل حواريها و أتباعهما و إن تضمنت هذه الكتب شيئاً من الوحي السماوي، و من هنا فقد ورد فيها الكلام عن سيرة المسيح (عليه السلام)و موسى(عليه السلام) و حتى الحوادث التي وقعت بعدهما.

 توضيح ذلك:

العهد القديم (الكتاب المقدس لليهود) و يشتمل على 39 كتاباً خمسة منها المسماة بأسفار التوراة، فنقرأ على سبيل المثال في الفصل الآخير من السفر الخامس ـ و الذي يسمى بسفر التثنية ـ فموسى (عليه السلام) عبدالله و قد توفى حسب قول الله في أرض «مواب» و قد دفن في أرض مواب أمام يعور...»

[ 71 ]

فهذه دلالة واضحة على أنّهم كتبوه بعد وفاة موسى (عليه السلام).

وسبعة عشر كتاباً منها تسمى «مكتوبات المؤرخين» حيث جاء فيه كما يفهم من إسمه تأريخ الملوك و السلاطين و ما إلى ذلك، و السبعة عشر كتاباً الباقية تحمل عنوان مكتوبات الأنبياء و رسل بني إسرائيل و سيرتهم و بيان قصار كلماتهم و مواعظهم و مناجاتهم.

و أمّا كتاب العهد الجديد (الكتاب المقدس للنصارى) فيشتمل على 27 كتاباً، أربعة منها هي الأناجيل الأربعة و التي كتبت من قبل تلامذة السيد المسيح (عليه السلام) أو تلامذة تلامذته. و إثنان و عشرون منها هي الرسائل التي بعث بها بولس و سائر رجال النصرانية إلى المناطق المختلفة، و الكتاب الأخير هو مكاشفات يوحنا الذي يشرح مكاشفاته على كل حال فإن هناك فارقاً واضحاً بين العهد القديم و الجديد، و هو كثرة الكلام في كتب اليهود عن الدنيا وقلّته و ندرته عن القيامة!

و الحال ليس الأمر كذلك في الإنجيل فالحديث يبدو كثيراً نسبياً عن القيامة و العالم الآخر الذي يعقب الموت و الثواب و العقاب، حتى صرّح «المستر هاكس» الأمريكي كاتب «قاموس الكتاب المقدس» قائلا إنّ أفكار اليهود في بعض المسائل المتعلقة بعالم ما بعد الموت مجهولة و غير واضحة تماماً.

و كل الذي يمكن قوله مع أخذ بنظر الاعتبار الوضع الخاص الروحي لليهود هو أنّهم ـ اليهود ـ يشتهرون من بين كافة أقوام العالم بماديتهم وأنانيتهم وركوعهم للثروة دون أي قيد و شرط حتى قيل أن إلههم هو المال، و حين إمتدت أيديهم إلى تحريف كلمات الأنبياء و تعاليمهم فما كان في الدنيا ومادياتها أثبتوه، و ما كان في القيامة و عقاب أصحاب الدنيا و الظلمة و الآثمة حذفوه منها، فهم لايقتصرون على تحريف أخبار العالم لصالحهم، بل لايتورعون حتى عن تحريف كلمات الأنبياء و الكتب السماوية!

[ 72 ]

و قد وردت في القرآن الكريم بعض الآيات التي تشير إلى طبيعة اليهود الذين عاصروا النبي (صلى الله عليه وآله) و مدى حرصهم على الحياة المادية: (وَ لَتَجِدَنَّهُمْ اَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيوة)(1).

و هذه هي الروحية التي تلمس فيهم اليوم كما الأمس، كأنّها أصبحت جزءاً من دمهم و طبيعتهم على مرور الزمان، و هذا مايفسر سلوكيتهم وتشردهم في الماضي و مدى لجاجتهم في العصر الراهن، و لانرى أنّهم سيخرجون من دوامتهم إلاّ أن يعيدوا النظر في حياتهم و يمدوا يد السلام إلى شعوب العالم ولايقتصرون بالقيمة و القدسية على المادة فقط، على كل حال رغم عدم إهتمام كتب العهد القديم بقضية القيامة فإنّ هناك تعبيرات واضحة يمكن مشاهدتها بهذا الخصوص، نعرض الآن إلى بعض نماذجها.

1ـ نقرأ في الكتاب الأول لصاموئيل (الباب 2 الجملة 6):

«إنّ الله يحيي و يميت و يقبر و يبعث». و العبارة ـ كما يفهم منها ـ تدل صراحة على المعاد الجسماني إضافة إلى أصل القيامة، فالقبر مكان الجسم الذي يتبدل فيه تراباً، و إلاّ فالقبر لايضم الروح لتنبعث منه، و هذا يشبه ما ورد في القرآن: (وَ اَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ في الْقُبُورِ).(2)

2ـ نقرأ في كتاب يوشع النبي (الباب 26 الجملة 19):

«سيحيى موتاك و يريدون أجسادي، انهضوا يا من سكنتم في التراب


1. سورة البقرة، الآية 96.

2. سورة الحج، الآية 7.

[ 73 ]

وانتبهوا و ترنموا!». فقد وصفت القيامة في هذه العبارة بأنّها نوع من الإنتباه (شبيه الإنتباه من النوم) و هو الأمر الذي ورد في الروايات الإسلامية «الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا».

فتشبيه «الموت» أو «القيامة» بالإنتباه من النوم يعلمنا كثيراً من الأشياء سنتعرض لها لاحقاً إن شاء الله.

و لعل المراد بالعبارة أجسادي (رغم أنّ لكل فرد جسد واحد) الأعضاء والأطراف المختلفة للجسد، أو الأجساد التي تتغير طيلة العمر و بمرور الزمان.

3ـ نقرأ في مزامير داود (المزمور 23 الجملة 4 إلى 6):

«سوف لن أخشى السوء من مشي في وادي الموت لأنّك معي، سيلحقني كل إحسان و رحمة و أسكن في بيت الله إلى أبد الاباد». حيث تتضح بجلاء من هذه العبارات الرابطة بين الإنسان في عالم ما بعد الموت و الأعمال التي بها في هذا العالم، فستتبعه أعماله أينما حل و لا تنفصل عنه أبداً.

و هكذا تكون قد وردت إشارات واضحة إلى يوم القيامة في كلمات الأنبياء كداود و يوشع و صاموئيل، إلاّ أنّ اليهود تناسوا القيامة و البعث وكأن ليس هنالك من دنيا بعد هذه الدنيا و حياتها المادية.

القيامة في الأناجيل

كما ذكرنا سابقاً فإن الأناجيل كانت أكثر صراحة من غيرها بشأن الحديث عن القيامة. و إليك نموذجان منها:

[ 74 ]

1ـ نقرأ في إنجيل يحيى (الباب 5 الجملة 27 ـ 28):

«ستأتي الساعة التي يسمع فيها كل من في القبور ندائه فينهضون، فمن عمل عمل حسناً له قيامة الحياة و من عمل عمل سيئاً له قيامة الحساب».

و المراد بقيامة الحياة هو الحياة الخالدة في النعم الإلهية التي تمثل ثواب المحسنين، و المقصود بقيامة الحساب هو عقاب المسيئين بمقتضى حساب الله و عدله.

و أخيراً فالعبارة ـ بالنظر لذكرها القبور التي تمثل موضوع جسم الإنسان ـ إشارة إلى المعاد الجسماني.

2ـ وردت إشارة صريحة إلى قضية الجزاء و الثواب يوم القيامة في إنجيل متي ـ و هو أول الأناجيل ـ حيث جاء فيه:

«سيأتى الابن في جلال أبيه و معه الملائكة و سيجزي كلا حسب عمله».

(إنجيل متي، الباب 16 الجملة 27)

و نظير هذه العبارات التي تتحدث عن الثواب و العقاب و الجنّة و النار والحساب في عالم ما بعد الموت، و هي كثيرة في كتب العهد الجديد و الأناجيل.

ولكن للأسف فقد شوه بعض النصارى الآثمين الآثار التربوية العقائدية والإيمان بالمعاد و القيامة بحيث لم يعد هنالك من دور للعمل الصالح أو السيىء في الفوز بالحياة الخالدة أو العذاب الدائم، و ذلك من خلال البدع الخطيرة التي ابتدعوها من قبيل صكوك الغفران و أنّ المسيح (عليه السلام) صلب ليكفر عنهم سيئاتهم و ما إلى ذلك من التحريفات.

[ 75 ]

 القرآن و الآخرة

أول إرشاد

لقد كان يوماً بين هذه الذرات المؤلفة لأبداننا مسافة تتجاوز ملايين الكيلو مترات و كانت متناثرة في كل مكان، فهل يمكن أن ترتبط مع بعضها بعد تشتتها ثانية بعد الموت؟

لقد حدثت هزة عنيفة في وسط الوثنيين فقد تزلزلت دعائهم الوثنية، فقد ظهر دين جديد، دين التوحيد، دين عبادة الله الواحد الأحد و الذي أخذ ينتشر بين الناس بالسرعة و يسيطر على أفكارهم و لاسيّما الشباب الذين إستقطبهم بصورة أعمق من غيرهم.

إثر ذلك عقدت الجلسات و الندوات الصغيرة و الكبيرة و نظمت الاجتماعات في الأوساط العالمية و الأندية و الأسواق و المسجد الحرام و في بيوت المشركين بهدف مواجهة هذا الدين و الحيلولة دون إنتشاره و نفوذه، و كان كل فرد يفكر في العثور على نقطة ضعف في هذا الدين الجديد الذي سدد ضرباته لدينهم القديم. و فجأة إنبرى أحدهم من زاوية في المجلس ليقول: (هَلْ نَدُّلُكُمْ عَلَى رَجُل يُنَبِّئُكُمْ اِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمزَّق اِنَّكُمْ لَفي

[ 76 ]

خَلْق جَديد * اَفَتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً اَمْ بِهِ جِنَّة)(1)

نعم كان الإعتقاد بعالم الآخرة و بعث الموتى و وقوفهم للحساب آنذاك هو نوع من أنواع الجنون أو توجيه التهمة لله سبحانه، كما أن إنبثاق الحياة من المادة الصماء التي لاروح فيها هو الآخر كان يمثل أمراً جنونياً لايمكن تصوره، و بالطبع لايبدو هذا النمط من التفكير مستغرباً من أولئك الأفراد ممن يعيشون في «ضلال مبين» و لم يشموا لسنوات مديدة نسيم العلم والمعرفة.

إلاّ أنّ الطريف ماينبغي معرفته من القيامة التي أحدثها القرآن الكريم بشأن مسألة يوم القيامة، حيث إعتمد الأدلة اللطيفة و الأمثال الرائعة والمنطق السهل والممتنع الذي يجتمع عليه عوام الناس ممن لاحظ لهم من معرفة وعلمائهم و مفكريهم.

و لعلك لا تشاهد صفحة من القرآن خلت من ذكر عالم الآخرة و الحياة بعد الموت و المسائل ذات الصلة، و هذا بدوره يوضح الأهمية التي أولاها القرآن لهذه المسألة المهمّة.

و بصورة عامة يمكن تقسيم آيات القيامة من حيث الدليل و البرهان إلى سبعة طوائف بحيث تفتح كل طائفة بدورها نافذة على هذه المسألة الكبرى المهمّة و تعد طريقاً واضحاً و مطمئناً.

الطريق الأول: التذكير بالخلق الأول

(أَفَعَيِينَا بِالْخَلقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ في لَبْس مِّنْ خَلْق جَدِيد)(2)


1. سورة سبأ، الآية 7 ـ 8.

2. سورة ق، الأية 15.

[ 77 ]

لقد ذهل ذلك الإعرابي حين وقعت عينه على قطعة عظم متعفن وسط الصحراء، ولم يكن واضحاً أنّ ذلك العظم لرجل قتل في نزاع قبلي أم توفاه الله سبحانه، ففكر مع نفسه قليلا: أنّ محمداً يقول بأنّ هذا العظم البالي سيكتسب الحياة مرّة أخرى و يعود الإنسان شاباً حيوياً طرياً، يالها من خرافة عجيبة!...

قسماً بهذه الأوثان سأردّ عليه بهذا الدليل المحكم.

فحمل ذلك العظم و أسرع يطلب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلما رآه قال:

(مَنْ يُحيي الْعِظامَ وَ هِىَ رَمِيم)(1)

و هنا نزلت الآيات القرآنية كحباب المطر في الربيع على قلب رسول الله (صلى الله عليه وآله)لتجيب بمنطق صريح جذّاب: (قُلْ يُحيِيهَا الَّذي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّة وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْق عَلِيمٌ)(2)

(أَوَ لَيْسَ الَّذي خَلَقَ السَّموَاتِ وَ الأَرْضَ بِقَادِر عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم)(3)

كما وردت آية أخرى شبيهة للآية المذكورة: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْق نُعيدُهُ)(4)

و الآن نتصفح أوراق تأريخ ظهور البشرية فنعود إلى الوراء لنرى بداية الخليقة: ...فجأة قذفت من الشمس كتلة نارية عظيمة أطلق عليها فيما بعد إسم «الأرض» فأخذت فوراً بالدوران حول الشمس، إلاّ أنّها كانّت متقدة ومحرقة بحيث إذا تأملها الناظر لما احتمل إنّها ستصبح يوماً موضعاً لكل


1. سورة يس، الآية 78.

2. سورة يس، الآية 79.

3. سورة يس، الآية 81.

4. سورة الأنبياء، الآية 104.

[ 78 ]

هذه البساتين الغنّاء و الأزهار الجميلة و الشلاّلات و الطيور المتنوعة و أفراد الجنس البشري.

و لا ندري على وجه الدقّة كم مضى على تلك اللحظة، و لعلها تمتد إلى خمسة آلاف مليون سنة!

مضت آلاف ملايين السنين و الأرض ساخنة و محرقة.

ثم إتحد غاز الهيدروجين مع الاوكسجين في أجواء الأرض ليكونا بخار الماء، و بردت الطبقات العليا من الجو بمرور الزمان فاشبعت ببخار الماء فبدأت سيول الأمطار الرهيبة. إلاّ أنّ الأرض كانت على درجة من السخونة بحيث لم تخترقها الأمطار، فكانت تتحول بخاراً قبل ملامستها فترتفع إلى الأعلى، و هكذا بقيت البحار لسنوات مديدة ـ ربّما ملايين السنين ـ تائهة معلقة ما بين الأرض والسماء!

فلم يكن لها من سبيل إلى الأرض و لا إلى جو السماء، فكلما حاولت أن تقترب من الأرض لم تدعها الحرارة، و حين كانت تندفع إلى السماء لم يكن لها القدرة الكافية لحل كل ذلك بخار الماء، فكانت دائبة الحركة.

إلاّ أنّ تلك الحركة أخذت تبرّد الأرض بالتدريج و تحد من جماحها.

فعادت المياه إلى الأرض، حيث تقبلتها ودعتها تستقر في الحفر، لكن لم يكن يسمع في الكرة الأرضية سوى صوت الرعد و البرق و زئير الشلاّلات و أمواج البحار و صرير العواصف. فلم تتفتح وردة و لابرعم، كما لم تكن هناك فراشة تلقح الأوراق و لا أصوات لرفرفة أجنحة الطيور التي تحلق على شكل أسراب و جماعات لتحطم حاجز الصوت المرعب لتلك المقبرة، لا صوت حشرة و لا تغريد بلبل... كان الصمت سائداً في كل مكان!

و فجأة حدثت ثورة عجيبة و حادثة فريدة فقد ظهرت أولى الكائنات

[ 79 ]

الحية في البحار، فأخذت النباتات بالانتشار تدريجياً، ثم أخذت إثر ذلك أولى الحشرات الصغيرة و الحيوانات المختلفة تسرح و تمرح في البحار و اليابسة.

لكن إلى الآن لا أحد يعلم السبب الذي يقف وراء ظهور الكائن الحي من المادة التي لاحياة فيها، و كل الذي نعلمه هو أنّ عوامل خفية إتحدت مع بعضها لتكون هذا الإبداع العظيم، أمّا جزئيات ذلك فما زالت من الأسرار التي لم يقف كنهها العلماء لحدّ الآن.

و بناءاً على هذا فإنّنا نلاحظ بوضوح أنّ أجزاء من بدننا الفعلي كانت سابقاً متناثرة في زوايا هذه الأرض الواسعة الخالية من الروح و الحياة، ولعل هناك ملايين الكيلو مترات من المسافة بين ذراتها. إلاّ أنّ ذلك التناثر وهذه المسافة لم تكن لتمنعها من التجمع يوماً مع بعضها و تشكيلها لبدن الإنسان.

فهل من العجب أن يتكرر هذه العمل مرّة أخرى فتتجمع الذرات التي أصحبت تراباً و تناثرت هنا و هناك لتلبس ثوب الحياة و تعاد الخلقة الأولى؟

فإن رأى الإعرابي ذلك الأمر ضرباً من الجنون، فما بالنا نحن الذين نعيش في ظل هذا التطور العلمي فنراه عملياً يمكن تحقيقة، و هو ما عبّر عنه الفلاسفة بقولهم: (حكم الأمثال فيما يجوز و فيما لايجوز واحد)