إنّ صعوبة الردّ على هذا الإشكال دفعت البعض لتوجيه آيات الخلود، ففسروها بعدم إعتماد الخلود في العقاب على أنّه يخالف العدل برأيهم. 1ـ قال البعض: المراد بالخلود معناه الكنائي أو المجازي، يعني مدّة طويلة نسبياً و هذا من قبيل مايطلق على من يحكم في السجن إلى آخر عمره فيقال حكم عليه بالسجن المؤبد، و الحال ليس هناك من أبدية في أي سجن حيث تنتهي هذه المدّة بانتهاء العمر، و منه ما تعارف لدى العرب من قولهم «يخلد في السجن». 2ـ و قال البعض الآخر: إنّ مثل هؤلاء الأفراد الذين أفنوا أعمارهم في الذنب والخطيئة حتى أحاطت بهم وأصبح وجودهم معصية فإنّهم و إن خلدوا في النار، إلاّ إنّ هذه النار لا تبقي على حالها و بالتالى سيأتي اليوم الذي تخمد فيه هذه النار ـ كسائر النيران الأخرى ـ فيشعر أهلها بنوع من الهدوء الخاص. 3ـ و أخيراً احتمل البعض حصول حالة من الإنسجام مع النار بعد مرور مدّة من الزمان و تحمل شدّة العذاب حيث يكتسبون خصائص الوسط فيتكيفوا معه بالتدريج و يعتادوه، و على ذلك فلا يعودون يشعرون بأي عذاب وألم! طبعاً كما ذكرنا فإنّ كل هذه التوجيهات بسبب العجز عن حلّ مشكلة العذاب الأبدي، و إلاّ فإنّ ظهور الآيات في خلود عذاب طائفة معيّنة ممّا لايمكن إنكاره. [ 245 ]
لحلّ هذه المشكلة لابدّ من العودة إلى الأبحاث السابقة و إصلاح الخطأ الناشىء من مقارنة عذاب يوم القيامة و عقوبته بسائر العقوبات، ليتضح من خلال ذلك عدم وجود أي منافاة لمسألة الخلود مع عدالة الحق سبحانه، ولإتضاح الأمر لابدّ من تسليط الضوء على ثلاث مقدمات: 1ـ كما ذكرنا آنفا فإنّ العقاب الأبدي و الخالد يختص بالأفراد الذين أغلقوا على أنفسهم كافة سبل النجاة و قد مارسوا الكفر و النفاق عمداً و قد طبع الذنب على قلوبهم حتى عادوا أنفسهم معصية و خطيئة كما وصفهم القرآن الكريم: (بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةِ وَ اَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَاُولئِكَ اَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)(1). 2ـ يخطىء من يظن أنّ مدة العذاب لابدّ أن تتناسب و مدّة الذنب، لأنّ الرابطة بين «الذنب» و «العقاب» ليست زمانية بل رابطة كيفية، أي أنّ زمان العقاب يتناسب و كيفية الذنب لا مقدار زمانه، مثلا يمكن أنّ يرتكب فرد قتل نفس في لحظة فيحكمه القانون بالسجن المؤبد، فنرى هنا أنّ زمان الذنب لحظة بينما قد تكون عقوبتها ثمانين سنة في السجن. و عليه فالقضية تتوقف على «الكيفية» لا «كمية الزمان». 3ـ قلنا سابقاً أنّ لعقاب الآخرة حيثية الأثر الطبيعي للعمل و خاصية الذنب، و بعبارة أوضح: الألم و المعاناة التي يعانيها المذنبون في العالم الآخر هو أثر ونتيجة أعماله، فقد جاء في القرآن الكريم: (فَالْيَومَ لاَتُظْلَمُ نَفْس شَيْئاً وَ لاَتُجْزَونَ اِلاّ مَاكُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)، (وَ بَدا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَاعَمِلُوا وَ حَاقَ بِهِمْ مَاكَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ)،(فَلاَ يُجْزَى الَّذِينَ 1. سورة البقرة، الآية 81. [ 246 ] عَمِلُوا السَّيِّئاتِ اِلاَّ مَاكَانُوا يَعْمَلُونَ). و قد أوردنا عدّة توضيحات بهذا الخصوص في بحث تجسم الأعمال. و بعد أن إتضحت هذه المقدمات الثلاث لا تبدو الإجابة على الإشكال صعبة، و يكفي في الوصول إليها الإجابة على هذه الأسئلة: لنفرض شخصاً أصيب بقرحة في المعدة إثر تناوله المشروبات الكحولية لاسبوع متتالي بحيث لابدّ له من تحمل هذا الألم إلى آخر عمره، فهل هذا التناسب بين العمل السيىء و نتيجته على خلاف العدل؟ و إذا فرضنا أنّ عمر هذا الفرد بدلا من ثمانين سنة كان ألف أو مليون سنة و لابدّ أن يتحمل الألم لمليون سنة بسبب تهوره لاسبوع، فهل هذا يناقض العدالة؟ و الحال قد أنذر سابقاً من العاقبة الخطيرة لهذا العمل. و لنفرض أنّ فرداً ضرب عرض الحائط قوانين المرور التي تعود رعايتها بالنفع العام و الحد من الحوادث، و لم يصغ لأقوال الأصدقاء و تحذيراتهم فارتكب حادثة في لحظة ففقد عينيه أو يديه و رجليه، و عليه أن يتحمل لسنين طوال هذا العمى أو قطع اليد و الرجل، فهل هناك من تناقض والعدالة؟ و قد ضربناً سابقاً مثالا بهدف تقريب المطالب العقلية للذهن، فقلنا نفرض شخصاً زرع شوكاً ثم رأى نفسه بعد بضعة أشهر وسط مساحة شاسعة من الشوك فهي تؤذيه دائماً... أو نثر بذور الزهور ـ عن علم ـ ليرى بعد مدّة أنّه وسط حديقة غنّاء مليئة بالأوراد و الزهور بروائحها العطرة، فهل مثل هذه الأمور التي تمثل نتائج عمله تتنافى و العدل، و الحال ليست هناك من مساواة بين كمية العمل ونتيجته، و نستنتج ممّا سبق: حين يكون الثواب و العقاب نتيجة و أثر لنفس عمل الإنسان لا يعد هنالك من مجال لطرح مسألة المساواة من حيث الكمية و الكيفية، فربّما كان العمل بظاهره صغيراً و أثره عمراً من الحرمان و العذاب و الألم، و لعله يكون صغيراً و يكون مصدراً للخير و البركة طيلة العمر. [ 247 ] (طبعاً مرادنا من العمل الصغير من حيث المدّة الزمانية و إلاّ فالأعمال والذنوب التي تؤدّي إلى العذاب الأبدي سوف لن تكون قطعاً صغيرة من حيث الكيفية و الأهميّة). و عليه فإن أحاط الذنب و الكفر بجميع كيان الإنسان و تمام وجوده حتى يؤدّي به في نار كفره و نفاقه فلم التعجب من حرمانه من النعم الواسعة في ذلك العالم وخلوده في العذاب و الألم؟! ألم يأته النذير و يحذر من هذا الخطر العظيم؟ بلى... فقد أنذره الأنبياء من جانب و حذره العقل من جانب آخر. هل وقع في ذلك دون إرادة و إختيار فابتلى بذلك المصير؟ كلا، لقد بلغه عن علم و إختيار. فهل صنع هذا المصير سواه و عمله؟ فكل ما هنالك من آثار عمله و نتائجه، و عليه فليس هنالك من مجال للشكوى و لا إشكال على أحد و لا من منافاة مع عدل الحق سبحانه. بقيت قضية واحدة نختتم بها البحث، فقد قال الصادق (عليه السلام): (اَنَّما خُلِّدَ اَهْلُ النَّارِ في النَّارِ لأَنَّ نِيّاتِهِمْ كَانَتْ في الدُّنيَا اَنْ لَوْ خُلِّدُوا فِيهَا اَنْ يَعْصُوا اللهَ اَبَداً وَ اِنَّما خُلِّدَ اَهْلُ الْجَنَّةِ فِى الْجَنَّةِ لأَنَّ نِيّاتِهِمْ كَانَتْ في الدُّنْيا اَنْ لَوْ بَقُوا فِيهَا اَنْ يُطيعُوا اللهَ اَبداً، فَبِالنِّيّاتِ خُلِّدَ هؤُلاءِ وَهؤُلاءِ)(1). 1. وسائل الشيعة، ج 1، ص 36، الحديث 4. [ 248 ] فلو نظرنا لهذا الحديث لبدت لنا في البداية بعض الأسئلة التي لا يسهل الردّ عليها، لأنّ عقد العزم على الذنب لايكفي لكل ذلك العقاب بالاضافة إلى ما ورد في الروايات بشأن نيّة الذنب لوحدها ليست ذنباً فضلا عن عقوبته الخالدة، إلاّ أنّه يمكن القول بعد التمعن أنّ هذا الحديث إشارة لطيفة إلى الأبحاث السابقة، لأنّ نيّة الذنب الأبدي فقط لاُولئك الذين طبع وجودهم بالذنب و قد أغلقوا على أنفسهم كافة سبل النجاة و إحترقوا بمعاصيهم. و بعبارة أوضح: إنّ هذه النيّة لا تؤثر بمفردها، بل «الخلود» خاصية تلك الروح الملوثة و الطائشة المصممة على الذنب الدائم، و من يبتلي بمثل هذه الحالة إثر الذنب فإنّه يبتعد عن الله بحيث لا يبقي له من سبيل إلى العودة و هذا من آثار أعماله.
هل النار و الجنّة موجودتان الآن؟... أم في طريقهما إلى الإيجاد؟... و إن كانتا موجودتين فأين؟ و على فرض عدم وجودهما الآن و سيوجدان فأين سيكون موضعهما؟ من جانب آخر فإننا نقرأ في بعض الآيات القرآنية أنّ الجنّة عرضها السموات و الأرض، فاذا كان كذلك فهل سيبقى من مكان لجهنم؟! هذه هي الأسئلة التي تعترض هذا البحث، لكن قبل الإجابة عليها لابدّ من الإلتفات إلى نقطة و هي أنّ للنار و الجنّة ثلاثة معاني مختلفة وردت في الآيات القرآنية و الروايات الإسلامية:
[ 249 ] جنّة الدنيا ظاهراً هي هذه البساتين النضرة لهذا العالم، فمثلا ورد في القرآن الكريم بشأن قوم سبأ ـ اُولئك القوم المتحضرون الذي عاشوا في أرض اليمن ومازال علماء الاَثار يهتمون بآثار مدنيتهم ـ قوله: (لَقَدْ كَانَ لِسَبَأ في مَسْكَنِهِمْ آيَة جَنَّتانِ عَنْ يَمِين وَ شَمِال كُلُوا مِنْ رِزْق رَبِّكُمْ وَ اشْكُرُوا لَهُ بَلْدَة طَيِّبَة وَ رَبّ غَفُور)(1). و لا تقتصر مفردة «الجنّة» على حدائق الدنيا المخضرة بهذا المورد، فقد ورد هذا التعبير في مواضع أخرى من القرآن، و الاحتمال القوي أنّ جنّة آدم كانت إحدى حدائق الأرض الخضراء، و هبوط آدم(عليه السلام) من الجنّة إلى الأرض هو نوع من الهبوط المقامي(2)، لأنّ آدم(عليه السلام) انتخب منذ البداية خليفة لله في الأرض، هذا من الناحية المادية; و من الناحية المعنوية فقد سميت مجالس العلم بستان من بساتين الجنّة. الجنّة و النار البرزخية، مركز للنعمة و العذاب للمحسنين و المسيئين في «عالم البرزخ» يعني العالم الكائن بين الدنيا و الآخرة، كما ورد بشأن الشهداء في سبيل الله: (... بَلْ هُمْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رِبِّهِمْ يُرزَقُونَ)(3). أو أنّ الشهيد حين يقع على الأرض يسقط في أحضان أهل الجنّة(4). أو سائر العبارات من هذا القبيل التي تفيد دخول بعض الأفراد الجنّة 1. سورة سبأ، الآية 15. 2. راجع التفسير الأمثل، ج 1. 3. سورة آل عمران، الآية 169. 4. تفسير مجمع البيان، ج 2، ص 538 ضمن حديث مفصل. [ 250 ] حين موتهم(1)، كل هذا يتعلق بالجنّة البرزخية. كذلك العقاب الذي ورد في الآيات القرآنية و الروايات الإسلامية بشأن الظلمة و الطغاة إنّما يرتبط بالنار البرزخية. و الجنّة و النار البرزخية التي يعبر عنها أحياناً بجنّة المأوى أو جنّات عدن وأحياناً أخرى ناراً خالداً فيها هي مركز للرحمة أو العذاب الأليم في عالم القيامة الذي يفوق هذا العالم سعة، لكن أحياناً يحصل خلط في هذه المعاني الثلاث للجنة و النار والذي أدى إلى نتائج خاطئة بهذا الشأن. و نعود الآن إلى أصل البحث: كان السؤال الأول هل للجنّة و النار الآن من وجود خارجي؟ و الحال أنّ عدداً من علماء الإسلام المعروفين ـ من الفريقين ـ مثل علم الهدى السيد المرتضى و السيد الرضي و كذلك عبد الجبار و أبو هاشم و هما من علماء العقائد يرون عدم وجود الجنّة و النار الآن و ستجدان فيما بعد، بينما يؤمن أغلب العلماء بوجودهما الآن، و هنالك العديد من القرائن والشواهد على هذا الموضوع و منها: 1ـ(وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً اُخرى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنتَهى * عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى)(2). فالآيات تتحدث عن معراج النبي (صلى الله عليه وآله) و تفيد وجود الجنّة. 2ـ(وَ اِنَّ جَهَنَّمَ لَُمحيطَة بِالْكَافِرينَ)(3) فالتعبير في الآيتين يفيد الإحاطة الفعلية للنار بالكافرين حيث تطلق 1.المصدر السابق. 2. سورة النجم، الآية 13 ـ 15. 3. سورة التوبة، الآية 49 و سورة العنكبوت، الآية 54. [ 251 ] جهنم عادة على النار. 3ـ(اُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) و (اُعِدَّتْ لِلْكَافِرينَ) التي وردت في مختلف الآيات القرآنية هي شاهد آخر على الموضوع(1). هذا من جانب. ولكن من جانب آخر يستفاد من بعض آيات القرآن أنّ عرض الجنّة السماوات و الأرض: (وَ سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرة مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّة عَرْضُهَا السَّمواتُ وَ الأَرْضُ اُعِدَّتْ لِلْمُتَقِينَ)(2) فقد عبرت الآية عن عرض الجنّة بعرض السموات و الأرض، بينما عبرت آية أخرى بعرض السماء و الأرض، و الفارق بين التعبيرين واضح. فقد ورد في آية: (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَة مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّة عَرْضُهَا كَعَرضِ السَّماءِ وَ الأَرْض)(3). (من الواضح أنّ العرض في الآية لايراد به العرض الهندسي الذي يقابل الطول بل المراد به العرض اللغوي بمعنى السعة). و هنا يطرح هذا السؤال: فمن جانب يَقول ظاهر الآيات القرآنية أنّ الجنّة والنار موجودان الآن، و من جانب آخر فإنّ سعة الجنّة بقدر سعة السماء والأرض، فأين سيكون هذا المكان؟ أضف إلى ذلك ففي هذه الحالة سوف لن يكون هناك من موضع لجهنم؟ و هنا يساورنا هذا الفكر أنّ كلاهما في باطن هذا العالم، و لا نرى اليوم هذا البطن، إلاّ أنّها يظهران ذلك اليوم بمقتضى: (فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطائَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَديد)(4) و كل إنسان يحصل على نصيبه بقدر إستعداده! 1. سورة آل عمران، الآية 131 و 133 و سورة البقرة، الآية 24. 2. سورة آل عمران، الآية 133. 3. سورة الحديد، الآية 21. 4. سورة ق، الآية 22. [ 252 ] يمكن أن يخطر هذا الكلام العجيب إلى أذهاننا، إلاّ أنّنا نستطيع تقريب ذلك إلى الذهن بمثال: نعلم إنّنا لا نسمع الأمواج الصوتية لهذا العالم و ليس لنا سوى سماع بعض الأصوات التي لها ذبدبات معينة و لا نسمع غيرها بأي شكل من الأشكال. من جانب آخر نعلم أيضاً أنّ محطات إرسال الدنيا تبث أمواج خاصة مستمرة ليل نهار لا نتمكن من سماعها دون أجهزة لاقطة. و لنفرض أنّ مرسلتين قويتين تقوّي أمواجها فضائيات كبيرة و تغطى جميع أنحاء الكرة الأرضية واحدة في الشرق و الأخرى في الغرب، تبث أحدهما آيات قرآنية بصوت مليح يداعب روح الإنسان و يجعله يعيش الجذبات الإلهية. بينما يبث من المرسلة الثانية صوت مزعج و مؤذي يسبب تعب الروح وإرهاقها إلى جانب الأذن و بالتالي تستبطن العذاب الأليم! و هاتين المجموعتين من الأمواج تسير مع سائر الأمواج الصوتية في الفضاء و قد ملأت كل مكان، ولكنها ليست قابلة للإحساس في الحالة العادية، فإن كانت لنا مستقبلة ذات موجة واحدة تلتقط مركزاً واحداً و ذلك مركز إرسال الصوت اللطيف و المليح، فمن الطبيعي إنّنا نفتحه كل لحظة لنغرق في هالة من السرور و اللذة و المعنوية، و الويل لنا لو إقتصرت مستقبلتنا على سحب أمواج المرسلة الثانية و نجبر أيضاً على رؤيتها، و لَكَم أن تتصوروا مدى الألم و الإنزعاج الذي نعاني منه ليل نهار. طبعاً لم نرد سوى بيان مثال من أجل تقريب المطلب إلى الذهن، و الآن عليك بالتمعن و التأمل: ألا يمكن أن تكون الجنّة و النار موجودة في أبعاد أخرى من هذا العالم لا نشعر بها، أي في عمق وجوف هذا العالم، [ 253 ] بحيث يسعنا إدراكه لو كان لنا إدراك و رؤية أخرى؟! ألا تنسجم الآية المذكورة بشأن النار و التي قالت و إنّ جهنم لمحيطة بالكافرين و هذا التفسير؟ ألا تتضح أكثر على هذا الأساس الآيات التي صرحت بأنّ سعة الجنّة كسعة السماء و الأرض (بالنظر إلى عدم وجود شيء خارج السماء و الأرض). ألا تعني الآية: (يَوْمَ تُبَدَّلٌ الاَرْضُ غَيْرَ الأَرْضَ و السَّموَاتُ وَ بَرَزُوا لِلّهِ الْوَاحِدِ الْقَهّارِ) أنّ هذه الأرض و المساء يوم القيامة تحطم أبعادها الفعلية وتظهر أبعاد القيامة الكامنة اليوم في العالم. فتصور هذه المسألة ـ كسائر المسائل المتعلقة بالحياة بعد الموت و المعاد ـ لا تخلو من تعقيد، لكن بالإلتفات إلى المقدمات المذكورة، فلعل ذلك احتمال قوي بخصوص التفسير الفعلي لوجود الجنّة و النار، جدير بالذكر أنّ ماذكرناه آنفا واحد من الاحتمالات بشأن مكان الجنّة و النار و هنالك احتمالات أخرى نعرض عن الخوض فيها إبتعاداً عن الإطالة. [ 254 ]
نزلت أغلب السور القرآنية في مكّة و التي صرّحت بالتذكير بالمعاد والحياة بعد الموت إلى جانب ذكرها للعلامات التي تسبق القيامة. و كان لابدّ لذلك الإنسان الوادع و البعيد عن المسؤولية و المجانب لمسيرة الهدف النهائي للخلقة و التائه في صحراء الحياة، أن يتحرك و لاسيما في ذلك الوسط الجاهلي الملوث، و عليه ينبغي أن تكون هناك صرخة عالية توقظه من سباته، و ليس هنالك أفضل من إلفات الإنتباه إلى الحوادث المرعبة في الحياة الآخرة يمكنه أن يقوم بهذا الدور. و الآيات المتعددة التي نزلت بشأن علامات القيامة تدل بأجمعها على اَنّ القيامة لا تقم بهذه البساطة و الهدوء، بل يتزامن معاد الإنسان و قيامته مع قيامة عالم الخلق و التي تقترن بتغييرات عظيمة تجتاح كافة أنحاء نظام الكائنات. طبعاً يقول العقل و المنطق أنّ النظام الجديد للحياة لابدّ أن يقم على عالم جديد، لاعلى أنقاض العالم السابق، و يحصل هذا التقدم و التجدد كسائر التطورات و التجددات المهمّة التي تكتنف العالم على أساس قفزات عظيمة تشمل أنحاء عالم الوجود. [ 256 ] و الآن نسلّط الضوء على الآيات الواردة بهذا الشأن. (يَا اَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ اِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىءٌ عَظيم * يَوْمَ تَرَوُنَهَا تَذْهَلُ كُلّ مُرضِعَة عَمَّا اَرضَعَتْ وَ تَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْل حَمْلُهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَ مَا هُمْ بِسُكَارَى وَلكِنْ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ)(1). قطعاً تقع هذه الزلزلة قبل القيامة و على أعتابها، لا في يوم القيامة، وذلك لأنّه لايوجدها في ذلك اليوم و لامرضع، على كل حال فإنّ تلك الزلزلة العظيمة بداية تغيير واسع و شامل في عالم الوجود، أي هو بداية الأمر و من ثم ـ كما سنرى ـ يستمر حتى نهاية الكرات السماوية، و أخيراً إنبثاق عالم الآخرة. (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَ إِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ * وَ إِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَ إِذَا الْعِشَارُ عُطِلَتْ * وَ إِذَا الْوُحُوشُ حُشِّرَتْ * وَ إِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ * وَ إِذَا الْنُفُوسُ زُوِّجَتْ * وَ إِذَا الْمُوءُدَةُ سُئِلَتْ * بِأَىِّ ذَنْب قُتِلَتْ * وَ إِذَا الصُّحُفُ نُشِّرتْ * وَ إِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ * وَ إِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ * وَ إِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ)(2). فالواقع هو أن هذه التغييرات العامة تشمل الناس و الحيوانات و الجبال والبحار و الأرض و السماء و كلها تحضر القيامة. لابدّ من الإلتفات إلى أنّ هذه الآيات تعرضت إلى علامت القيامة و كذلك 1. سورة الحج، الآية 1 ـ 2. 2. سورة التكوير، الآية 1 ـ 14. [ 257 ] جانب من حوادث يوم القيامة بحيث مزجهما معاً باسلوب رائع.
(اَلْقارِعَةُ * مَاالْقَارِعَة * وَ مَا اَدريكَ مَاالْقَارِعَة * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالفَراشِ الْمَبثُوث * وَ تَكُونُ الْجِبَالُ كَالِعِهْنِ الْمَنفُوش)(1). فالحقيقة هي أنّ الزلزلة آنذاك شديدة إلى درجة بحيث تدك كل شيء وتقام القيامة! و قد أشير هنا إلى أوضاع الناس الحيارى الذين يخبطون خبط عشواء حين تلوح بوادر القيامة، يعتقد البعض و خلافاً للتصور المشهور و الشاعري السائد في الأذهان بشأن الفراشة و الشمع، حيث أنشدوا الأشعار و سردوا القصص التي تتحدث عن عشقها و تضحيتها من أجل معشوقها القاسي، ويبدو أنّ الفراشة لا تضحي أبداً من أجل عشق الشمع، و هي ضحية نسيانها فقط، لأنّ حافظتها ضعيفة و عاجزة بحيث تنسحب فور إقترابها من شعلة الشمع و شعورها بالحرارة، إلاّ أنّها تنسى بعد برهة فتعود ثانية إلى الشعلة وتكرر هذا العمل مراراً حتى تخاطر بحياتها إثر هذا النسيان. و لعل تشبيه الناس في الآيات المذكورة بالفراش المبثوث حين بروز أولى العلامات المخيفة للقيامة من أجل بيان عظيمة الحادثة التي تخطف العقول وتزيل الحافظة بالمرة.
|