فهرس الكتاب

مكتبة العقائد الإمامية

مكتبة الموقع

 

 

الثواب و العقاب

 إنّ القراءات غير السليمة لمسألة الثواب و العقاب في عالم ما بعد الموت جعلها تنطوي على هالة من الإبهام و الغموض، فهنالك عدّة علامات استفهام ونقاط مبهمة بشأن الثواب و العقاب في القيامة و العالم الآخر، والتي عادة ماتستند إلى التفسيرات الخاطئة للثواب و العقاب.

فمثلا يتساءل البعض:

ما تأثير ذنوبنا على الله ليؤاخذنا بها و يعاقبنا عليها؟ إنّنا نذنب لكنّه هو الكبير و القادر و العالم فلماذا يعاقبنا؟ إذن ما الفرق بيننا و بينه؟ فهو الذي يصفح و يعفو.

و بغض النظر عمّا سبق فإن أقصى ما يعمر أعتى الظلمة و أعظم الأثمة لا يزيد على مئة سنة، فما معنى هذا العذاب لملايين السنين و الخلود فيه؟ إنّ فلسفة العقاب لا تتجاوز أحد ثلاث: الاستناد إلى روح الثأر أو من أجل اعتبار الآخرين أو تربية الخاطئين. و لايصح أي من هذه المواضيع الثلاثة بشأن العقاب في العالم الآخر، فأمّا الثأر و الإنتقام فالله منزّه عنه، لأنّ الإنتقام (و خلانا لما يتصور) لا يفيد القدرة، بل هو علامة على ضعف الإنسان و عجزه الروحي، و الانتقام مسكّن للأرواح المجروحة، أو الأصح عامل من أجل تخدير الأرواح المريضة و العاجزة، وعليه فالعقاب الإلهي لاينطوي على أي عنصر إنتقام.

[ 228 ]

كما لا ينطوي على «عنصر تربوي» بالنسبة لمرتكب الذنب أو الآخرين، فمركز التربية هو هذا العالم و ليس هنالك من فرصة في العالم الآخر، و عليه فإنّ العقوبات في العالم الآخر ليست مثل القوانين الجزائية و لعقوبات في عالم الدنيا، فمثل هذه العقوبات تختزن الجانب التربوي، بينما لا معنى له في الحياة الآخرة.

يمكن الردّ على التساؤلات السابقة من خلال الإلتفات إلى حقيقة و هي أنّ العقاب الاُخروي و الجزاء في القيامة ليس إلاَ آثار و نتائج الذنوب والمعاصي في روح الإنسان و جسمه و كذلك تجسمها.

توضيح ذلك: هنالك عدّة آيات قرآنية و روايات إسلامية ذات عبارات رائعة بشأن رابطة هذا العالم بعالم الآخرة يمكنها كشف الإغماض المذكور، مثلا ورد في الآية 20 من سورة الشورى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الاَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ). فالتعبير بالحرث يفيد أنّ الثواب و العقاب في ذلك العالم ليس سوى نتائج أعمال الإنسان.

و ورد في الآية 15 من سورة الجن: (اَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبَاً).

و نخلص من ذلك إلى أنّ النار ليست سوى الصورة الأخرى لأعمال الأفراد، وجاء في الآية 39 من سورة الصافات: (وَ مَا تُجْزُوْنَ إِلاَ مَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ).

و يفهم من ذلك أنّ الثواب أيضا هو ذات الأعمال و الذي يستفاد من هذه العبارات أنّ الذي سيلازمنا في العالم الآخر هو الأعمال الحسنة و السيئة والتي صدرت منّا في هذا العالم و هي التي ستبلغ بنا التكامل أو التسافل. فستخرج هذه الأعمال آنذاك من خفاياها و تظهرلنا بشكل جديد، فإمّا أن تنير أعماقنا و تشعرنا بالحيوية و النشاط و إمّا أن تحرقنا، على كل حال فهي معنا ولا تفارقنا، فهي أبدية بإذن الله كسائر الأشياء في ذلك العالم لايتطرق إليها الفناء و الزوال، و هكذا فمسألة الثواب و العقاب ليست مثل أجرة العمال و معاقبة العبيد، و ليس لها بعد الإنتقام، كما ليس فيها عبرة للمذنبين أو غيرهم، بل هي نوع آخر يمكن التعبير عنه بـ «أثر العمل».

[ 229 ]

و الطريف في الأمر أنّه ورد في الرواية المعروفة «الدنيا مزرعة الاخرة». وبالإلتفات إلى مفهوم المزرعة يتضح أنّ ما نحصده هناك هو المحصول لبذور الأعمل الحسنة و السيئة التي غرسناها هنا، فلو نثرنا عدّة بذور من الأشواك ورأينا أنفسنا بعد سنوات أمام ميدان واسع مليئى بالشوك و لابدّ لنا من عبوره، فهل نكون قد حصلنا على شيء غير الذي زرعناه؟ و بالعكس لو نثرنا بذور الزهور في مزارعنا و واجهتنا بعد مدّة حديقة غنّاء مليئة بالزهور و الأوراد ذات الروائح العطرة التي تبعث النشاط و السرور في قلب الإنسان، فهل تكون سوى نتيجة عملنا؟ فلا في الحالة الأولى هناك ظلمنا و لا في الحالة الثانية ما تلقيناه عبثاً دون حساب، و لم نحصل في الصورتين سوى على نتيجة عملنا (عليك بالدقّة). و الآن نسأل: إذا كانت تلك الأشواك و هذه الزهور خالدة أبدية، تجعلنا نعيش الألم أو اللذة دائماً، فهل هناك من مقصر؟ أم أنّ ذلك ينافي العدل؟ أم لنا الحق في الشكوى؟ إذا فهمنا الثواب و العقاب على أساس ما تقدم فسوف تزول كل علامات الإستفهام (عليك بالدقّة أيضاً).

[ 230 ]

و سنتحدث بالتفصيل عن ذلك في بحث «الخلود» و «تجسد الأعمال».

[ 231 ]

 تجسم الأعمال

 كيف ستكتسب أعمالنا في الآخرة صفة الحياة بحيث يتجسم كل عمل بالصورة التي تناسبه؟

إنّ من بين الخصائص التي يتصف بها ذلك العالم و تميزه عن هذا العالم هو مسألة تجسم الأعمال، فأقوالنا وأعمالنا في هذه الدنيا التي نعيش فيها تبدو حركات عابرة ليس لها من دوام و بقاء و عادة ما تمحى و تزول بعد الظهور، يمكن أن يكون هناك مصور ماهر وعارف بالوقت فيحضر في لحظة وقوع الجريمة فيلتقط عدّة صور لجميع مراحل الجريمة أو يسجّل الأصوات بحيث يمنحها بنوع صبغة الدوام، لكن أصل القول و العمل مهما كان حصل لعدّة لحظات ثم تم و إنتهى.

ولكن نفس هذه الألفاظ و الكلمات و الأعمال الحسنة و السيئة التي أتينا بها في هذه الحياة و يبدو أنّها نسيت و زالت و كانت تعتمد علينا في وجودها حتى في تلك اللحظات، ستظهر يوم القيامة بصيغة موجودات مستقلة تبدو فيها جليستنا الأصلية التي لاتبتعد عنّا أبداً.

ورد في الحديث النبوي الشريف أنّ: (اَلظُّلْمُ هُوَ الظُّلُمَاتُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)(1).، و أموال اليتامى تتجسم بصورة نار: (اِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً اِنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نَاراً)(2). كما يكون الإيمان نوراً:(يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنَيِنَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِاَيْمانِهِمْ)(3).

[ 232 ]

و الخلاصة فإنّ كل عمل سيتجسم بالصورة التي تناسبه، أحياناً تتبدل الكيفيات العملية بكيفيات روحية و جسمية، فمثلا المرابين الذين يعثرون بأعمالهم القبيحة المسيرة المتوازنة لإقتصاد المجتمع يعيشون نوعاً من مرض الصرع بحيث لايستطيعون التوازن حين قيامهم من الأرض: (اَلَّذِيَن يَأْكُلُونَ الرِّبا لاَيَقُومُونَ اِلاّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ)(4).

أما الأموال التي إحتكرها الأغنياء و البخلاء و جهدوا في جمعها ولم يبدو أية رحمة تجاه من حولهم من الفقراء و المساكين الذين يعانون من الجوع و الحرمان، بل حتى هم أنفسهم لم يستفيدوا من تلك الأموال و لم تجلب لهم سوى مسؤولية الحفاظ عليها و الهم و الغم من أجل عدم فقدانها وتشتتها و بالتالي لم يكن لهم بد من مفارقتها و الإرتحال عنها، فإنّهم سيطوقون بها و تكون وبالا عليهم: (سَيُطَوَّقُونَ مَابَخِلوُا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ)(5).

فإضافة إلى الإشارات في الموارد الخاصة الماضية حول تجسم الأعمال الذي ورد في مختلف الآيات القرآنية، فهناك إشارة إلى هذا الموضوع في عدّة موارد أخرى بصورد حكم كلي و من ذلك:

1ـ(وَ وَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً) فكل ما يحبّونه اِنّما هو من صنع أيديهم وحاضر لديهم من هنا أردف بقوله: (وَ لايَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً)(6).


1. سفينة البحار، مادة ظلم.

2. سورة النساء، الآية 10.

3. سورة الحديد، الآية 12.

4. سورة البقرة، الآية 275.

5. سورة آل عمران، الآية 180.

6. سورة الكهف، الآية 49.

[ 233 ]

2ـ (وَ بَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ مَا عَمِلُوا وَ حَاقَ بِهِمْ مَاكَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤنَ)(1).

3ـ (يَوْمَئِذ يَصْدُرُ النَّاسُ اَشْتَاتًا لِيُروَا اَعْمالَهُمْ)(2).

4ـ (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَة خَيْراً يَرَهُ * وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة شَرَّاً يَرَهُ)(3).

فالآية الأخيرة تفيد أنّ الإنسان سيرى نفس العمل لا ثوابه و عقابه وكذلك الآيات السابقة، طبعاً يمكن تفسير ذلك على أنّه مشاهدة النتيجة وثواب وعقاب العمل أو مشاهدة صحيفة الأعمال، و لكن يبدو هذا التفسير خلاف ظاهر الآيات و ليست هناك من قرينة على ذلك.

أضف إلى ذلك فهناك الكثير من الروايات الواردة في المصادر الإسلامية والتي تصدنا عن مثل هذا التفسير و ترشد إلى كيفية تجسم الأعمال الحسنة والسيئة هناك.

 هل يمكن تجسم الأعمال؟

المسألة المهمّة التي ترد هنا هي: هل تنطبق هذه المسألة و الموازين العلمية؟ و تتضح الإجابة على هذا السؤال بعد الإلتفات إلى عدّة مقدمات مختصرة:

1ـ نعلم أنّ العالم مركب من «مادة» و «طاقة» و إنّنا نراهما أينما نظرنا في السموات و الأرض مع بعضهما و يبديان في صور مختلفة.

أمّا المتصور سابقاً هو أنّ هناك حدّاً فاصلا لايمكن عبوره بين المادة والطاقة، فالمادة مادة دائماً و الطاقة طاقة كذلك، إلّا أنّنا و بفضل تطور العلوم


1. سورة الجاثية، الآية 33.

2. سورة الزلزلة، الآية 6.

3. سورة الزلزلة، الآية 7 ـ 8.

[ 234 ]

الطبيعية قد وقفنا على الأسرار الكامنة في هذين الأصلين الأساسيين لعالم الخلقة، حيث تبيّنت مدى العلاقة الحميمة بينهما إلى درجة أنّ كل واحد منهما أب و كذلك إبن الآخر.

و أخيراً فقد إنهارت آخر قلعة محكمة للذرة بصفتها الحدّ الأخير لعالم المادة، حيث إخترقها العلم و التطور التكنولوجي ليتبيّن أنّه ليس في داخلها سوى الطاقة، و لم تكن هذه المادة سوى طاقة مضغوطة، و هكذا أصبح تحول المادة إلى طاقة أمراً عادياً.

و قد أثبتت الأجسام الراديو كتيفية التي تنبعث منها أشعة ذرية في الحالة العادية و الطبيعية، يعني أنّ مادتها في حالة تآكل و إنهيار وتحول إلى طاقة، عدم الحاجة في كل موضع إلى المفاعلات الذرية القوية بغية تجزأة الذرة وتحطيم أغطيتها، بل إنّ أغلب ذرات العالم الثقلية في حالة تجزأ تلقائي ـ أو بصورة تدريجية و بطيئة ـ هذا جانب من المسألة.

و السؤال المطروح: هل يمكن تبديل الطاقة إلى مادة على غرار تجزأ الذرة وتبدلها إلى طاقة، مثلا يمكن ضغط و فتح السلك المرن فهل يمكن هذا في عالم الطاقة بحيث يمكن ضغطها و تبديلها إلى مادة، طبعاً ـ حسبما نعلم ـ لم يستطع العلم المعاصر القيام بذلك العمل، و لكن لا دليل على نفي ذلك أيضاً، فما دامناً أقررنا أن بينهما رابطة حميمة، بل إنّهما و جهان لعلمة واحدة، فمن الممكن تبدل أحدهما إلى الاخر، و عليه فلا مانع من تبديل الطاقة بمادة.

2ـ إنّ أعمالنا أشكال مختلفة للطاقة، فكلامنا طاقة صوتية مخلوطة بالطاقات الميكانيكية للسان و الشفة و تستمد العون من الطاقة الخاصة للدماغ. حركاتنا و أفعالنا و أعمالنا الحسنة و السيئة و الظلم و العدل و

[ 235 ]

الإحسان والبخل و العبادة و الدعاء كلها أشكال أخرى للطاقة الميكانيكية أو الخليط من الطاقة الميكانيكية و الصوتية.

و هنا خطأ كبير لابدّ من إجتنابه و هو أنّ الأغلب يتصور بأنّ المواد الغذائية في بدننا إنّما تتبدل إلى طاقات وحركاتنا و أعمالنا المختلفة، و الحال إنّ هذه خطأ، فالمواد الغذائية لا تتبدل إلى الطاقة قط (تبديل المادة إلى طاقة يختص بتجزأة الذرة أو التشعشعات الذرية في الأجسام الراديو كتيفية).

فما تفسير مايقال من أنّ الغذاء وقود البدن و يتبدل فيه إلى طاقة؟ لا تبدو الإجابة صعبة على هذا السؤال لأنّ في بدننا ماكنة كسائر المكائن التي تقوم بتحويل الطاقة من شكل إلى آخر، لا أنّ المادة تتبدل إلى طاقة (عليك بالدقّة).

توضيح ذلك: إنّ كل تحليل أو تركيب كيميائي إمّا أن يحرر طاقة أو يكتسبها، فمثلا حين نشعل حطباً فانّ الكاربون الموجود فيه يتحد مع اوكسجين الهواء، فتنبعث منه الطاقة الحرارية التي إدخرها في جوفه خلال سنوات حين القيام بعملية الكربنة دون أن يتبدل شيء من كاربون الأشجار أو اوكسجين الهواء إلى طاقة.

و الآن يمكن أن نجعل هذه الطاقة الحرارية تحت قدر من الماء و نبدلها إلى بخار فنستفيد من القوة البخارية لتسيير العجلات، فقد تبدلت هنا الطاقة الحرارية إلى طاقة ميكانيكية و حركية.

كما نستطيع عن طريق الضغط ضخ البخار عبر إنبوب لايجاد صوت عظيم، أي تبدلت الطاقة الحرارية إلى طاقة صوتية و كذلك....

[ 236 ]

ففي جميع هذه الحالات لم يقل شيء من المادة، بل تغيّر شكل الطاقة الكامنة في جوف المواد.

و يصدق هذا الموضوع على المواد الغذائية في بدننا، لأنّ المواد الغذائية في أبداننا تتحد مع الاوكسجين فتنبعث منها طاقة حرارية بفعل الإحتراق، فتتغير هذه الطاقة لتتبدل إلى حركة و صوت و ما شابه ذلك.

نعود إلى الموضوع، فأعمالنا و أفعالنا و أقوالنا إنّما تنتشر بصورة طاقات متنوعة في الأوساط المحيطة بنا، و هي تؤثر على كل شيء بما فيه بدننا والأرض التي نعيش عليها، و أثرها باقي لايعتريه الفناء و يحفظ دائماً في صحيفة الطبيعة، فكما قلنا سابقا لا مفهوم للعدم و الفناء هناك، بل هناك تغيير في الشكل.

و بالتالي سيأتي اليوم الذي تجمع فيه هذه الطاقات التي تبدو منسية منتهية فتكتسب الحياة و تبيّن أنّها لم تعدم.

لقد سمعنا بأنّه اخترع جهاز يستطيع تصوير السرّاق الذين يفرون من الموضع (يعني يصور مكانهم الخالي) لأنّ الأشعة تحت الحمراء التي بقيت بصورة حرارة بدنية في الموضع يمكن تصويرها، أو نسمع أنّ العلماء استطاعوا إستعادة الأمواج الموجودة على بدنة الأواني الفخارية التي خلفّها المصريون قبل ألفي سنة فيجعلون الأصوات قابلة للسماع، و على ضوء ذلك سيمكننا التسليم و الإقرار بحلول مثل هذا اليوم بالنسبة بجميع أعمالنا و أقوالنا، و طبق المقدمة الأولى لإمكانية تبديل الطاقة إلى مادة لا تبقى مشكلة بشأن تجسم الأعمال و تبدلها إلى موجودات مادية، و عليه فتجسم الأعمال مقبولة من وجهة النظر العلمية، و هذا بدوره يكشف عن مدى اختلاف الحياة في ذلك العالم عن الحياة هنا، لو فرضنا أنّ هذا التجسم يحصل في عالمنا المعاصر فمثلا يتبدل السب و الكلام الفاحش إلى موجود مؤذي إلى جانبنا، أو يكمن لنا كمستنقع نتن، أو أن يتجسم صفع البريء وغصب حق الآخرين إلى موجود مشوّه مكروه، فكيف ستصبح حياتنا؟

[ 237 ]

سيقال: ما أحسن أن تكون كذلك، كي تكون خشيتها دافعاً للناس لعدم سلوك السبيل المنحرف، بل يسارعون إلى الخيرات (عليك بالدقّة).

و لكن لاينبغي الغفلة أنّه على هذا الأساس سوف لن يكون هناك من تكامل في أرواحنا و أنفسنا، بل سيكون هنالك نوع من العمل الإجباري، يعني كمن يحمل قسراً لمساعدة مؤسسة خيرية حيث لايترتب أي تكامل أخلاقي أو معنوي على عمله، و من هنا أكتفي بأوامر العقل و تعاليم الأنبياء في هذا المجال.

لكن على كل حال للإيمان بأصل تجسم الأعمال دور بارز في بلورة الجانب التربوي لدى الإنسان، إلى جانب حثه الإنسان على الإتيان بالصالحات و الحيطة و الحذر من الطالحات و القبائح، و يفتح قلبه و فكره في الأمور التي تتطلب الفداء و التضحية (عليك بالدقّة أيضاً).

 [ 238 ]

الجنّة و النار

لو أقيمت علاقة بين أم و طفلها التي في بطنها و استطاعا التحدث معاً، فسوف لن تكون هناك أم قادرة على التعبير عن المنظر الجميل الساحر والخلاّب لحظة شروق الشمس أو غروبها على ساحل بحيرة رائعة تتناثر حولها الحشائش و الأشجار بأغصانها التي تداعب أمواج البحيرة.

إنّها لاتسطيع تصوير حالة النسيم المنعش الممزوج بالرائحة العطرة للزهور و التي تحمل رسالة الحب، كما لا تستطيع شرح ألم فراق صديق حميم يتلظى بنار حبيبه، و ليس لها تمثيل سهره الليالي و تطلعه إلى السماء و الكواكب والنجوم، و أنى للجنين إدراك هذه المفاهيم و لم يتعامل سوى مع قبضة من اللحم و الدم؟

إنّ شرح نعم الجنّة و الآلام المفجعة لعذاب النار بالنسبة لنا نحن الذين نعيش في جنين هذه الدنيا بالضبط كم مرّ معنا في إدراك الجني.