فهرس الكتاب

مكتبة العقائد الإمامية

مكتبة الموقع

 

 

عبثية الهرب من الواقع

إنّ أسوأ سبل مواجهة الحقائق المريرة يتمثل بالتهرب من إدراكها وإستيعابها أو إيداعها بوتقة النسيان.

حقّاً ليس هناك خفة عقلية تفوق هذه القضية بأن ننسى شيئاً لاينسانا أبداً، أو نتوقع إعادة النظر بشأن مطلب حتمي لايمكن إجتنابه بأي شكل من الأشكال.

لماذا لا نفكر بالموت و الحوادث التي تعقبه و مصير الروح بعد مفارقتها لهذه الحياة و مئات القضايا الأخرى ذات الصلة بالموت؟ و الحال وقوع الموت في المستقبل القريب بالنسبة لنا يعد من الحوادث القطعية الحتمية التي لا غبار عليها و لا نقاش فيها.

إنّنا حين نتصفح التاريخ نرى الموت قد صرع أقوى الأفراد و أقدرهم من قبيل الاسكندر و جنكيز خان و نابليون و من كان على شاكلتهم، كما قضى على أعظم العلماء و المفكرين و أقوى الأدباء و الشعراء و الكتّاب، فقد ركع الجميع للموت و استسلموا له، و عليه فليس من المعقول أن ننساه أو نخشاه و نخافه عبثاً، فقد ورد عن أميرالمؤمنين علي (عليه السلام) أنّه قال «وَ كَيْفَ غَفْلَتُكُمْ عَمَّا لَيْسَ يُغْفِلُكُمْ وَ طَمَعُكُمْ فِيْمَنْ لَيْسَ يُمْهِلُكُمْ»(1).

فما أحرانا أن نتقدم إلى الأمام بكل شجاعة و بسالة و واقعية لنقف على الأمور المتعلقة بنهاية الحياة و نحصل على الأجوبة الشافية و الوافية المنطقية بخصوص الألغاز و الأسرار التي تكتنف الموت.


1.نهج البلاغة، الخطبة 188

 

[ 21 ]

 رؤيتان لمصير الإنسان

هل لحظة الموت هي لحظة وداع كل شيء؟ لحظة نهاية الحياة؟ لحظة الغربة الأبدية و الإنفصال المطلق عن هذا العالم، و تحلل و عودة المواد المؤلفة لبدن الإنسان إلى عالم الطبيعة؟

أم هي لحظة الولادة الجديدة؟

أم هي خروج ثاني من رحم الدنيا إلى عالم واسع و شامل آخر؟

أم تحطيم قضبان سجن رهيب؟

أم التحرر من قفص ضيق و صغير و إفتتاح نافذة نحو عالم روحي واسع بعيد عن الزخارف المادية لهذا العالم و مجانب للهم و الغم و الألم و المعاناة والعداوة و الكذب و الظلم و الجور و الإجحاف و ضيق النظر و الحقد والضغينة والحرب و القتال، و بالتالي كل المنغصات و الكدورات التي ينطوي عليها هذا العالم؟

بغض النظر عن مدعى صحة الرؤيتين المذكورتين و إقترابها من الحقيقة والمنطق ـ و بالطبع سنتحدث في الأبحاث القادمة باسهاب عن هذا الموضوع ـ فإنّ الرؤية الاُولى تبدو مظلمة و مخيفة و أليمة و الثانية جميلة ورائعة و هادئة.فصورة الموت على ضوء النظرة الاُولى تجعل شربت الحياة ـ مهما كانت الحياة مرفهة ـ علقماً مريراً على الإنسان أو تضطره للخضوع لأي شيء والاستسلام لأي ظروف من أجل الفرار من الموت.

و القضية على العكس تماماً بالنسبة للنظرة الثانية التي يسعها جعل

[ 22 ]

شربت الحياة عذباً و شربت الشهادة في سبيل الحق و الأهداف السامية أعظم عذوبة وحلاوة، و تلقن الإنسان بعدم الاستسلام لأي شيء و الانحناء لأي شرط بسبب هذه الحياة، بل عليه أن يكون حرّاً في دنياه و لايخشى الموت المشرف! والخلاصة فإنّ الموت ليس مرعباً دائماً، فقد تكون هذه الحياة أعظم منه رعباً أحياناً.

 لماذا نخاف من الموت؟

هنالك فردان يخافان من الموت; أحدهما من يفسّره بمعنى العدم والفناء المطلق، و الآخر من كانت صحيفة أعماله سوداء و مظلمة، أمّا من لم يكن من هؤلاء ولا اُولئك فما مبرر خشيته من الموت، أفهناك شيء يفقده من جراء الموت؟

مشهورة هي حكاية «ماء الحياة» و التي تتناقل بسرعة فائقة حيث أقدم الإنسان منذ قديم الأيام بالبحث عن شيء يسمى «إكسير الشباب» و قد نمقوه بالأساطير و الخرافات و عقدوا عليه الآمال.

و لعل القضية تفيد حقيقة تكمن في خشية الإنسان من الموت وحبّه لمواصلة الحياة و الهروب من نهايتها، على غرار إسطورة «الكيمياء» تلك المادة الكيميائية الخفية التي لو أُضيفت على النحاس الذي لا قيمة له جعلته ذهباً ذا قيمة باهضة، و التي تفيد خوف الإنسان من الفقر الاقتصادي و مدى سعيه للحصول على الثروة.

و إسطورة إكسير الشباب هي الأخرى تعكس هلع الكهولة و الضعف والتآكل و بالتالي الموت و نهاية الحياة.

 

[ 23 ]

إنّ أغلب الناس يخشون الموت و يهربون من مظاهره و يشمأزون من إسم المقبرة و يسعون جاهدين لاطماس الماهية الأصلية للقبور من خلال تزيينها و إضفاء بعض الجمالية عليها، حتى أنّهم يلجأون إلى تحذير الأفراد من بعض الأشياء الخطرة ـ غير الخطرة التي لايريدون للآخرين أن يقتربوا منها أو يخربوهاـ من خلال الكتابة عليها «خطر الموت» و يرسمون عليها صورة لعظمين من عظام ميت في حالة علامة في خلف جمجمة جوفاء خالية من الروح تطالع الإنسان.

و قد حفلت النتاجات الأدبية لمختلف أصقاع الدنيا بما يفيد خوف الإنسان من الموت، فبعض العبارات من قبيل «هيولا الموت»، «شبح الموت»، «صفعة الموت» و «مخالب الموت» و ما إلى ذلك من التعبيرات التي تدل على مدى القلق والهلع و الضطراب.

كما يؤيد ذلك القصة المعروفة بشأن رؤيا هارون الرشيد ـ الذي رأى في المنام سقوط جميع أسنانه ـ فعبّر له شخصان تلك الرؤيا قال الأول: يموت جميع أفراد أهلك قبلك. و قال الثاني: إنّ عمر الخليفة سيكون أطول من جميع قرابته، فما كان ردّ فعل هارون الرشيد إلاّ أن وهب الثاني مئة دينار، بينما جلد الأول مئة جلدة، فهذا دليل آخر على خشية الإنسان من الموت. و ذلك لأنّ الفردين عبّرا عن حقيقة واحدة، إلاّ أنّ أحدهما ذكر الموت بالنسبة لقرابة الخليفة فكان جزاؤه مئة جلدة، وعبّر الآخر عن ذلك الموت بطول عمر الخليفة فتناول مئة دينار!.

ناهيك عن كل ما سبق فقد إعتاد الناس بعض الأمثال و العبارات التي تكشف عن مدى خشيتهم من الموت، فإذا أرادوا مثلا تشبيه فرد بآخر ميت في قضية إيجابية خاطبه قائلا «إسم الله عليك» أو «أبعد الله عنك» ذلك، أو

[ 24 ]

فليخرس لساني سيصبح الأمر بعدك كذا و كذا، أو ترتيب الأثر على كل شيء يبعد احتمال الموت أو يكون مؤثراً في طول العمر، و إن بدا خرافة تماماً ولا أساس له و كذلك أدعيتهم التي تتضمن كلمة الدوام و الخلود من قبيل: دام عمره، دام مجده، دامت بركاته، خلد الله ملكه، أطال الله عمره و كل عام و أنتم بخير و...!

و التي تشكل كل واحدة منها دلالة على هذه الحقيقة.

طبعاً لا يمكننا إنكار وجود بعض الأفراد النادرين الذي ليس لهم أدنى خشية من الموت، حتى أنّهم يسارعون لاستقباله، إلاّ أنّهم قلائل، كما أنّ العدد الحقيقي أقل بكثير من اُولئك الذين يزعمون ذلك.

ما مصدر هذا الخوف و القلق من الموت؟

عادة ما يخشى الإنسان «الزوال» و «العدم».

يخشى «الفقر»، فهو زوال الثروة.

يخشى «المرض» لأنّه زوال السلامة و العافية.

يخشى «الظلمة» حيث ليس فيها نور.

يخشى «الصحراء» و قد يخشى «الدار الخالية» لأنّه لا أحد فيها.

بل يخشى الميت حيث لاروح فيه، و الحال لايخشى ذلك الشخص حين كان على قيد الحياة و الروح فيه!

و بناءاً على ما تقدم فإن خشي الإنسان الموت فذلك لأنّه يراه «فناءاً مطلقاً» و عدماً لكل شيء.

و إن خشي الزلزلة و الصاعقة و الحيوان المتوحش، فذلك لأنّها تهدد وجوده بالفناء و العدم.

 

[ 25 ]

طبعاً لايبدو هذا الأمر غريباً من وجهة النظر الفلسفية، لأنّ الإنسان «وجود» و الوجود ينسجم مع الوجود الآخر، بينما ليست له أية سنخية وتناسب مع العدم، فما عليه إلاّ الفرار و الهرب منه، لم لايهرب؟

إلاّ أنّ هناك قضية مهمّة هنا لاينبغي الغفلة عنها و هي: كل هذه الأمور صحيحة إذا فسّر الموت بمعنى الفناء و العدم و نهاية كل شيء، و الحق لو فسّر كذلك فليس هناك شيء أعظم رهبة منه، و كل ما قيل بخصوص هيولا الموت هو عين الصواب.

أمّا إن إعتبرنا الموت ـ كولادة الجنين من بطن أمّه ـ ولادة أخرى و آمنا بإنّ اجتيازنا لهذا الممر الصعب يعني وضع أقدامنا في عالم أوسع و أشمل وأكمل من هذا العالم و هو مليىء بأنواع النعم التي يصعب علينا تصورها في ظل الظروف الراهنة و الحياة الفعلية.

و خلاصة القول فإن اعتبرنا الموت أكمل و أسمى من هذه الحياة، و التي لا تعد سوى سجناً إن قارناها بالحياة في ذلك العالم، فمن الطبيعي سوف لن تعد للموت مثل هذه المعاني التي تشير الخوف و الهلع و النقرة لدى النفس، وستكون له معاني جمالية رائعة قريبة من القلب محببة إلى النفس. لأنّه إن سلب من الإنسان جسمه زوده بالأجنحة ليحلق بها في سماء الأرواح الشفافة اللطيفة التي تفوق التصور و الخيال و الخالية من كافة أشكال الإقتتال و التراع و العداء و الهموم و الغموم.

و هنا نتذكر ذلك الشاعر الذي له مثل هذه الأفكار و هو يأمر حكيماً عالماً بلغة الشعر:

فلتمت أيّها الحكيم من مثل هذه الحياة، فالموت من هذه الحياة لايعني سوى البقاء، و لتحلق بأجنحتك كالطيور فتطوي تلك المسيرة

[ 26 ]

الكاملة، ولا تخشى من الحياة التي تنتظرك فالخشية لابدّ أن تكون من هذه الحياة الضيقة المحدودة.

فمن البديهي أنّ من ينظر هكذا إلى مسألة الموت لن يقول أبداً أنّ الموت حالة عبثية لا طائل من وراءه أو هو إنتحار و قتل للنفس، بل يراه حقيقة سامية يحث الخطى من أجل معانقتها، و ما أجمله إن كان وسيلة لبلوغ الأهداف المقدسة و السامية، و خلاص الإنسان من الذلة و الخنوع والبؤس و الشقاء.

العنصر الآخر لخشية الموت

هناك طائفة أخرى تخشى الموت لا لأنّه يعني الفناء و العدم المطلق، بل لأنّ صحيفة أعمالهم بلغت درجة من الاسوداد و الظلمة بحيث يشاهدون بأم أعينهم ما سيترتب عليها من جزاء أليم و عذاب شديد سيطالهم بعد الموت، أو على الأقل أنّهم يحتملون ذلك.

فهؤلاء أيضا محقون في خشيتهم الموت، لأنّهم بمثابة المجرم الذي اُقتيد من قضبان السجن و حمل إلى المقصلة، طبعاً الحرية و الخلاص مطلوب، لكن لا التحرر من السجن نحو المشقة! فحرية هؤلاء من سجن البدن أو سجن الدنيا يتزامن و حركتهم نحو المقصلة، «المقصلة» لا بمعنى الإعدام بل بمعنى العذاب الأسوأ منه.

ولكن ما بال اُولئك الذين يخشون الموت و لايرونه فناءاً وعدماً، كما ليس لهم من صحيفة أعمال سوداء؟ لِمَ يرهبون الموت في سبيل تحقيق الأهداف المقدسة؟ لماذا؟...

 

[ 27 ]

 

جذور المعاد في أعماق الفطرة

 

تنادينا إلهامات الفطرة: الموت ليس نهاية الحياة، و بالطبع لاتقتصر هذه الإلهامات علينا، بل تفيد كافة الشواهد الموجودة أنّه كان يؤمن بها كافة الأقوام بما فيها الإنسان البدائي الذي عاش في عصور ما قبل التأريخ.

يقال: هناك ذبذبات مجهولة ـ تشبه الأمواج الراديوية ـ تبث دائماً من أعماق السموات وجوف المجرّات التي لها بالغ الأثر على الأجهزة المستقبلة.

لا أحد يعلم من أين تنطلق هذه الأمواج و ما مصدرها الرئيسي؟ هل هناك حضارات في ما وراء منظومتنا الشمسية أكثر تطوراً من حضارة أهل الأرض بحيث يرسل سكنتها برسائلهم إلى العالم بواسطة هذه الأمواج؟ أم هناك مصدر آخر؟ لا نعلم.

والأعجب من ذلك إننا نستقبل بانتظام من أعماقنا و باطن أرواحنا رسائل مجهولة و لا نعرف مصادرها، فنرانا مضطرين للاصطلاح عليها بالفطرة، و كل ما نعلمه إنّنا نحصل على إلهامات مختلفة ترشدنا إلى الخطوط الأصلية حين نقف على مفترق طرق.

مثلا: تقع حادثة مفاجئة قريب منّا أو في أبعد نقطة من العالم، فتدفع

[ 28 ]

بنا هذه القوة الباطنية الخفية باتجاه الحصول على أخبار تلك الحادثة، ثم نرانا نجهد أنفسنا في هذا المجال دون أن نعلم الدافع و السبب الذي يقف وراء كل هذا الشوق و اللهفة لرؤية تلك الحادثة و الوقوف على تفاصيلها التي قد لايكون لها أدنى إرتباط بأوضاعنا، فلا نستقر و لايهدأ لنا بال مالم نفهم تلك الحادثة.

ترافقنا هذه الحالة منذ اللحضات الأولى للعمر ولا تنفصل عنّا حتى آخر العمر، ثم أطلقوا على ذلك فيما بعد اسم «حس حبّ الإطلاع» و قالوا إنّه جزء من فطرة الإنسان.

و كثيرة هي نظائر هذه الغرائز و الإلهامات الفطرية، إلاّ أنّ أحداً لا يسعه أن يزودنا بايضاحات أكثر بشأن مصدر هذه الإلهامات الفطرية، ولكن على كل حال ليس لدينا أي شك في أصل وجودها و دورها في إرشادنا و توجيهنا التكويني.

***

و الإيمان بالحياة بعد الموت واحد من هذه «الإلهامات الفطرية»: لدينا عدّة شواهد تاريخية تفيد عمق إيمان البشرية على مدى التأريخ، بل في العصور التي ما قبل التأريخ بالحياة الآخرة بعد الموت، و الدليل على ذلك الآثار المختلفة التي خلفها قدماء الناس و كيفية بناء قبورهم و الأشياء التي كانوا يدفنونها في التراب مع موتاهم ـ كما سيأتي شرح ذلك بالتفصيل ـ والتي تفيد إيمان الإنسان بحياة ما بعد الموت على ضوء إلهاماته الباطنية، حيث لايمكن التصديق بأنّ مسألة ليست بفطرية و قد تمكنت من الحفاظ على قوتها ورسوخها إلى هذه الدرجة طيلة التأريخ و لما قبله إلى أبعد العصور والأزمنة حتى بقيت عالقة في الأذهان، فمثل هذه المسائل

[ 29 ]

المتجذرة التي لاتنفصل عن البشر قط، قطعاً لها نواة غريزية و فطرية، و من هناك كانت دائمية خالدة.

و قد صرّح عالم الاجتماع المعروف «صاموئيل كونيغ» قائلا: تفيد الآثار التي عثر عليها العلماء في الحفريات أنّ أسلاف الإنسان المعاصر أي إنسان النياندرتال كانت لهم ديانة بدليل أنّهم كانوا يدفنون أمواتهم بطريقة خاصة، كما كانوا يدفنون إلى جانبهم وسائلهم و أدواتهم، و هكذا يعلنون إيمانهم بوجود عالم آخر بعد الموت.(1)

نعلم أنّ إنسان النياندرتال عاش قبل عشرات آلاف السنين، حين لم يخترع الخط حتى ذلك الوقت ولم يبدأ التاريخ البشري، صحيح أن لا جدوى من هذه الوسائل و الأدوات في حياة ما بعد الموت مهما كانت، إلاّ أنّ المراد هو أنّ هذه الأعمال تشكل شهادة على إيمان أسلاف الإنسان المعاصر بحياة ما بعد الموت.

و يبدو أنّ المصريين كانوا قد سبقوا سائر الأقوام في هذا المجال، إذ يقول المؤرخ المعروف «آلبرماله» من بين تواريخ الأقوام يمتاز تاريخ الأقوام المصرية بأنّه أقدم الجميع، حيث يذكر حوادث وقعت لما قبل أكثر من خمسة آلاف سنة.(2)

فالتاريخ المصري العريق يشير إلى أنّ الأقوام المصرية كانت راسخة الإعتقاد بحياة ما بعد الموت و يرون لها أهميّة خاصة، و إن لم تسلم عقائدهم ـ و كسائر الأقوام ـ من الأباطيل و الخرافات.

و يسرد المؤرخ المذكور قضية رائعة تنطوي على عدّة فوائد، فقد ذكر أنّ


 

1. عالم الاجتماع صاموئيل كونيغ، ص 291

2. تأريخ آلبرماله ـ تأريخ أقوام الشرق، ج 1، ص 15

 

[ 30 ]

المصريين يعتقدون بأنّ روح الميت تفارق القبر و تحضر عند الإله الكبير «آزيريس»... فان قادوه إلى «أحكم الحاكمين» آزيريس يمتحن قلبه في ميزان الحقيقة، فإن كانت روحه طاهرة في الحساب ذهب إلى المزرعة (والبستان) الذي لايتصور مدى بركته...

كما كانوا يضعون إلى جوار الموتى كتاباً يرشدهم في سفرهم إلى تلك الدنيا، و يحتوي الكتاب على عبارات يجب أن يردها الميت عند آزيريس لتبرأ ذمته ويطهر:

لم أغش الناس...

لم أوذي أية أرملة...

لم أكذب في المحكمة...

لم أرتكب التزوير.

لم أفرض على عامل أكثر من طاقته في العمل.

لم أتكاسل في القيام بوظيفتي.

لم أنتهك المحرمات.

لم أسع بعبد لدى سيده.

لم أقطع خبز أحد.

لم أبك أحداً.

لم أقتل أحداً.

لم أسرق أطعمة الموتى،(1) و لا أشرطتهم.

 


 

1. كأنّ أهل مصر كانوا يظنون أنّ الموتى بعد أن يعودوا إلى هذا العالم سيحتاجون إلى أثاث البيت و الغذاء، و لذلك كانوا يدفنون معهم الغذاء و الأثاث. و المراد بالاشرطة هي تلك التي كانوا يلفونها على أبدان الموتى للتحنيط

 

[ 31 ]

لم أغصب أرض أحد.

لم آخذ لبن الأطفال الرضع.

لم أقطع أي نهر.

أنا طاهر، طاهر...

أيّها القضاة! اليوم يوم الحساب فخذوا هذا المرحوم فهو لم يذنب و لم يكذب. و هو لايعرف السوء و لم يجانب الحق و الإنصاف في حياته و قد أتى بما يرضي الله، لقد كسى العريان و ذبح لله و أطعم الأموات، فمه طاهر و يداه طاهرتان.

على كل حال فالذي يفيده التاريخ هو حالة التدين بصورة عامّة والإعتقاد الراسخ بحياة ما بعد الموت لدى سائر الحضارات و المدنيات الأخرى والتي تزامنت مع الحضارة المصرية أو بعدها من قبيل الحضارة الكلدانية و الآشورية واليونانية و الإيرانية.

والأهميّة التي حظى بها هذا الموضوع في الأديان العالمية الكبرى ممّا لاغبار عليه فلا يحتاج إلى أدنى توضيح، و سنتعرف على نماذج ذلك في أبحاث القادمة.

هذا وقد نقل العالم الاسلامي المعروف كاتب «روح الدين الإسلامي» عبارة عن مجلة «ريدرزد ايجست» نوفمبر عام 1975 عن «نورمان فن سنت بيل» أنّه قال: الحقيقة هي أنّ النشاط الغريزي بوجود عالم آخر بعد الموت يعدّ من الأدلة المحكمة على هذه المسألة، لأنّ الله إذا أراد إقناع الإنسان بحقيقة غرسها في أرض غرائزه و فطرته، فالاعتقاد بحياة خالدة في العالم الآخر هو نوع من الشعور العام في باطن وجود كافة الأفراد بحيث لايمكن النظر إليه بازدراء.

 

[ 32 ]

حقّاً أنّ الشيء الذي نسير إليه بهذه السرعة إنّما هو ردّ فعل لجذور أساسية داخل وجودنا، إنّنا لا نؤمن بمثل هذه الحقائق من خلال الأدلة المادية، بل عن طريق الإلهام و الإدراك الباطني، فالإلهام يعتبر دائماً العامل الوحيد المهم لإدراك الحقائق، وحين يبلغ العلماء حقيقة علمية تحتاج إلى إثبات، فانّهم يدركون تلك الحقيقة بوحي من الإلهام على حدّ تعبير «برجسون».(1) و الإعتقاد بالحياة بعد الموت من هذه الإلهامات الفطرية.

 

المشي في المتاهات

رغم أنّ الإلهامات الفطرية تساعد الإنسان في كشف أسرار الحياة الآخرة بعد الموت، إلاّ أنّها مالم توجه بصورة صحيحة فانّها تصبح هالة من الخرافات و الأساطير الغريبة، ألا ترى إلى الكهنة و الشعابذة كيف كانوا يدفنون الفتيات الجميلات إلى جوار الملوك و السلاطين في أفريقيا و المكسييك. يبدو أنّ هناك بوناً شاسعاً بين الدنيا المعاصرة و تلك التي كانت قبل ستة آلاف سنة.

لم يكن هناك من وجود لهذه الأدوات و الوسائل الفلزية المتنوعة، حيث كانت تقتصر حياة الإنسان على الحجر والخشب والعظام وجلود الحيوانات، وما أصعب العيش في ظل هذه الوسائل فقط، ولكن مع ذلك كانت تلك الحياة مقارنة بما نحن عليه أكثر هدوءاً و إستقراراً، فلم يكن هناك صوت للسيارات الفخمة و لا ضوضاء و صخب لانفجار القنابل و لا زئير للطائرات التي تكسر حاجز الصوت، فقد كانت حياة ـ كالموت ـ غاية في البساطة دون أي تعقيد!

 


 

1. روح الدين الإسلامي، ص 116.

 

[ 33 ]

بالمناسبة لا ندري ما هو الشعور الذي كان يسود الإنسان آنذاك تجاه الحياة و الموت، فلو كان يحسن الكتابة لعله دوّن جانباً من مشاعره و خلفها لأبنائه المعاصرين ممن يدفعهم حبّ الاطلاع للوقوف على هذا الأمر، غير أنّ المؤسف له لم يحصل هذا العمل حيث لم يكن الخط و الكتابة قد أخترعت بعد، مع ذلك فإنّ و الكهوف و أعماق الأرض قد حفظت كنوزاً قيّمة من آثار حياة الناس آنذاك، و كما أشرنا في البحث السابق فإنّ هذه الآثار ـ و لاسيّما كيفية القبور التي خلفّوها ـ تفيد أنّهم كانوا يؤمنون بالحياة ما بعد الموت، و لهذا السبب كانوا يضعون وسائل موتاهم و أدواتهم معهم في التراب، على أمل الاستفادة منها بعد العودة للحياة ثانية.

أمّا إعتقاد الإنسان بالقيامة بعد دخوله عصر التأريخ (عصر ظهور الخط وإكتشاف الفلزات فما لاتتطرق إليه شائبة و على درجة من الوضوح لا إبهام فيه وقد ثبت ذلك في جبين تاريخ الامم والشعوب.

و كل ذلك ـ كما ذكرنا آنفا ـ يفيد إمتزاج هذه العقيدة بالفطرة البشرية.

***

 

الانحراف عن الفطرة و التخبط في المتاهات

عادة ما تبعث «الإلهامات الفطرية» الإنسان دائماً على شكل دافع تلقائي باتجاه مختلف المسائل التي تحتاجها روحه وجسمه، ولو لم تكن هذه الإلهامات فطرية، و أنّنا لا نكشف الأشياء إلاّ من خلال الإختبار و التجربة والعقل لتعقدت أعمالنا بهذا المجال.

فالتنسيق و التعاون بين هذين الجهازين (الإلهامات الفطرية والكشوفات العقلية و التجربية) أدّى إلى هذه السرعة التي بلغها الإنسان في

[ 34 ]

مسيرته نحو المدنية و الكمال.

ولكن لاينبغي الغفلة عن أنّ الاستنتاج الصحيح من هذه الإلهامات الفطرية إنّما يتوقف دائماً على نمط تفكير الإنسان و ما يدور في ذهنه، يعني لو كان هناك بعض الأفراد الذين يعيشون الضعف و العجز من حيث التفكير و العلم فإنّ إلهاماتهم الفطرية ستبدو على هيئة منحطة و ناقصة وأحياناً مقلوبة.

بعبارة أخرى: لابدّ من سقي شجرة الإلهامات الفطرية بماء العلم على الدوام لتؤتي أكلها كل حين، و إلاّ فإن تلك الإلهامات ستكون مشوبة بأنواع الخرافات و الأباطيل، و قد تعطي أحياناً نتائج معكوسة.

و المثال الواضع الذي يمكننا الاستشهاد به في هذا الموضع هو «الغريزة الجنسية» التي تعتبر نوعاً من الإلهام الطبيعي والفطري «لحفظ النسل» والتي تدفع بالإنسان لحفظ نسله، ولكنّها إن إمتزجت بالأفكار الوضعية والأخلاق المنحّطة، لأصبحت بؤرة فساد و فاحشة قاتلة للنسل، يعني بالضبط يحدث عكس المطلوب، من جانب آخر فإنّ كافة أقوام العالم تضع بعض المقررات و القوانين لعقد الزوجية بغية عدم تزلزل نسلها بفعل الفوضى الجنسية، و تصدع كيانها و نظامها الاجتماعي، إلاّ أنّ هذه المقررات والقوانين قد تكون على درجة من الصعوبة و التعقيد التي تفرزها حالة ضيق النظر والتخلف الفكري بحيث تسوق الأفراد نحو مقاطعة الزواج و الإنغماس في الفاحشة، و كلاهما يهدد قضية حفظ النسل، و بناءاً على هذا فانّ الزعامة الخاطئة للغريزة الجنسية إنّما تعطي نتيجة معكوسة في حفظ النسل.

والقضية كذلك بالنسبة للحاجات الروحية والإلهامات الفطرية المتعلقة

[ 35 ]

بها، مثلا يبحث الإنسان ـ على ضوء إلهام فطري ـ عن خالق العالم، إلاّ أنّ قصر النظر و الجهل و التخلف الفكري قد يقذف به أحياناً في مخالب «التشبيه و القياس» و ذلك لأنّ هذه هي سجية محدودي الفكر حيث يجعلون أنفسهم محوراً لكل شيء فيقيسون كل شيء و يشبهونه بهم، و إثر هذه التشبيه و القياس يقدمون على عبادة كل شيء سوى «الاله الحقيقي» من قبيل الحشرة المصرية إلى الفيل الهندي بصفتهما الإله الذي ينبغي أن يعبد على حدّ تعبير المؤرخ المشهور «ويل دورانت».(1)

و الأعجب من ذلك ما أخبرنا به بعض المسافرين القادمين من اليابان أنّهم رأوا بأم أعينهم المعابد التي تضم الأوثان الصغيرة و الكبيرة التي تضم بعض الأصنام بصورة «آلات تناسلية للرجل و المرأة» فيقوم البعض بعباداتها و أداء مراسم التقديس لها!

و قد طبعت بهذه الأشكال قضية المعاد و القيامة التي تبناها الإلهام الفطري لمساعدة الإنسان و مهد السبيل أمامه بهدف التوجه العقلاني لعالم ما بعد الموت، لأنّ إنعكاس شعاع هذا الإلهام الفطري من الزجاجات المعوّجة لأفكار الناس قصارى النظر أدّى إلى تفاقم الإنحرافات التي غيرت بالمرة وجه هذه القضية.

و في الواقع فإنّ التشبيه و القياس المذكور جعل البشرية تعيش الخرافات العجيبة التي تفوق التصور و الخيال إزاء قضية القيامة، فكان لابدّ من إيداع كافة أدوات الإنسان و وسائله التي يحتاجها في القبر ظناً بأنّ الحياة في ذلك العالم هي عين هذه الحياة على جميع الأصعدة و النواحي.

 

 


 

1. تأريخ ويل دورانت، ج 1، ص 93.

 

[ 36 ]

خرافات مضحكة و مؤسفة!

إنّ هذا النمط من التفكير الخرافي قد أفضى طيلة التاريخ إلى الأعمال المؤسفة و المضحكة أحياناً.

على سبيل المثال كان سائداً بين أهل الكونغو دفن إثنتي عشرة فتاة جميلة على قيد الحياة مع زعماء القبائل حين موتهم بهدف دفع الأسقام والسأم الذي يعانونه فى ذلك العالم.

أو أنّ بعض أهالي المكسيك كانوا يدفنون الفكاهي (أو ما يصطلح عليه بالفنان الكوميدي) مع رئيس القبيلة ليحول دون تكدر صفو خاطره في تلك الدنيا، كما كانوا يأدون أحياناً بعض الكهنة مع زعمائهم ليكونوا مستشاريهم في المسائل الدينية في ذلك العالم!(1)

كما كانت بعض الأقوام إلى عدم دفن ثياب الأموات و تعليقها على شجرة ليقوم بارتدائها الأموات فوراً بعد بعثهم فلا يمتعظوا من العري!

أما تحنيط المصريين القدماء لأجساد الموتى فليس له من فلسفة سوى الاستفادة من ذلك لجسد بعد عودة الروح، فقد كان التحنيط يتم بهدف الحيلولة دون تعفن جسد الميت و تفسخه، حيث كانوا يجففون جسد الميت ببعض المواد الكيمياية المعنية، فإذا جف الجسد بصورة كاملة غطوه بعدّة أشرطة كتانية ملطخة بمواد صمغية خاصة، و كان يلزم ذلك العمل مئات الأمتار من الكتان، ثم يضعونه في توابيت خاصة، و أحياناً في عدّة توابيت أخرى و يرسمون بعض النقوش الرائعة على التابوت الكبير. والجدير بالذكر إن تحنيط الجسد قد يتطلب أحياناً سبعين يوماً! طبعاً لم يقتصر التحنيط على مصر، إلاّ أنّ المصريين برعوا في هذا العمل بحيث تشاهد الحنوط


 

1. دائرة المعارف للقرن العشرين، ج 1، ص 39

 

[ 37 ]

المصرية بوضوح اليوم في المتاحف العالمية و قد بقيت هذه الحنوط على صورتها السابقة دون أن يعتريها أدنى تغير رغم تقادم العصور و الأزمان على تلك الأجساد المحنطة.(1)

كان أهل المصر يغطون جدران المقابر بالصور التي تشرح الأعمال اليومية للشخص الميت و خدمه و شغله في الدنيا، فمثلا في زاوية من الصورة نشاهد العمّال الذين يخبزون الخبز أو الذين يريقون الشراب والخمر في الآنية، و في موضع آخر الخدم الذين يذبحون الشاة أو البقرة أو الذين يخرجون الأسماك من النهر، و في مكان آخر يحلبون البقر ويطبخون الطعام.(2)

و كأنّهم أرادوا الإبقاء على سرور أرواح الأموات من خلال تجديد ذكرياتهم الماضية.

فكل هذه الأمور تشير إلى أنّ أتباع العقائد المذكورة كانوا يرون الإنتقال إلى العالم الآخر بمثابة الأسفار في هذه الدنيا التي ينبغي أن تشمل كافة تفاصيل ومقررات هذه الحياة.

و الواقع يبدو هذا الموضوع أشبه بالطفل الذي يلد من رحم أمّه و كأنّه يعلم بلوازم السفر خارج الرحم فيصطحب معه مقداراً من الدم في جوف الرحم بهدف عدم الموت جوعاً بعد القدوم إلى هذه الدنيا، فهل هذا الاسلوب من التفكير صحيح؟!.

لكن و على كل حال فإنّ وجود مثل هذه الخرافات و الإنحرافات إن دلّت على شيء فإنّما تدلّ على إمتزاج الإلهام الفطري بالجهل و عدم التعقل، وفي


 

1. الرسالة الثقافية، ج 14، ص 1393

2. آلبرماله، تأريخ أقوام الشرق، ج 1، ص 46

 

[ 38 ]

نفس الوقت فإنّه يختزن حقيقة تتمثل بإيمان البشر بالقيامة على ضوء الإلهام الباطني، و إن إتخذ هذا الإيمان طابع الخرافة بفعل قصر النظر وضيق الأفق.

[ 39 ]

 

نوافذ على العالم الآخر

 

كيف أزالت الأبحاث العلمية الحديثة أغلب الصعوبات التي كانت تبدو ماثلة في طريق الحياة بعد الموت و التي كان يتصورها بعض ضعاف التفكير وضيقي الأفق أنّها من المحالات؟

فقد طرب ذلك الإعرابي فرحاً حين عثر على عظم رميم لإنسان لعله كان فريسة لحيوان مفترس، أو إستسلم للموت إثر موته عطشاً في صحراء الحجاز القاحلة فصرخ من أعماقه «لأخصمن محمداً» و أثبت له إستحالة ما يزعم بخصوص إحياء الأموات.

و لعله قد حدّث نفسه قبل ذلك: هل هناك من رأى أو سمع بفاكهة متعفنة ومن ثم فاسدة و جافة قد عادت فاكهة طرية غضة من جديد؟ أم هل هناك من سمع عودة هذا اللبن الذي ترتضعه الناقة من ثدي أمّها و قد أصبح جزءاً من لحمها و عظمها لبن مرّة أخرى و عاد إلى الثدي؟

ثم إنّ هذا العظم الخاوي اليوم سيصبح غداً تراباً ثم تنثره العواصف الرملية لهذه الصحاري الواسعة هنا و هناك بحيث لايبقى منه أدنى أثر، فأي عقل يرى أنّه سيعود ثانية على هيئة طفل جميل و فتى قوي و كهل فطن؟

إنّ مثل هذا الكلام لاينطلي سوى على المجاني