|
الجمع بين الصلاتين مُطلقاً في السّنة النبويّة والإجماع
من روى أحاديث الجمع، أو أعترف بها؟: استفاضت الأحاديث وتواترت تواتراً قطعياً لا يعتريه شك ولا ريب في أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) جمع بين الصلاتين، ظهراً وعصراً، ومغرباً وعشاءً، جمع تقديم وجمع تأخير، في الحضر وبدون عذر. وروت تلك الأحاديث واعترفت بها (مفصلاً أو مجملاً) أئمة المذاهب الأربعة، وأصحاب الصّحاح الستة، وسائر أصحاب المسانيد والسنن، وكتب الأحاديث والتفاسير والتاريخ، من طرق الفريقين، حتى بلغت معقِد الإجماع. وإليك بعض مصادر تلك الأحاديث ممن رواها أو اعترف بها من أهل السنة. 1- اعتراف الحنفية بأحاديث الجمع: اعترفت الحنفية – تبعاً لإمام مذهبهم(1)- بأحاديث الجمع بين الصلاتين في السنة النبوية، كما نقل عنهم ذلك محمد الزرقاني في شرحه على (الموطأ) لمالك حيث قال: "وقال قوم: لا يجوز الجمع مطلقاً إلا بعرفة والمزدلفة، وهو قول الحسن، والنخعي، وأبي حنيفة، وصاحبيه، وقول النووي أنهما خالفاه، ردَّه عليه السروجي في (شرح الهداية) وأجابوا (أي الحنفية) عن الأحاديث بأنه جمع صوري، وتقدّمَ ردُه. وقال إمام الحرمين(2): ثبت في الجمع أحاديث نصوص لا يتطرق إليها تأويل(3)"… والذي نستفيده من نقل الزرقاني لقول الحنفية: (وأجابوا عن الأحاديث بأنه جمع صوري) أنهم اعترفوا بأحاديث جمع النبي(صلى الله عليه و آله) بين الصلاتين، ولكنهم أولّوها بأنه كان جمعاً صورياً، أي أنه(صلى الله عليه و آله) آخرّ صلاة الظهر إلى آخر وقتها فلما فرغ منها دخل وقت العصر، فصلاّها في أول وقتها، وهكذا في المغرب والعشاء. وسيأتيك نقض هذا التأويل مفصلاً، وغيره من التأويلات الكثيرة بأذن الله تعالى، وحقاً ما قال إمام الحرمين: (ثبت في الجمع أحاديث نصوص لا يتطرق إليها تأويل). 2- ما رواه الإمام مالك(4): 1- روى مالك بن أنس في (الموطأ)(5) بشرح محمد الزرقاني قال: "وحدثني عن مالك عن أبي الزبير المكي، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عباس، أنه قال: صلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً في غير خوف ولا سفر. قال مالك: أرى ذلك كان في مطر"(6). وهذا تأويل ثانٍ لأحاديث الجمع، وهو المطر. وسيأتيك ردّه مفصلاً من طرق أهل السنة، وبالسنة النبوية نفسها. 3- اعتراف الإمام الشافعي بأحاديث الجمع، وما رواه: قال محمد بن إدريس الشافعي(7) في كتابه (الأم)(8) تحت عنوان اختلاف الوقت ما نصه: "ولما جمع رسول الله(صلى الله عليه و آله) بالمدينة آمناً مقيماً، لم يحتمل إلا أن يكون مخالفاً لهذا الحديث(9) أو يكون الحال التي جمع فيها حالاً غير الحال التي فرّق فيها، فلم يجز أن يقال: جمعه في الحضر مخالف لإفراده في الحضر من وجهين أنه يوجد لكل منهما وجه، وأن الذي رواه منهما معاً واحد وهو ابن عباس(10) فعلمنا أن لجمعه في الحضر علة فرقت بينه وبين إفراده، فلم يكن إلا المطر والله تعالى أعلم، إذ لم يكن خوف، ووجدنا في المطر علّة المشقة، كما كان في الجمع في السفر علّة المشقة العامة، فقلنا: إذا كانت العلّة من مطر في حضر، جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء"(11). والذي نستفيده من قول الشافعي هذا هو أنه معترف بأن النبي(صلى الله عليه و آله) جمع بين الصلاتين بالمدينة آمناً ومقيماً، ولكنه رأى أن جمع النبي بين الصلاتين مخالف لإفراده، فرفعاً لهذا الاختلاف أوّل أحاديث الجمع التي رواها ابن عباس (كما روى حديث التفريق) بأنه يقتضي وجود المطر، حيث يرى أن في المطر علّة المشقة حسب نصّه. والحقيقة أنه لا اختلاف بين أحاديث الجمع، وبين أحاديث التفريق. وكل منهما سنة ثابتة عنه(صلى الله عليه و آله)، لأن أحاديث ابن عباس وغيره في أوقات الصلوات والتفريق بين الصلاتين هدفها بيان الأوقات المفضّلة. راجع تعليقنا على تلك الأحاديث في المقارنة الخامسة لتعلم الحقيقة، وأحاديث ابن عباس وغيره في الجمع هدفها بيان الحقيقة من اشتراك الوقت المجزي للصلاتين، والتوسعة على الأمة، والرفع للضيق والحرج. 2- وإليك ما روي عن الشافعي، قال الطحاوي: "حدثنا إسماعيل بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن إدريس (أي الشافعي) قال: أخبرنا سفيان، قال: حدثنا عمرو بن دينار، قال: انبأنا جابر بن زيد أنه سمع ابن عباس يقول: صليت مع رسول الله بالمدينة ثمانياً جميعاً وسبعاً جميعاً، قلت لأبي الشعثاء: أظنه أخرّ الظهر وعجل العصر، وأخرّ المغرب وعجّل العشاء، قال: وأنا أظنّ ذلك"(12). 4- ما رواه الإمام أحمد بن حنبل من الأحاديث(13): 3- روى أحمد بن حنبل في (مسنده)(14) بشرح أحمد محمد شاكر قال: "حدثنا سفيان، قال: حدثنا عمرو: أخبرني جابر بن زيد أنه سمع ابن عباس يقول: صلّيت مع رسول الله بالمدينة ثمانياً جميعاً، وسبعاً جميعاً. قال: قلت له يا أبا الشعثاء أظنه أخرّ الظهر وعجل العصر، وأخرّ المغرب وعجّل العشاء، قال: وأنا أظنّ ذلك. قال الشارح أحمد محمد شاكر: إسناده صحيح. أبو الشعثاء هو جابر بن زيد، والحديث رواه الشيخان كما في (نيل الأوطار) ج3/ 266. وهذا الجمع الصوري من تأويل أبي الشعثاء، ولا حجة له فيه"(15). 4- وفي (المسند) أيضاً قال: "حدثنا محمد بن عثمان بن صفوان بن أمية الجمحي، قال: حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: صلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) في المدينة مقيماً غير مسافر سبعاً وثمانياً. قال الشارح: إسناده صحيح(16). 5- وفي (المسند) أيضاً قال: "حدثنا يحيى، عن شعبة، حدثنا قتادة، قال: سمعت جابر بن زيد، عن ابن عباس: جمع رسول الله(صلى الله عليه و آله) بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر. قيل لابن عباس: وما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته. قال الشارح: إسناده صحيح. والحديث رواه مالك في (الموطأ) ج1/161، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: صلى الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء في غير خوف ولا سفر. وقال مالك بعده: أرى ذلك كان في مطر، وهذا الذي ظنّه مالك تبين أنه خطأ بهذه الرواية التي فيها (في غير خوف ولا مطر) وهذه الرواية رواها الجماعة إلا البخاري"(17). هذه الرواية، أو هذا الحديث ردّ حاسم على كافة التأويلات لأحاديث الجمع، لأنه صحيح الإسناد، وقد رواه الجماعة، وهو صريح في أن الجمع كان في المدينة أي النبي مقيم غير مسافر، وأنه كان في غير خوف وغير مطر، وقد بين العلّة في الجمع وهو عدم الإحراج للأمة. 6- وفي (المسند) أيضاً قال: "حدثنا يونس، حدثنا حماد يعني ابن زيد، عن الزبير يعني بن خِرّيت، عن عبد الله بن شقيق، قال: خطبنا ابن عباس يوماً بعد العصر حتى غابت الشمس وبدت النجوم، وعلق الناس ينادونه: الصلاة، وفي القوم رجل من بني تميم فجعل يقول: الصلاة الصلاة قال: فغضب وقال: أتعلمني بالسنة؟ شهدت رسول الله(صلى الله عليه و آله) جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، قال عبد الله: فوجدت في نفسي من ذلك شيئاً، فلقيت أبا هريرة فسألته فوافقه. قال الشارح: إسناده صحيح. الزبير بن خِرّيت بكسر الخاء وتشديد الراء المكسورة وآخره تاء مثناة، سبق توثيقه في 308. والحديث رواه مسلم (ج1/197) عن أبي الربيع الزهراني عن حَّماد. علق الناس أي: طفقوا"(18). وعلّق سيدنا السيد عبد الحسين شرف الدين (قدس سره) على هذا الحديث في كتابه (مسائل فقهية) فقال: "من هوان الدنيا على الله، وهوان آل محمد(صلى الله عليه و آله) على هؤلاء أن يحوك في صدورهم شيء من ابن عباس – وهو حبر الأمة وابن عم نبيها - فيسألوا أبا هريرة، وليتهم بعد تصديق أبي هريرة عملوا بالحديث"(19). 7- وفي (المسند) أيضاً قال: "حدثنا حسين، حدثنا شعبة، قال: أخبرني عمرو بن دينار قال: سمعت جابر بن زيد قال: سمعت ابن عباس يقول: صلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) ثمانياً جميعاً، وسبعاً جميعاً. قال الشارح: إسناده صحيح"(20). 8- وفي (المسند) أيضاً قال: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جمع النبي(صلى الله عليه و آله) بين الظهر والعصر بالمدينة في غير سفر ولا خوف. قال: قلت يا أبا العباس ولم فعل ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أحداً من أمته. قال الشارح: إسناده صحيح"(21). 9- وفي (المسند) أيضاً قال: "حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن أبن عباس عن النبي(صلى الله عليه و آله) أنه صلىَ سبعاً جميعاً، وثمانياً جميعاً. قال الشارح: إسناده صحيح"(22). 10- وفي (المسند) أيضاً قال: "حدثنا يحيى، عن داود بن قيس، قال: حدثنا صالح مولى التوأمة عن ابن عباس، قال: جمع رسول الله(صلى الله عليه و آله) بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في غير مطر ولا سفر. قالوا: يا ابن عباس ما أراد بذلك؟ قال: التوّسع على أمته. قال الشارح: إسناده صحيح، فإن صالح بن نبهان مولى التوأمة اختلط في آخر عمره، وأنا أرجّح أن داود بن قيس سمع منه قديماً – أي قبل أن يختلط-"(23). 11- وفي (المسند) أيضاً قال: " حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: جمع رسول الله (صلى الله عليه و آله) بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في المدينة من غير خوف ولا مطر، قلت لابن عباس: لم فعل ذلك؟ قال: كي لا يحرج أمته. قال الشارح: إسناده صحيح"(24). 12- وفي (المسند) أيضاً قال: "حدثنا إسماعيل، أخبرنا ليث، عن طاووس، عن ابن عباس: أن النبي(صلى الله عليه و آله) جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في السفر والحضر. قال الشارح: إسناده صحيح"(25). 5- ما رواه البخاري من الأحاديث(26): 13- روى البخاري في (صحيحه) بشرح الكرماني قال: "حدثنا أبو النعمان، قال: حدثنا حمّاد هو ابن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد عن ابن عباس: أن النبي (صلى الله عليه و آله) صلّى بالمدينة سبعاً وثمانياً، الظهر والعصر، والمغرب والعشاء. فقال أيوب: لعله في ليلة مطيرة؟ قال: عسى"(27). قال الكرماني في شرحه: قوله (جابر بن زيد) أي أبو الشعثاء تقدم.. قوله (سبعاً) أي سبع ركعات للمغرب والعشاء،وثمان ركعات للظهر والعصر، وفي الكلام لفٌ ونشر. ثم قال الشارح: فأن قلت: فإذا جاز الجمع بينهما في وقت واحد، فلم خصصه البخاري بتأخير الظهر إلى العصر على ما دل عليه الترجمة، واحتمال جمع التقديم قائم؟ قلت: لعل البخاري علم من الحديث أن الجمع كان بالتأخير واختصر الحديث، أو فهم من السياق ذلك. قوله: (أيوب) أي السختياني. و(مطيرة) أي كثيرة المطر. فأن قلت: صلاة العصرين ليست في الليل، فلا يصير هذا عذراً في تأخير الظهر. قلت: المراد في يوم وليلة مطيرتين، فترك ذكر أحدهما اكتفاءً بذكر الآخر، والعرب كثيراً ما تطلق الليلة وتريد الليل بيومه. الخطابي: الجمع بين الصلاتين لا يكون إلا لعذر، ولذلك رخّص فيه للمسافر، فلما وجد الجمع في الحضر طلبوا له وجه العذر وكان الذي وقع لهم من ذلك المطر لأنه أذاً فيه مشقة إذا كلف حضور المسجد مرة بعد أخرى. أقول: وهذا يشكل لأن الجمع الذي لعذر المطر لا يجوز إلا بالتقديم فكيف يوافق ترجمة الباب..الخ. 14- وروى البخاري أيضاً في (صحيحه) قال: "حدثنا آدم، قال: حدثنا شعبة، قال: حدثنا عمرو بن دينار، قال: صلّى النبي(صلى الله عليه و آله) سبعاً وثمانياً. قال الشارح في شرحه: (سبعاً أي سبع ركعات في المغربين، وثمان ركعات في العصرين جمعاً بينهما في وقت واحد"(28). 15- وروى البخاري في (صحيحه) قال: "وقال أبن عمر وأبو أيوب، وابن عباس : صلّى النبي (صلى الله عليه و آله) المغرب والعشاء"(29) يعني جمعهما في وقت أحدهما دون الأخرى. قال الشارح: (أبو أيوب) أي الأنصاري. 6- ما رواه مسلم من الأحاديث(30): 16- روى مسلم في (صحيحه) في باب الجمع بين الصلاتين في الحضر، قال: "حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك عن أبي الزبير عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس قال: صلّى رسول الله(صلى الله عليه و آله) الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً في غير خوف ولا سفر"(31). 17- وحدثنا احمد بن يونس، وعون بن سلام جميعاً عن زهير، قال ابن يونس: حدثنا زهير، حدثنا ابن الزبير، عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس قال: "صلّى رسول الله (صلى الله عليه و آله) الظهر والعصر جميعاً بالمدينة في غير خوف ولا سفر، قال أبو الزبير: فسألت سعيداً لِمَ فعل ذلك؟ فقال: سألت ابن عباس كما سألتني فقال: أراد أن لا يحرج أحداً من أمته". 18- وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب قالا: حدثنا أبو معاوية وحدثنا أبو كريب، وأبو سعيد الأشجّ، واللفظ لأبي كريب قالا يعني أبا كريب وأبا سعيد: حدثنا وكيع، كلاهما عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: "جمع رسول الله(صلى الله عليه و آله) بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر. وفي حديث أبي معاوية: قيل لابن عباس: ما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته". 19- وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا سفيان بن عُيينة، عن عمرو، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، قال: "صليت مع النبي(صلى الله عليه و آله) ثمانياً جميعاً، وسبعاً جميعاً. قلت: يا أبا الشعثاء أظنه أخّر الظهر وعجّل العصر وأخّر المغرب وعجّل العشاء. قال: وأنا أظن ذلك". 20- حدثنا أبو الربيع الزهراني، حدثنا حمّاد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس: "إن رسول الله(صلى الله عليه و آله) صلّى بالمدينة سبعاً وثمانياً، الظهر والعصر، والمغرب والعشاء". 21- وحدثني أبو الربيع الزهراني، حدثنا حمّاد، عن الزبير بن الخرّيت، عن عبد الله بن شقيق قال: "خطبنا ابن عباس يوماً بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم، وجعل الناس يقولون: الصلاة الصلاة، قال: فجاءه رجل من بني تميم لا يفتر ولا ينثني وقال: الصلاة الصلاة قال: فقال: ابن عباس: أتعلمني بالسنة لا أمّ لك؟ ثم قال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه و آله) جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، قال عبد الله بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء، فأتيت أبا هريرة فسألته فصدق مقالته". 22- وحدثنا ابن أبي عمير، حدثنا عمران بن حدير، عن عبد الله بن شقيق العقيلي، قال: قال رجل لابن عباس: الصلاة، فسكت. ثم قال: الصلاة، فسكت. ثم قال: الصلاة فسكت. ثم قال: لا أمّ لك أتعلمنا بالصلاة؟ كنا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول الله(صلى الله عليه و آله). 23- وحدثنا يحيى بن حبيب الحارثي، حدثنا خالد، يعني ابن الحرث، حدثنا قرّة، حدثنا بن الزبير، حدثنا سعيد بن جبير، حدثنا ابن عباس: "إن رسول الله (صلى الله عليه و آله) جمع بين الصلاتين في سفرة سافرها في غزوة تبوك فجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء. قال سعيد: فقلت لابن عباس: ما حمله على ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته". 24- حدثنا أحمد بن هبة الله بن يونس، حدثنا زهير، حدثنا أبو الزبير، عن أبي الطفيل عامر عن معاذ، قال: "خرجنا مع رسول الله(صلى الله عليه و آله) في غزوة تبوك، فكان يصلي الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً". 25- حدثنا يحيى بن حبيب، حدثنا خالد (يعني ابن الحرث) حدثنا قرة بن خالد، حدثنا أبو الزبير، حدثنا عامر بن واثلة أبو الطفيل، حدثنا معاذ بن جبل قال: "جمع رسول الله (صلى الله عليه و آله) في غزوة تبوك بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء. قال: فقلت: ما حمله على ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته". هذه عشرة أحاديث أخرجها مسلم في (صحيحه) وقد نقل تسعة منها سيدنا السيد عبد الحسين شرف الدين (ره) في كتابه (مسائل فقهية) وقال معلقاً عليها، وعلى حديث معاذ، والذي قبله بقوله: "قلت: هذه الصحاح صريحة في أن العلّة في تشريع الجمع إنما هي التوسعة (بقول مطلق) على الأمة وعدم إحراجها بسبب التفريق رأفة بأهل الأشغال وهم أكثر الناس. والحديثان الأخيران (حديث معاذ والذي قبله) لا يختصان بموردهما (أعني السفر) إذ علة الجمع فيهما مطلقة لا دخل فيها للسفر من حيث كونه سفراً، ولا للمرض والمطر والطين والخوف من حيث هي هي، وإنما هي كالعام يرد في مورد خاص، فلا يتخصص به بل يطرّد في جميع مصاديقه، ولذا ترى الإمام مسلماً لم يوردهما في باب الجمع في السفر، إذ لا يختصان به، وإنما أوردهما في باب الجمع في الحضر، ليكونا أدلة من جواز الجمع بقول مطلق. وهذا من فهمه وعلمه وإنصافه(32). وصحاحه (في هذا الموضوع) التي سمعتها، والتي لم تسمعها، كلها على شرط البخاري، ورجال أسانيدهم كلهم قد أحتج البخاري بهم في (صحيحه)، فما المانع يا ترى من إيرادها بأجمعها في (صحيحه)؟ وما الذي دعاه إلى الاختصار على النزر اليسير منها؟ ولماذا لم يعقد في كتابه باباً للجمع في الحضر وباباً للجمع في السفر؟ مع توفر الصحاح (على شرطه) الواردة في الجمع، ومع أن أكثر الأئمة قائلون به في الجملة؟ ولماذا اختار من أحاديث الجمع ما هو أخسّها دلالة عليه؟ ولم وضعه في باب يوهم صرفه عن معناه؟ فأني أربأ بالبخاري وأحاشيه أن يكون كالذين يحرفون الكلم عن مواضعه، أو كالذين يكتمون الحق وهم يعلمون…"(33). 7- ما رواه أبو داود من الأحاديث(34): 26- روى أبو داود في (سننه) المطبوع بهامشه (عون الودود في شرح سنن أبي داود): " حدثنا القعنبي، عن مالك، عن أبي الزبير المكي، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عباس قال: صلّى رسول الله(صلى الله عليه و آله) الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً في غير خوف ولا سفر"(35). 27- قال أبو داود: "وروى حمّاد بن سلمة نحوه عن أبي الزبير". 28- ورواه قرّة بن خالد عن أبي الزبير. 29- قال أبو داود: "حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جمع رسول الله (صلى الله عليه و آله) بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، بالمدينة من غير خوف ولا مطر. فقيل لابن عباس: ما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته". قال الشارح في (عون الودود) ما نصه: "قوله: جَمَعَ رسول الله (صلى الله عليه و آله) بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر…الحديث، أخرجه أحمد والشيخان. الحديث ورد بلفظ (من غير خوف ولا سفر)، وبلفظ (من غير خوف ولا مطر). قال الحافظ: وأعلم أنه لم يقع بالثلاثة في شيء من كتب الحديث، بل المشهور: من غير خوف ولا سفر. وقد أستدل بحديث الباب القائلون بجواز الجمع مطلقاً بشرط أن لا يتخذ ذلك خُلقاً وعادة". العجب ممن لقب نفسه (أو لقبوه) بالحافظ، ولا أعلم (على التحقيق) أي حافظ هو هذا الذي ينقل عنه الشارح، ولا أريد أن أعلم، ولكن الذي أريد أن أقوله: إن هذا الملقّب (بالحافظ) يقول معلقاً على أحاديث الجمع بين الصلاتين: وأعلم أنه لم يقع مجموعاً بالثلاثة في شيء من كتب الحديث. نعم يقول الحافظ هذا وهو يعني أنه لم يقع حديث من أحاديث الجمع مجموعاً بالثلاثة أي من غير خوف ولا سفر ولا مطر في كتاب من كتب الحديث، هذا مع العلم أنه بنفس الوقت يقرأ في كتب الحديث (أو يحفظ) حديث ابن عباس المروي عنه بطرق عديدة وصحيحة أنه قال: جمع رسول الله بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء (بالمدينة) (من غير خوف) (ولا مطر) بل ويريد شرح الحديث بالذات. ألا سائل يسأل من هذا الحافظ: أليست المدينة هي دار هجرته صلى الله عليه وآله وسلم؟ وموطنه؟ ومدفنه؟ أكان مسافراً إليها حين جمع فيها بين الصلاتين أم كان مقيماً؟ نعم لعله يؤول الحديث فيقول: جمع رسول الله (صلى الله عليه و آله) بين الصلاتين حين سافر إلى المدينة مع أمّه آمنة بنت وهب، وهو إذ ذاك ابن خمس سنين، وقبل أن يبعث بالرسالة بخمس وثلاثين سنة. نعم ربما يؤول الحديث بهذا، وليس هذا عنده ببعيد، وهكذا مني المسلمون بحفّاظ لا يفقهون، فإّنا لله وإنّا إليه راجعون،) فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ( [سورة الحج/47]. 30- قال أبو داود في (السنن) أيضاً: "حدثنا سليمان بن حرب، ومسدّد قالا: حدثنا حّماد بن زيد، وحدثنا عمرو بن عون، أنبأنا حّماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس قال: صلّى بنا رسول الله (صلى الله عليه و آله) بالمدينة ثمانياً وسبعاً، الظهر والعصر والمغرب والعشاء"(36). 31- قال أبو داود: "ورواه صالح مولى التوأمة عن ابن عباس قال: في غير مطر". قال الشارح: قوله (صلّى بنا رسول الله (صلى الله عليه و آله) بالمدينة ثمانياً وسبعاً، الظهر والعصر) أي ثمانياً جمعاً وسبعاً جمعاً، كما صرح به البخاري في رواية له ذكرها في باب وقت المغرب. 8- ما رواه الترمذي من الأحاديث(37): 32- روى الترمذي في (سننه) باب: ما جاء في الجمع بين الصلاتين في الحضر، فقال: "حدثنا هنّاد، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: جمع رسول الله (صلى الله عليه و آله) بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر. قال فقيل لابن عباس: ما أراد بذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته"(38). 33- قال الترمذي: وفي الباب عن أبي هريرة. 34- ثم قال: حديث ابن عباس قدروي عنه من غير وجه، رواه جابر بن زيد. 35- وسعيد بن جبير. 36- وعبد الله بن شقيق العُقَيلي. قال الشارح احمد بن محمد شاكر: (العقيلي) بضم العين المهملة وفتح القاف وإسكان الياء نسبة إلى المصغّر..والترمذي لم يبين درجة هذا الحديث من الصحة، وهو حديث صحيح، رواه مالك واحمد وأصحاب الكتب الستة وغيرهم. أما الروايات التي أشار إليها، فإن رواية جابر بن زيد، وهو أبو الشعثاء، رواها البخاري ومسلم وغيرهما. وأما رواية عبد الله بن شقيق فإنها عند مسلم (ج1/197) – ثم ذكر الشارح الحديث كما مرّ فيما نقلناه من صحيح مسلم - ثم قال: ورواية سعيد بن جبير رواها مالك في (الموطأ) ج1/161 –ونقل حديثه كما مر –وعلّق على قول مالك: (أرى ذلك كان في مطر) بما يلي: "هذا نص الموطأ فقد جاء في بعض الروايات: (من غير خوف ولا مطر) وفي بعضها: (غير خوف ولا سفر) ومالك سمع الثانية ولم يسمع الأولى فتأوّل الحديث على عذر المطر. قال ابن حجر في (الفتح) ج2/19: لكن رواه مسلم وأصحاب السنن من طريق حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير بلفظ: (من غير خوف ولا مطر) فانتفى أن يكون الجمع المذكور للخوف أو السفر أو المطر. ونقل الشوكاني في (نيل الأوطار) ج3/264 عن ابن حجر أنه قال: (واعلم أنه لم يقع مجموعاً بالثلاثة في شيء من كتب الحديث، بل المشهور: (من غير خوف ولا سفر) ولم أجد هذا الذي نسب إليه لا في الفتح ولا في التلخيص. فالله أعلم، ولئن كان الحافظ قال ذلك فإنه مردود عليه بأن رواية مسلم وأصحاب السنن: (بالمدينة من غير خوف ولا مطر) تجمع الثلاثة، إلا إن كان يريد لفظ (سفر) بحروفه فقط لا بمعناه"(39). 9- ما رواه النسائي من الأحاديث(40): 37- روى النسائي في (سننه) بشرح الحافظ جلال الدين السيوطي، باب: الوقت الذي يجمع فيه المقيم، قال: " أخبرنا قتيبة قال: حدثنا سفيان عن عمرو، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس قال: صليت مع النبي(صلى الله عليه و آله) بالمدينة ثمانياً وسبعاً. أخّر الظهر وعجّل العصر، وأخر المغرب وعجّل العشاء"(41). قوله في ذيل الحديث: أخّر الظهر وعجّل العصر..الخ هو ظن ظنه أبو الشعثاء جابر بن زيد ومن سأله، كما صرح به مسلم في نقله لهذا الحديث ونصه بعد نقل الحديث: قلت: يا أبا الشعثاء أظنه أخر الظهر وعجل العصر، وأخر المغرب وعجل العشاء، قال: وأنا أظن ذلك. ولكن الله تعالى يقول في محكم كتابه المجيد رداً على أمثال هذه الظنون:) وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ( [يونس/37]. 38- قال النسائي: "أخبرنا أبو عاصم خشيش بن أصرم، قال: حدثنا حبَان بن هلال، حدثنا حبيب وهو ابن أبي حبيب، عن عمر وبن هرم، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس أنه صلىَ بالبصرة الأولى والعصر ليس بينهما شيء، والمغرب والعشاء ليس بينهما شيء، فعل ذلك من شغل، وزعم ابن عباس أنه صلىَ مع رسول الله (صلى الله عليه و آله) بالمدينة الأولى والعصر ثمان سجدات ليس بينهما شيء". قال الشارح جلال الدين السيوطي: "قوله (الأولى) أي الظهر، فانهم كانوا يسَمون الظهر الأولى لكونها أول صلاة صلّى جبرئيل بالنبي(صلى الله عليه و آله). (ثمان سجدات) أي ثمان ركعات، فأريد بالسجدة الركعة باستعمال اسم الجزء في الكل". وهذا الحديث هو مضمون الحديث الذي مرّ علينا عن (مسند احمد بن حنبل)، وعن صحيح مسلم، عن عبد الله بن شقيق، والمراد من قول الراوي (فعل ذلك من شغل) هو شغله بالخطبة لأنه خطب بعد العصر إلى أن بدت النجوم، ثم جمع بين المغرب والعشاء. وفيه تصديق أبي هريرة لابن عباس في جمع النبي (صلى الله عليه و آله) بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء. فراجعه. 39- وروى النسائي أيضاً في (سننه) باب الجمع بين الصلاتين في الحضر، قال: "أخبرنا قتيبة عن مالك عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: صلّى رسول الله (صلى الله عليه و آله) الظهر والعصر جميعاً والمغرب والعشاء جميعاً من غير خوف ولا سفر"(42). 40- وقال: "أخبرنا محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة واسمه غزوان قال: حدثنا الفضل بن موسى عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن النبي (صلى الله عليه و آله) كان يصلي بالمدينة يجمع بين الصلاتين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر. قيل له: لِمَ؟ قال: لئلا يكون على أمته حرج". قال الشارح السيوطي: قوله (لئلا يكون على أمته حرج) أي لئلا يتحرج من يفعل ذلك من أمته. 41- وقال النسائي: "أخبرنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا خالد، قال: حدثنا ابن جريح عن عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس قال: صلّيت وراء رسول الله (صلى الله عليه و آله) ثمانياً جميعاً وسبعاً جميعاً". 10- ما رواه ابن ماجة من الأحاديث(43). 42- روى ابن ماجة القزويني في (سننه)، باب الجمع بين الصلاتين في السفر قال: "حدثنا محرز بن سلمة العدني، حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن إبراهيم بن إسماعيل، عن عبد الكريم، عن مجاهد، وسعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح، وطاووس، أخبروه عن ابن عباس، أنه أخبرهم أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان يجمع بين المغرب والعشاء في السفر من غير أن يعجله شيء ولا يطلبه عدو ولا يخاف شيئاً"(44). في حديث ابن ماجة هذا (كما هو ظاهر) خلط وخبط، وزيادة ونقيصة، حيث أنه أخرج الحديث عن كل من مجاهد، وسعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح، وطاووس وأنهم جميعاً نقلوا الحديث عن ابن عباس، ومن المقطوع به أن حديث كل واحد من هؤلاء التابعين يختلف نصه، بل ومعناه عن حديث الآخر، وبمراجعة أحاديثهم السابقة واللاحقة يتضح لك هذا المعنى. والذي يهمنا التنبيه عليه في هذا المقام أن كلمة (في سفر) لم ترد وحدها في حديث طاووس، كما إنها منفية في حديث سعيد بن جبير الذي يرويه عن ابن عباس. أما حديث طاووس فقد مرّ علينا في (مسند احمد) ج5/134 برقم 3397 ونصه عن طاووس عن ابن عباس: إن النبي(صلى الله عليه و آله) جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في السفر والحضر. فحديث ابن ماجة جاءت فيه كلمة (في السفر) وأُسقطت منه كلمة (والحضر) وهذا شيء لا يغتفر. أما حديث سعيد بن جبير فقد رواه احمد ومسلم، وابن داود، والترمذي، والنسائي وغيرهم، وقد جاء من طرق عديدة ونصوص كثيرة، فراجعها تجدها كلها تخالف نص حديث ابن ماجة. والمعروف من حديث سعيد بن جبير أن النبي(صلى الله عليه و آله) جمع بين الصلاتين في المدينة من غير خوف ولا مطر، وفي بعضها من غير خوف ولا سفر. فحديث طاووس إذاً وحديث سعيد بن جبير يدلان على جواز الجمع بين الصلاتين مطلقاً. وقد رواهما ابن ماجة في (سننه) ولكن بتعبيره الخاص واختصاره، ومع ذلك ينفي أن يكون الجمع لعذر من الأعذار كشيء يعجله، أو عدو يطلبه، أو شيء يخافه فهو حجة في الباب. 11- ما رواه أبو داود الطيالسي من الأحاديث(45): 43- روى أبو داود الطيالسي في (مسنده) برقم 2613 قال: "حدثنا أبو داود، قال: حدثنا حمّاد بن سلمة، عن عمرو، عن جابر، عن ابن عباس: أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) صلّى بالمدينة سبعاً وثمانياً معاً"(46). 44- وقال أيضاً برقم 2614: "حدثنا يونس قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا حبيب، عن عمرو بن هرم، عن سعيد بن حبير: أن ابن عباس جمع بين الظهر والعصر من شغل وزعم ابن عباس أنه صلّى مع رسول الله (صلى الله عليه و آله) بالمدينة الظهر والعصر جميعاً". 45- وقال أيضاً برقم 2629: "حدثنا أبو داود، قال: حدثنا قرة بن خالد، قال: حدثنا أبو الزبير قال: حدثنا سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: جمع رسول الله (صلى الله عليه و آله) بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء قلت: ما أراد بذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته". 46- وقال أيضاً برقم 2720: "حدثنا أبو داود، قال: حدثنا حمّاد بن زيد، قال: حدثنا الزبير بن خرّيت الأزدي، قال: حدثنا عبد الله بن شقيق العقيلي، قال: خطبنا ابن عباس بالبصرة فلم يزل يخطب حتى غربت الشمس وبدت النجوم فطفق رجل من بني تميم يقول: الصلاة الصلاة فقال ابن عباس: لا أمّ لك أتعلمني السنة، فقد جمع رسول الله(صلى الله عليه و آله) بين الصلاتين، بين المغرب والعشاء، قال ابن شقيق: فلم يزل في نفسي من ذلك شيء حتى لقيت أبا هريرة فسألته فصدّقه"(47). 12- ما رواه عبد الرزاق بن همّام من الأحاديث(48): 47- قال عبد الرزاق في (جامعه): "أنبأنا ابن جريح، عن عمرو بن شعيب قال: قال عبد الله بن عمر: جمع لنا رسول الله(صلى الله عليه و آله) مقيماً غير مسافر بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، فقال رجل لابن عمر: لِمَ ترى النبي (صلى الله عليه و آله) فعل ذلك؟ قال: لئلا يحرج أمته أن جمع رجل". نقله عن عبد الرزاق الشيخ علي المعروف بالمتَّقي الهندي في (كنز العمال) ج4/242 برقم 5078، كما نقله عنه أيضاً الحافظ احمد بن محمد بن الصديق الغماري في كتابه (إزالة الخطر) ص88. وحكاه عن عبد الرزاق أيضاً الشوكاني في (نيل الأوطار) ج3/217 بقوله: وابن عمر ممن روى جمعه صلى الله عليه وسلم بالمدينة كما أخرج ذلك عبد الرزاق عنه. 13- ما رواه البزار من الأحاديث(49): 48- قال البزار في (مسنده) عن أبي هريرة قال: "جمع رسول الله(صلى الله عليه و آله) بين الصلاتين بالمدينة من غير خوف". نقله عنه الحافظ أحمد بن محمد بن الصديق الغماري في كتابه (إزالة الخطر) ص87، وقال معلقاً على الحديث" "وفيه عثمان بن خالد الأموي وهو ضعيف، لكنه في (صحيح مسلم) من رواية عبد الله بن شقيق، عن ابن عباس. وفيه قال عبد الله بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء فأتيت أبا هريرة فسألته فصدق مقالته". أقول: إذاً يكون حديث شقيق مقوياً لحديث عثمان بن خالد الأموي الذي رواه البزار ونقله عن البزار صاحب كتاب (قرة العين في الجمع بين الصلاتين) ص7، كما وقد أشار إلى حديث أبي هريرة أيضاً الترمذي في (سننه) باب الجمع بين الصلاتين، بقوله: "وفي الباب عن أبي هريرة". 14- ما رواه أبو بكر الخلال من الأحاديث(50): 49- قال أبو بكر الخلال: "حدثنا إسحاق بن خالد البالسي، قال: حدثنا حفص بن عمر العدني، حدثنا مالك بن أنس، حدثنا جعفر بن محمد (أي الصادق (عليه السلام)) عن أبيه عن جده قال: جمع رسول الله(صلى الله عليه و آله) بين الظهر والعصر في المدينة فصلّى ثمانياً، وبين المغرب والعشاء فصلّى سبعاً. قال مالك: في ليلة مطيرة". نقله عن الخلاّل الحافظ الغماري في كتابه (إزالة الخطر) ص84 وعلق على سند الحديث بما يلي: "قلت: هذا السند لا بأس به يكتب به في الشواهد، فالبالسي ذكره ابن حبّان في الثقات، والعدني وثقه جماعة، وقال آخرون: فيه لين". 50- ورواه عن علي (عليه السلام)، ابن المظفر في (البيان) كما في (نيل الأوطار) قال بما نصه: "ورواه ابن مظفر في (البيان) عن علي(عليه السلام)، وزيد بن علي، والهادي"(51). 15- ما رواه الطحاوي الحنفي من الأحاديث(52): 51- قال الطحاوي في (معاني الآثار): "حدثنا محمد بن خزيمة، وابن أبي داود، وعمران بن موسى الطائي، قالوا: حدثنا الربيع بن يحيى الأشناني، قال: حدثنا سفيان الثوري، عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: جمع رسول الله (صلى الله عليه و آله) بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة للرخص من غير خوف ولا علة". نقل هذا الحديث بهذا النص الحافظ الغماري في كتابه (إزالة الخطر) ص84، كما نقل حديثاً آخر عن (حلية الأولياء) لأبي نعيم الأصفهاني بسنده المنتهي إلى الربيع بن يحيى، عن سفيان الثوري، عن محمد بن المنكدر، عن جابر (وسيأتيك نصه). وعلق على سند الحديثين بقوله: "قلت: هذا سند على شرط البخاري، فالربيع بن يحيى روى له البخاري في (الصحيح)، قال الذهبي: صدوق، وقد قال أبو حاتم مع تعنته: ثقة ثبت…". وقال صاحب كتاب (قرة العين) ص7: "وذكر إبراهيم بن خالد العلفي أن الطحاوي روى بسند صحيح عن جابر قال: جمع رسول الله (صلى الله عليه و آله) بين الظهر والعصر بالمدينة للرخص من غير خوف ولا علة. قال ففيه دلالة قوية لأنه صريح بأن الجمع كان للترخيص من غير خوف ولا علة. ومما يؤيد ذلك قوله تعالى:) وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ( وقوله (صلى الله عليه و آله): بُعثت بالحنفية السهلة السمحة". 52- وروى الطحاوي في (شرح معاني الآثار) فقال: "حدثنا ربيع الجيزي، حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، حدثنا داود بن قيس الفراء عن صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس قال: جمع رسول الله(صلى الله عليه و آله) بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في غير سفر ولا مطر". نقله الحافظ الغماري في (إزالة الخطر) ص115، وعلق على سنده بما نصه: وهذا أيضاً سند صحيح، فأن صالحاً ثقة حجة. 53- وروى الطحاوي أيضاً من طريق حجاج، عن حماد، حديث عبد الله بن شقيق الذي قال فيه: خطبنا ابن عباس بالبصرة…وفيه تصديق أبي هريرة(53). وقد مرّ عن الطحاوي حديث آخر من طريق محمد بن إدريس الشافعي برقم (2). 16- ما رواه الطبراني من الأحاديث(54): 54- روى الطبراني في (المعجم الأوسط) و(الكبير) بسنده عن عبد الله بن مسعود أنه قال: جمع رسول الله (يعني في المدينة) بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، فقيل له في ذلك، فقال(صلى الله عليه و آله) صنعت ذلك لئلا تحرج أمتي". نقله عن الطبراني محمد بن علي الشوكاني في (نيل الأوطار)(55)- باب جمع المقيم، وقال: ذكره الهيتمي في (مجمع الزوائد) عن ابن مسعود ثم قال معلقاً على سند الحديث: وقد ضُعّف بأن فيه عبد القدوس، وهو مندفع لأنه لم يتكلم فيه إلا بسبب روايته عن الضعفاء، وتشيعه. والأول غير قادح باعتبار ما نحن فيه إذ لم يروه عن ضعيف بل رواه عن الأعمش كما قال الهيتمي. والثاني ليس بقدح معتد به ما لم يجاوز الحد المعتبر ولم ينقل عنه ذلك. على أنه قد قال البخاري: أنه صدوق. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وقد استدل بحديث الباب القائلون بجواز الجمع مطلقاً بشرط أن لا يتخذ ذلك خلقاً وعادة. قال في (الفتح): وممن قال به ابن سيرين، وربيعة، وابن المنذر، والقفال الكبير. وحكاه الخطابي عن جماعة من أصحاب الحديث. وقد رواه في (البحر) عن الإمامية، والمتوكل على الله أحمد بن سليمان، والمهدي أحمد بن الحسين، ورواه ابن مظفر في (البيان) عن علي (عليه السلام)، وزيد بن علي، والهادي، وأحد قولي الناصر، وأحد قولي المنصور بالله… ونقل حديث الطبراني عن ابن مسعود أيضاً الحافظ الغماري في كتابه (إزالة الخطر) ص87، وقوّى رجال سنده ووثقهم حيث قال: وفيه عبد الله ابن عبد القدوس، وثقه ابن حباّن، ومحمد بن عيسى بن الطباع… وهذا الحديث لم يروه عن ضعيف، بل رواه عن الأعمش وهو ثقة، فيكون الحديث حسناً لا سيما مع شواهده. ونقله عن الطبراني أيضاً الزرقاني في (شرح موطأ مالك) وقال معلقاً على الحديث: "وإرادة نفي الحرج تقدح في حمله على الجمع الصوري، لأن القصد إليه لا يخلو عن حرج"(56). ونقله عن الطبراني في (الأوسط) و(الكبير) وعن الهيتمي في (مجمع الزوائد)، الحافظ حامد بن حسن اليماني في كتابه (قرة العين في الجمع بين الصلاتين) ص8. 55- وروى الطبراني في (معجمه الصغير) قال: "حدثنا محمد بن الحسن ابن هارون الموصلي، حدثنا محمد بن عمار الموصلي، حدثنا عمر بن أيوب، عن معاذ بن عقبة، عن زياد بن سعد، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن النبي (صلى الله عليه و آله) جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء"(57). 17- ما رواه أبو نعيم الأصبهاني من الأحاديث(58): 56- روى أبو نعيم الأصبهاني في (حلية الأولياء وطبقات الأصفياء) قال: "حدثنا عبد الله بن جعفر، قال: حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا حبيب بن زيد الأنماطي قال: حدثنا عمرو بن هرم عن جابر بن زيد: أن ابن عباس جمع بين الظهر والعصر، وزعم أنه صلى مع رسول الله (صلى الله عليه و آله) بالمدينة الظهر والعصر"(59). ورواه عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء. 57- حدثنا الحسن بن محمد بن كيان قال: حدثنا موسى بن هارون قال: حدثنا داود بن عمر قال: حدثنا محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار قال: سمعت أبا الشعثاء يقول: قال ابن عباس: صلى رسول الله(صلى الله عليه و آله) ثمان ركعات جميعاً، وسبع ركعات جميعاً، من غير مرض ولا علة. 58- ورواه معمر، وروح بن القاسم، وحماد بن زيد بن عمرو مثله. 59- وقال أبو نعيم في (الحلية): "حدثنا فاروق الخطابي، حدثنا هشام بن علي السيرافي، وحدثنا علي بن الفضل بن شهريار المعدل، وحدثنا محمد بن أيوب الرازي، قال: حدثنا الربيع بن يحيى الأشناني، حدثنا سفيان الثوري عن محمد بن المنكدر عن جابر (أي أبن عبد الله الأنصاري) أن النبي (صلى الله عليه و آله) جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة، وأراد الرخصة على أمته". نقل هذا الحديث عن (حلية الأولياء) الحافظ احمد بن محمد بن الصديق الغماري في كتابه (إزالة الخطر) ص85، وقال معلقاً على سند الحديث: قلت: هذا سند على شرط البخاري فالربيع بن يحيى روى له البخاري في (الصحيح) قال الذهبي: صدوق، وقد قال أبو حاتم مع تعنته: ثقة ثبت. 60- قال أبو نعيم في (الحلية): "حدثنا أبو محمد بن حيان، حدثنا مهران الرازي، حدثنا يزيد بن مخلد، حدثنا إسحاق الأزرق، حدثنا سفيان الثوري عن أبي الزبير عن جابر: أن النبي (صلى الله عليه و آله) جمع بين الظهر والعصر بالمدينة من غير سفر ولا خوف، وبين المغرب والعشاء". نقله في (إزالة الخطر) ص86 عن (الحلية) وعلق عليه بقوله: فكيفما دار الحال فالحديث صحيح. 61- قال أبو نعيم في (الحلية): "حدثني أبي في جماعة قالوا: حدثنا محمد بن نصير، حدثنا إسماعيل بن عمرو الجبلي، حدثنا الثوري عن أبي الزبير عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جمع رسول الله(صلى الله عليه و آله) بين الظهر والعصر في غير مطر ولا خوف. فقيل لابن عباس لِمَ فعل ذلك؟ قال: أراد ألا يحرج أمته". نقله عن (الحلية) الحافظ الغماري في (إزالة الخطر) ص115. 18- ما رواه أبو بكر البرديجي من الأحاديث(60): 62- قال الحافظ أبو بكر البرديجي: "حدثنا إسحاق بن إبراهيم الشيرازي، حدثنا جدي سعد بن الصلت، حدثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جمع رسول الله (صلى الله عليه و آله) بين الظهر والعصر من غير خوف ولا مطر، فقيل لابن عباس: ولِمَ فعل ذلك؟ قال: لكي لا يحرج أمته". رواه الخطيب(61). 19- ما رواه احمد بن عيسى من الأحاديث(62): 63- قال احمد بن عيسى بن زيد في (الأمالي): "حدثنا محمد بن جميل، عن ابن أبي يحيى عن صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس، قال: جمع رسول الله (صلى الله عليه و آله) بالمدينة من غير خوف ولا مرض، وقال ابن عباس: أراد التوسعة لأمته"(63). 64- وقال في (الأمالي): "حدثنا محمد بن العلاء أبو كريب، عن حفص، عن الأعمش، عن شقيق قال: شهدت ابن عباس خطب على المنبر فبدأ بالخطبة ثم نزل فجمع بين الظهر والعصر"(64). 20- ما رواه البيهقي من الأحاديث(65): روى البيهقي في (السنن الكبرى) ج3 ص166-169 بعنوان – باب الجمع بين الصلاتين - اثني عشر حديثاً بأسانيد عديدة وطرق كثيرة عن مالك ابن أنس، والشافعي، وسفيان بن عيينة، وزهير بن معاوية، وحمّاد بن سلمة، وهشام بن سعد، وقرة بن خالد، والأعمش، وحمّاد بن زيد، وعبد الله بن شقيق العقيلي وغيرهم. والعجب منه أنه عنون تلك الأحاديث بعنوان – باب الجمع في المطر بين الصلاتين - مع إنه لم يرد ولا في واحد من أحاديثه نص عن صحابي أن رسول الله جمع بين الصلاتين في المطر بل بالعكس حيث جاء في بعض تلك الأحاديث أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر، وأن الراوي قال: قلت لابن عباس: لِمَ فعل ذلك؟ قال: كي لا يحرج أمته، نعم لما ذكر حديث مالك بن أنس في – الموطأ - من أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) صلّى الظهر والعصر جميعاً والمغرب والعشاء جميعاً في غير خوف ولا سفر ذكر تعليق مالك على الحديث إنه قال: أرى ذلك كان في مطر، ومن هنا تعقبه علاء الدين علي بن عثمان المارديني في (الجوهر النقي) في تعليقه على سنن البيهقي المطبوع في ذيله بما نصه: باب الجمع في المطر ذكر فيه عن ابن عباس جمعه(صلى الله عليه و آله) بالمدينة في غير خوف ولا سفر ثم قال مالك: أرى ذلك كان في مطر. قلت: ينفي ما ذكره بعد في هذا الباب وعزاه إلى مسلم (عن ابن عباس إنه(صلى الله عليه و آله) جمع بالمدينة من غير خوف ولا مطر) وقال ابن المنذر لا معنى لحمل الأثر على عذر من الأعذار لأن ابن عباس أخبر بالعلة فيه وهو قوله: أراد أن لا يحرج أمته. ثم أن مالك لم يجز الجمع بين الظهر والعصر بعذر المطر فترك ما تأول هو حديث ابن عباس عليه.
ما رواه علماء الشيعة من أحاديث الجمع المطلقة 1- عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: "أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) صلّى الظهر والعصر في مكان واحد من غير علة ولا سبب، فقال له عمر – وكان أجرأ القوم عليه: أَحدثَ في الصلاة شيء؟ قال: لا، ولكن أردت أن أوّسع على أمتي"(66). 2- عن عبد الملك القمي، عن أبي عبد الله قال: "قلت أجمعُ بين الصلاتين من غير علة؟ قال: قد فعل ذلك رسول الله(صلى الله عليه و آله) وأراد التخفيف على أمته أو عن أمته"(67). 3- عن زرارة عن أبي عبد الله قال: "صلّى رسول الله(صلى الله عليه و آله) بالناس الظهر والعصر حين زالت الشمس في جماعة من غير علة، وصلى بهم المغرب والعشاء الآخرة قبل سقوط الشفق من غير علة في جماعة، وإنما فعل ذلك رسول الله (صلى الله عليه و آله) ليتسع الوقت على أمته"(68). 4- عن عبد الله بن سنان عن الصادق (عليه السلام): "أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) جمع بين الظهر والعصر بأذان وإقامتين، وجمع بين المغرب والعشاء في الحضر من غير علة بأذان وإقامتين"(69). 5- وعن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): "أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) جمع بين الظهر والعصر بأذان وإقامتين وجمع بين المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين"(70). 6- عن صفوان، عن منصور، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: "سألته عن صلاة المغرب والعشاء يُجمع (بينهما)؟ فقال: بأذان وإقامتين لا تصلّ بينهما شيئاً، هكذا صلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) "(71). 7- عن زرارة، عن أبي عبد الله قال: "صلّى رسول الله (صلى الله عليه و آله) بالناس الظهر والعصر حين زالت الشمس في جماعة من غير علة"(72). 8- عن إسحاق بن عمار، قال: "سألت أبا عبد الله (عليه السلام) يجمع بين المغرب والعشاء في الحضر قبل أن يغيب الشفق من غير علة؟ قال: لا بأس"(73). 9- حدثنا علي بن عبد الله الوراق، وعلي بن محمد بن الحسن القزويني قالا: حدثنا سعد بن عبد الله قال: حدثنا العباس بن سعيد الأزرق قال: حدثنا زهير بن حرب عن سفيان بن عُيينة عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "جمع رسول الله (صلى الله عليه و آله) بين الظهر والعصر من غير خوف ولا سفر فقال: أراد أن لا يحرج على أحد من أمته"(74). 10- وبالإسناد عن العباس الأزرق، عن ابن عون بن سلام الكوفي، عن وهب بن معاوية الجعفي عن أبي الزبير مثله(75). 11- وبالإسناد عن سعد بن عبد الله، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن أبي خلف، قال: حدثنا أبو يعلى بن الليث –والي قم- قال: حدثنا عون بن جعفر المخزومي، عن داود بن قيس الفراء، عن صالح مولى التوأمة عن ابن عباس : "أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء من غير مطر ولا سفر، قال: فقيل لابن عباس: ما أراد به؟ قال: أراد التوسع لأمته"(76). 12- وبالإسناد عن زهير بن حرب، عن إسماعيل بن عليّة، عن ليث عن طاووس، عن ابن عباس أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في السفر والحضر(77). 13- وبالإسناد عن العباس بن سعيد الأزرق، عن سويد بن سعيد الأنباري، عن محمد بن عثمان، عن الجمحي، عن الحكم بن أبان، عن عِكرمة، عن ابن عباس وعن نافع عن عبد الله بن عمر قالا: "أن النبي (صلى الله عليه و آله) صلّى بالمدينة مقيماً غير مسافر جمعاً وتماماً"(78). 14- عن محمد بن مسلم عن أحدهما أنه قال في حديث: "أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) صلّى الهاجرة والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء الآخرة جميعاً، وكان يؤخر ويقدم، أن الله تعالى قال: ) إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا( إنما عنى وجوبها على المؤمنين ولم يعن غيره، أنه لو كان كما يقولون لم يصلّ رسول الله (صلى الله عليه و آله) هكذا، وكان أخبر وأعلم"(79).
بيان مهم حول أحاديث الجمع المطلقة عزيزي – المطالع الكريم - هذه بعض أحاديث الجمع بين الصلاتين المطلقة. وقد علمت أنها أحاديث ثابتة عن الرسول الأعظم(صلى الله عليه و آله) حيث قد أعترف بها ورواها أئمة المذاهب الأربعة، والصحاح الستة، وسائر كتب السنن والمسانيد والتفسير والتاريخ. وقد نص علماء الجرح والتعديل، وشرّاح الصحاح والسنن على صحتها ووثاقة رجال أسانيدها. وقد رواها جمع من الصحابة والقرابة وفي طليعتهم عليّ أمير المؤمنين(عليه السلام) الذي يقول فيه الصادق الأمين (صلى الله عليه و آله): "علي مع الحق والقرآن، والحق والقرآن مع علي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض"(80) وكذلك عبد الله بن عباس حبر الأمة وعالمها وابن عم نبيها، وأحاديثه في الجمع مطلقاً ثابتة بإجماع الأمة، ومنصوص على صحتها، وكذلك رواها جابر بن عبد الله الأنصاري، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وأبو أيوب الأنصاري، وأبو هريرة، ومعاذ بن جبل. فهؤلاء ثمانية من الصحابة والقرابة رووا هذه السنة فيما أوقفناك عليه فراجع. كما رواها أيضاً شيعة أهل البيت عنهم “، وعن غيرهم بطرق صحيحة كما مر قريباً وذكرنا أحاديثهم بحذف الإسناد حذراً من الإطالة. وهنا تأخذك الدهشة والعجب فتقول سائلاً، وحقاً لك أن تسأل، لأن السؤال هنا يفرض نفسه بنفسه، فتقول: لما كان ذلك كما مر إذاً كيف وسعهم رد هذه السنة وعدم قبولها بعد أن رَووها ونصوا على صحتها وثبوتها؟! ولمَ لم يعملوا بها؟، والعمل بها سائغ بل ومطلوب، لا سيما وأن هذه السنة مؤيدة بالكتاب في كل آياته التي تستعرض أوقات الصلوات، وأن النبي وصحابته قد صرحوا بأن في هذا الجمع وإقامة هذه السنة رفعاً للحرج عن الأمة وتوسعة لهم، فلمَ إذاً لم يرحبوا بهذه الرحمة ويتقبلوا هذه التوسعة وهي من صالحهم؟! الجواب على هذه الأسئلة لا يخفى على النابه البصير.. وسبب الخلاف (في رأيي) يعود إلى السلطات القائمة سابقاً، كالسلطة الأموية في الصدر الأول، والسلطة العباسية في الصدر الثاني، والناس (كما قيل) على دين ملوكهم. ولكن الذي يفرضه العلم علينا أن نذكر هنا شُبهَهم في هذه السنة الثابتة وتأويلاتهم لها، ثم نمعن النظر فيها بعد ذلك على ضوء اليقين والهدى، لنراها هل هي شُبَه أم حقائق؟ وهل تأويلاتهم لها صحيحة ومقبولة، أم فاسدة ومردودة؟، والحكم بعد ذلك لك أيها المطالع الكريم. الشُبَه والتأويلات حول أحاديث الجمع المطلقة ونقضها(81): 1- ردَّ قوم هذه السنة الصحيحة الثابتة بأنها منسوخة بأحاديث المواقيت الخمسة الظاهرة في أن لكل صلاة وقتاً خاصاً، المروية عن عبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبي هريرة وغيرهم. 2- وردَّ قوم منهم هذه السنة بأنها معارضة بالآية (103) من سورة النساء في قوله تعالى:) فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا( . 3- وردَّ قوم منهم هذه السنة بأنها معارضة بالحديث الذي رواه ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه و آله) أنه قال: (من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى باباً من أبواب الكبائر). 4- ورد قوم هذه السنة بأنها معارَضة بالإجماع على تركها، والإجماع حجة. 5- وتوهم البعض – من عوام الناس- في أن نسبة كل صلاة إلى وقت خاص يدل على معارضة هذه السنة ولزوم التفريق بين الصلاتين. 6- وقال آخرون: إن هذه السنة لما كانت مخالفة لأحاديث المواقيت الخمسة الظاهرة في أن لكل صلاة وقتاً خاصاً، والدالة على التفريق بين الصلاتين، فيجب إذاً تأويلها. ..وهنا نذكر لك بعض تأويلاتهم، منها: 7- تأويلهم: إن الجمع من النبي(صلى الله عليه و آله) كان في حالة المطر. 8- وقيل: إنه كان في غيم فصلّى الظهر، ثم انكشف الغيم وظهر أن وقت العصر قد دخل فصلاها فيه. 9- وقيل: إن الجمع كان في حالة المرض. 10- وقيل: إن الجمع كان خاصاً بمسجد النبي(صلى الله عليه و آله) لفضله. 11- وقيل: إن الجمع كان لعذر، من خوف أو مرض أو مطر أو وَحل أو برد أو غير ذلك من الأعذار التي تعيق الإنسان عن التفريق، أو لمطلق الأعذار. 12- وقيل: إنه لم يجمع لشيء من ذلك كله، بل جمع للرخصة ورفع الحرج، ولكنه كان جمعاً صورياً، بمعنى أنه أخر الظهر إلى أن بقي من وقتها مقدار ما صلاّها فيه ثم سلّم منها، وقد دخل وقت العصر فصلاها في أول وقتها فكان جمعاً في الفعل والصورة لا في الوقت الواحد للصلاة الواحدة. هذه أهم شبههم وتأويلاتهم لأحاديث الجمع ولنا حق النظر فيها، ولكننا نترك النظر فيها لأهل السنة أنفسهم غالباً إلا ما يلزمنا التنبيه عليه، وقد قيل: سعيد من اكتفى بغيره. وقيل أيضاً: من فمك أدينك. 1- نقض شبهة النسخ: أمّا مَن زعم أن أحاديث الجمع منسوخة بأحاديث المواقيت فقد رده عليه ونقضه الحافظ أحمد بن محمد بن الصديق الغماري، وهو من أكابر شيوخ أهل السنة وحفاظهم وأعاظم مؤلفيهم(82) حيث قال في كتابه (إزالة الخطر) ص95 بما نصه: "أما من زعم أنه منسوخ بأحاديث المواقيت فقد قال الكذب، وادعى ما لا علم له به ولا برهان له عليه، فإن النسخ لا يثبت بمجرد الدعوى والتقوّل على النصوص الشرعية بلا دليل ولا برهان، ولو كان ذلك كذلك لادّعى كل من شاء إبطال نص وردَّ العمل به: إنه منسوخ، ولعارضه خصمه: بأنه ناسخ وأن دليله هو المنسوخ، فتصير الأدلة الشرعية كلها منسوخة وناسخة، وفي هذا من التناقض والفساد ما يكفي في الزجر عن ادعاء النسخ بغير دليل ولا برهان(83)… أما مدعي النسخ في – خصوص - هذا الحديث فقد ضمَّ إلى التلاعب بنصوص الشريعة وأدلتها جهلَه بأصول الفقه، وأحكام الناسخ والمنسوخ، إذ لا يختلف اثنان أن المنسوخ هو المتقدّم والناسخ هو المتأخر الدال على رفع الحكم السابق، وأحاديث المواقيت هي المتقدمة السابقة عند فرض الصلوات بمكة قبل الهجرة، وحديث الجمع المتأخر اللاحق بالمدينة في آخر أيامه (صلى الله عليه و آله) لأن أبا هريرة أحد من شهد ذلك الجمع معه(صلى الله عليه و آله) وما أسلم إلا في السنة السابعة من الهجرة، فلو عكس مريد ذلك وادّعى نسخ أحاديث المواقيت بحديث الجمع بالمدينة لكانت دعواه هي الموافقة لإحدى إمارات النسخ وهي تأخر النص في الزمان عن معارضه، ولكن ذلك لا يصار إلا عند تعذر الجمع بين النصوص وعدم إمكان العمل بالدليلين ولو بضرب من التأويل، وهنا لا تعارض بين أحاديث المواقيت وحديث الجمع كما سنبينه إن شاء الله تعالى، فلا نسخ والحمد لله بل كل من الدليلين مُحكم معمول به"..الخ. ..نعم، لا تعارض بين أحاديث المواقيت الخمسة وأحاديث الجمع المطلقة، لأن أحاديث المواقيت هدفها بيان أوقات الصلوات المفضلة وهي خمسة، وأحاديث الجمع هدفها بيان سعة الأوقات المجزية، ورفع الضيق والحرج وهي ثلاثة كما نص عليها القرآن المجيد، وقد أثبتنا ذلك كله في المقارنة الخامسة وبيّنا الحقيقة وقرائنها الدالة عليها، وقارنا هناك بين فتاوى المذاهب الأربعة في أوقات الصلوات وبين أحاديث المواقيت وظهر لكل ذي عينين أو أذنين أن أحاديث المواقيت هدفها بيان وقت الفضيلة حتى عند المذاهب الأربعة فراجعها فإنها مهمة جداً. والخلاصة: لا نسخ ولا تعارض والشبهة ساقطة من أصلها، وبذلك اتضح لنا أن أهل البيت “ مع السنة النبوية كما هم مع الكتاب (لن يفترقا) فاتبعهم. 2- نقض شبهة المعارضة بالآية (103) من سورة النساء: أما من أدّعى أن الجمع بين الصلاتين معارَض بقوله تعالى: ) فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا( حيث قالوا: قوله (موقوتاً) يعني أن لكل صلاة وقتاً معيناً خاصاً بها دون غيرها، فلذلك لا يجوز الجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما، واستندوا بذلك على قول زيد بن أسلم: ) إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا( قال: مُنجّماً كلما مضى وقت جاء وقت(84). والحقيقة أنه ليست في هذه الآية دلالة –لا من قريب ولا من بعيد- على وجوب التفريق بين الصلاتين واختصاص كل واحدة منهما بوقت خاص، ولا فيها أية معارضة أيضاً لأحاديث الجمع بينهما كما لا معارضة في قول زيد بن أسلم ومن قال بقوله من الجمهور، وبيان ذلك من جهتين: أولاً - إن الآية في سياقها لم تكن بصدد تعيين أوقات الصلوات أصلاً، بل الظاهر أن هدفها بيان الصلاة مفروضة ثابتة لا تسقط بحال من الأحوال، ولا تُبدل بشيء آخر كما يبدل الصوم مثلاً بالفدية، وهذا هو الذي يلائم ما سبقها من الآيات التي بينت كيفية صلاة المسافرين، وصلاة الخائفين، ثم أمرت بإقامة الصلاة عند الاطمئنان فيكون المراد من قوله تعالى بعد ذلك: ) كِتَابًا مَوْقُوتًا( أي فرضاً ثابتاً لا يسقط بحال، ولا يقوم شيء آخر مقامه. وهذا المعنى لم نقل به لمجرد السياق فحسب، بل جاء مؤيداً ومستفيضاً في روايات عديدة ثابتة عند أهل بيت العصمة“، كما نفوا (بكل صراحة) كون المراد من قوله:) مَوْقُوتًا( بأن لكل صلاة وقتاً مُعيّناً تصلى فيه. وإليك بعض تلك الروايات الواردة عنهم“: 1- عن محمد بن مسلم، عن أحدهما (عليه السلام) قال في جملة حديث له: "أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) صلى الهاجرة والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء الآخرة جميعاً، وكان يؤخر ويقدم، أن الله تعالى قال:) إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا( إنما عنى وجوبها على المؤمنين ولم يعن غيره، إنه لو كان كما يقولون لم يصلّ رسول الله هكذا، وكان أعلم وأخبر"(85). 2- عن زرارة قال: "سألت أبا جعفر(عليه السلام) عن هذه الآية:) إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا( فقال: إن للصلاة وقتاً، والأمر فيه واسع يُقدّم مرة ويُؤخَر مرة، إلا الجمعة فإنما هو وقت واحد، وإنما عنى الله (كِتَابًا مَوْقُوتًا) أي واجباً يعني أنها الفريضة"(86). 3- وعن زرارة عن أبي جعفر:) إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا( . قال: لو أنها في وقت لا تقبل إلا فيه كانت مصيبة، ولكن متى أديتها فقد أديتها(87). 4- وعن زرارة عن أبي جعفر في قول الله عز وجل) إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا( أي موجباً(88). 5- عن منصور بن خالد قال: "سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: "إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا( قال: لو كان موقوتاً كما يقولون لهلك الناس، ولكان الأمر ضيقاً، ولكنها كانت على المؤمنين كتاباً موجوباً"(89). 6- عن داود بن فرقد، قال: "قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): قوله تعالى: "إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا( ؟ قال: كتاباً ثابتاً…"(90). 7- عن عبد الحميد بن عواض، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: "الله قال: ) إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا( قال: إنما عنى وجوبها ولم يعن غيره"(91). 8- عن عبيد عن أبي جعفر، أو أبي عبد الله (عليه السلام) قال: "سألته عن قول الله ) إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا( قال: كتاب واجب، أما إنه ليس مثل وقت الحج، ولا رمضان إذا فاتك فقد فاتك، وأن الصلاة إذا صليت فقد صليت"(92). هذه بعض أحاديث أهل البيت“ في أن المراد من قوله تعالى (موقوتاً) أي موجوباً ومفروضاً وثابتاً، وهناك روايات أخرى وردت عنهم“ في هذا المعنى، وفيما ذكرناه كفاية.وهذا المعنى قد ورد أيضاً من طرق أهل السنة، وإليك بعض رواياتهم في ذلك بنصوصها. 1- أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله تعالى:) إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا( يعني مفروضاً(93). 2- وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: الموقوت الواجب(94). 3- وأخرج عبد بن حميد، وأبن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد:) كِتَابًا مَوْقُوتًا( قال: مفروضاً(95). 4- وأخرج عبد بن حميد، وأبن جرير، وابن المنذر، عن الحسن:) كِتَابًا مَوْقُوتًا( قال: كتاباً واجباً(96). 5- وقال أبن كثير الدمشقي في تفسيره ما نصه: "وقوله تعالى:) إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا( قال ابن عباس: مفروضاً"(97). ثانياً – لو أعرضنا عن مجموع هذه الروايات الواردة من طرق الفريقين، وقلنا - استناداً إلى ظاهر لفظ (موقوتاً) -: إن المراد منه أن للصلاة وقتاً تؤدى فيه، ولكن هل عينت هذه الآية وجوب التفريق في تلك الأوقات؟ وهل نصت على أن لكل صلاة وقتاً واحداً تؤدي فيه، حتى تكون الآية معارضة لأحاديث الجمع، ومؤيدة لأحاديث التفريق؟! وهل هناك خلاف بين المسلمين أجمعين في أن للصلاة وقتاً تؤدي فيه؟!! الجواب عن هذه الأسئلة: لا، قطعاً. فإذاً أين الحجة في الآية؟ وما وجه الاستدلال بها على وجوب التفريق وعدم جواز الجمع؟ وما وجه الاستدلال بقول زيد بن أسلم: (موقتاً) أي منجماً؟ قال الفخر الرازي عند تفسير الآية من تفسيره (مفاتيح الغيب): "واعلم أنه تعالى بيّن في هذه الآية أن وجوب الصلاة مقدّراً بأوقات مخصوصة، إلا أنه أجمل ذكر الأوقات هاهنا وبينها في سائر الآيات وهي خمسة"(98). نعم، بينت سائر الآيات أوقات الصلوات وهي إحدى عشرة آية من سبع سور من القرآن، لا خمس آيات كما قال الرازي، ومفاد تلك الآيات أن أوقاتها ثلاثة لا خمسة، ولذلك قد دلت دلالة واضحة على جواز الجمع بين الصلاتين، وأنه لا مانع منه، فراجعها تحت عنوان (مواقيت الصلاة في القرآن). وبهذا علمنا أن هذه الشبهة ساقطة من أصلها كسقوط شبهة النسخ السابقة. وبذلك أتضح لنا أن أهل البيت “ مع السنة النبوية كما هم مع الكتاب (لن يفترقا) فاتبعهم. 3- نقض شبهة، "مَن جمع بين الصلاتين من غير عذرٍ فقد آتى باباً من أبواب الكبائر": أما من أدعى معارضة أحاديث الجمع المطلقة بالحديث الذي رووه عن ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه و آله) أنه قال: (من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى باباً من أبواب الكبائر) فهو من الأحاديث الموضوعة قطعاً، وقد نسب إلى ابن عباس ثم إلى النبي(صلى الله عليه و آله) نسبة كذب وزور بلا ريب. وذلك لأن الحديث ساقط وباطل من ناحيتي، السند، والمتن. أما سنده فقد طعن فيه كل من رواه وغيرهم من علماء الحديث وشراحه، وعلماء الجرح والتعديل، من أهل السنة أنفسهم. وبيان ذلك نقول: أولاً- رواه الترمذي في (سننه) قال: "حدثنا أبو سلمة يحيى بن خلف البصري، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن حنش، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي(صلى الله عليه و آله) قال: من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى باباً من أبواب الكبائر"(99). ثم قال الترمذي بما نصه: حنش هذا هو أبو علي الرَحبَي، وهو (حنش بن قيس) وهو ضعيف عند أهل الحديث، ضعّفه احمد وغيره. وقال الشارح – لسنن الترمذي - احمد محمد شاكر عند شرحه للحديث بما نصه: حنش بالحاء المهملة والنون المفتوحتين والشين المعجمة، وهو لقب له، واسمه (حسين بن قيس الرحبي) بالراء والحاء المهملتين المفتوحتين والباء الموحدة، نسبة إلى (رحبة بن زرعة) وهو حنش بن قيس. ثم قال الشارح: حنش ضعيف جداً. قال البخاري: أحاديثه منكرة ولا يُكتب حديثُه. وقال العقيلي في حديثه: من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى باباً من أبواب الكبائر، لا يُتابع عليه، ولا يُعرف إلا به، ولا أصل له، وقد صح عن ابن عباس: أن النبي(صلى الله عليه و آله) جمع بين الظهر والعصر..الحديث. ثانياً- رواه الدار قطني بسنده كما نقله عنه الحافظ الغماري، ثم نقل قوله بما نصه: حنش هو أبو علي الرحبي، متروك(100). ثالثاً- رواه البيهقي بسنده، كما نقله عنه الحافظ الغماري، ثم نقل قوله بما نصه: تفرّد به حسين بن قيس أبو علي الرحبي المعروف بحنش، وهو ضعيف عند أهل النقل لا يحتج بخبره(101). رابعاً- ورواه الحاكم في (المستدرك)(102) ولكنه قد شذّ عن كافة علماء الحديث والجرح والتعديل من سلفه/ حيث قد انفرد بتوثيق حنش فقال بعد روايته لحديثه: حنش بن قيس الرحبي، يقال له أبو علي، من أهل اليمن، سكن الكوفة، ثقة. ولذلك تعقبه الذهبي في (تلخيص المستدرك) فقال بما نصه: "قلت: بل ضعّفوه". خامساً - ونقل الحديث عن هذه المصادر السابقة الحافظ الغماري، وقد ردّه من وجوه أربعة، نذكر الوجه الأول منها فقط: "الوجه الأول - أن الحديث ساقط لا يجوز العمل به لمعارضته للحديث المجمع على صحته. فقد قال العقيلي: لا أصل له. وقال ابن الجوزي: إنه موضوع لأنه من رواية حسين بن قيس الملقب بحنش. وقد كذبه احمد وقال مرة: متروك. وقال أبو زرعة وابن معين: ضعيف. وقال البخاري: أحاديثه منكرة جداً ولا يكتب حديثه. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال مرة: ليس بثقة. وقال الدار قطني: متروك. وقال مسلم: منكر الحديث. وقال الساجي: ضعيف الحديث متروك يحدّث بأحاديث بواطيل. وقال ابن حبّان: كان يقلّب الأخبار ويلصق رواية الضعفاء بالثقاة، وتكلم فيه آخرون أيضاً"(103). وقال أبو الفضل المقدسي في (تذكرة الموضوعات) ص90، وشمس الدين في (ميزان الاعتدال) ج1/255، وجلال الدين السيوطي في (اللئالي المصنوعة) ج2/13، قالوا جميعاً الحسين بن قيس الملقب بحنش كذاب، أحاديثه منكرة جداً، لا يكتب حديثه(104). فهذا واحد من رجال سند هذا الحديث، وقد علمت حاله، وهو المتهم بوضعه. والثاني من رجال سنده عكرمة المكنى بأبي عبد الله أصله من البربر ومن أهل المغرب وهو مولى ابن عباس. راجع ترجمته مفصلة في (ميزان الاعتدال) لشمس الدين الذهبي ج2/208 تحت رقم 1639، وباختصار في (تذكرة الحفاظ) للذهبي أيضاً ج1/90، لتعلم أن علماء الجرح والتعديل متفقون على أن عكرمة من الخوارج المعادين لأمير المؤمنين، والخارجين عن الدين، وأنه كان كذاباً، وأنه كان يكذب على ابن عباس، حتى أن علي بن عبد الله بن عباس أخذه وشده وثاقاً عند باب الكنيف، ولما أُنكر عليه هذا الفعل وقيل له: ألا تتقي الله؟ فقال: إن هذا الخبيث يكذب على أبي. وقد طعن فيه ونص على كذبه كل من ترجمه، كالذهبي في (ميزان الاعتدال) و(تذكرة الحفاظ) والعسقلاني في (فتح الباري) وابن خلكان في (وفيات الأعيان) ج1/346، ط إيران، وياقوت الحموي في (معجم الأدباء) وغيرهم. راجع (الكلمة الغراء) المطبوعة مع (الفصول المهمة) للسيد شرف الدين، الطبعة الرابعة من ص209-212 لتعرف عكرمة جيداً. فهذا سند الحديث. وأما متنه فيشهد بكذبه، لأن متن الحديث: "من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى باباً من أبواب الكبائر" في حين أن الثابت بالإجماع هو أن النبي(صلى الله عليه و آله) نفسه قد جمع بين الصلاتين من غير عذر، فيكون الحديث (على هذا) طعناً في عمل النبي، وأنه حاشاه –قد أتى باباً من أبواب الكبائر عندما جمع بالمدينة من غير خوف ولا مطر ولا مرض ولا علة، ومن غير أن يعجله شيء، ولا يطلبه عدو حسب نصوص الأحاديث المتقدمة فراجعها، وكذلك يكون الحديث طعناً في أصحابه الذين ائتموا به وهذا ما لا يفوه به ) مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ( [سورة البقرة/113] على أن ابن عباس هو الذي روى جمع النبي بين الصلاتين من غير عذر، وحديثه في ذلك هو الثابت بالإجماع، فكيف يناقض ابن عباس حديثه الثابت عنه؟!. هذا ما لا يصدر منه قطعاً. وبذلك اتضح لنا أن أهل البيت “ مع السنة النبوية كما هم مع الكتاب (لن يفترقا) فاتبعهم. 4- نقض شبهة الإجماع: أما من زعم إن الإجماع حاصل على ترك العمل بأحاديث الجمع، وممن أدعى ذلك أو أشار إليه، الترمذي في آخر (سننه) قال: "جميع ما في كتابي هذا من الحديث هو معمول به، وبه أخذ بعض أهل العلم ما خلا حديثين: حديث ابن عباس أن النبي(صلى الله عليه و آله) جمع بين الظهر والعصر بالمدينة، والمغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر. وحديث النبي (صلى الله عليه و آله) أنه قال: إذا شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد في الرابعة فاقتلوه"(105). وظاهر كلام الترمذي أنه لم يعمل بحديث الجمع أحد، ومن هنا تمسك جماعة بحجة الإجماع على ترك هذه السنة. والحقيقة أنه لم ينعقد إجماع على ترك العمل بسنة الجمع بين الصلاتين، ومن هنا ردَّ على الترمذي دعواه ترك العمل بحديث الجمع، كلٌ من عيّاض في (الإكمال)، والنووي في (شرح صحيح مسلم) وسائر شراح الصحاح والسنن وغيرهم حيث قالوا جميعاً: "لكن حديث ابن عباس (أي الجمع بين الصلاتين) ما أجمعوا على ترك العمل به، بل لهم فيه تأويلات.."(106). وقال الشوكاني في (نيل الأوطار) بعد ذكر كلام الترمذي بما نصه: "ولا يخفاك أن الحديث صحيح وترك الجمهور للعمل به لا يقدح في صحته ولا يوجب سقوط الاستدلال به، وقد أخذ به بعض أهل العلم كما سلف، وإن كان ظاهر كلام الترمذي أنه لم يأخذ به أحد، ولكن قد أثبت ذلك غيره، والمثبت مقدم.."(107). وقال الحافظ الغماري في (إزالة الخطر) في رد حجة الإجماع بما نصه: "وأما معارضته بالإجماع وكونه انعقد على خلافه فباطلة (أي حجة باطلة) مردودة بعدم ثبوت الإجماع، فقد قال به ابن عباس وعمل به كما سيأتي من (صحيح مسلم) ووافقه أبو هريرة، وكذلك قال به كثير من أئمة أهل البيت الأقدمين وهو مذهب الشيعة الإمامية بأجمعهم، وقول جماعة من فقهاء الزيدية وأئمتهم، منهم المهدي احمد بن الحسين، والمتوكل على الله احمد بن سليمان، والمنصور بالله في أحد قوليه، والهادي، بل والإمام زيد بن علي في إحدى الروايتين عنهما، واختاره المحقق الجلال منهم، وهو قول ابن سيرين، وربيعة، وابن شبرمة، وأشهب، ومن وافقه من المالكية، وابن المنذر، والقفّال الكبير، وجماعة من أصحاب الحديث. واحتج به الإمامية على اشتراك وقتي الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، وقالوا: إن وقت الظهر يدخل بعد الزوال بمقدار ما تؤدى فيه أربع ركعات الظهر في الحضر، وركعتين في السفر بشرط تقديم الظهر، كما هو أيضاً قول أشهب، وابن القصّار وغيرهما من المالكية فيما حكاه إسماعيل القاضي وابن يونس وغيرهما كما سبق.. وممن قال به أيضاً (أي جواز الجمع) من الحنابلة وأطال في نصرته والاستدلال له ودفع الشبهة عنه ابن تيمية في رسالة له في أحكام الجمع والقصر في السفر"(108). وبذلك اتضح لنا أن أهل البيت “ مع السنة النبوية كما هم مع الكتاب (لن يفترقا) فاتبعهم. 5- نقض شبهة نسبة كل صلاة إلى وقت خاص: ربما يتوهم بعض الناس أن لكل صلاة من الصلوات الخمس وقتاً خاصاً بها، وأنها نسبت إلى ذلك الوقت فيقال: صلاة الظهر، وصلاة العصر، وهكذا المغرب والعشاء والصبح. وذلك يدل على وجوب التفريق بين الصلاتين وإيقاع كل منهما بوقتها المنسوبة إليه. وهذا توهم فاسد لم يصدر من أي إنسان عالم عارف، نعم قد يكون هذا التوهم عند الجاهل البسيط أو الجاهل المركب الذي يدعي العلم ولا يعرفه. ولذا لم تدون هذه الشبهة في الكتب الفقهية لأهل السنة وغيرهم، ولكنها قد تدور على ألسن البعض من عوام الناس أو يلقيها البعض (ممن يروق له تفريق كلمة المسلمين) على أذهان السذج من الناس، ولذا رأينا أن نستعرض هذه الشبهة ونبين الحقيقة في ذلك. وإليك البيان: أولاً- المعلوم بالضرورة عند المسلمين أجمعين أن أوقات الصلوات إنما تؤخذ وتعرف من نصوص الشرع الثابت كتاباً وسنة، وقد بينّاها سابقاً فراجعها، ولا يصح أن تؤخذ من أسماء الأوقات التي تنتسب إليها، وهذا واضح جلي. ثانياً- إن نسبة الصلاة إلى وقت ما يراد به بعض ذلك الوقت، أو أوله، فمثلاً صلاة الصبح تنسب إلى الصبح وتضاف إليه، والحال أن الصبح يبدأ من طلوع الفجر ويستمر إلى ما بعد طلوع الشمس وإلى قرب الزوال..وهذا الوقت كله يطلق عليه (عرفاً) الصبح، بل قال الطريحي في (مجمع البحرين): "والصباح خلاف المساء. وعن ابن الجواليقي: الصباح عند العرب من نصف الليل الآخر إلى الزوال"(109) في حين أن الشرع المقدس يحدد وقتها إلى ما قبل طلوع الشمس فقط. وبذلك علمنا أن نسبتها إلى الصبح إنما هي نسبة إلى أول الصبح أو بعضه لا كله. وهكذا صلاة الظهر تنسب إليه، والحال أن الظهر (كما في "المنجد" وغيره من كتب اللغة) ساعة انتصاف النهار، ومن الواضح أن وقتها يستمر إلى ما بعد ذلك بكثير حسب تحديد الشارع له. وأما العصر فأصل هذه الكلمة مأخوذ من عصر الثوب ونحوه، وهو فتله والضغط عليه لإخراج مائه، ويطلق على الدهر كله لأنه الوقت الذي يمكن فيه فتل الأمور كما يفتل الثوب. وتطلق هذه الكلمة أيضاً على العشي.. قال الشاعر: يروح بنا عمرو وقد قصر العصر***وفي الروحة الأولى الغنيمة والأجر والعشي (كما في مجمع البحرين) "بفتح العين وتشديد الياء، من بعد زوال الشمس إلى غروبها. قال: وصلاة العشي: الظهر والعصر إلى ذهاب صدر الليل"(110). وتطلق كلمة (العصران) على الغداة والعشي وصلاتهما الصبح والظهر والعصر كما في حديث النبي(صلى الله عليه و آله) قال: "حافظ على العصرين..فقلت: وما العصران؟ قال: صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها"(111). كما تطلق (العصران) على الليل والنهار، قال الشاعر: ولن يلبث العصران يوماً وليلة***إذا طلبا أن يدركا ما تيّمما والعصر: العشي إلى احمرار الشمس، والعشي يبدأ من زوال الشمس كما مر. ويقال له العصر، فإضافة الصلاة إليه لا تقتضي أن يكون وقتها هو الوقت الذي صار متعارفاً إيقاعها فيه لدى أهل السنة وهو ما بعد صيرورة ظل الشيء مثله إلى مثليه، بل العصر أوسع من هذا. ولذا تنسب الصلاتان الظهر والعصر إلى كل واحد منهما فيقال: صلاة الظهرين، كما يقال: صلاة العصرين لاشتراك وقتهما. وأما المغرب فهو لغة: المكان الذي تغرب منه الشمس، ومعنى غربت الشمس غروباً أي بعدت وتوارت في مغيبها، فالمغرب إذاً وقت غروب الشمس في حين صلاة المغرب يستمر وقتها إلى ما بعد ذلك، وإنما نسبت إليه باعتبار أول وقتها غروب الشمس. وأما العشاء فيقع بعد المغرب مباشرة. قال الطبرسي في (مجمع البيان) عند تفسير قوله تعالى:) وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ( :"وسبح: أي نزّه الله، وأراد التسبيح المعروف. وقيل: معناه صلّ كما يقال: فرغت من سبحتي أي صلاتي، (بالعشي والأبكار) في آخر النهار وأوله"(112) وقال أيضاً: "والعشاء من لدن غروبها إلى أن يولي صدر الليل"(113). وقال صاحب (المنجد): "العشاء أول الظلام، وقيل: من المغرب إلى العتمة". ولما كان العشاء يقع بعد المغرب مباشرة لذا تنسب الصلاتان إلى كل واحد منهما، فيقال: صلاة المغربين كما يقال: صلاة العشائين. وبهذا علمنا سقوط هذه الشبهة من أصلها. 6- نقض شبهة وجوب التأويل: أما من أدعى وجوب تأويل أحاديث الجمع بحجة مخالفتها لأحاديث المواقيت فهي حجة باطلة ومردودة وبيان ذلك: أولاً- لقد أثبتنا في المقارنة الخامسة أنه لا مخالفة بين أحاديث المواقيت الخمسة، وأحاديث الجمع، حيث أن أحاديث المواقيت هدفها بيان الأوقات المفضلة وهي خمسة، وأحاديث الجمع هدفها بيان اشتراك الوقت المجزئ للصلاتين والتوسعة على الأمة ورفع الضيق والحرج عنهم وهي ثلاثة كما هو الظاهر من نصوص القرآن المجيد، فلا حاجة إذاً لتأويل أحاديث الجمع فضلاً عن أن يكون التأويل واجباً. ثانياً- إنه لا يجوز تأويل النص وصرفه عن ظاهره، إلا إذا استحال ظاهره وتعذر العمل به لمخالفته للمعقول أو المنقول مخالفة لا يمكن الجمع بينهما بحال، وليست أحاديث الجمع كذلك فإنها لا تتناقض مع معقول ولا منقول كما بيّنا سابقاً. ثالثاً- إن من المتفق عليه عند جمهور الأمة أن الأصل عدم التأويل للنصوص الشرعية، وإن العمل بالمعنى الظاهر من النصوص هو الواجب، ولا يسوغ العدول عنه إلا بدليل يقتضي هذا العدول(114) وعلى هدى هذا الأصل المتفق عليه، وحفاظاً على نصوص الشريعة من نزعات الهوى، وضع علماء الأصول شروطاً لا يعتبر التأويل صحيحاً مقبولاً إلا بتوافرها فما استوفى شروطه فهو المقبول، وإلا فهو التأويل الفاسد المردود، ومن أهم هذه الشروط ما يلي: أ- إن المعنى الذي أُوّل إليه اللفظ يجب أن يكون من المعاني التي يحتملها اللفظ نفسه ويدل عليها بطريق من طرق الدلالة، بمنطوقه أو مفهومه، ويكون في الوقت نفسه موافقاً لوضع اللغة (ولو على سبيل المجاز) أو عرف الاستعمال أو غير ذلك من القرائن الدالة على صحة معنى التأويل وقبوله. ب- أن يقوم على التأويل دليل صحيح قطعي من العقل أو النقل يدل على صرف اللفظ عن الظاهر إلى غيره، وذلك لما قدمنا من الأصل في عبارات الشارح ونصوص أحكامه أنها قوالب لمدلولاتها الظاهرة، وأن الواجب العمل بهذه الظواهر إلا إذا قام دليل العدول عنها إلى غيرها(115). وإذا علمت ذلك فأعلم أن تأويلاتهم لأحاديث الجمع لا تتفق أبداً مع شروط التأويل المتفق عليها عند الجميع، ومن هنا لم يتفقوا على تأويل مقبول صحيح أبداً، كما سترى. وبذلك اتضح لنا أن أهل البيت “ مع السنة النبوية كما هم مع الكتاب (لن يفترقا) فاتبعهم. 7-نقض تأويل أن الجمع كان في حالة المطر: أما من أوّل أن الجمع كان في المطر، وهذا ترّجٍ واحتمال ورأي ظني ظَنَّه مالك بن انس (إمام المالكية) وذكره في (الموطأ) حيث قال – كما تقدم – "أرى ذلك كان في المطر" واحتمله محمد بن إدريس الشافعي فذكره في كتابه (الأم) – كما تقدم – بقوله: "ووجدنا في المطر علة المشقة.." وترجاه أيوب السختياني ومن سأله بقوله: "لعله في ليلة مطيرة، قال: عسى" كما ذكره البخاري في (صحيحه) وقد تقدم أيضاً. وتبناه بعض من جاء بعدهم تقليداً لهم. ويكفينا في نقض هذا التأويل قول الله سبحانه:) وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ( [سورة يونس/37]. وثانياً- إن الظن يرده ويبطله نص الحديث بنفي المطر بالخصوص، حيث جاء في حديث سعيد بن جبير، و صالح مولى التوأمة كلاهما عن ابن عباس أنه قال: "جمع رسول الله(صلى الله عليه و آله) بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في المدينة من غير خوف ولا مطر. قال قلت لابن عباس: لِمَ فعل ذلك؟ قال: كي لا يحرج أمته" وقد علمت أن هذا الحديث رواه أحمد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، والطيالسي، والطحاوي، وأبو نعيم الأصفهاني، والبيهقي، وأبو بكر البرديجي، والخطيب البغدادي وغيرهم، وهو من الأحاديث الصحيحة في الباب، كما نص عليه الشراح، وقد جاء بأسانيد عديدة تؤيد بعضها بعضاً. فانظر بعقلك ( أيها المسلم ) هل تردّ السنة الثابتة بالترجّيات والاحتمالات والآراء الظنية التي لا تغني من الحق شيئاً، ولم يقيموا عليها أي دليل، بل الدليل الصريح يبطلها. ثالثاً- قال الحافظ الغماري في كتابه ما نصه: "الوجه الثالث من وجوه رد التأويل بالمطر، أن النبي صرح بأنه فعل ذلك ليرفع الحرج عن أمته، وبيّن لهم جواز الجمع إذا احتاجوا إليه(116) فحمله على المطر بعد هذا التصريح من النبي(صلى الله عليه و آله) والصحابة الذين رووه تعسف ظاهر، بل تكذيب للرواة، ومعارضة لله والرسول، لأنه لو فعل ذلك للمطر لما صرح النبي(صلى الله عليه و آله) بخلافه، ولما عدل الرواة عن التعليل به إلى التعليل بنفي الحرج، كما رووا عنه(صلى الله عليه و آله) أنه كان يأمر المنادي أن ينادي في الليلة المطيرة (ألا صلّوا في الرحال) ولم يذكروا ذلك في الجمع، فكيف وقد صرحوا بنفي المطر كما في الوجه الذي قبله"(117).
رابعاً- قال الحافظ الغماري: "الوجه الرابع أن ابن عباس الراوي لهذا الحديث أخّر الصلاة وجمع لأجل انشغاله بالخطبة، ثم احتج بجمع النبي(صلى الله عليه و آله) ولا يجوز أن يحتج بجمع النبي للمطر (وهو عذر بيّن ظاهر) على الجمع لمجرد الخطبة أو الدرس الذي في إمكانه أن يقطعه للصلاة ثم يعود إليه، أو ينتهي منه عند وقت الصلاة ولا يلحقه فيه ضرر ولا مشقة كما يلحق الإنسان في الخروج في حالة المطر والوحل"(118). وأطال الحافظ الغماري الرد على هذا الوجه، كما ذكر وجهاً خامساً في الرد عليهم، وفي ما ذكرناه كفاية. وبرد هذا التأويل وبطلانه، اتضح لنا أن أهل البيت “ مع السنة النبوية، كما هم مع الكتاب (لن يفترقا) فاتبعهم. 8- نقض تأويل أنه كان في غيم ثم انكشف: وأما من أوّل بأن النبي (صلى الله عليه و آله) كان حينما صلّى الظهر في غيم، ثم انكشف فبان له أن وقت العصر قد دخل فصلاها فيه..فهو تخرص ومجازفة ورجم بالغيب، بل طعن في النبي وصحابته، وحاشاهم. ومن هنا قال الحافظ الغماري في رد هذا التأويل: "وأما تأويله بأنه كان في غيم ثم انكشف فهو مما يُستحيى من ذكره، ويُجل المرء عن حكايته ولو على سبيل القدح فيه. وقد عقبه المازري بقوله: (وهذا يضعفه جمعه بالليل، لأنه لا يخفى دخول الليل حتى يلتبس دخول المغرب بوقت العشاء ولو كان الغيم..) ولا يخفى ما في تعبيره عن هذا التأويل الفاسد بالضعف، من الضعف، والأولى – كما فعل عيّاض والنووي – حيث عبّرا عن هذا التأويل بالبطلان"(119). وسيأتيك نص النووي في (شرح صحيح مسلم) على بطلان هذا التأويل. وبذلك اتضح لنا أن أهل البيت “ مع السنة النبوية كما هم مع الكتاب (لن يفترقا) فاتبعهم. 9- نقض تأويل أن الجمع كان في حالة المرض: أما من أوّله بأن الجمع كان في حالة المرض، وهذا التأويل قاله بعض التابعين، وبه أفتى أحمد بن حنبل وإسحاق، كما نص الترمذي في (سننه) حيث قال: "ورخّص بعض أهل العلم من التابعين في الجمع بين الصلاتين للمريض. وبه يقول أحمد وإسحاق، ثم قال: ولم ير الشافعي للمريض أن يجمع بين الصلاتين"(120). وهذا التأويل باطل قطعاً، إذ هو كالتأويل بعذر المطر، وبيان ذلك: أولاً- إنه ظن والظن لا يغني من الحق شيئاً، لا سيما وأنه لا دليل لهم عليه، وكل تأويل لا دليل عليه فهو باطل بالإجماع. ثانياً- إن هذا التأويل يبطله التصريح بنفي العلة في أحاديث كثيرة، ومنها حديث محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله الأنصاري (راجعه برقم 51) وقد جاء فيه: إن الجمع كان في المدينة للرخص من غير خوف ولا علة، والعلة تعم المرض وغيره، فهو نفي لكل تأويل، كما ورد النص بنفي المرض بالخصوص في بعض طرق حديث مولى التوأمة عن ابن عباس (راجعه برقم63) ونصه: "جمع رسول الله بالمدينة من غير خوف ولا مرض" وكذا حديث عمرو بن دينار عن ابن عباس أيضاً (راجعه برقم 57) وقد جاء فيه قوله "من غير مرض ولا علة، إلى غير ذلك من الأحاديث الأخرى. ثالثاً- إن النبي (صلى الله عليه و آله) ورواة حديثه من الصحابة قد صرّحوا بأن الجمع كان لرفع الحرج لا للمرض وغيره، ولو كان للمرض لما عدلوا جميعاً عنه إلى غيره. رابعاً- إنه لو كان للمرض لكان خاصاً به(صلى الله عليه و آله) والحال أنه جمع بالصحابة كما قال ابن عباس: "صلّى بنا رسول الله، وصليت خلف رسول الله.." وكما عرف من سيرته أنه ما كان يصلي وحده، وبالضرورة إن من صلى خلفه من الصحابة لم يكونوا جميعاً مرضى فكيف يصلي بهم صلاة لا تجوز لهم ولا تصح منهم، وإنما تجوز له وحده لعذره في مرضه؟ وبذلك اتضح لنا أن أهل البيت “ مع السنة النبوية كما هم مع الكتاب (لن يفترقا) فاتبعهم. 10- نقض تأويل أن الجمع خاص بالمسجد النبوي: قال الحافظ الغماري في إبطال هذا التأويل: "أما من قال: أنه خاص بمسجد النبي(صلى الله عليه و آله) لفضله، فيكفي في إبطاله أن دعوى الخصوصية لا تثبت إلا بدليل، وأن مثل هذه الدعوى لا يعجز عنها أحد في كل شيء أراد نفيه من أنواع التشريعات، فأي فرق بين ادّعاء الخصوصية في الجمع بين الصلاتين، وادعائها في الجماعة مثلاً وأنها خاصة بمسجد رسول الله لفضله؟ وكذلك في الجمعة وأنها خاصة بمسجده وبزمانه واستماع خطبته وكلامه، وما عدا مسجده وزمانه فلا تشريع جمعة ولا جماعة. وهكذا سائر أفعاله التي قام الدليل على وجوب التأسي به فيها (أو استحبابه) ولأنه لا يجوز ادعاء الخصوصية به أو بمكانه أو زمانه إلا بدليل يدل على ذلك، فكيف وقد جمع بعرفة ومزدلفة ومنى وتبوك وكثير من البقاع في أسفاره وغزواته، وجمع بعده أصحابه في أسفارهم وأوقات ضروريّاتهم فهو دليل قاطع على بطلان هذا التأويل"(121). ولا أدري ما معنى اختصاص الجمع بمسجد النبي لفضله؟ هل إن فضل المسجد النبوي الشريف يبيح للمصلين أن يصلّوا قبل دخول الوقت أو بعد خروجه، والحال أن الصلاة قبل دخول وقتها أو بعده تعَمُّداً، معصية كبيرة، بل بدعة صريحة، وإحداث المعصية أو البدعة في المسجد النبوي الشريف مما يزيد في فضاعتها وترتب العقاب عليها بشكل أكبر..أو، الجمع بين الصلاتين لم يكن قبل دخول الوقت ولا بعد خروجه، بل في الوقت المجزئ، فحينئذ ما معنى هذه الخصوصية التي جاءوا بها من أنفسهم؟ ) وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُون( [سورة المؤمنون/72]. وبذلك اتضح لنا أن أهل البيت “ مع السنة النبوية كما هم مع الكتاب (لن يفترقا) فاتبعهم. 11- نقض تأويل أن الجمع كان لعذر مّا: أما من أدعى بأن الجمع كان لعذر من الأعذار كالمرض ونحوه، وقد نقل هذا التأويل النووي في (شرح صحيح مسلم) عن جماعة من الفقهاء كأحمد بن حنبل وغيره، وقد قوّاه، وسيأتيك نصه، فهو باطل أيضاً، لأنه إن كان الجمع لعذر معين فما هو ذلك العذر فأن كان المرض أو الخوف أو المطر أو الغيم أو خصوص فضل المسجد الشريف فقد علمت بأنها جميعاً أعذار باطلة لا دليل لهم على شيء منها، ورواة أحاديث الجمع من الصحابة ينفونها، وإن كان الجمع لمطلق العذر أو الأعذار فما بطل به الخصوص يبطل به العموم. وبذلك اتضح لنا أن أهل البيت “ مع السنة النبوية كما هم مع الكتاب (لن يفترقا) فاتبعهم. 12- نقض تأويل أن الجمع كان صورياً: أما من ادّعى أن الجمع لن يكن لعذر من الأعذار، وأنه لا يصح فيه تأويل من التأويلات المذكورة، ولكن كان جمعاً صورياً لا حقيقياً. وهذا التأويل قال به مطلق الحنفية لتبرير فتوى إمام مذهبهم أبي حنيفة حيث أفتى (كما هو ثابت عنه) بعدم جواز الجمع بين الصلاتين مطلقاً، ولما كان الثابت عندهم وعند جميع المسلمين أن النبي(صلى الله عليه و آله) جمع بين الصلاتين حضراً وسفراً، لعذر ولغير عذر، عدلوا إلى تأويل هذا الجمع بأنه صوري لا حقيقي. وهذا التأويل قد بالغ في تأييده أكابر الحنفية وشيوخهم ورأوه التأويل الوحيد الذي لا يصح سواه. قال الحافظ الغماري: "ونَصَره – أي هذا التأويل من الحنفية – الطحاوي في (شرح معاني الآثار) بما فيه تكلف وتعسف يتحاشى عن مثله أهل العلم على قاعدته في نصر مذهب أبي حنيفة، واختار هذا القول أيضاً ابن الماجشون، والماورزي، وعياض، والقرطبي، وإمام الحرمين، وابن سيد الناس، والحافظ في (الفتح) مع اعترافه بضعف دليله ومستنده، والمغربي في (البدر التمام) وتبعه شراح (بلوغ المرام)، والشوكاني في (نيل الأوطار) ج3/216-218، وأطال في تقريره، وختم بأن له رسالة سماها (تنشيف السمع بإبطال أدلة الجمع)(122). نعم، كل هذا نصرة لمذهب أبي حنيفة، والحقيقة أنها نصرة يعوزها الدليل، حتى أن الحافظ الغماري في (إزالة الخطر) أبطل تأويلهم بالجمع الصوري وردّه من عشرين وجهاً وجيهاً. ونحن نشير إلى بعض ما يبطله وينقضه فنقول: أولاً: إن الذي يبطل هذا التأويل وغيره من التأويلات أياً كانت، ظاهر الآيات القرآنية التي استعرضت أوقات الصلوات فجعلتها ثلاثة لا خمسة، فراجعها. وبحكم تلك الآيات لا مانع من الجمع الحقيقي لعذر وغير عذر مطلقاً. ثانياً: إن تأويلهم هذا وغيره من التأويلات الأخرى لم يستطيعوا أن يقيموا عليها دليلاً صحيحاً ومقبولاً حتى عندهم، ولذا كانوا في تأويلهم غُمّة، وفي ليل من الحيرة مظلم، يرد تلك التأويلات بعضهم على بعض. ومعلوم أن كل تأويل لا دليل مقبول عليه فهو باطل. نعم أيّد الشوكاني في (نيل الأوطار) ج3/217 التأويل بالجمع الصوري بتأييدات واهية، بل هي أوهى من بيت العنكبوت والتي منها قوله: "ومما يؤيد ذلك ما رواه الشيخان، عن عمرو بن دينار أنه قال: يا أبا الشعثاء أظنه أخّر الظهر وعجل العصر، وأخّر المغرب وعجل العشاء؟ قال: وأنا أظن ذلك. ثم قال الشوكاني: وأبو الشعثاء هو راوي الحديث عن ابن عباس كما تقدم". فالشوكاني يؤيد تأويل الجمع الصوري حيث ظنه أبو الشعثاء باعتباره راوي الحديث، ومعلوم باعلان القرآن المجيد) إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا( سواء صدر من الراوي أو من غيره، وقد حذرّ النبي(صلى الله عليه و آله) بقوله في الحديث المتفق عليه: (إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث) ومن هنا قال احمد بن شاكر عند شرحه لحديث أبي الشعثاء في (مسند احمد) بما نصه: "وهذا الجمع الصوري من تأويل أبي الشعثاء ولا حجة له فيه"(123). هذا ولعل عمرو بن دينار يقصد باستفهامه من أبي الشعثاء، وقوله: أظنه أخّر الظهر وعجل العصر، وأخر المغرب وعجل العشاء، أن النبي جمع جمع تأخير لا جمع تقديم، ولم يقصد الجمع الصوري أصلاً. ثالثاً: إن لفظ (الجمع) في عرف الشريعة لا يطلق إلا على الجمع الحقيقي بين الصلاتين في وقت إحداهما جمع تقديم أو جمع تأخير، بل ولا ينصرف الذهن مطلقاً إلا إليه، وهذا حتى عند الشوكاني نفسه، ولذا تراه أطلق كلمة (الجمع) على رسالته التي سماها (تنشيف السمع بإبطال أدلة الجمع) فإنه يريد بهذا الإطلاق الجمع الحقيقي قطعاً، لأنه هو الذي يحاول إبطاله لا الجمع الصوري الذي يؤيده ويريده. وهكذا من افتعل حديثاً على النبي (صلى الله عليه و آله) أنه قال: (من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى باباً من أبواب الكبائر)، إنما يريد بإطلاق كلمة (جمع) الجمع الحقيقي لا الصوري، لأنه هو المتبادر إلى الذهن. وبهذه الحقيقة صرح كثير من أعلامهم، ومنهم الخطابي وإليك عبارته بنصها، قال: "ظاهر أسم الجمع لا يقع على من أخّر الظهر حتى صلاها في آخر وقتها وعجل العصر فصلاها في أول وقتها، لأن هذا قد صلّى كل صلاة منها في وقتها الخاص بها، وإنما الجمع المعروف أن تكون الصلاتان في وقت إحداهما، ألا ترى أن الجمع بينهما بعرفة والمزدلفة كذلك"(124). ومعلوم أن كل تأويل خالف عرف الشرع والعرف المطلق يكون باطلاً بلا ريب، كما صرح علماء الأصول بالاتفاق. رابعاً: إن السنة النبوية تبين بعضها بعضاً، فعلى فرض – وفرض المحال ليس بمحال – أن الجمع لم يكن في عرف الشرع خاصاً بالحقيقي، ولكن جمع النبي بين الصلاتين بأسفاره عيّن المراد منه لأنه كان يجمع جمع تقديم تارة بأن يصلي الظهر عند الزوال في أول الوقت ثم يصلي العصر بعدها مباشرة، ويصلي المغرب عند الغروب ثم يصلي العشاء بعدها بلا فاصل..وجمع تأخير تارة أخرى بأن يؤخر الظهر إلى ما بعد دخول وقت العصر فيصليهما معاً، ويؤخر المغرب إلى ما بعد دخول وقت العشاء وغياب الشفق فيصليهما في ذلك الوقت معاً، وفي بعض الأحيان يصليهما بعد ذهاب ربع الليل، وهذا وارد في أسفاره بنصوص صريحة ومتفق عليها عند الجميع، وسيمر عليك بعضها، وما أدري كيف خالفها الحنفية فحملوا كافة أحاديث الجمع في الحضر والسفر وفي جميع الحالات على الجمع الصوري، وذلك ما لا يتفق مع الكتاب والسنة والإجماع. خامساً: إن النبي (صلى الله عليه و آله) لما جمع بالمدينة أخبر أنه أراد بجمعه بين الصلاتين رفع الحرج عن أمته والتوسعة عليهم. والجمع الصوري ليس فيه رفع لحرج التفريق عنهم، ولا توسعة عليهم، بل فيه إثبات وتقرير لما جاء به جبرئيل من الأوقات الخمسة المفضلة، ويكون النبي(صلى الله عليه و آله) بجمعه الصوري قد صلّى كل صلاة بوقتها المفضل فأي حرج إذاً رفعه النبي عن أمته، وأي توسعة وسعها عليهم؟ والحال أن التوسعة تقتضي أن يكون في الوقت ضيق فيوسعه النبي وذلك لا يكون إلا إذا جمع جمعاً حقيقياً جمع تقديم وجمع تأخير. سادساً: إن الجمع الصوري - كما حددوه – فيه حرج أكثر من الحرج في التفريق، وذلك لأن الجمع الصوري هو أن يصلي الظهر عندما يبقى من وقته مقدار أربع ركعات فإذا فرغ منها دخل وقت العصر فيصليها فلا يخلو الحال إذاً من أن يكون النبي (صلى الله عليه و آله) قد أخبر أصحابه عند الزوال أنه يريد أن يجمع بهم قبيل العصر فكلفهم – بعد اجتماعهم – بالانصراف إلى غذائهم وسائر حوائجهم والرجوع إلى المسجد قبيل العصر، أو تركهم من وقت الزوال إلى قرب وقت العصر في الانتظار وفيهم من فيهم من الشيخ الكبير والضعيف وذوي الحاجات والنساء ذوات الأطفال. أو أنه أعلن لهم عند اجتماعهم للصلاة في الليل وأمرهم أن يجتمعوا غداً قبيل صلاة العصر بمقدار أربع ركعات حتى يجمع بهم بين الظهرين جمعاً صورياً. وفي أي من هذه الصور الثلاث من المشقة عليهم والإحراج لهم ما لا يخفى، وأقل ما يقال في إحدى هذه الصور من التكليف أنه أمرهم بالحضور إلى المسجد في وقت غير محدد ولا معروف لهم، إذ لا أذان قبيل العصر يجمعهم، ولا ساعات عندهم يومئذ يعرفون بها الوقت، بل يلزمهم أن يراعي كل واحد منهم مقدار الظل للشاخص عند الزوال وأن يراقبه إلى أن يزداد الظل للشاخص المعين بمقداره، وقبل هذا الوقت بمقدار أداء الظهر ينبغي أن يكونوا حاضرين في المسجد ليجمعوا جمعاً صورياً، وذلك عين الحرج والضيق فكيف يقول(صلى الله عليه و آله): "صنعت ذلك لئلا تحرج أمتي" ويقول الرواة: أراد أن لا يحرج أحداً من أمته؟ وإلى هذا أشار كثير من شراح الصحاح والسنن، ومنهم الزرقاني في (شرح موطأ مالك) ج1/94 قال: وإرادة نفي الحرج تقدح في حمله على الجمع الصوري، لأن القصد إليه لا يخلو من حرج. سابعاً: من المعلوم أن وقوع أي صورة من هذه الصور الثلاث السابقة غير مألوفة للصحابة، وفيها تغيير لكيفية أداء الصلاة سابقاً عندهم، وهذا ما يستوجب نقل تلك الكيفية – كما وُقَت – بالتواتر القطعي، وحينئذ لروى تلك الصورة الغريبة – على الأقل – رواة أحاديث الجمع من الصحابة، ولما لم يرد شيء من ذلك عنهم فضلاً عن تواتره علمنا علم اليقين أن الجمع كان حقيقياً لا صورياً، ومعاذ الله أن يكلف النبي أصحابه وسائر أمته إلى يوم القيامة بمثل هذا التكليف الشاذ، بل جعل لهم – بأمر الحكيم الخبير – الوقت موسعاً للظهرين من الزوال إلى الغروب، وللعشائين من الغروب إلى نصف الليل للمختار غير المضطر وإلى الفجر للمضطرين، وللصبح من الفجر إلى طلوع الشمس. وهذه علائم لأوقات الصلوات معلومة ومعروفة للجميع بلا تكلف ولا مشقة ولا حرج، وهذا هو اللائق بشريعة الحق العامة للجميع، والخالدة ما خلد الدهر. قال تعالى:) وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِير( [سورة الحج/79]. ثامناً: إن جابر بن عبد الله الأنصاري أحد الصحابة الكرام الذين رووا حديث الجمع بين الصلاتين يصرح بقوله: إن النبي جمع بين الصلاتين للرخص من غير خوف ولا علة – راجع حديثه برقم (51)، وممن رواه. شيخ من شيوخ الحنفية وهو الطحاوي الحنفي. وراجع حديثه الآخر برقم (59) الذي رواه أبو نعيم في (حلية الأولياء) وقد جاء فيه قوله: "أراد الرخصة على أمته. والرخصة في اللغة: التيسير والتسهيل. قال الجوهري: الرخصة في الأمر خلاف التشديد فيه، ومن ذلك رخص السعر إذا سهل وتيسّر، وفي عرف أهل الأصول هو تغيير الحكم الشرعي من صعوبة إلى سهولة مع قيام السبب للحكم الأصلي، وهذا هو الواقع في الجمع الحقيقي فإنه تغيير من صعوبة تحديد الوقت وتقسيمه بجعل وقت خاص للظهر وآخر للعصر وآخر للمغرب وآخر للعشاء لسبب الفضيلة لتلك الأوقات المعينة إلى سهولة الجمع بين الصلاتين بتجويز تقديم اللاحقة في وقت السابقة، أو تأخير السابقة إلى وقت اللاحقة، أما الجمع الصوري فليس فيه تغيير ولا تسهيل بل هو إيقاع للأوقات كما كانت عليه، بل هو بالعكس من تعريف الرخصة لأنه تغيير من سهولة إلى صعوبة كما علمت، فالقول بالجمع الصوري تشويه لوجه التشريع وقلب لحقيقته ونقض لمقصوده. تاسعاً: إن عبد الله بن عباس حين خطب في البصرة وناداه الناس: الصلاة الصلاة، وعدم مبالاته بهم واستمراره في خطبته لا يجيبهم، حتى جاء التميمي الذي صار يقول: الصلاة الصلاة، فناداه ابن عباس وهو مغضب: أتعلمني بالسنة؟ لا أم لك، ثم احتج عليه بالدليل والمستند بقوله: شهدت رسول الله (صلى الله عليه و آله) جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، واستبعاد عبد الله بن شقيق واستغرابه لذلك الدليل حتى حاك في صدره منه شيء، ومجيئه إلى أبي هريرة وسؤاله عن ذلك وتصديق أبي هريرة لدليل ابن عباس، وجمعَ ابن عباس بالفعل بعد فراغه من الخطبة بين المغرب والعشاء، كما جمع النبي(صلى الله عليه و آله) ، كل ذلك وغير ذلك يبطل تأويلهم بأن الجمع كان صورياً، لأن ابن عباس أجّل من أن يحتج بالجمع الصوري على الجمع الحقيقي. عاشراً: من أحاديث الجمع بين الصلاتين، وأحاديث الأبراد بصلاة الظهر، وأحاديث أخرى كثيرة – إن النبي لم يجمع بالمدينة بين الصلاتين مرة واحدة حتى يؤول ذلك الجمع بأنه كان صورياً، بل جمع بين الصلاتين مراراً عديدة بل كثيرة جداً جمع تقديم وجمع تأخير، ولا سيما أيام شدة الحر، فهل يؤول كل ما جمع بأنه جمعاً صورياً؟ لا أعتقد بأن يقول هذا إنسان عاقل، فضلاً عن عالم فاضل. وبذلك اتضح لنا أن أهل البيت “ مع السنة النبوية كما هم مع الكتاب (لن يفترقا) فاتبعهم. نقض شرّاح الصحاح والسنن لمجموع التأويلات: رد شراح الصحاح والسنن قديماً وحديثاً هذه التأويلات، ومن ضمنها التأويل بالجمع الصوري، وإليك ما ردها به النووي(125) في شرحه لصحيح مسلم، وقد نقله عنه من الشراح وغيرهم جمع كثير منهم القسطلاني في (إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري) باب تأخير الظهر إلى العصر، ج1/491، وابن حجر العسقلاني في (فتح الباري) ج2/163، والكرماني في (شرحه لصحيح البخاري) ج4/192، والزرقاني في (شرح موطأ مالك) ج1/294، والشوكاني في (نيل الأوطار في شرح منتقى الأخبار) ج3/216، والشيخ منصور علي ناصيف – من علماء الأزهر – في كتابه (التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول) ج1/150، وما بعدها، واحمد محمد شاكر القاضي في شرحه لـ (سنن الترمذي) ج1/357 حيث قالوا نقلاً عن النووي في (شرح صحيح مسلم) ج5/218 بما نصه(126): "ومنهم من تأوله على أنه جمع بعذر المطر، وهذا مشهور عن جماعة من الكبار المتقدمين، وهو ضعيف بالرواية الأخرى: من غير خوف ولا مطر. ومنهم من تأوله على أنه كان في غيم فصلّى الظهر ثم انكشف الغيم وبان أن وقت العصر قد دخل فصلاها، وهذا أيضاً باطل لأنه وإن كان فيه أدنى احتمال في الظهر والعصر، لا احتمال فيه في المغرب والعشاء. ومنهم من تأوله على تأخير الأولى إلى آخر وقتها فصلاها فيه، فلما فرغ منها دخلت الثانية فصلاها، فصارت صلاته صورة جمع، وهذا أيضاً ضعيف أو باطل، لأنه مخالف للظاهر مخالفة لا تحتمل، وفعلُ ابن عباس الذي ذكرناه حين خطب، واستدلاله بالحديث لتصويب فعله، وتصديق أبي هريرة له، وعدم إنكاره صريح في رد هذا التأويل. ومنهم من قال: هو محمول على الجمع بعذر المرض، أو نحوه مما في معناه من الأعذار، وهذا قول احمد بن حنبل، والقاضي حسين من أصحابنا، واختاره الخطابي، والمتولي، والروماني من أصحابنا، وهو المختار لظاهر الحديث(127) ولفعل ابن عباس، وموافقة أبي هريرة، ولأن المشقة فيه أشد من المطر. وذهب جماعة من الأئمة إلى جواز الجمع في الحضر للحاجة، لمن لا يتخذه عادة، وهو قول ابن سيرين، وأشهب من أصحاب مالك، وحكاه الخطابي عن القفال والشاشي الكبير من أصحاب الشافعي، عن أبي إسحاق المروزي عن جماعة من أصحاب الحديث، واختاره ابن المنذر، ويؤيده ظاهر قول ابن عباس: أراد أن لا يحرج أمته، فلم يعلّله بمرض ولا غيره، والله أعلم"(128). قال الشارح احمد محمد شاكر: "وكلام الخطابي في المعالم (ج1/265) نصه: هذا حديث لا يقول به أكثر الفقهاء، وإسناده جيد إلا ما تكلموا فيه من أمر حبيب، وكان ابن المنذر يقول به ويحكيه عن غير واحد من أصحاب الحديث. وسمعت أبا بكر القفال يحكيه عن أبى إسحاق المروزي. قال ابن المنذر: ولا معنى لحمل الأمر فيه على عذر من الأعذار، لأن ابن عباس قد أخبر بالعلة فيه، وهو قوله: أراد أن لا يحرج أمته. وحكى عن ابن سيرين أنه كان لا يرى بأساً أن يجمع بين الصلاتين إذا كانت حاجة أو شيء ما لم يتخذه عادة. ثم قال الشارح: هذا هو الصحيح الذي يؤخذ من الحديث، وأما التأويل بالمرض أو العذر أو غيره فإنه تكلف لا دليل عليه، وفي الأخذ بهذا رفع كثير من الحرج عن أناس قد تضطرهم أعمالهم أو ظروف قاهرة إلى الجمع بين الصلاتين، ويأثمون من ذلك ويتحرجون، ففي هذا ترفيه لهم وإعانة على الطاعة ما لم يتخذه عادة، كما قال ابن سيرين". لا مانع من الجمع بين الصلاتين لحاجة أو لغير حاجة بعد أن اتضح لنا نقض الشبهة حول الجمع بين الصلاتين وبطلانها، رأينا أن مَن تحرر من تلك الشبهة وردها بأجمعها وأبطلها من أهل السنة – وهم كثيرون قديماً وحديثاً – رأيناهم مع ذلك كله قيدوا الجمع بين الصلاتين بوقت الحاجة فقط، وبعدم اتخاذه عادة، هذا مع العلم أن القيد بالحاجة وبعدم اتخاذه عادة قيد مردود بحكم آيات المواقيت، وأحاديثه، وبحكم أحاديث الجمع المطلقة باعترافهم، وما فيها من التعليل بالتوسعة وعدم الحرج، والرخصة للامة، كما أن هذا القيد لا دليل لهم عليه أصلاً، ولا سيما أنهم وغيرهم من أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد رووا أحاديث كثيرة تدل على رجحان الأخذ بالرخص، وأن الأخذ بها محبوب إلى الله، بل وان من تركها يأثم إذ يكون بتركها مخالفاً لما شرعه الله لعباده، وجعله سنة لنبيه، وتسهيلاً وتخفيفاً على أمته. وإليك بعض تلك الأحاديث:
أحاديث الأخذ بالرخص والاستدلال بها: 1- روى احمد بن حنبل في (مسنده) بسنده عن ابن عمر قال: "قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): إن الله يحب أن تُؤتى رخصٌه كما يَكره أن تُؤتى معصيتُه"(129) ونقله عن احمد، الشوكاني في (نيل الأوطار) ج3/204، وعلق عليه بقوله: الحديث المروي عن ابن عمر رجاله رجال الصحيح..إلى أن قال: وفي الباب عن أبي هريرة عند ابن عدي، وعن عائشة عنده أيضاً..ثم قال: والمراد بالرخص التسهيل والتوسعة، وفيه أن الله يحب إتيان ما شرعه من الرخص، وفي تشبيه تلك المحبة بكراهته لإتيان المعصية دليل على أن في ترك إتيان الرخصة ترك طاعة كالترك للطاعة الحاصل بإتيان المعصية..الخ. ونقله عن احمد بسنده الحافظ الغماري في (إزالة الخطر) ص155. 2- روى الشيخان البخاري ومسلم في (صحيحيهما) من حديث عائشة (رض) قالت: "صنع رسول الله (صلى الله علي |