|
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، بارئ الخلائق أجمعين، والصلاة والسلام على من بعثه رحمة للعالمين، وجعل شريعته أسهل وأسمح شرائع المرسلين، محمد وآله الطيبين الطاهرين. (1) قال الله سبحانه في محكم كتابه المجيد: (أَقِمْ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) [سورة الإسراء/79]. أمر الله سبحانه وتعالى رسوله الأعظمبسم الله الرحمن الرحيم في هذه الآية الكريمة من سورة الإسراء، أولاً بإقامة الصلاة، والمقصود منها الصلاة اليومية المكتوبة، المشتملة على الفرائض الخمس: الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والصبح. وسنذكر أقوال المفسرين الذين يصرحون بأن الأمر بالصلاة في هذه الآية إنما هي الفرائض الخمس دون غيرها. ثم بين (جل وعلا) لنبيه بسم الله الرحمن الرحيم أوقاتها، فقوله تعالى: (أَقِمْ الصَّلَاةَ) أمر من الله بإقامة الصلاة، ومن معاني إقامة الصلاة هو تعديلها بأركانها، وحفظها من أن يقع زيغ وباطل في أفعالها ومقدماتها وشرائطها، وإلا لم يكن العبد مقيماً لها كما أمر الله بها. وهذا المعنى مأخوذ من قولهم: أقام العود، إذا قوّمه وعدّله. والأمر بإقامة الصلاة وإن كان موجهاً إلى النبيبسم الله الرحمن الرحيم ولكن التكليف له ولأمته إلى يوم القيامة، وهو أمر وجوبي. وأمره تعالى بإقامة الصلاة(لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) بيان لأوقات الصلوات الخمس. وفي هذه الآية دلالة واضحة على أن أوقات الصلوات الخمس ثلاثة. الابتداء من دلوك الشمس، والانتهاء إلى غسق الليل، وما بينهما وقت ممتد مشترك للظهر والعصر، ثم للمغرب والعشاء، وأفرد جل وعلا صلاة الصبح بقوله: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) أي: تشهده ملائكة الليل، وملائكة النهار. والمراد من دلوك الشمس هو زوالها، ويكون الزوال عند منتصف النهار في الفصول كلها، شتاءً وصيفاً وربيعاً وخريفاً. وما ذكرناه من دلوك الشمس هو المروي عن كثير من الصحابة والتابعين، كما أنه مروي عن أبي جعفر الباقر وولده الصادق(عليهما السلام) ، وعليه اتفاق الشيعة الإمامية، ووافقهم على هذا القول أيضاً كثير من علماء السنة، ويؤيده قول النبيبسم الله الرحمن الرحيم في بعض أحاديثه: (أتاني جبرئيل لدلوك الشمس حين الزوال، فصلى بي الظهر). أما (غَسَقِ اللَّيْلِ) فالمراد منه: إما ظلمة الليل في أوله (على قول)، وإما نصف الليل وهذا هو القول الأشهر والأصح، وهو المروي أيضاً عن الإمامين الباقر والصادق(عليهما السلام). وعلى ذلك يكون ابتداء وقت صلاتي الظهر والعصر من زوال الشمس، ثم يكون انتهاء وقت صلاتي المغرب والعشاء نصف الليل. ومما تقدم بيانه عن الآية يظهر لنا أنه لا مانع من الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، إذ أن وقت هذه الصلوات الأربع ممتد من دلوك الشمس – الذي هو نصف النهار - إلى غسق الليل – الذي هو نصف الليل -. (2) وهذه المسألة – أعني مسألة الجمع بين الصلاتين - هي موضع خلاف بين فقهاء المسلمين من الشيعة وأهل السنة، كما هي موضع خلاف بين فقهاء أهل السنة أنفسهم. نعم، اتفق جميع الفقهاء، بل جميع أهل القبلة من أهل المذاهب الإسلامية كلها، على جواز الجمع بعرفة (للحجاج المسافرين) بين الفريضتين: الظهر والعصر في وقت الظهر، وهذا في اصطلاحهم جمع تقديم، أي يقدمون العصر في وقت الظهر. كما اتفقوا أيضاً على جواز الجمع في المزدلفة (للحجاج المسافرين) بين الفريضتين: المغرب والعشاء في وقت العشاء. وهذا في اصطلاحهم جمع تأخير، باعتبار أنهم يؤخرون المغرب إلى وقت العشاء. وفيما عدا هذين المكانين (أي عرفة والمزدلفة بالنسبة إلى الحجاج المسافرين) اختلفوا في جواز الجمع وعدمه. أما الحنفية فيمنعون الجمع بين الصلاتين مطلقاً أتباعاً لفُتيا الإمام (أبي حنيفة) فلا يجوز الجمع عندهم لا حضراً ولا سفراً، لا لمطر ولا لمرض، لا لطين ولا لخوف في كل ذلك وغير ذلك من الأعذار…. لا يجوز الجمع عندهم إلا في عرفة والمزدلفة كما قلنا. وسنناقش هذه الفتوى في بحوثنا الآتية مناقشة علمية، على ضوء الكتاب والسنة والإجماع. وأما المالكية والشافعية والحنبلية، فاتفقوا على جواز الجمع بين الصلاتين بعذر السفر، ولكن على تنازع في شروط السفر المبيح للجمع. وما عدا السفر من الأعذار الأخرى كالمطر والطين والمرض والخوف وغير ذلك من الأعذار فهم فيها مختلفون… وسنذكر فتاوى المذاهب الأربعة من كتبهم في ذلك. وأما مذهب أهل البيت(عليهم السلام) وهم الأئمة الاثنى عشر من آل محمد بسم الله الرحمن الرحيم الذين أفترض الله الصلاة عليهم في الصلاة الواجبة والمندوبة بحيث لا تقبل الصلاة بل ولا تصح ولا تتم إلا بالصلاة عليهم مقترنة مع الصلاة عليه صلى الله عليه وآله(1).. آل محمد الذين مثلهم الرسول الأعظم بسفينة نوح التي من ركبها نجا وسلم، ومن تخلف عنها غرق وهلك وزجّ في النار(2).. آل محمد بسم الله الرحمن الرحيم الذين هم أعدال الكتاب المجيد وقرناؤه في أحاديث الثقلين، والخليفتين اللذين لا يضلّ من تمسك بهما ولا يهتدي إلى الله من صدّ عنهما(3).. فمذهبهم الثابت عنهم (سلام الله عليهم) بصراحة ووضوح هو جواز الجمع بين الصلاتين: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء مطلقاً، يعني سفراً وحضراً، لعذر أو لغير عذر، جمع تقديم أو جمع تأخير. نعم، عندهم التفريق بين الصلاتين أفضل، على تفصيل في ذلك يأتي بيانه مفصلاً في محله من الكتاب إن شاء الله، تحت عنوان (التفريق بين الصلاتين أفضل أم الجمع؟). وتبعهم في مذهبهم هذا شيعتهم في كل عصر ومصر، ولذا تراهم يجمعون غالباً بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في سفرهم وحضرهم، لعذر أو لغير عذر. ولهم على جواز هذا الجمع أدلة قطعية، كتاباً وسنة وإجماعاً. (3) وقد تصدينا لتأليف هذا الكتاب لبيان تلك الأدلة مع إيضاحها ليطّلع عليها من لم يكن مسبوقاً بها ويتساءل عنها، وما أكثر المتسائلين من طبقات الناس الكثيرة، لا سيماً من الشباب. وهذا هو السبب الذي دعاني إلى التصدي لهذا الموضوع الذي لم يفرد له تأليف خاص جامع للأدلة مستوعب للمقارنة بين فتاوى فقهاء المسلمين في المسألة وبين تلك الأدلة الكثيرة الواضحة فيما أعلم(4)، مع وجود الحاجة الماسة للتعرف عليها، ولا سيما وأن بعض الدعاة المقلدين الذين لا خبرة لهم بالأدلة ولا تمحيص للحقائق، يُلقون دوماً في أذهان الكثير من الناس أن الجمع بين الصلاتين مبطل لإحداهما، إذ تكون خارجة عن وقتها المحدد لها، بل يروُن في ذلك حديثاً مرفوعاً عن النبيبسم الله الرحمن الرحيم أنه قال: (من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى باباً من أبواب الكبائر)(5) نظراً لبطلان الصلاة التي تصلى خارج وقتها، وربما وكما سمعنا بآذاننا – يحتجون على بطلان الجمع بين الصلاتين بقوله تعالى: (فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) [سورة النساء/104] في حين لا حجة لهم في هذه الآية كما ستعلم(6). وبلغ الحال ببعض ذوي الجهل المركّب الذين يدعون العلم ولا يعرفونه أنهم يلقون في الأذهان مخالفة الجمع بين الصلاتين للقرآن والسنة النبوية والإجماع. لذلك وغير ذلك رأينا من الواجب المحتم علينا كشف النقاب عن الحقيقة وتنوير الرأي العام في هذه المسألة التي طالما اشغلت أذهان الكثير من الناس، وجمعاً لكلمة المسلمين على الحق الواضح. وحيث أن مسألة الجمع بين الصلاتين من فروع مسألة أوقات الصلوات الخمس، وترتبط بها عند جميع الفقهاء، وأن أوقات الصلوات الخمس هي موضع خلاف أيضاً بين أئمة المذاهب الأربعة من جهة، وبينهم وبين مذهب أهل البيت d من جهة أخرى… فأنه يلزمنا بيان أوقات الصلوات الخمس حسب فتاوى أئمة المذاهب الأربعة، وفتاواهم في جواز الجمع أو عدمه. بعد ذلك ننتقل إلى مذهب أهل البيت الثابت عنهم في أحاديثهم، والذي عليه عمل شيعتهم وفتاوى فقهائهم في أوقات الصلوات، وفي جواز الجمع بين الصلاتين. ثم نستعرض الأدلة الإسلامية من الكتاب والسنة والإجماع، والتي تُبين لنا الحقيقة الناصعة في أوقات الصلوات وجواز الجمع بين الصلاتين أو عدمه، حسب الطاقة والامكان، كما سندفع جميع الشبه والتأويلات الباطلة. وسميناه (حول الصلاة والجمع بين فريضتين على ضوء الكتاب والسنة والإجماع)، ورتبناه على مقدمة وثلاثـة فصـول وخاتمة تتضمن وصية لأمير المـؤمنينu بشأن الصلاة مع شرحها، ونسأل الله تعالى العون والعناية، والتوفيق والسداد، وان ينفع به الناس، ويجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفعنا به (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُون(89)إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) [الشعراء/89-90]. عبد اللطيف البغدادي
|
|
1- قد صح في جميع الصحاح الستة، وسائر كتب السنن، والمسانيد، والتفسير، والتاريخ، والفضائل، والمناقب، القديمة منها والحديثة عن جملة من الصحابة منهم سيد العترة علي أمير المؤمنين عليه السلام وكعب بن عُجرة، وأبو مسعود الأنصاري، وعبد الله بن مسعود، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وطلحة بن عبيد الله التيمي، وزيد بن خارجة، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وزيد بن ثابت، وأبو حميد الساعدي، وعبد الله بن عمر وغيرهم، وقد صح عنهم جميعاً تعليم رسول الله صلى الله عليه وآله الصحابة الأولين كيفية الصلاة عليه، وقارن في جميع تلكم الأحاديث ذكر الآل بذكره (ص) وقلّ حكم في شرعة الإسلام جاء فيه من الحديث مثل ما جاء في كيفية الصلاة عليه(ص)، وقد جمعنا ما ورد فيها وفي ألفاظها وصورها وهي تربو على الخمسين لفظاً، مما يقارب المائة مصدر من مصادر أهل السنة فقط، وفي كافة تلك الأحاديث قارن الصلاة على آله بالصلاة عليه صلى الله عليه وآله، جمعنا ذلك في حلقة خاصة سميناها (الصلاة على محمد وآله في الميزان) على ضوء الكتاب والسنة والإجماع والعقل. نسأل الله تعالى إكمالها وطبعها إنه سميع مجيب. لقد كملت والحمد لله، وهي الحلقة الخامسة وستأتيك إن شاء الله قريباً. 2- حديث السفينة من الأحاديث النبوية الشهيرة المتواترة، وقد رواه الكثير من علماء الفريقين الشيعة والسنة، من المفسرين والمحدثين والمؤرخين بطرق عديدة، عن عُدة من صحابة الرسول (ص) منهم أمير المؤمنين عليه السلام، وعبد الله بن عباس، وسلمة بن الأكوع، وأبو ذر الغفاري، وأبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وعبد الله بن الزبير وغيرهم، راجع أحاديثهم من مصادرها الموثوقة في كتاب (محمد وعلي= =وبنوه الأوصياء) لفضيلة العلامة المجاهد الشيخ الشريف نجم الدين العسكري ج1 من ص239-282. 3- ذكرنا أحاديث الثقلين والخليفتين وبعض نصوصها، وأشرنا إلى إن من رواها من الصحابة البالغ عددهم 35 صحابياً، كما أشرنا إلى تحقيق تواترها في لفظها ومعناها، وإنه لا يمكن التمسك بأحد الثقلين دون الآخر، في كتابنا (قبس القرآن) في صفات الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم من ص337-ص345 فراجع. وسنعود –بأذن الله- في بعض الحلقات القادمة إلى دعم تلك الأحاديث بآي القرآن المجيد واستعراض مصادرها الكثيرة وطرقها المتنوعة ومفادها ومقاصدها ودلائلها من جهة عقلية ومنطقية. 4- لما عزمت- بعد التوكل على الله-على تأليف رسالة خاصة في الموضوع (الجمع بين الصلاتين) وأخذت أطالع المصادر والمؤلفات التي تتعرض لهذا الموضوع وما يتعلق به، عثرت على تنبيه لفضيلة العلامة المجاهد الشيخ محمد جواد مغنية في ذيل كتابه (الفقه على المذاهب الخمسة) ص98 من الطبُعة الثانية يقول فيه: "من علماء المذاهب من يوافق الأمامية على الجمع في الحضر، وقد ألف الشيخ احمد الصديق الغماري كتاباً في ذلك سّماه (إزالة الخطر عمن جمع بين الصلاتين في الحضر)". في حين أني كنت أجهل وجود كتاب خاص في هذا الموضوع، فرُحت أبحث عن الكتاب وأفتش عنه في المكتبات العامة والخاصة، وأسأل رجال العلم والاطلاع عنه، والكل ينكرون أن يكونوا قد سمعوا بهذا الكتاب. فكلفت بعض الأخوان –وقد سافر إلى لبنان- أن يتصل بفضيلة الشيخ مغنية ويسأله عن الكتاب، وبعد رجوعه نقل عن الشيخ أن الكتاب مطبوع ولكن نسخه نافذة وغير موجودة. وبقيت أسأل عن الكتاب هذا وذاك إلى أن سألت عنه الأخ المخلص والشاب الفاضل السيد مرتضى الرضوي النجفي صاحب (مطبوعات النجاح بالقاهرة) فأخبرني أنه يعرف أحد أولاد الشيخ الغماري وأنه في مصر، ويعرف المطبعة التي يطبعون كتبهم فيها، ووعدني أن يراسل تلك المطبعة يطلب من صاحبها إرسال الكتاب، وكتب بالفعل وبقينا ننتظر الجواب أو وصول الكتاب، والسيد الرضوي في النجف وأنا في بغداد، وكلما أذهب إلى النجف أسأله فيقول: لم يردني جواب، إلى أن سهل الله له سفرة إلى مصر، فبحث عن الكتاب هناك حتى عثر على نسخة واحدة فأتى بها إليّ وجزاه الله خير جزاء المحسنين. تاريخ طبع الكتاب سنة 1369 هجرية، وسنذكر في كتابنا هذا فهرس الموضوعات وخطبة الكتاب وسبب تأليفه أن شاء الله. كما أنا استفدنا منه كثيراً في نقض شبهاتهم وتأويلاتهم. وبعدها عثرنا على كتاب (قرة العين في الجمع بين الصلاتين) لمؤلفه العلامة حامد بن حسن شاكر اليمني طبعة القاهرة سنة 1348 هجرية، وعدد صفحاته 16 ويوجد الكتاب في مكتبة الجوادين في الكاظمية للعلامة الشهرستاني، ويوافقنا المؤلف في جواز الجمع بين الصلاتين ويقتطف على ذلك بعض الأدلة بايجاز. وأخيراً صدرت (رسالة في الجمع بين الصلاتين) لفضيلة العلامة السيد حسين يوسف مكي العاملي، وتقع مع تقديم الناشر لها في 62 صفحة. 5- سنوافيك بالتفصيل عن هذا الحديث من ناحيتي السند والمتن إن شاء الله تعالى. 6- أقرأ الشبهة الثانية، فقد فصلنا القول في مدلول هذه الآية ونقض هذه الشبهة تفصيلاً كافياً شافياً، ولله الحمد. |