فهرس الكتاب

مكتبة العقائد الإمامية

مكتبة الموقع

 

 

الخاتمة

 

وصية أمير المؤمنين (عليه السلام) بشأن الصلاة وشرحها

الوصية:

من كلام لإمامنا أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يوصي به أصحابه:

تعاهدوا أمر الصلاة، وحافظوا عليها، واستكثروا منها، وتقربوا بها، فإنها (كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) ألا تسمعون إلى جواب أهل النار حين سئلوا (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ؟ قَالُوا: لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّين) [سورة المدثر/43 و44] وأنها لتحتّ الذنوب حتّ الورق، وتطلقها إطلاق الربق، وشبهَها رسول الله (صلى الله عليه و آله) بالحَمّة تكون على باب الرجل فهو يغتسل منها في اليوم والليلة خمس مرات فما عسى أن يبقى عليه من الدرن، وقد عرف حقها رجال من المؤمنين الذين لا تشغلهم عنها زينة متاع ولا قرة عين من ولد ولا مال، يقول الله سبحانه:(رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاة) [سورة النور/38] وكان رسول الله(صلى الله عليه و آله) نَصِباً بالصلاة بعد التبشير له بالجنة لقول الله سبحانه:(وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا) [سورة طه/133]. فكان يأمر بها أهله، ويَصبّر عليها نفسه..الخ(1).

 

الشرح والتعليق عليها:

(تعاهدوا أمر الصلاة).

أوصى (عليه السلام) أولاً بالتعاهد لأمر الصلاة، ومعنى تعاهدت الشيء أي جددت به عهداً وهو القيام عليه وملاحظته، ومثال ذلك كمن له ضيعة (أي بستان) كيف يتعاهد أمرها ويلاحظ ما تحتاج إليه من حرث وبذر وسقي وحراسة وما إلى ذلك من أنواع التعاهد لها، وهكذا كل صاحب حرفة من معمل أو حانوت أو سيارة أو غير ذلك تراه يلاحظها ويكمل كل نقصان فيها، هكذا يجب على المصلي أن يتعاهد أمر صلاته فيتعرف على ما يتعلق بها من أحكام وشرائط ومقدمات، وأن يتقن صحة قرائتها إذا كان غير عارف بقواعد النحو حتى تكون صلاة صحيحة معتنى بها، وحينئذ يستحق الأجر والثواب عليها، إذ هي عمود دينه إن قبلت قبل ما سواها وإن ردت رد ما سواها، حسب نص نبينا الصادق الأمين(صلى الله عليه و آله).

ولكننا (ويا للأسف) نرى الكثير من المصلين فضلاً عن غيرهم يعتنون الاعتناء البالغ الكبير في أمر دنياهم وأنواع حرفهم ولا يعتنون بأمر دينهم وصلاتهم التي هي عموده. ومما نسب لأمير المؤمنين(عليه السلام) في هذا المعنى:

ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها*** أن السفينة لا تجري على اليبس

ما بال دينك ترضى أن تدنسه*** وثوب لبسك مغسول من الدنس

فتعاهدوا أيها المؤمنون أمر صلاتكم امتثالاً لأمر إمامكم.

(وحافظوا عليها).

امتثالاً لأمر ربكم حيث أمر جل وعلا عباده بذلك في قوله سبحانه وتعالى:(حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى) [البقرة/239](2) ومن أهم مصاديق المحافظة عليها – بعد شدة الاعتناء بإقامتها – هو اجتناب الظلم بأنواعه، بأن لا تعتدوا ولا تغشّوا ولا تخونوا ولا تكذبوا ولا تستغيبوا..إذ تكونوا بارتكاب هذه الجرائم وأمثالها قد ضيعتم أجر صلاتكم فإنه (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ) [المائدة/28].

(واستكثروا منها وتقربوا بها).

فإنه كما جاء في الخبر: الصلاة خير موضوع فمن شاء استكثر ومن شاء استقل(3) ولأن الصلاة تقرب العبد إلى ربه فهي صلة بينه وبين الله عز وجل تقربه إليه زلفى، ويؤيد هذا المعنى ما رواه الكليني بسنده عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنه قال: أقرب ما يكون العبد من الله عز وجل وهو ساجد وذلك قوله عز وجل، واستشهد الإمام بآية الأمر بالسجود والتقرب به إلى الله، وهي آخر آية من سورة العلق(4) وروى (عليه السلام) انه قال :الصلاة قربان كل تقي(5)، فبالصلاة يتقرب العبد إلى ربه ويوصل حبله بحبله، وإذا ترك العبد الصلاة فمعناه قطع صلته بالله عز وجل ،ولكن الله تعالى من لطفه ورأفته بعبده لا يقطع صلته عنه في الدنيا، فيرحمه ويرزقه لان الله تكفل بالرزق لكافة عباده المؤمن منهم والكافر، والمطيع والعاصي ،والذكر والأنثى، والكبير والصغير بل( وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَْرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) [سورة هود/7] وهكذا رحمته تشمل الجميع (في الدنيا) حتى إبليس، ولكن لو بقى العبد قاطعاً صلته بالله، كافراً بنعمه، تاركاً لصلاته التي هي أهم الفرائض وأفضلها، ربما يقطع الله عنه رحمته يوم القيامة(يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ(88)إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) [سورة الشعراء/89 و90].

ثم بيّن أمير المؤمنين (عليه السلام) بوصيته هذه أن الصلاة فريضة عينيّة لازمة على جميع المؤمنين لا بد من إقامتها ولا محيص لأحد عنها، واستدل على ذلك بآية من القرآن المجيد فقال(عليه السلام):

فإنها (كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا).

وهذا اقتباس من الآية (103) من سورة النساء وهي قوله تعالى: (فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) فقوله (كتاباً) أي فرضاً واجباً، كما في قوله تعالى:(كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) [الأنعام/55] أي أوجب الله على نفسه الرحمة لعباده، وكقوله سبحانه: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة/184]. أي فرض عليكم الصيام كما فرض على الذين من قبلكم. وقوله تعالى: (موقوتا) تأكيداً على لزوم هذا الفرض وثبوته، أو المراد موقوتاً أي منجماً وموقتاً، راجع ما حققناه حول الآية في الشبهة الثانية وما أثبتناه من نصوص أهل البيت c في تفسيرها ص174-175.

ولما كانت الصلاة فريضة قد أوجبها الله وأثبتها على عباده، بل هي أهم الفرائض وأعظم الأركان، لذا يستحق تاركها دخول النار، وقد بين أمير المؤمنين في وصيته هذه ان ترك الصلاة من الأسباب الموجبة لدخول النار، واستدل على ذلك بآية أخرى من القرآن المجيد فقال(عليه السلام):

(ألا تسمعون إلى جواب أهل النار حين سُئِلوا:(مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ؟ قَالُوا: لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ)) [المدثر/43 و44].

والسائلون لأهل النار بهذا السؤال هم أهل الجنة حيث يطلعهم الله تعالى على أهل النار فيرونهم في العذاب، ويوجهون إليهم هذا السؤال، ما سلككم في سقر؟ فأول سبب يذكرونه لاستحقاقهم العذاب ودخول النار هو ترك الصلاة، قالوا: لم نك من المصلين.

وبهذا المعنى صرح النبي (صلى الله عليه و آله) حيث قال: لا تضيعوا صلاتكم فإن من ضيع صلاته حشر مع قارون وهامان وكان حقاً على الله أن يدخله النار مع المنافقين(6) ولا تستغرب من هذا الحديث، لأن المنافق هو الذي يظهر خلاف ما يبطن في الدين، كمن يظهر الإسلام ويبطن الكفر، ويظهر الطاعة ويبطن المعصية، ويظهر الحب ويبطن البغض، وهكذا. فالذي يترك افضل الأعمال الدينية ويضيعها وهي الصلاة، ثم يدعي الإسلام فهو بلا ريب منافق و(إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا) [سورة النساء/146 و147].

وأنشد بعضهم:

خسر الذي ترك الصلاة وخابا*** وأبى معاداً صالحاً ومآبا

إن كان يجدها فحسبك انه*** أضحى بربك كافراً مرتابا

أو كان يتركها لنوع تكاسل*** غطىّ على وجه الصواب حجابا

 

ثم بيّن أمير المؤمنين (عليه السلام) بعض فوائدها فقال:

(وإنها لتحت الذنوب حت الورق، وتطلقها إطلاق الربق).

الحتّ لغة: هو تناثر الورق وسقوطه عن الشجر، والمعنى أن الله عز وجل يسقط الذنوب عن الإنسان ببركة الصلاة كما يسقط الورق عن الشجر، والربق هو الحبل الذي يربّق به الحيوان أو يكتف به الإنسان، والمعنى أن الإنسان كالمربق والمكتف بذنوبه فإذا أقام الصلاة أطلقه الله تعالى من رباقه وكتافه بغفرانه له ببركة الصلاة، فيا لها من رحمة رحم الله بها عباده.

وقد أقام أمير المؤمنين على هذا المعنى شاهداً من السنة النبوية حيث قال (عليه السلام): (وشبهها رسول الله (صلى الله عليه و آله) بالحَمّة تكون على باب الرجل فهو يغتسل منها في اليوم والليلة خمس مرات فما عسى أن يبقى عليه من الدرن.

الحمّة: هي كل عين تنبع بالماء الحار التي يستشفي بها الأعلاء والمرضى، والدرن: الوسخ، والمعنى كما أن من أغتسل في اليوم والليلة خمس مرات في الماء الحار لا يبقى على بدنه درن ووسخ فكذا من واضب على الصلوات الخمس لا يبقى عليه من درن الذنوب شيء. قال ابن أبي الحديد: وهذا الخبر من الأحاديث الصحاح، قال(صلى الله عليه و آله): أيَسُرّ أحدكم أن تكون على بابه حمة يغتسل منها كل يوم خمس مرات فلا يبقى عليه من درنه شيء قالوا: نعم، قال: فإنها الصلوات الخمس.

وكون الصلاة تسقط الذنوب عمن أقامها معنى يشير إليه القرآن المجيد بقوله:(وَأَقِمْ الصَّلاَةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) راجع ما حققناه حول الآية الكريمة من سورة هود، إذ هي الآية الأولى التي استعرضت أوقات الصلوات الخمس، وراجع أقوال وروايات أهل السنة حول الآية، وأقرأ أيضاً الأحاديث النبوية في تفسير خاتمة الآية (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) فقد ذكرنا هناك ستة أحاديث ترويها الصحاح والسنن من الشيعة وأهل السنة في أن المراد من الحسنات إنما هي الصلوات الخمس، وإنها تذهب السيئات وتسقطها، وأن مثلها كمثل النهر الجاري الذي يغتسل منه في اليوم خمس مرات.

والجدير بالذكر (الذي يلزم التنبيه عليه) إن الذنوب التي تسقطها الصلوات الخمس هي الصغائر منها لا الكبائر كما قد صرح بذلك الصادق الأمين (صلى الله عليه و آله) حيث قال: الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر(7).

وأجل فائدة للصلاة وأنفع ثمرة لها ما ذكره الله تعالى بقوله:(وَأَقِمْ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) [سورة العنكبوت/46].

ومن هنا قال السيد بحر العلوم قدس سره: تنهى عن المنكر والفحشاء. اقصر فهذا منتهى الثناء. وهنا يأتي سؤال يدور على ألسن الكثير من الناس فيقال: نرى كثيراً من الناس يصلون ولم تنههم صلاتهم عن الفحشاء والمنكر، فالجواب: إن الإنسان لو أقام الصلاة وهو مؤمن بالله عز وجل صادق الإيمان، وكانت صلاته كما شرعها الله، وكما هي ثابتة عن النبي (صلى الله عليه و آله) وأهل بيته الأطهار، أي جامعة لشرائط الصحة، وجامعة لشرائط القبول أيضاً من إحضار القلب فيها، والتدبر لمعاني ما تضمنته الصلاة من الذكر والقراءة والتسبيح وغير ذلك لعلم أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وبيان ذلك:

أول ما يبتدئ به العبد في صلاته: "الله أكبر" فيعترف بأنه أكبر من أن يوصف، وأنه أكبر من كل شيء،فيحصل في نفسه الإذعان لكبرياء خالقه وعظمته، ثم يقول: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) كلمة الشروع، (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) وهو اعتراف بأنه المنعم المستحق للحمد المطلق في مقابل نعمه التي لا تحصى، واعتراف أيضاً بأنه المربي للعوالم بما فيها، فيتوجه إليه بكل حواسه،(الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) يصفه بالرحمة استعطافاً لأنه بعد اعترافه بأن الله هو المربي لكل العوالم (ما يعقل وما لا يعقل) يستصغر نفسه، فلأجل استجلاب الرحمة والعطف الإلهي يصفه بذلك، (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) اعتراف بالمعاد والقيامة وأنه تعالى هو المالك لجميع الأمور في ذلك اليوم، وكل شخص يعترف مصدقاً بالقيامة والمحاسبة فيها يكون دائماً بصدد إصلاح أموره الفردية والاجتماعية، لئلا يكون مسؤولاً في ذلك اليوم الرهيب أمام ربه وأمام جميع الخلائق،(إِيَّاكَ نَعْبُدُ) اعتراف بوحدانية المعبود، بمعنى أعبده ولا أعبد غيره(وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) اعتراف بأن الاستعانة لا تكون (حقيقة) إلا بالله تعالى فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وتقديم المفعول أعني(إِيَّاكَ)يفيد الحصر كما يقول العلماء، وأحسن السيد بحر العلوم: إياك من قول به تفند. فأنت عبد لهواك تعبد. تلهج في إياك نستعين. وأنت غير الله تستعين (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيم) ..الخ. شروع في الدعاء لنفسه وهدايتها..وابتعاد عن الضلال والغواية، (الركوع) تعظيم وخشوع للخالق (سبحانه ربي ..الخ) تنزيه الباري عن النقائص والرذائل والصفات الذميمة (السجود) غاية الخضوع والخشوع، وهكذا إلى آخر الصلاة، فكل جزء من فعل وقول وحركة منها لها فوائد نفسية واجتماعية تظهر بالتدبر فيها لا مجال لشرحها مفصلاً.

فالصلاة اعتراف عملي بالإيمان بالله وصفاته ونعمه الذي هو أأكد من الاعتراف القولي، كما أن مطلق الأعمال أأكد في الدلالة من الأقوال، ولذلك ورد "أدّبوا الناس بأعمالكم".

فكل فرد إذا تذكر كل يوم خمس مرات أن هناك رباً له بالمرصاد سميعاً عليماً، وأنه المنعم عليه، والمستعين به دون غيره، وأن هناك يوماً يحاسب فيه وتناقش فيه أعماله، ويُسأل عن أداء فرائضه ووظائفه كيف يتصور صدور المخالفة عنه، أو يغفل عن حقوق أبناء مجتمعه، وبذلك يظهر لك (بوضوح) تفسير الآية الكريمة(إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) وهذا كله بعد المعرفة والإيمان بالله عز وجل وثبوته في قلبه، وإلا لم تنهه صلاته وأن صلّى بتدبر، لأن الإيمان بالله هو الأساس الأول لصحة الأعمال وقبولها.(قَالَتْ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلْ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) [الحجرات/15]. ومن هنا لما سأل معاوية بن وهب الإمام الصادق(عليه السلام) عن أفضل ما يتقرب به العباد إلى ربهم وأحب ذلك إليه فقال(عليه السلام): ما أعلم شيئاً بعد المعرفة أفضل من هذه الصلاة ألا ترى العبد الصالح عيسى بن مريم قال(وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا) [مريم/33](8).

فالمؤمنون العارفون بالله هم الذين تنهاهم صلاتهم عن الفحشاء والمنكر وهي كبائر الذنوب، وتسقط عنهم الصغائر وتكفرها، ومن هنا قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصيته:

"وقد عرف حقها رجال من المؤمنين لا تشغلهم عنها زينة متاع ولا قرة عين من ولد ولا مال يقول الله سبحانه وتعالى:(رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاة).

فالمؤمنون هم الذين يعرفون حق الصلاة وأهميتها وعظيم فوائدها وينتفعون بها في دينهم ودنياهم، ولو لم يكن من فضلها إلا ما ورد في الكتاب العزيز من تكرار ذكرها وتأكيد الوصاية بها والمحافظة عليها لكان بعضه كافياً، كيف وقد ذكر الله تعالى الصلاة في القرآن بمادتها (غير ما ذكرها بلفظ التسبيح والذكر أو غير ذلك) في مائة مقام أو أكثر.

ولما كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) هو أعرف خلق الله بالله لذا كان (صلى الله عليه و آله) تعباً في الصلاة كما قال أمير المؤمنين(عليه السلام):

(وكان رسول الله (صلى الله عليه و آله) نصباً بالصلاة بعد التبشير له بالجنة لقول الله سبحانه وتعالى (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا) فكان يأمر بها أهله ويصبّر عليها نفسه).

والمراد من الأهل في هذه الآية بالخصوص هم علي وفاطمة والحسن والحسين الذين أنزل الله تعالى فيهم آية التطهير أيضاً وعبر عنهم بأهل البيت، كما تضافرت بذلك السنن النبوية من طرق الشيعة وأهل السنة، قال شيخنا الطبرسي في مجمع البيان: روى أبو سعيد الخدري قال: لما نزلت هذه الآية (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا) كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يأتي باب فاطمة وعلي تسعة أشهر عند كل صلاة فيقول: الصلاة رحمكم الله. (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) [الأحزاب/34]. قال: ورواه ابن عقدة بإسناده من طرق كثيرة عن أهل البيت وعن غيرهم مثل أبي برزة وأبي رافع، وقال أبو جعفر الباقر (عليه السلام): أمره الله تعالى أن يخص أهله دون الناس ليعلم الناس أن لأهله عند الله منزلة ليست للناس، فأمرهم مع الناس عامة ثم أمرهم خاصة(9) .

وقال السيوطي الشافعي في (الدر المنثور): وأخرج ابن مردويه، وابن عساكر، وابن النجار، عن أبي سعيد الخدري قال: لما نزلت(وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ) كان النبي(صلى الله عليه و آله) يجيء إلى باب علي صلاة الغداة ثمانية أشهر يقول: الصلاة رحمكم الله. ِ(إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)(10).

وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: لما زوج علي بفاطمة J جاء النبي (صلى الله عليه و آله) أربعين صباحاً إلى بابها يقول: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته: الصلاة رحمكم الله.(إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) أنا حرب لمن حاربتم، أنا سلم لمن سالمتم(11).

وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، والترمذي، وحَسَّنه، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والحاكم، وصححه، وابن مردويه، عن أنس بن مالك أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان يمر بباب فاطمة J إذا خرج إلى صلاة الفجر ويقول: الصلاة يا أهل البيت. (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)(12).

واخرج ابن جرير، وابن مردويه، عن أبي الحمراء قال: حفظت من رسول الله (صلى الله عليه و آله) ثمانية أشهر بالمدينة ليس من مرة يخرج إلى صلاة الغداة إلا أتى باب علي (عليه السلام) فوضع يده على جنبتي الباب ثم قال: الصلاة الصلاة. (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)(13).

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: شهدنا رسول الله(صلى الله عليه و آله) تسعة أشهر يأتي كل يوم باب علي بن أبي طالب(عليه السلام) عند وقت كل صلاة فيقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أهل البيت(إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) الصلاة رحمكم الله، كل يوم خمس مرات(14).

نعم هكذا كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يخص أهل بيته الأطهار بالأمر بالصلاة، فليقتدي المؤمنون بنبيهم الكريم في إقامة هذه الفريضة العظيمة والمحافظة عليها، وليأمر كل واحد منهم أهله وخاصته بإقامتها والمحافظة عليها أيضاً.

(لقد كان لكم في رسول الله (صلى الله عليه و آله) اسوةٌ حسنة لمن كان يرجو الله واليومَ الآخر وذكر الله كثيراً)

الخطيب

عبد اللطيف البغدادي

بغداد/ حي المستنصرية (العقاري)

م(502) ز(7) د(11)

هاتف 4150090

 

تقريضٌ شِعري فيٌ بيتين

تفضّل علينا فضيلة الأديب الكبير العلامة الشيخ عبد الغفار الأنصاري ببيتين من الشعر في تقريض الكتاب إرتجلهما وقدمهما إلينا بخطه بما نصُّه:

(تقريض كتاب المتبحر الأستاذ الخطيب الشيخ عبد اللطيف البغدادي (الجمع بين الصلاتين):

أسلوبكم بالجمع في الصلاة*** تسند الآثار بالآياتِ

بنوعه قد جاءنا (لطيف)*** يزهو بنور العلم كالمرآةِ

 

عبد الغفار الأنصاري

"تاريخ تأليف الكتاب ونشره في بيتين للمؤلف"

جمع الصلاتين لعبد اللطيف*** فيه المنى (لكل عبد منيب)

أرختُ [في إتمامه كاملاً*** (نصرٌ من الله وفتح قريب)]

1971 تاريخ تأليف الكتاب

وبعد أن طبع الكتاب (الطبعة الأولى) عام 1973 غيّر المؤلف بيت التاريخ ليصبح بالسنة الهجرية وكما يلي:

قد قلت في تاريخه [كاملاً***(نصرٌ من الله وفتح قريب)]

1394هـ (تاريخ نشر الكتاب)

 

1- هذه الوصية طويلة، أخذنا منها ما يتعلق بالصلاة، ويوصي (ع) بعدها بالزكاة ثم بالأمانة وينبه العباد بإحاطة الله سبحانه بهم، وإنه لا يخفى عليه ما اقترفوه. فراجعها في طبعات النهج، وفي شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج2/569، كما رواها الكثير من علمائنا ومنهم ثقة الإسلام الكليني في فروع (الكافي) بسنده، بتغيير يسير، كما نقلها عنه صاحب (نهج السعادة) ج2/55 باب الوصايا.

2- الصلاة الوسطى هي الظهر على أظهر الأقوال، قال السيد بحر العلوم: حافظ عليهن وخصَّ الوسطى. ظهراً على الأظهر فيها ضبطاً.

3- (المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء) للمولى محسن الكاشاني ج2/63.

4- لم نذكر نص الآية لأنها من آيات السجدة الواجبة، والحديث في (الكافي) ج3/264 في الباب الأول من كتاب الصلاة.

5- المصدر السابق ص265، ونقل الحديثين عن الكافي صاحب نهج السعادة ج2/22.

6- حديث شهير نقلناه عن أجوبة المسائل الدينية ج3و4 من المجلد الرابع عشر.

7- حديث شهير مرت بعض مصادره في ذكر الآية من سورة هود، وتجده في المستطرف ج1 ص7.

8- والحديث في (الكافي) ج3 ص264 رقم1.

9- مجمع البيان ج4/37.

10- الدر المنثور ج4/313.

11- الدر المنثور ج5/199.

12- المصدر السابق، وتفسير ابن كثير ج3/483 نقلاً عن احمد، والترمذي، وعبد بن حميد.

13- المصدران السابقان، ورواه أيضاً ابن عبد البر المالكي في الاستيعاب ج3/572 بتغيير يسير.

14- الدر المنثور ج5/199. إن مرور النبي (ص) عند كل صلاة (ومعه أصحابه) على باب علي وفاطمة وفيها الحسن والحسين أيضاً يسلم ويترحم عليهم، ويأمرهم بالصلاة، ويتلو آية التطهير تسعة أشهر أو ثمانية كل ذلك حرصاً على أن يفهم أصحابه (والناس أجمعين) عملياً بأن آية التطهير نازلة فيهم فحسب، وهناك نصوص قولية وعملية صريحة ومتواترة في نزول آية التطهير فيهم. راجع تفسير الطبري ج22/5 وتفسير الدر المنثور ج5/198-199 عدد الأحاديث 17 وتفسير ابن كثير ج3/483 عدد 16 وراجع إحقاق الحق ج2/502-572.