|
الفصل السابع موسى عليه السلام وقتل القبطي
بسم الله الرحمن الرحيم (لقد ابتغوا الفتنة من قبل، وقلبّوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون)(1). (ومن يرد الله فتنته، فلن تملك له من الله شيئاً. أولئك لم يرد الله أن يطهّر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم)(2).
الآيات القرآنية : (قال ألم نربّك فينا وليداً ولبثت فينا من عمرك سنين * وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين * قال فعلتها إذاً وأنا من الضالين * ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكماً وجعلني من المرسلين * وتلك نعمة تمنها علي أن عّبدت بني إسرائيل)(3). (ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين * قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم * قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيراً للمجرمين * فأصبح في المدينة خائفاً يترقب فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه قال له موسى إنك لغوي مبين * فلما أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس إن تريد إلا أن تكون جباراً في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين)(4).
العناوين المشكلة : 54- إحتمال ارتكاب النبي موسى (ع) جريمة دينية. 55 - الآلام النفسية لموسى (ع) بسبب عملية القتل. 56 ـ جريمة موسى (ع) في مستوى الخطيئة. 57 ـ الخطأ غير المقصود لموسى (ع). 85 ـ موسى (ع) يستجيب للوسوسة الخفية بالقتل"(5).
النصوص المشكلة : "ولكن هل يشعر بالذنب لقتله القبطي، باعتبار أن ذلك يمثل جريمة دينية في مستوى الخطيئة التي يطلب فيها المغفرة من الله؟! أو أن المسألة هي أنه يشعر بالخطأ غير المقصود الذي كان لا يجب أن يؤدي إلى ما انتهى إليه مما يجعله يعيش الألم الذاتي تجاه عملية القتل.. إننا نرجح الإحتمال الثاني.."(6). "أما حديث التأثير الشيطاني في الأشياء من خلال آية المائدة فلا يدل على المقصود، فإن الظاهر إرادة الإرتباط بهذه الأشياء في الجانب العملي من خلال وسوسته للإنسان في الأخذ بها بالطريقة المضادة لمصلحته، وهذا هو الذي نفهمه من آية موسى (ع) لأن قتله للقبطي قد يكون ناشئاً من الوسوسة الخفية فيما تضعه من حالة الإثارة التي تقود إلى ذلك"(7). هذا هو الفصل السابع المتعلق بقضية نبي الله موسى (ع) والقبطي، والدواعي هي الدواعي، والوسائل هي الوسائل، والغايات هي الغايات، والمنهج هو المنهج.. ولا شك أن الفصول الستة المتقدمة كانت كافية للقارئ ليتعرف عن كثب على هذا المنهج "البديع" لهذا "الكاتب المبدع ".. لذا نرى أن لا داعي بعد للإستغراق في بيان ذلك تجنباً للتكرار والإطالة.. ولكن لا بد من الإشارة إلى بعض المفارقات التي تتعلق بالمفاصل الأساسية لهذه القضية الحساسة التي يتوقف على تفسيرها بهذا الرأي أو ذاك، إيمان صاحب هذا الرأي أو ذاك، بعقيدة الإمامية بعصمة الأنبياء.
لم تقولون ما لا تفعلون؟! من "المقولات الجريئة" التي يتبناها صاحب "من وحي القرآن" مقولة : احتمال ارتكاب نبي الله موسى (ع) جريمة دينية بمستوى الخطيئة.. وقد تقدم عرض النص المشكل الذي يتضمن هذه المقولة في بداية الفصل. وكما هو ديدين هذا "الكاتب" في مراجعاته، سعى لتمحّل التصويبات لهذه المقولة، وكعادته عمد إلى تحريف كلام العلماء الأعلام ليوافق كلام صاحب (من وحي القرآن )، أو توجيه كلامه ليوافق كلام العلماء، ولم ينس أن يتهم العلامة المحقق بتقطيع أوصال النصوص.. هذه التهمة التي درج على رميه بها، وكأن تكرارها مطلوب ومرغوب!!! ولما لم ينفعه تمحّل التصويب هنا، ولم يكفه التحريف هناك، ولم يقنع بالتوجيه.. لجأ إلى الجمع بينها احتياطاً ليفرغ ذمته، فإن اشتعال الذمة اليقيني يستدعي فراغها اليقيني، من كل أمانة وموضوعية وحياد..!! ولبيان ذلك نقول : عمد "الكاتب" إلى اتهام العلامة المحقق بأنه لم يتابع سياق حديث "السيد"، وأنه إكتفى بالوقوف عند ترجيحه للإحتمال الثاني ، هذا الترجيح الذي يلزم منه أن يبقى الإحتمال الأول، وهو شعور موسى (ع) بالذنب لقتله القبطي " باعتبار أن ذلك يمثل جريمة دينية بمستوى الخطيئة.." ، مرجوحاً. مدعياً، أن "السيد" قد جزم بعد ذلك بنفي هذا الإحتمال،" واثبت بضرس قاطع الإحتمال الثاني فحسب"(8). ثم تساءل " الكاتب " : " لماذا لم يجزم صاحب "من وحي القرآن" ويحسم الأمر من أول وهلة.. بل قال إننا نرجح الإحتمال الثاني"(9). وأجاب : ".. هذا إسلوب رائع من أساليب الحوار والمجادلة والإقناع، يستعمله حتى الأنبياء والمرسلون عليهم السلام. ألم تقرأوا قصة إبراهيم (ع) في رؤيته للنجم والقمر.. ألم تذهبوا – أنتم – [يقصد العلامة المحقق] إلى أن هذا الإسلوب هو من أساليب الحوار والمجادلة والإقناع"(10)!! وليلتفت إلى قوله : " ألم تذهبوا..إلخ" حيث يثبت هذا "الكاتب" بهذا القول ما نفاه عن العلامة المحقق في الفصل الثالث من هذا الكتاب..، ولعل حافظته قد خانته هنا فنسي ما رتبه على هذا النفي هناك من آثار كما سترى. وقد يسأل القارئ : أين المشكلة في هذا الكلام فيما نحن فيه من قضية موسى (ع) وقتله القبطي، سواء على فرض أثبت "الكاتب" للعلامة المحقق أنه ذهب إلى هذا الإسلوب من الحوار، أم نفاه عنه؟. فنقول : مع القليل من التأمل، سيكتشف القارئ زيف إدعاءات "الكاتب" "بالنزاهة المفرطة" "والحيادية البالغة" و "الموضوعية الصرفة"، وبأنه ليس في مقام الدفاع عن أحد. ولبيان ذلك، لا بد من العودة إلى الوراء قليلاً، وتحديداً إلى الفصل الثالث المتعلق بخليل الله ابراهيم (ع) حيث يقول "الكاتب" هناك : "وخلاصة القول في قصة ابراهيم عليه السلام : 1ـإن رأي "السيد" الذي استقر به ورجحه هو من أفضل الآراء وهو الإتجاه الذي يذهب إلى أن إبراهيم عليه السلام قال : (هذا ربي) على سبيل المجادلة والمناظرة، لا النظر، وأنه كان مجرد "محاكاة إستعراضية إيحائية للأجواء المحيطة به.. في محاولة إيحائية لمن حوله بسخافة هذه العقائد وتفاهتها". 2ـإن الرأي الآخر الذي استوجهه "السيد" وإن لم يختره دلت عليه الروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام، واستوجهه أعلام التفسير الشيعة على مدى قرون، فلم يكن الشريف المرتضى أولهم، ولا العلامة الطباطبائي آخرهم. 3 ـ الرأي الذي اخترتموه، والذي يذهب إلى أن إبراهيم عليه السلام في قوله (هذا ربي) كان في مقام الإستنكار والإستهزاء يٌعد من أضعف الآراء في المسألة ولا ينسجم مع ظواهر الآيات والسياق"(11). ولا شك أن القارئ قد التفت إلى المفارقة الظاهرة في كلام "الكاتب" هذا، عن أن صاحب "من وحي القرآن" قد استقرب ورجح أن إبراهيم كان في مقام المجادلة والمناظرة، وأن هذا إسلوب رائع من أساليب الحوار، في الوقت الذي اعتبر فيه أن العلامة المحقق قد اختار وتبنى مقولة الإنكار والإستهزاء، وقد بينا في حينه أن هذا تضليل من الكاتب لأن العلامة المحقق إنما اختار مقولتي : " المجادلة والمناظرة"، و " الإنكار والإستهزاء" معاً ومن شاء فليراجع كلامنا هناك.. على أنه لا مانع من الإلتزام بالمقولتين معاً، لأنهما في الحقيقة تعودان إلى أمر واحد، لأن الذي يكون في مقام المجادلة والمناظرة "لإظهار سخافة عقائد قومه وتفاهتها" على حد تعبير صاحب "من وحي القرآن" يكون في الحقيقة في مقام الإستنكار والإستهزاء. ومهما يكن من أمر، يبدو أن "الكاتب" قد نسي وصفه لرأي العلامة المحقق هناك بأنه من أضعف الآراء حيث عاد ليقول هنا : " ألم تذهبوا – أنتم – إلى أن هذا الإسلوب من أساليب الحوار والمجادلة والإقناع ". فسبحان الله مقلب القلوب والأبصار، كيف أضحى رأي العلامة المحقق باعتراف "الكاتب" نفسه من أقوى الآراء وأفضلها، بعد أن كان من أضعفها!!. واستحضر في هذا المقام قول أمير المؤمنين (ع) :" ما أضمر امرؤ شيئاً إلا وظهر في فلتات لسانه "، هذا حتى لا نقول : لا حافظة لكذوب.. وبعد كل ما تقدم يريدنا "الكاتب" أن نصدّقه فيما يدّعيه، ويريده ويتمنّاه في مقدمة كتابه هذا، من أن لا تفهم رسائله هذه على "أنها دفاع عن ( السيد ) الشخص أو عن مواقفه في كل ما جاء به من تفسير واختاره من اتجاه، وتبناه من قول ورأي"(12). ويريد منا أيضاً أن نصدقه فيما ادعاه من أن كتابه هذا يهدف إلى "تفعيل حركة النقد" و "الممارسة النقدية" التي لها "دور كبير وفاعل في تكامل الأفكار وتواصلها وتطويرها" ثم بعد ذلك ينظر بقوله :" إن هناك شروطاً وضوابط وأخلاقيات للمارسة النقدية، والتعامل مع معطيات الفكر الآخر، لا بد من توفرها لتعطي حركة الحوار والجدال والنقد أهدافهما الأساسية ونتائجها الإيجابية"(13). وثمة مفارقة أخرى هنا وهي قوله : إن "السيد" أثبت " بضرس قاطع الإحتمال الثاني فحسب" فلماذا لم يحمل على " السيد" هذا القطع والجزم، ولم يستحضر له ما ذكره سابقاً عن المنهج الإحتمالي في التفسير الذي نسبه إلى الإمام الخميني (قده) . ولنا أن نسأل بعد ما مرّ، ألا يعتبر "الكاتب" فيما قدمه مصداقاً ينطبق عليه قول الله عز وجل : (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون)(14). الشاهد الأعمىويتابع "الكاتب" حديثه عن السبب الذي دفع صاحب "من وحي القرآن" إلى أن لا يحسم الأمر من أول وهلة، في موضوع عدم ارتكاب نبي الله موسى (ع) جريمة دينية، بل قال : "إننا نرجح الإحتمال الثاني". فبعد أن اعتبر "الكاتب" أن هذا "اسلوب رائع من أساليب الحوار"، أردف قائلاً: " فليس من الضروري أن يجزم المفسِّر لأول وهلة بالإتجاه الذي يتبناه ويرتضيه، ويرفض الإتجاه الذي لا يرتضيه..". وأضاف : "إننا كثيراً ما نجد سيد المفسرين في هذا العصر، العلامة الطباطبائي (قده) لا يعطي رأيه النهائي من أول وهلة، بل ولا من أول صفحة". وتابع قائلاً : "ولعل أكبر مثال على ذلك تفسيره لسورة "عبس" حيث نجده في بيانه في أول السورة لم يختر رأياً، ولم يرجح رواية، بل أشار إلى ورورد روايات من طرق أهل السنة والشيعة.. ثم قال : وسيوافيك تفصيل البحث عن ذلك في البحث الروائي.. وبعد أربع صفحات يعقد البحث الروائي ويستعرض فيه الروايات المتعارضة ثم يعطي رأيه النهائي الذي يستبعد فيه أن السورة نازلة في النبي (ص)"(15). غريب أمر هذا "الكاتب" في شاهده هذا الذي تقدم!! إذ كيف جعل من "لم يختر رأياً ولم يرجح رواية" من أوِّل الأمر، كمن يحتمل من أوِّل الأمر رأيين ويرجح أحدهما ويترك الآخر مرجوحاً؟!!. وعجيب أمره، كيف جعل من يستعرض الآراء ثم "يعطي رأيه النهائي" كمن يحتمل ويرجح، ثم يقدم المبرارات التي دفعته للإحتمال والترجيح؟!!. والأغرب والأعجب من ذلك، هو كيف جعل من يتحدث عن آراء وأقوال كمن يتحدث عن احتمالات وترجيحات؟!!. وكأنه لا يعرف الفرق بين أن يعبر المرء بعبارات مثل "آراء" و "أقوال" وغيرها وبين أن يتحدث عن "احتمالات" و "وترجيحات". ولو أضفى "الكاتب" على شاهده هذا بعض النزاهة والأمانة والأخلاقيات النقدية التي ينادي بها، لارتد بصيراً وشهد عندها شهادة حق لا تخفى حتى على من هو أضل سبيلا.. استيحاء طريفهذا وقد لفت نظري أثناء مراجعتي لتفسير الآيات مورد البحث، استيحاء طريف لصاحب "من وحي القرآن"، الذي علق بعد وصوله إلى قوله تعالى : ( فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه) بقوله : " لينتصر له في معركة جديدة مع شخص آخر من الأقباط.. ولم يستجب موسى له، فقد استوعب التجربة السابقة واحتوى نتائجها في فكره وشعوره.. فقد لا يكون المستغيث دائماً مظلوماً، بل قد يكون صاحب مشاكل يتحرك في عملية الإثارة للنزاع والخلاف على أساس حدة طبعه أو رغبته في العدوان.. فكيف يمكن له أن يستجيب له.. وإذا كان موسى قد اندفع سابقاً للإنتصار له، فليس ذلك من موقع الإنتصار للقريب، بل من موقع الإعتقاد بأنه مظلوم من قبل القبطي إنطلاقاً من دراسة طبيعة الأشياء في موازين القوة التي توحي بأن القبطي في مركز القوة، والإسرائيلي في مركز الضعف.. ولكن المسألة الآن هي أن صاحبه يدخل في خلاف جديد.. مما يوحي بأنه رجل يتعمد المشاكسة مع الآخرين.. وقد يكون انتصار موسى له أغراه في ذلك.. "قال له موسى إنك لغوي مبين" فإنك لا تسلك طريق الرشد الذي يفرض على الإنسان أن يحل الأمور بالتي هي أحسن، بعيداً عن العنف، أو أن يبتعد عن الدخول في القضايا التي تثير الخلاف من حوله "فلما أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما "ليدفعه عن صاحبه، لينهي المعركة بسلام، أو ليواجه عدوانه بطريق القوة، بعد أن امتنع عن الإبتعاد عنه"(16). هذا النص يحوي جملة من "الإستيحاءات" الطريفة نشير إلى بعضها : 1 ـ من أين استوحى صاحب "من وحي القرآن" أن موسى (ع) أراد أن يدفع القبطي عن صاحبه لينهي المعركة بسلام، مع أن الآية ظاهرة بأن الدفع إنما كان "بالبطش"، أي "بالضرب بقوة وسطوة" كما في القاموس المحيط. 2 ـ كيف يوفق بين حديثه عن أن موسى (ع) لم يستجب له لأنه استوعب التجربة السابقة ، وبين التدخل من جديد ليبطش بالذي هو عدو لهما؟!. 3 ـ وكيف يكون موسى (ع) في تدخله السابق قد أغرى الإسرائيلي بتعمد المشاكسة، ومع ذلك يتدخل موسى (ع) من جديد لمساعدته؟!. 4 ـ كيف يمكن الموازنة بين كل ما ذكره، من أن المستغيث قد لا يكون دائماً مظلوماً، وأنه قد يتحرك على أساس حدّة الطبع ورغبة العدوان، وبالتالي فإن من كان هذا شأنه لا يمكن أن تدافع عنه، وأن المدافعة السابقة عنه، إنما كانت من موقع اعتقاد موسى (ع) بأنه مظلوم من قبل القبطي، وأن المسألة الآن ودخوله في عراك يوحي بأنه رجل يعتمد المشاكسة، كيف يمكن الموازنة بين كل ذلك وبين قيام موسى (ع) بالدفاع عنه من جديد، وربما بطريقة أشد من الأولى وأعنف، التي عبر القرآن عنها بلفظ "وكز" وهي الضرب، وقيل الضرب مع قبض الكف، بل قيل أنها و "اللكز" مترادفان، وهي على أي حال خالية من إشارة إلى عنف الضربة أو خفتها، وإن كان المتبادر منها أنها خصوص الضرب الخفيف، أما في الثانية فقد عبر القرآن عنها "بالبطش"، وهو الضرب القوي كما أسلفنا. الهروب إلى الأمامإن من جملة الإشكالات التي طرحها العلامة المحقق على صاحب "من وحي القرآن"، اعتباره أن قتل القبطي "قد يكون ناشئاً من الوسوسة الخفية فيما تصنعه من حالة الإثارة التي تعود إلى ذلك"(17). ومقتضى هذا التفسير، أن الإشارة في كلمة "هذا" الواردة في قوله تعالى : (هذا من عمل الشيطان) تعود للقتل لا للإقتتال. لكن هذا الكلام يناقض ما ذكره صاحب "من وحي القرآن" في تفسيره لسورة القصص، حيث اعتبر أن كلمة "هذا" إشارة إلى الإقتتال لا القتل(18). وأمام هذا التناقض المألوف من صاحب "من وحي القرآن"، وكثيراً ما يظهر متناقضاً ، حاول "الكاتب" التملص من هذا التناقض وتوجيهه، فعمد إلى تلفيق "سيناريو" لا يخلو من ابداع، وذلك عندما اتهم العلامة المحقق بأنه لجأ إلى موضع آخر من كتاب "الوحي" وهو الجزء 19 الذي يقطع "الكاتب" فيه بأن صاحبه لم يكن "بصدد تفسير آية سورة القصص، إنما كان بصدد مناقشة العلامة الطباطبائي الذي يقول بتأثير الشيطان على النبي أيوب (ع) جسدياً"(19) معتبراً أن " السيد" في هذا المورد " قال : بالرأي الآخر في تفسير ( هذا من عمل الشيطان ) تنزلاً، فذكر التفسير المعروف والمشهور والذي يذهب إليه العلامة الطباطبائي وغيره من المفسرين"(20). ونقول : إن كلام هذا " الكاتب" بعيد عن الصواب وذلك بملاحظة ما يلي: 1- لقد كان صاحب " من وحي القرآن " يناقش العلامة الطباطبائي (قده) في رأيه بتأثير الشيطان على النبي أيوب (ع) جسدياً ، حيث عمد إلى رفض هذا الرأي من منطلق أن الشيطان إنما يهدف من خلال وسوسته التأثير على حركة الإنسان في " قضاياه العملية المتصلة بأوامر الله ونواهيه لإضلاله بطريق الوسوسة التي تدعو الإنسان إلى الإستجابة له في حركة الإنحراف عن الخط المستقيم"(21). واعتبر صاحب "من وحي القرآن" أن ما يؤكد ذلك هو قوله تعالى : (لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم من خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ثم لا تجد أكثرهم شاكرين)(22). وعلى هذا الأساس يعتبر صاحب "من وحي القرآن" أنه لا يجد ملامح صورة الشيطان من حيث كونه أحد "المؤثرات الطبيعية في مرض الإنسان أو تعبه"(23). ومن هنا فإنه يرى أن القضية تتمحور حول خطين : "خط الهدى الذي يريده الله للإنسان من مواقع اختياره، وخط الضلال الذي يحركه الشيطان من خلال الوسوسة"(24). ومن خلال رؤيته هذه للمسألة، ناقش صاحب "من وحي القرآن" رأي العلامة الطباطبائي في مسألة تأثير الشيطان على الأجسام والأشياء، حيث اعتبر أن هذا الحديث لا يدل على المقصود. وخلص إلى القول بأن "الظاهر إرادة الإرتباط بهذه الأشياء في الجانب العملي من خلال وسوسته للإنسان في الأخذ بها بالطريقة المضادة لمصلحته"(25). ولما أراد صاحب "من وحي القرآن" تقديم شاهد على ضوء هذه الرؤية، عمد إلى تقديم قضية قتل موسى (ع) للقبطي، لتكون بمثابة الشاهد على أن تركيز الشيطان في وسوسته إنما هو فيما يتعلق بالجانب العملي ؛ لذلك قال: "وهذا هو الذي نفهمه من آية موسى (ع)، لأن قتله للقبطي قد يكون ناشئاً من الوسوسة الخفية فيما تصنعه من حالة الإثارة التي تعود إلى ذلك"(26). بعد ما مرّ نسأل "الكاتب" أين هو ذلك التنزّل الذي تحدث عنه؟! وكيف يصح أن نقول عمّن يناقش رأي الآخر ويعارضه، ثم يأتي بالشواهد على مدعاه، بأنه ذكر ذلك على سبيل التنزّل؟!!. 2ـ وبعد أن إطّلعنا على كامل عبارات صاحب "من وحي القرآن"، ندرك السبب الذي دفع "الكاتب" إلى تجاهل هذا النص، وهذه المناقشة للعلامة الطباطبائي، واقتصاره على جملة واحدة منها، حاول من خلالها إظهار أن صاحب "من وحي القرآن"، إنما كان في مقام ذكر التفسير المعروف والمشهور. وهذه الدعوى لا تخلو من طرافة، وكيد في آن. 3 ـ وإذا أردنا أن نجاري هذا "الكاتب" في أسلوبه في تحديد نسبة أمانته بالأرقام نقول : لقد اقتطع "الكاتب" سطراً واحداً من سياق مناقشة كان مقدارها واحداً وخمسين سطراً، وبذلك يكون "سماحته" قد ذكر جزءاً واحداً من واحد وخمسين جزء أي بمقدار 51/1 من المناقشة فحسب؟!!. 4 ـ على أن تبرير "الكاتب" لما ذكره صاحب "من وحي القرآن" بأنه : لم يكن بصدد تفسير آية سورة القصص، مما لم يسبقه إليه أحد، وربما لن يتبعه عليه أحد، إلا من أعمى الله بصيرته. فإن كونه لم يكن في مقام تفسير سورة القصص، لا يدلل على كون ذلك ليس رأياً له، خاصة إذا كانت عباراته هي تلك التي أسلفنا ذكرها، حيث كان في مقام الرد على العلامة الطباطبائي (قده) بخصوص كون الأنبياء وأهل بيت العصمة " في أمن من تأثير الشيطان في نفوسهم بالوسوسة، وأما تأثيره في أبدانهم وسائر ما ينسب إليهم من إيذاء وأتعاب، أو نحو ذلك من غير إضلال، فلا دليل يدل على امتناعه"(27). إذن، لقد كان صاحب "من وحي القرآن" يناقش رأي العلامة الطباطبائي (قده) الذي ينفي تعرض الأنبياء للإضلال من الشيطان، وأنهم، لعصمتهم، في أمن من تأثيره في نفوسهم. هذا الرأي الذي صدر صاحب "من وحي القرآن" مناقشته له بقوله : "ولنا ملاحظة على ذلك"، ثم عمد إلى تقديم مناقشة دور الشيطان في الأرض بما تقدم ذكره(28). وبعد كل الذي قدمناه، أصبح من الواضح جلياً، أن محاولة هذا "الكاتب" رفع التناقض في كلام صاحبه لا تعدو كونها محاولة "للهروب إلى الأمام". على أن هذه المحاولة لن تنجح لأن القارئ ليس بسيطاً ولا ساذجاً كما يحلو "للكاتب" أن يصفه دائماً، وإن كان ربما يطمئن إلى صدق "الكاتب"، وقد يغفل عن مواقع التحريف والتزييف، وإنما هو على مستوى من الوعي بحيث لا تنطلي عليه مثل هذه الألاعيب والمناورات، وهذا لا ينافي كون أن ليس كل قارئ يملك القدرة على البحث، أو يملك إمكانيات المراجعة للنصوص. أغاثا كريستي بعثت من جديدوماذا عسانا نقول عن معالجة "الكاتب" لرأي صاحب "من وحي القرآن" المتعلق بقوله تعالى : (وأنا من الضالين)؟!!. وماذا عسانا نقول عن طريقة عرضة لرأيه ؟!. وماذا عسانا نقول عن كيفية مناقشته لإشكالات العلامة المحقق، وطريقة طرحها وتقديمها؟!!. ومن أين نبدأ وكيف نناقش هذا "الكاتب" الذي خلط على حدّ تعبير المثل "الحابل بالنابل" وقد أفرد ستة عشر صفحة لهذا الموضوع صاغها بطريقة غريبة وعجيبة بحيث ظهرت على شكل مخلوق هجين أشبه بقصّة بوليسية محبوكة حبكة معقدة فاق بها قصص الكاتبة البريطانية "أغاثا كريستي" ، ولو قدر لأولئك الذين يؤمنون بالتقمص أن يطلعوا على حبكته هذه، لجعلوها دليلاً على صحة معتقدهم، ولصاحوا بصوت عال ملؤه الثقة : "ها هي أغاثا كريستي بعثت من جديد بثوب رجل"!!. ويا ليته اكتفى بحبكته هذه بالألغاز دون الأحاجي والحزازير والطرائف الأمر الذي يصعب معه استعراض كامل ما ذكره طوال صفحاته الستة عشرة ، مع ما في ذلك من إطالة لا طائل لها، لذا فليعذرنا القارئ على إهمال ذلك، ونرجو منه رجاءً حاراً أن يضع كتاب هذا "الكاتب" بين يديه وأن يفتحه على مصراعيه، ليقرأ النص الممتد من الصفحة رقم (253) إلى الصفحة رقم (266) بتمعّن وبتمهّل، وليتابع معنا ما سنورده من ملاحظات سنسعى قدر الإمكان أن تكون موجزة ومختصرة.
صبراً آل ياسر إن م |