الفصل الرابعموسى (ع) والعبد الصالح
بسم الله الرحمن الرحيم(ومن أظلم ممن ذكّر بأيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذاً أبداً)(1). (وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين)(2)
الآيات القرآنية: (وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقباً * فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سربا* فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا * قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن اذكره واتخذ سبيله في البحر عجباً * قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا * فوجدا عبداً من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما * قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا * قال إنك لن تستطيع معي صبرا * وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا * قال ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمرا * قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا * فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إمرا * قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا * قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا * فانطلقا حتى إذا لقيا غلاماً فقتله قال أقتلت نفساً زكية بغير نفس لقد جئت شيئاً نكرا * قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا * قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا * فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا جداراً يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجراً * قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا)(3).
العناوين المشكلة: 44ـ موسى (ع) ينكث العهد. 45ـ موسى (ع) غير منضبط. 46ـ خطأ موسى (ع) في موقفه. 47ـ موسى (ع) لا يستفيد من التجربة الخاطئة الأولى. 48ـ موسى (ع) لم يفهم الحدث ولم يفكر. 49ـ علم الأنبياء والأئمة (ع) محدود بحدود مسؤولياتهم. 50ـ نسيان موسى (ع). 51ـ النسيان حالة اضطرارية. 52ـ موسى (ع) في دورة تدريبية. 53ـ عدم أهلية موسى (ع) لمرافقة الخضر"(4).
النصوص المشكلة: ".. وأحس موسى بالحرج الشديد لمخالفته للمرة الثانية ونكثه بالعهد، قال: إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني لأنني لن أكون أهلاً لمرافقتك فيما يمثله ذلك من عدم الإنضباط أمام الكلمة المسؤولة التي التزمت بها أمامك". "وها هو يعود إلى الإخلال بكلمته من جديد". ".. (ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا) ولماذا لم تستفد من التجربة الأولى التي عرفت فيها خطأ موقفك في اهتزاز مشاعرك أمام الحدث الذي لم تفهمه، ولم تفكر بأن من الممكن أن يكون له وجه آخر". "ففي قصة الخضر هو العبد الصالح، هي أن الله أراد أن يدخل موسى في دورة تدريبية.. حتى يفهم الجانب الثاني من الصورة". "أما هذه الجوانب فلا دليل على ضرورة إحاطته بها، ولا يمنع العقل أن يكون لشخص حق الطاعة في بعض الأمور التي تحيط بها على الناس الذين يملكون إحاطة في أشياء أخرى لا يحيط بها، ولا تتعلق بحركة المسؤولية، وربما كانت هذه القصة دليلاً على صحة هذا الرأي الذي نميل إليه". "قال لا تؤاخذني بما نسيت من عهدي لك، هذا موقف ثان للنسيان يعيشه موسى في ذاته، لأن النسيان حالة اضطرارية لا يملك الإنسان معها عنصر الإختيار"(5). ونتابع مع "الكاتب" في وقفاته، وحسبك في هذا المورد تجاهله الكلي للعناوين والنصوص المشكلة التي أوردها العلامة المحقق في كتاب "خلفيات"، والتي تعبر عن مقولات صاحبه محط النظر ومورد الإشكال. على أننا لا ندري، ولعل غيرنا يدري، كيف يمكن أن يؤدي هذا "الكاتب" مهمته في إثبات عدم مخالفة مقولات صاحبه للمذهب، وأن يثبت أنها مما أجمع عليه المفسرون منذ عصر الشيخ الطوسي (قده) دون أن يعرض لها أو يأتي على ذكرها؟!. وأنى له ذلك وقد انفرد صاحبه بها، وأصر على تبنيها في الطبعة الجديدة لكتابه "من وحي القرآن" رغم وضوح مخالفتها لما عليه المذهب. ولا يتوقف هذا الأمر على خصوص هذه المقولات في هذا المورد بالذات بل يتعداه ليشمل كل الموارد الأخرى.. ومهما يكن من أمر فإن هذه المقولات التي تقدم ذكرها واضحة في الشكل والمضمون وصريحة في المعنى والدلالة وظاهرة في المخالفة ولن ينفع "الكاتب" دس رأسه في التراب..وسنأتي على ذكرها حينما نستعرض ما قدمه "الكاتب" في هذه الوقفة التي أظهر فيها فنوناً من التحريف والتزوير والتضليل لم نفاجأ بها. ولا نبالغ إذا قلنا إننا لم نكن ننتظر منه غير ذلك.. وقديماً قالوا: إن لم تستح فافعل ما شئت. وفيما يلي نشير إلى ذلك وغيره خلال معالجتنا للعناوين التي تعرض لها والمواضيع التي أثارها:
نسيان موسى عليه السلام يستعرض "الكاتب" في معرض حديثه عن قوله تعالى: (قال لا تؤاخذني بما نسيت) آراء ينسبها للعلماء زوراً وبهتاناً كما هو دأبه بعد تحريف أقوالهم لتنسجم مع أهوائه وأهواء صاحبه الذي يدافع عنه.
أ ـ التحريف الأول : كلام العلامة المحقق: إن أول ما طالعنا به "الكاتب" من تحريفات هو تحريفه وافتراؤه على العلامة المحقق حيث زعم أنه (أعزه الله) يرى: "أن من الجرأة تفسير قول موسى (ع) هذا [لا تؤاخذني بما نسيت] بمعنى: بما نسيت من عهدي لك. وفسرتم(مخاطباً العلامة المحقق) النسيان بمعنى الترك ليكون معنى الآية: (لا تؤاخذني بما نسيت) أي: بتركي العمل في المورد الذي كان علي أن أهمل الوعد فيه.. إذ لا يجوز لي في هذا الموقف إلا أن أبادر للردع عن المنكر الظاهر"(6). ولا ندري من أين جاء "الكاتب" بهذا الكلام الذي نظن أنه من عندياته ومن مخيلته الواسعة.. ومهما يكن من أمر فإن الذي قاله العلامة المحقق هو: "إذا كان ثمة وجه صحيح ومعقول، ومنسجم مع دلالات الآيات القرآنية، فلماذا اللجوء إلى تفسير الآيات بطريقة توجب الشبهة وتوقع في المحذور"(7). ثم عمد العلامة المحقق إلى تقديم عرض موجز لتفسير الآيات "دون أن يكون ثمة أي محذور عقائدي"(8)، كما قال، ثم ذكر أن: "من الواضح أن نسبة النسيان وبهذا المعنى إلى موسى تعني نفي العصمة عنه من هذه الجهة كما أن موسى لم ينكث العهد"(9). فالعلامة المحقق دقيق، لم يدع أن من يفسّر معنى النسيان بأنه ما يقابل التذكر يقول بنفي العصمة مطلقاً، إنما هو نفي لها من هذه الجهة، أي جهة النسيان. إذ من المعلوم أن علماء الإمامية يعتبرون أن من الموارد التي تشملها العصمة هي النسيان. و(السيد) فضل الله نفسه يدّعي القول بالعصمة على جميع المستويات رغم أنه ينسب إليهم ما ينسب مما لا يبقي من العصمة شيئ. وعلى أي حال، فمن ينسب إليهم النسيان ينفي العصمة عنهم من هذه الجهة وسيأتي تفصيل ذلك بعد قليل. وليلاحظ القارئ الكريم استنكار العلامة المحقق على صاحب "من وحي القرآن" اعتباره أن موسى (ع) قد نكث بالعهد، هذا التعبير الذي جعله العلامة المحقق في أول العناوين المشكلة التي وضعها فراجع(10). لكن "الكاتب"، وكما هو ديدنه، عمد إلى تجاهل هذا التعبير وتعامى عن هذه المقولة بل تهرب منها رغم كونها مورد الإشكال. .وليخبرنا "الكاتب" هل وصف موسى (ع) بأنه نكث بالعهدـ ولا يخفى شناعة وفظاعة هذا الوصف وهو من المعاصي إجماعاًـ هو مما يكاد يجمع عليه العلماء؟! على حد تعبيره. وليخبرنا أيضاً هل أن تنزيه الأنبياء عن نكثهم بالعهد هو "اتجاه يضعفه المفسرون الشيعة ومنهم العلامة الطباطبائي (قده) في ميزانه"(11) كما يدّعي؟!.
ب ـ التحريف الثاني: رأي الشيخ الطوسي (قده): ويستشهد "الكاتب" بقول الشيخ الطوسي (قده) الذي ينقل عنه في تبيانه "ثلاث معاني للنسيان أحدهما: "بما غفلت من النسيان الذي هو ضد الذكر"(12). وهذا منه غريب وعجيب ولا يخلو من طرافة؛ حيث يبدو أنه يريد أن يقنعنا بأن الشيخ الطوسي يلتزم بكل ما نقله من معان للنسيان.. وهذا مما لم يسبقه إليه أحد لا من الأولين ولا من الآخرين.. ولا يخفى أن قول الطوسي (قده): "وقيل في معنى النسيان ثلاثة معان.." لا يعني أنه يلتزم بها معاً. كيف وأحد هذه الأقوال بمعنى الغفلة التي هي ضد الذكر الأمر الذي يتنافى مع معنى الترك الذي لا يتم إلا مع الإلتفات. اللهم إلا أن يقول "الكاتب" إنه إنما أورد كلام الطوسي ليشير إلى أن أحد معاني النسيان هو الغفلة؟!!!. فإن كان كذلك، فلا يخلو الأمر من طرافة أيضاً حيث لا أحد يناقش في أن أحد معاني النسيان هو الغفلة إنما النقاش حول معنى النسيان الوارد في الآية.. ثم أن السياق لا يؤيد ذلك حيث أورد ذلك في مقام الإستدلال بآراء العلماء المؤيدة لما يذهب إليه صاحب من وحي القرآن وسيأتي تفصيل ذلك. وإن قيل إن ذكر الطوسي للمعاني الثلاثة دون ترجيح أحدها على الآخر إنما يستفاد منه عدم اختيار الطوسي لأي منها. قلنا: الكلام حول ذلك يحتاج إلى تفصيل: 1ـ إن كان الأمر كذلك فلماذا جعل "الكاتب" الشيخ الطوسي (قده) في زمرة من يؤيد مقولة النسيان بمعنى الغفلة حيث يقول بعد استعراض رأي الطوسي (قده) وجملة من العلماء: "ولهذا فإن ما قاله "السيد" يوافق ما قاله أعلام التفسير الشيعة منذ القرن الرابع الهجري وحتى يومنا هذا"(13) 2 ـ إنما كان الطوسي (قده) في مقام عرض المعاني اللغوية للنسيان لا عرض خصوص المعنى المقصود في الآية. 3 ـ وعلى كل التقادير فإن لم يظهر من الشيخ الطوسي (قده) رأيه هنا في معنى النسيان فذلك بسبب وضوح رأيه في المسألة أصلاً وهو القائل بتنزيه المعصوم عن النسيان وذلك بشواهد عدة منها: * تفسيره للنسيان المنسوب لآدم (ع) بالترك وقد مر ذكره في الفصل الأول فراجع. * تصريحه في كتبه الإعتقادية بتنزيه المعصوم عن النسيان(14).
ج ـ التحريف الثالث: رأي الشيخ الطبرسي (قده): أما عن رأي الشيخ الطبرسي (قده) فينقل عنه "الكاتب" من مجمع البيان مقولته في معنى النسيان: "أي غفلت عن التسليم لك وترك الإنكار عليك وهو من النسيان الذي ضد الذكر وقيل بما تركت.. وعلى هذا فيكون النسيان بمعنى الترك لا بمعنى الغفلة والسهو"(15) ثم يعلق "الكاتب" بقوله: "ولا يخفى أن الشيخ الطبرسي يختار النسيان بالمعنى الأول ويضعف المعنى الثاني بكلمة "قيل"(16). وهنا نتوقف عند عدة مفارقات: 1ـ لاحظ كيف أن "الكاتب" قد التفت هنا إلى أن كلمة "قيل" تفيد التضعيف لكنه تجاهلها في أماكن أخرى كما تقدم في الفصول السابقة. 2ـ في محاولته لإثبات أن الطبرسي (قده) ممن يقول بنزول سورة "عبس" بالنبي الأكرم يقول بعد استشهاده بكلام الطبرسي (قده) من كتاب (جوامع الجامع): "ومن المعلوم أن تفسير جوامع الجامع يعتبر الكتاب التفسيري الأخير الذي كتبه الطبرسي، بعد سبع سنوات من تفسيره "مجمع البيان" وقد جاء متضمناً خلاصة آرائه التفسيرية ونظراته القرآنية"(17). وعليه نسأل "الكاتب": إن كان كتاب "جوامع الجامع" هذا حاله فلماذا تجاهل رأي الطبرسي فيه فيما نحن فيه من مقولة النسيان واقتصر استشهاده على "مجمع البيان"؟!. والسبب واضح لأن الطبرسي صرّح في "جوامع الجامع" بما نصّه: "ويجوز أن يريد بالنسيان الترك أي لا تؤاخذني بما تركت من وصيتك"(18). فالشيخ الطبرسي إذاً "يجوّز" أن يكون النسيان بمعنى الترك فكيف يدعي "الكاتب" أن تفسير النسيان بمعنى الترك مما يضعفه المفسرون الشيعة.. أليس الإقتصار على كتاب مجمع البيان وتجاهل كتاب جوامع الجامع مع ما ذكر "الكاتب" من أن هذا الأخير يمثل خلاصة آراء الطبرسي (قده) هو بمثابة التحريف- لا أقل من وجهة نظر الكاتب- لرأي الشيخ الطبرسي (قدس سره).
د ـ التحريف الرابع: رأي السيد المرتضى (علم الهدى) (قده): وفيما يتعلق براي السيد المرتضى (قده) فلا يختلف ما إقترفه "الكاتب" برأيه عما فعله برأي الشيخ الطوسي (قده). ومع ذلك فلنتوسع قليلاً هنا، فإن في ذلك فائدة عامة. لا يخفى على كل متأمل باحث، مدى دقة وحساسية الأوضاع والظروف التي عايشها علماؤنا في القرن الرابع والخامس من الهجرة، لا سيما مع شيوع نحلة أهل الحديث، وتعاطي هؤلاء، مع الأمور بمنتهى القسوة والغلظة وخاصة بعد إنحسار موجة الإعتزال. وقد حفل التاريخ بأخبار المآسي والمجازر التي تعرض لها الشيعة الأبرار حيث لم تكن حادثة الكرخ ببغداد سنة 362 هـ أولها كما لم تكن حادثة الكرخ الثانية سنة 408 هـ آخرها. هذا وقد حدثنا التاريخ أيضاً انه:" في سنة ثمان وأربع مائة استتاب القادر بالله أمير المؤمنين لفقهاء المعتزلة والحنفية، فأظهروا الرجوع، وتبرأوا من الإعتزال، ثم نهاهم عن الكلام والتدريس والمناظرة في الإعتزال والرفض [التشيع] والمقالات المخالفة للإسلام وأخذ خطوطهم بذلك، وانهم متى خالفوه حل بهم من النكال، والعقوبة ما يتعظ به أمثالهم. وامتثل يمين الدولة، وأمين الملة أبو القاسم محمود أمر أمير المؤمنين في خراسان وغيرها في قتل المعتزلة، والرافضة [الشيعة] والإسماعيلية، والقرامطة، والجهمية، والمشبهة، وصلبهم، وحبسهم، ونفاهم، وأمر بلعنهم على منابر المسلمين، وإبعاد كل طائفة من أهل البدع، وطردهم عن ديارهم وصار ذلك سنة في الإسلام" وقال ابن دقماق: "وصلب من الروافض، والزنادقة، والمعتزلة أعيانهم"(19). ولهذه الأسباب التي لا تخفى على باحث متأمل، وبسبب الجدالات الحادة التي كانت تقع في مختلف المجالات الكلامية، وما ينتج عنها من اتهامات بالتكفير والغلو وغيره انصب اهتمام علمائنا الأبرار على محاولات إبعاد تلك المآسي بالتقية تارة واستعراض الآراء المختلفة في القضايا الإعتقادية أخرى، وبالتلميح إلى الرأي المعتبر عند الإمامية دون التصريح ثالثة إلى غير ذلك من أساليب اقتضتها تلك الأوضاع والظروف. ومن هنا صرّح العديد من العلماء بأنه ينبغي حمل بعض ما جاء في كتب علمائنا على التقية، كما ينبغي التأمل في كتب الأقدمين لإستظهار الرأي الصحيح من الفاسد. وفي هذا السياق يمكن لنا أن نفهم ما يذكره علماؤنا في كتبهم المختلفة، كذكر الطوسي في تفسيره التبيان رأي الحسن البصري أو قتادة أو مجاهد وغيرهم.. ولا يخرج ما ذكره السيد المرتضى (قده) عن هذا السياق.. والمراجع للسؤال الذي أورده حول هذا المبحث سيجد ما نصّه: ".. وما معنى قوله: لا تؤاخذاني بما نسيت وعندكم أن النسيان لا يجوز على الأنبياء عليهم السلام"(20). حيث أجاب السيد المرتضى (قده): "وأما قوله: (ولا تؤاخذني بما نسيت) فقد ذكر فيه وجوه ثلاثة: أحدها: أنه أراد النسيان المعروف، وليس ذلك بعجب مع قصر المدة، فإن الإنسان قد ينسى ما قرب زمانه لما يعرض له من شغل القلب وغير ذلك. والوجه الثاني: أنه أراد لا تأخذني بما تركت. ويجري ذلك مجرى قوله تعالى: "ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي" أي ترك، وقد روي هذا الوجه عن ابن عباس عن ابن أبي كعب عن رسول الله (ص) قال: "قال موسى لا تؤاخذني بما نسيت" يقول: "بما تركت من عهدك". والوجه الثالث: أنه أراد لا تؤاخذني بما فعلته مما يشبه النسيان فسماه نسياناً للمشابهة.. وإذا حملنا هذه اللفظة على غير النسيان الحقيقي فلا سؤال فيها. وإذا حلمناها على النسيان في الحقيقة كان الوجه فيه أن النبي إنما لا يجوز عليه النسيان فيما يؤديه عن الله تعالى أو في شرعه أو في أمر يقتضي التنفير عنه"(21). وقد مر في تعليقنا على كلام الطوسي (قده) ما يمكن إيراده هنا أيضاً فنقول مع بعض الإضافات: 1ـ من الملفت أن السيد المرتضى (قده) جعل عنوان بحثه هو: تنزيه موسى (ع) عن النسيان، فالقول بأنه (قده) يلتزم بالمعنى الحقيقي للنسيان فيه تعسف واضح. 2ـ قال السيد المرتضى (قده) قبل استعراضه للمعاني الثلاثة أنه ذكر في معنى النسيان وجوهاً ثلاثة، ثم ساق المعاني. ومن الواضح أن قوله عن المعنى الأول بأنه ليس بعجيب مع قصر المدة.. ليس قوله على الحقيقة وإنما هو قول من ذهب إلى هذا المعنى ويؤيده قوله: "لما يعرض له من شغل القلب وغير ذلك"، لأن شغل قلب الأنبياء بغير الله لا يقول به الإمامية وهو مما يتنزه عنه المعصوم. هذا وقد جاء في الروايات عن أهل البيت (ع) أن الأنبياء تنام عيونهم ولا تنام قلوبهم. 3 ـ الأرجح أن السيد المرتضى (قده) يلتزم بالقول الثاني لتأييده بقوله تعالى: (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي..) وهذه الآية لم يتعرض لها السيد المرتضى (قده) في تنزيه آدم (ع) والإستشهاد بها هنا لدلالتها التي لا تخفى. 4 ـ لا شك أن حديث السيد المرتضى (قده) عن كون النبي إنما لا يجوز عليه النسيان فيما يؤديه عن الله تعالى أو في شرعه أو في أمر يقتضي التنفير عنه، إنما ساقه (قده) على سبيل التنزل وهذا معنى قوله: "وإذا حملنا هذه اللفظة على غير النسيان الحقيقي فلا سؤال فيها، وإذا حملناها على النسيان في الحقيقة كان الوجه فيه.." إذ من الواضح أن من يرفض حمل النسيان على المعنى غير الحقيقي ويلتزم بالحقيقي منه لا بد له إذا كان معتقداً بالعصمة أن يحصر النسيان في غير التبليغ. وبمعنى آخر إذا ثبت أن النسيان هنا يقصد به المعنى الحقيقي وأن لا وجه آخر فلا بد من القول بما قاله السيد المرتضى (قده)، لكن ذلك بعيد إذ النسيان بمعنى الترك شائع مستعمل متأيد بالقرآن كقوله تعالى:(وكذلك أتتك أياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى) وغيرها. 5 ـ بل ويمكن استظهار رأي السيد المرتضى من السؤال نفسه وقد مر أن السؤال جاء فيه: "وما معنى قوله لا تؤاخني بما نسيت وعندكم أن النسيان لا يجوز على الأنبياء عليهم السلام". ومن الواضح أن كلمة "عندكم" يقصد بها الإمامية القائلون بالعصمة، ويستظهر منها أن تنزيه المعصوم عن النسيان هو من خصوصيات مذهب الشيعة، ولو كان السيد المرتضى يتبنى حمل النسيان على المعنى الحقيقي لاكتفى بالقول: إننا لا نجوز النسيان على الأنبياء فيما يؤديه عن الله تعالى، أما في غير ذلك فلا مانع منه!! ولم يكن بحاجة لذكر هذه الوجوه.. وعليه، فيكفي إقرار المرتضى بما في السؤال وهو بصدد الإجابة عنه ليدل على أن الإمامية يقولون بنفي نسبة النسيان عن الأنبياء، وأنه (رحمه الله) ملتزم بذلك. لكنه (قده) لم يفعل ذلك، وإنما ذكر معاني النسيان ثم ساق تنزيهه للنبي وفق المعنى الحقيقي على سبيل التنزل. 6 ـ إن السيد المرتضى (قده) لم يكن قطعاً في وارد الإلتزام بهذه المعاني الثلاثة للنسيان، كيف والمعنى الأول ينافي ويناقض الثاني والثالث. ومن هنا لا بد من التدقيق بكلامه (قده) لمعرفة رأيه النهائي: ولو أغفلنا النظر عن جميع ما تقدم، فلا أقل من أن يكون كلام الشريف المرتضى مجملاً ولا يصح الإستدلال به على ترجيح أي من الأقوال، حيث انه يكون قد إنصرف عن إبداء رأيه في هذا المورد واكتفى بإستعراض أقوال الآخرين، ولا معنى للإستدلال به من الأساس. فإذا اتضح رأي السيد المرتضى (قده) والطوسي (قده) وهو رأي علماء المذهب- خلا الصدوق الذي ذهب الى السهو وحمل على الإسهاء- اتضح معه أن من خالف هذا المعنى وحمل النسيان على المعنى الحقيقي يكون بذلك قد خالف الإمامية في تنزيه المعصوم عن النسيان. والكاتب نف |