فهرس الكتاب

مكتبة العقائد الإمامية

مكتبة الموقع

 

الفصل الثالث إبراهيم   (ع)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 (أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون)(1).

 (يحرّفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً أولئك الذين لم يرد الله أن يطهّر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم)(2).

 

الآيات القرآنية:

(وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين * فلما جن عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين * فلما رأى القمر بازغاً قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين * فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون)(3).

 

العناوين المشكلة:

"29 ـ التأكيد على سذاجة إبراهيم عليه السلام عدة مرات.

30ـ خشوع إبراهيم (ع) للكوكب، وقناعته بربوبيته.

31ـ إبراهيم في وهم كبير.

32ـ إبراهيم يعبد القمر ويتصوف له.

33ـ ضياع إله إبراهيم في الأجواء الأولى للصباح.

34ـ (لا أحب.. هذا أكبر) صرخة طفولية"(4)

 

النصوص المشكلة:

"وتطالعنا في هذا المجال شخصية إبراهيم (ع) ـ النبي.. التي يقدمها لنا القرآن في أجواء الصفاء الروحي، والبساطة الإنسانية.. والطبيعة العفوية.. التي تلامس في الإنسان طفولته البريئة فيما تلتقي به من حقيقة الأشياء.. ليفكر من خلال براءة النظرة في عينية، وسلامة الحس في أذنيه ويديه، فيما يرى أو يسمع أو يلمس، فيما لديه من أدوات الحس الواقعي.. فنحن لا نرى فيه ـ من خلال الصورة القرآنية ـ شخصية الإنسان الذي يتكلف الكلمات التي يقولها للآخرين، ولا نلمح لديه روحية الشخص المشاكس الذي يبحث عن المشاكل في أفعاله وعلاقاته.. بل نشاهد فيه الشخصية البسيطة الواقعية التي ترتبط بالأشياء من جانب الإحساس، فتسمى الأشياء بأسمائها بعيداً عن تزويق الألفاظ، وزخرفة الأساليب، بقوةٍ وصدقٍ وواقعيةٍ وإيمان.

ففي الصورة الأولى، نلتقي به في موقفه من أبيه الذي يعبد الأصنام التي يعبدها قومه.. فيواجهه بالإنكار القوي الرافض للموقف من الأساس، لرفضه الفكرة التي يرتكز عليها.. فهذه الأصنام، هي أحجار جامدة، كبقية الأحجار الموجودة في العراء.. ولا ميزة لها إلا أن يد الإنسان قد أعطتها بعض ملامح الصورة، فحولتها إلى تماثيل.. فإذا كان الإنسان هو الذي أعطاها تلك الميزة التي تختلف بها عن سائر الأحجار.. فهي صنع يده، فكيف تكون آلهة له.. ومن الذي أودع فيها سر الألوهة..؟ وهل الألوهة شيء يصنع ويخلق، أو هي قوة تصنع وتخلق.. ثم.. إن الألوهة تعني القدرة والعلم والحياة والغنى المطلق فيما تعنيه من ملامحها الحقيقية.. فما هي ملامح ذلك كله في هذه التماثيل..؟ ولكنها الأوهام التي حولت الأشياء غير المعقولة.. إلى عقائد وتصورات ورموز قداسةٍ في مستوى الآلهة.. فكيف تتخذ هذه الأصنام آلهة..؟ كيف..؟ إن فكري لا يلمح أية إشراقة للحقيقة فيما تسير عليه.. ولو من بعيد بعيد.. بل كل ما هناك الظلام والتيه والضياع.. وهنا يتحول التساؤل.. إلى حكم قاطع في مستوى وعيه للحقيقة المنطلقة من خط الهدى.. التي تحدد ملامح الضلال في خطوط الآخرين.

(إني أراك وقومك في ضلال مبين):

إنه الموقف الصلب الذي لا يهادن ولا يجامل.. ولا يغلف الأشياء بغلاف سحري، بل يدفع الموقف إلى الأمام، بكل وضوح وصراحة.. بعيداً عن المجاملة واللياقة التي تفرضها علاقة الإبن بأبيه.. لأن قضية العقيدة لا تخضع للجانب العاطفي للعلاقات لأن علاقة الإنسان بالحقيقة التي تربطه بالله أقوى من أية علاقة بأي إنسان كان.

وفي الصورة الثانية نشاهد إبراهيم يتطلع إلى السماء، كما لو كان شاهدها أول مرة، فهو ـ فيما توحيه الآية ـ يواجهها كتجربة جديدة لم يلتق بها من قبل، وذلك فيما تعنيه التجربة من المعاناة في حركة الحس البصري كمادة للتفكير، للإنتقال من المحسوس إلى المعقول، ومن المادة إلى المعنى.. فقد كان يشاهدها سابقاً، في رؤية جامدة، لا تعني له شيئاً، إلا بمقدار ما يعنيه إنعكاس الصورة في العين ـ لمجرد تجميع الصور في الوجدان.. فيما يلتقي به الإنسان من مألوفاته العادية في حياته اليومية.. وهكذا نجد أن الرؤية التي يتحدث عنها القرآن في قوله تعالى: (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض..) هي الرؤية الواعية الفاحصة المدققة التي تثير في الداخل المزيد من التأمل والحوار والإستنتاج.. بدليل قوله تعالى (وليكون من الموقنين..)، مما يوحي بأنها الرؤية التي تبعث على القناعة من خلال اليقين.. وبدأ يفكر في استعراض عقلي للعقائد التي يعتقدها قومه في عبادتهم للكواكب والقمر والشمس.. ومحاكاة ذاتية تتحرك من أجل إثارة التساؤل.. وهكذا التقى بالكواكب المتناثرة في السماء، في صورة بديعة في روعة التنسيق والتكوين.. فما أن لمح كوكباً يتلألأ ويشع في قلب هذا الظلام المترامي.. حتى سيطرت عليه أجواء الروعة، واستولى على فكره الخشوع الروحي أمام هذا الشعاع الهادئ في الأفق البعيد.. فخيل إليه أن هذا هو الإله العظيم الذي يتعبد الناس إليه.. لأن الفكرة الساذجة تجعله في الأفق الأعلى البعيد، الذي تتطلع إليه الأبصار برهبة وخشوع ولا تستطيع الخلائق أن تصل إليه أو تدرك كنهه.. (فلما جن عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربي..) في صرخة الإنسان الطيب الساذج الذي خيل إليه أنه اكتشف السر الكبير الذي يبحث عنه كل الناس، كما لو لم يكتشفه أحد غيره.. وكأنه أقبل إليه في خشوع العابد، وفي لهفة المسحور.. وفي اندفاعة الإيمان.. وربما ردد هذه الكلمة (هذا ربي..) في سره كثيراً.. ليوحي لنفسه بالحقيقة التي اكتشفها ليؤكدها في ذاتها.. بعيداً عن كل حالات الشك والريب.. وبدأ الليل يقترب من نهايته.. وبدأت الكواكب تشحب وتفقد لمعانها.. ثم بدأت تبهت.. وتبهت حتى غابت عن العيون.. وحاول أن يلاحقها هنا وهناك.. لقد ضاع الإله في الأجواء الأولى للصباح.. وانكشفت له الحقيقة الصارخة.. فقد كان يعيش في وهم كبير.. فقد أفل الكوكب.. ولكن الإله لا يأفل لأنه القوة التي تمثل الحضور الدائم في الحياة كلها فلا يمكن أن تبتعد عن حركتها المتنوعة لأن ذلك يتنافى مع الرعاية المطلقة للكون ولما فيه من موجودات حية وغير حية.. واهتزت قناعاته من جديد.. وبدأ يسخر بالفكرة والعقيدة في عالمه الشعوري الصافي.. (فلما أفل قال لا أحب الآفلين..).

(فلما رأى القمر بازغاً..) في صفاء الليل، ووداعة السكون.. وكان الشعاع الفضي الساحر يلقي على الكون دفقاً من النوى الهادئ الذي يتسلل إلى العيون فيوحي إليها بالخدر اللذيذ ويخترق القلوب فيوحي إليها بالاحلام اللذيذة الساحرة.. ويطل على الطبيعة فيغلفها بغلافه الشفاف الوادع الذي يثير في آفاقها الكثير الكثير من اللذة والأحلام.. وبدأت المقارنة بين ذلك النورالكوكبي الذي يأتي إلينا متعباً واهناً في جهد كبير وبين هذا النور القمري الذي يتدفق كشلال في قلب الأفق.. فأين هذا من ذاك.. فهذا هو السر الإلهي الذي كان يبحث عنه.. (قال هذا ربي..) وعاش معه في حالة روحية من التصوف والعبادة لهذا الرب النوراني الذي يتمثل في السماء قطعة فضية من النور الهادئ الساحر.. وفجأة بدأ الشعاع يبهت.. ثم يغيب.. وانطلقت الحيرة في وعيه من جديد.. أين ذهب الإله وأين غاب.. وهل يمكن للإله أن يغيب ويأفل.. وضجت علامات الإستفهام في روحه تتساءل من هو الإله؟ وأين هو.. وعاش في التصور الضبابي المبهم الغارق في الغامض.. يتوسل بالرب الذي لا يعرف كنهه، أن يهديه سواء السبيل لئلا يضل ويضيع.. (فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين..) وما زال ينتظر وضوح الحقيقة.. وفجأة أشرقت الشمس بأشعتها الذهبية الدافئة فأخذت عليه وجدانه.. (فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي.. هذا أكبر..) فأين حجم الشمس.. من حجم القمر والكواكب.. فلا بد أن تكون هي الإله الذي يبحث عنه، لأنها تتميز عنهما بصفات كثيرة.. وبدأ يتابعها وهي تتوهج وتشتعل.. وتملأ الكون كله دفئاً وحياة وإشراقاً وجمالاً.. فإذا به يهتز ويتحرك في قوة وامتداد وحيوية دافقة.. ولكن.. ماذا..؟ وبدأ يفكر.. فها هي تبهت وتبرد وتكاد تتضاءل.. ثم تغيب وتأفل.. وتترك الكون في ظلام دامس.. فكيف يمكن أن تكون إلهاً تعيش في الحياة في قدرته وقوته.. ما دامت تغيب مع المجهول تاركة الكون كله في ظلام وفراغ؟.. وأطلق الصرخة فيمن حوله من هؤلاء الناس الذين يعبدون الكواكب والقمر والشمس.. فيما خيل له، في وقت من الأوقات، أنه الحقيقة المطلقة التي لا يعتريها شك ولا ريب.. (فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون..) من هذه المخلوقات التي انطلقت من العدم، ولا يزال العدم يعشش في كل حركة من حركاتها، أو خطوة من خطواتها.. وتمرد على كل هذه الإتجاهات الإشراكية لأن الله لا يمكن أن يكون هذه الأشياء المحدودة.. بل لا بد أن يكون شيئاً أعظم من ذلك وأكبر.. في القوة والقدرة.. لا في الحجم.. (إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض.. حنيفاً وما أنا من المشركين..).

وهكذا تدفقت إشراقة الإيمان في وعيه وفي قلبه، فأحس بأن الله هو شيء لا كالأشياء لأن الأشياء نتاج قدرته.. وأدرك أن الله لا يحس كما تحس الموجودات الأخرى بالسمع والبصر واللمس، ولكنه يدرك بالعقل وبالقلب وبالشعور.. من خلال كل هذه المخلوقات التي تحيط بالإنسان في الكون الكبير.. من السماوات والأرض وما فيهن وما بينهن.. فتترك لديه إنطباعاً بأن الله هو الذي فطرها وأوجدها.. ومن خلال هذه الإنطلاقة الإيمانية الرائعة التي أحس معها بالراحة والطمأنينة والإنفتاح.. وقف بكل كيانه ـ ليحول كل وجهه ـ والوجه هنا كناية عن الذات بجميع التزاماتها وعلاقاتها وتطلعاتها ـ إلى الله، حنيفاً، مخلصاً مائلاً عن خط الإنحراف.. فهو وحده الذي تتوجه إليه العقول والقلوب والوجوه بالخضوع والطاعة المطلقة.. بإحساس العبودية.. وحركة الإيمان.. الذي يعلن هذا التوحيد بما يشبه الصرخة الهادرة الرافضة لكل الوجودات المحدودة، التي تتأله أو التي يحسبها الناس في عداد الآلهة.. وما أنا من المشركين..

وماذا بعد ذلك؟.

هل هي الرحلة الأولى في طريق الإيمان، لدى إبراهيم.. أو هي محاكاة استعراضية للأجواء المحيطة به، فيما يعتقده الناس من ألوهية الكواكب والقمر والشمس.. في محاولة إيحائية لمن حوله بسخافة هذه العقائد وتفاهتها وضعفها أمام المنطق الوجداني الصافي، وذلك من موقع ابتعاده عنها بعد اقترابه منها، مما يعطي لموقفه بعض القوة في الإيحاء، بإعتباره الموقف الذي عاش التجربة وعاناها.. ثم تمرد عليها..

ربما كان هذا هو الرأي الأقرب الذي يلتقي مع شخصية إبراهيم فيما حدثنا القرآن عن حياته.. فنحن لم نلمح ـ في غير هذه الآية ـ حالة تأثر بالجو المحيط به.. بل ربما نرى الأمر ـ بالعكس من ذلك ـ حالة تمرد على البيئة حتى فيما يتعلق بالجو العائلي المتمثل في أبيه الذي نقل لنا القرآن موقف إبراهيم منه.. وقد نستطيع استيحاء الآية السابقة التي حدثنا القرآن فيها عن كلام إبراهيم حول الأصنام التي يعبدها أن هذا الموقف سابق لموقفه من هذه العقائد.. هذا بالإضافة إلى أن الرؤية التي حدثنا الله عنها لملكوت السماوات والأرض.. لا بد أن تكون الرؤية الوجدانية الواعية التي تحاول أن تثير التفكير من خلالها وليست الرؤية البصرية الساذجة.. لأنها تبدأ مع الإنسان منذ اللحظة التي يفتح فيها عينيه على الحياة ليتطلع إلى ما فيه من موجودات يدركها البصر.. وربما كانت كلمة (وليكون من الموقنين) إشارة إلى ذلك، لتلتقي بكلمة (.. رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي..) مما يوحي بأن إبراهيم كان يعيش حالة الفكر الذي يريد أن ينمي من خلاله معلوماته وأفكاره، بكل الأشياء التي تركز قوتها وفاعليتها وثباتها وحركتها أمام التحديات التي تواجهها.. حتى فيما يشبه الأوهام.. ليواجه الصراع الذي يعيشه بانفتاح وقناعة وقوة لا تعرف الضعف ولا التراجع في كل المجالات..

أما الإحتمال الأول، فقد يقربه، أن تكون الحادثة قد حدثت في بداية طفولته، عندما بدأ يتطلع للأشياء، ويفكر في الإله.. في عملية تأمل وتدبر.. في مستوى ذهنية الطفل.. ولعل هذا هو الذي نستوحيه من الجو النفسي الساذج الذي توحي به الآية.. فهذا هو إبراهيم يواجه الكوكب الذي يبدو عالياً عالياً، بعيداً بعيداً.. ولكنه يشرق في قلب الظلام.. فيشعر بالرهبة والروعة.. فيصرخ ـ في مثل اللهفة ـ هذا ربي.. إنطلاقاً مما كان يسمعه بأن الإله بعيد بعيد عن الإنسان، فلما أفل.. أحس بالإنقباض وقال: (لا أحب الأفلين..) فقد نجد في كلمة (لا أحب..) بعض كلمات الطفولة البريئة، التي تحب أو لا تحب من خلالها مشاعرها الساذجة إزاء الأشياء.. وتتكرر التجربة مع القمر.. وتنطلق الصرخة الطفولية من جديد.. تماماً كمثل الهتاف الذي يهتف به الطفل عندما يجد شيئاً قد أضاعه، أو شيئاً قد طلبه.. وتتكرر خيبة الأمل من جديد.

ولكن الوعي يتنامى هنا ـ فلا نجد رد الفعل طفولياً.. بل نلاحظ في ردة الفعل حيرة وذهول وتوسل إلى هذا الرب الغامض الذي يتمثله في وعيه هادياً لعباده، أن يهديه إلى الحق لئلا يكون من القوم الضالين.. وتشرق الشمس في هذا الدفق اللاّهب من النور الذهبي في إطار هذا الوجه الواسع الذي يتفايض بالشعاع كما يتفايض الينبوع بالماء الصافي الرقراق.. فتكبر الصرخة في طفولية بارزة.. (هذا ربي.. هذا أكبر..) وينطلق الحجم ليؤكد الفكرة، فيما لا توحي به إلا أفكار الطفل، أو ما يشبه الطفل.. لأن الأشياء الكبيرة توحي للفكر الساذج بالهيبة والعظمة.. بما لا توحي به الأشياء الأقل حجماً.. وتتجدد خيبة الأمل بالأفول.. ولكن تلك الإشراقة الساطعة للشمس استطاعت أن تبعث في قلبه إشراقة الإيمان الرافض لكل هذه الأوهام والظنون.

وفي كلا الإحتمالين.. يمكن للعاملين في حقل التوجيه، استيحاء الفكرة العملية في أسلوب التربية.. من خلال الأسلوب الإستعراضي، فيما يتمثل فيه من مناجاة ذاتية تجعل الإنسان يواجه الأفكار المطروحة في الساحة، مواجهة المؤمن بها.. ثم يقوم بمناقشتها بالطريقة التي توحي باكتشاف مواطن الضعف والخلل فيها، بالمستوى الذي يجعلها بعيدة عن الحقيقة، وعن إمكان اعتبارها عقيدة ترتبط بها قضية المصير.. ولا يختص الأمر بالأفكار المتصلة بالعقيدة الإلهية بل يمتد إلى جميع المجالات التي تمثل الخط العملي للحياة.. ويمكن لنا ممارسة هذا الأسلوب في القصة والمسرح والسينما وغيرها من الأساليب التي تخاطب الجمهور لتوجيه قناعاته.. وقد لا نحتاج إلى التأكيد على ضرورة دراسة المستوى العقلي والروحي للناس من أجل تركيز هذا الإتجاه على قاعدة متحركة في الفكرة والأسلوب.. كما يمكن استيحاء القصة في مدلولها الرسالي في عدم خضوع الإنسان للبيئة فيما تحمل من أفكار وعادات ومشاعر، بل يعمل على ممارسة دوره الذاتي المستقل، كإنسان يفكر بحرية ويقتنع على أساس الدليل.

وتبقى لنا ـ في هذا المجال ـ هذه البراءة الفكرية من إبراهيم.. حيث نتمثله إنساناً يواجه العقيدة من موقع البساطة الوجدانية، والعفوية الروحية، التي تلتقي بالقضايا من وحي الفطرة لا من وحي التكلف والتعقيد.. ثم هذه اللهفة الحارة المنفتحة على الله ـ سبحانه ـ عند إكتشافه للحقيقة في توحيده في كل شيء، وفي الإقبال عليه بكل وجهه، وبكل فكره، وبكل روحه وإنطلاقه العملي في الحياة.. لأن توجيه الوجه لله.. لا يعني ـ في مدلوله العميق ـ هذا الموقف الساذج الذي يتطلع فيه الإنسان نحو الأفق الممتد في السماء بنظرة حائرة بلهاء.. بل يعني إنطلاقة حياة الإنسان وكيانه مع الله فيما يحمل من عقيدة، وفيما يرتبط به من فكر، وفيما يتحرك معه من خط، وفيما يستهدفه من أهداف.. وفيما يعيشه من علاقات وأوضاع وتطلعات.. إنه الإندماج في الحقيقة الإلهية، بأن تكون الحياة كلها لله.. وفي خدمة الله"(5).

نتابع مع "الكاتب" حيث المنهج هو المنهج، والأسلوب هو الإسلوب: تمويه، وتزييف، وتحريف، وتضليل، حيث تجاهل موضع الداء، والنصوص المشكلة التي قدمها العلامة المحقق، وتلاعب بنصوص العلماء لتطابق كلام صاحبه كما تلاعب بنصوص صاحبه لتنسجم مع كلام العلماء.

ولكي نقف على كل ذلك نستعرض كلام العلامة المحقق:

 
كلام العلامة المحقق

بعد أن عرض العلامة المحقق للعناوين المنتزعة من النصوص المشكلة التي تشير إلى محل الإشكال وتعيّنه، عمد إلى توضيح المشكلة الحقيقية قبل ان يستعرض النص الكامل المأخوذ من كتاب (من وحي القرآن).

 قال( أعزه الله) في "الخلفيات":

"ويقول عن إبراهيم عليه السلام في ما قصّه الله تعالى، من خطابه عليه السلام للكوكب ثم للقمر والشمس أن هناك إحتمالين في تفسير الآيات التي تعرضت لذلك:

أحدهما: أن يكون ظاهر الآيات هو حقيقة موقفه فيكون إبراهيم صدّق بأن الكوكب، والقمر والشمس آلهة.

الثاني: أن يكون إبراهيم (ع) قد قام بحالة إستعراضية أمام قومه ليقنعهم بالحقيقة.

وقد ذكر لكلا الإحتمالين ما يقربه.. ولكنه شرح الآيات شرحاً مسهباً على أساس الإحتمال الأول، ثم بعد أن ذكر ما يؤيد كل واحد من الإحتمالين وذكر ما يمكن إستفادته من الآيات، عاد وختم كلامه وفق الإحتمال الأول..

ومن الواضح: أننا وإن كنا نستظهر من ذلك ميله إلى ذلك الإحتمال الفاسد، ولم يذكره لمجرد كونه إحتمالاًإلا أن مجرد إحتمال أن يكون نبي الله إبراهيم (ع) قد عبد غير الله، أو اعتقد بألوهيته، وربوبيته، هو إحتمال باطل في حق الأنبياء، ويلزم التصريح بتسخيفه، وبطلانه"(6).

وبعد أن عرض النص الكامل لصاحب "من وحي القرآن" قال في وقفة قصيرة: "ونقول: أن احتمال عبادة إبراهيم (ع) للكوكب وغيره، مناف للعصمة، ولا يصح إبداؤه في حق المعصومين عموماً، ولا يمكن أن يقربه شيء لا في الطفولة ولا فيما بعدها على ما هي عليه عقيدة علماء المذهب القطعية، المأخوذة عن أهل بيت العصمة عليهم السلام.."(7).

وعليه يكون إشكال العلامة المحقق منصباً على ما صرّح  به صاحب "من وحي القرآن" من قرائن وشواهد تقرّب إحتمال أن يكون ما حكاه الله عن إبراهيم عليه السلام إنما صدر منه في طفولته، قبل أن يكتشف الحقيقة. فليراجع النص الكامل لصاحب (من وحي القرآن) في بداية الفصل تحت عنوان " النصوص المشكلة ".

أما الإحتمال الثاني، وهو أن ابراهيم عليه السلام كان في صدد المحاججة لقومه ، فلم يشكل العلامة المحقق عليه ، إنما أشكل على عدم تدعيمه بالشواهد والقرآئن التي تدحض الإحتمال الأول وتبطله وتبعده عن دائرة الإحتمال.

وهذا واضح من خلال النص المتقدم نقله عن كتاب خلفيات، ويزيده وضوحاً قوله:

"إننا لا نجد أي دليل على أن هذه القضية قد حصلت لإبراهيم عليه السلام في زمان طفولته، بل في الآيات ما يشير إلى خلاف ذلك وأن ذلك في مقام الإحتجاج على قومه"(8).

 وعليه يظهر عدم صحة إدعاء الكاتب، حيث ذكر في خلاصة بحثه أن صاحب "من وحي القرآن" إستقرب ورجح أن يكون ما صدر من إبراهيم عليه السلام إنما كان على سبيل المجادلة لقومه ووصفه بأنه أفضل الآراء. وذكر أن الإحتمال الثاني، وهو أن يكون ذلك قد حصل مع إبراهيم عليه السلام زمان طفولته، قد استوجهه وإن لم يختره، ثم ذكر أن العلامة المحقق إختار الرأي الذي يقول بأن ذلك إنما كان في مقام "الإستنكار والإستهزاء" ووصفه بأنه أضعف الآراء وأنه لا ينسجم مع ظاهر الآيات(9) وهذا تضليل بل إفتراء ما بعده إفتراء ، إذ قد علمت أن العلامة المحقق صرّح: "أن ذلك كان في مقام الإحتجاج على قومه" الأمر الذي لم يشر إليه "الكاتب" رغم وضوحه(10).

أضف إلى ذلك أن العلامة المحقق اعترض على صاحب "من وحي القرآن" لعدم استشهاده بما روي عن الإمام الرضا (ع) من: "أن إبراهيم إنما قال ذلك على سبيل الإنكار على قومه لتسخيف معتقدهم"(11).

 

 الإتجاه الثاني وتجاهل الكاتب له

إعتبر "الكاتب" في تعليقه على رأي صاحب "من وحي القرآن" أنه "لم يأت بشيء جديد، أو اتجاه مبتدع في عالم التفسير.."  بل أنه مال إلى الإتجاه الأول واعتبره: "الرأي الأقرب الذي يلتقي مع شخصية إبراهيم عليه السلام فيما حدثنا القرآن عن حياته"(12) ثم قدّم ثلاثة شواهد من أربعة مواضع زعم أنها تؤيد ذلك وتؤكد عليه(13).

والملفت هنا أمران:

الأمر الأول:

 تجاهل "الكاتب" من عبارات صاحب "من وحي الرآن" تلك التي لا تختلف في مداليلها في كلا الموردين. فهو يقول في مورد الكلام عن إحتمال أن يكون عليه السلام قد قال (هذا ربي) على سبيل المحاججة: "ربما كان هذا هو الرأي الأقرب"(14) ويقول في محور الكلام حول إحتمال أن يكون (ع) قد قال ذلك في طفولته على سبيل الحقيقة: "فقد يقرّبه.."(15).

أضف إلى ذلك: أن صاحب "من وحي القرآن" قد احتمل واستقرب أن يكون إبراهيم عليه السلام قد عبد الكواكب وعاش معها في حالة من التصوف والعبادة، وأنه أقبل عليها في خشوع العابد ولهفة المسحور و.. وللتدليل على ذلك نذكر عدة شواهد:

الشاهد الأول: حالة التأثر بالمحيط:

فهو يرى أن من الشواهد على تقريبه لهذا الإتجاه ما أسماه: "حالة التأثر بالجو المحيط به "حيث يقول:

"فنحن لم نلمح ـ في غير هذه الآية ـ حالة تأثر بالجو المحيط به"(16). وكلامه هذا واضح في أنه قد لمح في هذه الآية حالة تأثر إبراهيم (ع) بالجو المحيط به.

الشاهد الثاني: ظاهر الآيات:

وهو يعتبر أن تقريب الإتجاه القائل بأن ذلك كان من إبراهيم عليه السلام على سبيل" المحاكاة الإستعراضية "هو من غير هذه الآيات، وإنما هو من خلال كون ذلك: "يلتقي مع شخصية إبراهيم عليه السلام فيما حدثنا القرآن عن حياته".

ففي هذه الآية لمح" صاحب الوحي" حالة "تأثر بالجو المحيط" أما في غيرها فقد لمح عكس ذلك حيث استوحى "حالة تمرّد على البيئة حتى فيما يتعلق بالجو العائلي المتمثل بأبيه"(17).

وخلاصة الأمر عنده: إن ظاهر الآيات يقرب أن إبراهيم عليه السلام قد عبد الكواكب. أما ما يقرب الإحتمال الآخر فهو آيات أخرى تحدثت عن شخصية إبراهيم عليه السلام وموقفه من الأصنام الأمر الذي يوحي بأن ذلك "سابق لموقفه من هذه العقائد"(18).

وقد اعترف "الكاتب" بذلك - من غير قصد طبعاً - عندما ذكر أن ما قاله صاحب "من وحي القرآن" حول الآيات إنما هو: "دلالات الآيات بحسب ظهورها الأولي"(19).