فهرس الكتاب

مكتبة العقائد الإمامية

مكتبة الموقع

 

 

( 9 )

 

الفصل الاَول

مفهوم السجود وآثاره العبادية

 

 

المبحث الاَول: معنى السجود وموقعه العبادي

أولاً : تعريف السجود:

1 ـ السجود في اللغة:

الطاعة والخضوع، يقال: سَجَدَ، سُجُوداً، أي: خضع وتطامن (1)، ومنه قوله تعالى: ( ألم ترَ أنّ الله يسجد له من في السموات والاَرض... ) (2) فهذا لسان حال تلك المخلوقات في الطاعة والخضوع، وكل شيء ذلّ

____________

(1) المعجم الوسيط 1: 416 ( سجد )، مكتب نشر الثقافة الإسلامية 1412 هـ ط4.

والمصباح المنير في غريب الشرح الكبير|الفيومي 1: 266 ( سجد )، منشورات دار الهجرة ـ قم 1414 هـ ط2.

(2) سورة الحج: 22|18.

 

( 10 )

فقد سجد (1)، وهو ساجد. والجمع: سُجّد، وسُجودٌ (2).

والسَجّادُ: الكثير السجود (3)، ورجل سجّاد: على وجهه سَجّادة، أي: ثفنة من أثر السجود (4).

وقد اشتهر به الاِمام علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام لكثرة سجوده لله تعالى ولهذا لُقب عليه السلام بالسجاد، وذي الثفنات.

والمسجَدُ: جبهة الرجل حيث يصيبه أثر السجود (5)، والجمع مَسَاجِدُ، والمساجِدُ من بدن الانسان: الاَعضاء السبعة التي يسجد عليها، وهي: الجبهة واليدان والركبتان والقدمان (6).

والمَسجِدُ: بيت الصلاة (7)، ومكانها المخصص.

والمَسجِدُ الحرام: الكعبة، والمسجِدُ الاَقصى: مسجد بيت المقدس، قال تعالى: ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجِد الحرام إلى المسجِد

____________

(1) المصباح المنير 1: 266 ( سجد ).

(2) المعجم الوسيط 1: 416 ( سجد ).

(3) المعجم الوسيط 1: 416 ( سجد ).

(4) أساس البلاغة|الزمخشري: 285 ( سجد )، دار الفكر ـ بيروت 1409 هـ 1989م.

(5) المختار من صحاح اللغة: 229 ( سجد )، انتشارات ناصر خسرو ـ طهران 1363 هـ ش. وأساس البلاغة: 285 ( سجد ).

(6) المعجم الوسيط 1: 416 ( سجد ). (7) المصباح المنير|الفيومي 1: 266 ( سجد ).

 

( 11 )

الاَقصى الذي باركنا حوله ) (1). والجمع: مساجِد.

2 ـ السجود في الاصطلاح:

هو الانحناء ووضع أعضاء السجود (2)على الاَرض، بحيث يساوي موضع جبهته موقفه، أو يزيد بقدر لبنة لا غير (3).

وحقيقته: وضع الجبهة وباطن الكفين والركبتين وطرفي الابهامين من القدمين على الاَرض (4)، بقصد التعظيم (5).

وقد ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام تسمية مثل هذا السجود بالسجود الجسماني، وهو أقلّ رتبةً من السجود الآخر المسمى بالنفساني، قال عليه السلام : « السجود الجسماني: هو وضع عتائق الوجوه على التراب، واستقبال الاَرض بالراحتين والركبتين وأطراف القدمين مع خشوع القلب وإخلاص النية.

____________

(1) سورة الاسراء 17|1.

(2) أعضاء السجود سبعة، وهي: الجبهة، والكفان، والركبتان، وابهاما الرجلان.

تذكرة الفقهاء|العلامة الحلي 3: 185، تحقيق مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم 1414 هـ ط1، وإليه ذهب أحمد بن حنبل واختاره الشافعي في أحد قوليه، كما في المغني لابن قدامة الحنبلي 1: 591. والاُم للشافعي 1: 114.

(3) جامع المقاصد في شرح القواعد|المحقق الكركي 2: 298، تحقيق مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم 1414 هـ ط2.

(4) المقنعة|الشيخ المفيد: 105.

(5) مهذب الاحكام في بيان الحلال والحرام|السيد السبزواري 6: 416، مؤسسة المنار ـ 1412هـ ط4.

 

( 12 )

والسجود النفساني: فراغ القلب من الفانيات، والاقبال بكنه الهمّة على الباقيات، وخلع الكبر والحمية، وقطع العلائق الدنيوية، والتحلّي بالاخلاق النبوية » (1).

3 ـ السجود في القرآن الكريم:

هذا وقد ورد في القرآن الكريم ما يشير إلى ضربين من السجود وهما:

1 ـ سجود اختيار: وهو خاص بالانسان وبه يستحق الثواب نحو قوله تعالى: ( فاسجدوا لله واعبدوا ) (2)أي تذللوا له، وهو المراد بالتعريف الاصطلاحي المتقدم (3).

2 ـ سجود تسخير: وهو للاِنسان والحيوان والنبات والجماد وعلى ذلك قوله تعالى: ( ولله يسجد من في السموات والاَرض طوعاً وكرهاً)(4) وقوله تعالى: ( والنجم والشجر يسجدان ) (5).

ولم يُرد الباري عزَّ وجل أنّ المذكور في هذه الآية الشريفة يسجد سجود البشر في صلاته، وإنّما أراد تعالى أنّ تلك الاَشياء غير ممتنعة من

____________

(1) غرر الحكم ودرر الكلم|عبد الواحد الآمدي 1: 122|2234 و 2235، مؤسسة الأعلمي ـ بيروت 1407هـ، 1987م ط1. ومستدرك وسائل الشيعة / الميرزا حسين النوري 4: 486|5232 باب 23 من أبواب السجود، تحقيق مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ 1407هـ ط1.

(2) سورة النجم: 53|62.

(3) معجم مفردات ألفاظ القرآن|الراغب الاصفهاني: 229 مادة ( سجد ).

(4) سورة الرعد: 13|15.

(5) سورة الرحمن: 55|6.

 

( 13 )

فعله تعالى فهي كالمطيع له سبحانه، وهذا ما عبّر عنه بالساجد (1).

وقد ورد في القرآن الكريم ما يؤيد كلا النوعين بآيات كثيرة، ومن الآيات ما اشتمل على كلا النوعين من السجود (التسخير والاختيار)، كقوله تعالى: ( ولله يسجد ما في السموات وما في الاَرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون ) (2).

ثانياً: العبادة في السجود:

لا شكّ أنّ السجود في ذاته عبادة إذ إنّه يمثل غاية الخضوع، بل هو أبلغ صور التذلل لله سبحانه وتعالى ؛ لاَنّه يربط بين الصورة الحسية والدلالة المعنوية للعبادة في ذلة العبد، وعظمة الرب، وافتقار العبد لخالقه. ولا يكون الانسان عبداً لله تعالى إلاّ بهذا التذلل وبهذه العبودية. ومن هنا يظهر سرّ اختصاص السجود بالقرب من الله تعالى (3)، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: « أقرب ما يكون العبد إلى الله وهو ساجد » (4).

____________

(1) المسائل السروية|الشيخ المفيد: 49، المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد رقم 46 ـ 1413هـ ط1.

(2) سورة النحل: 16|49.

(3) فقه السجود|علي بن عمر بادحدح: 20 ـ 21 بتصرف، دار الاندلس ـ جدة 1415هـ.

(4) جامع أحاديث الشيعة 5: 463|8039 ـ 8311. وصحيح مسلم بشرح النووي|4: 267|482 باب 42 ما يقال في الركوع والسجود، تحقيق محمد فؤاد عبدالباقي، دار الكتب العلمية ـ بيروت 1415هـ ط1. وسنن ابي داود 1: 231|875 باب الدعاء في الركوع والسجود، دار الفكر ـ بيروت. وفيض

=

 

( 14 )

ثالثاً: موقع وأهمية السجود بين أجزاء الصلاة:

إنّ من المناسب أن نقف قليلاً موقف المقارنة بين أجزاء الصلاة، لنرى موقع السجود بينها وما يمتاز به من خصائص، وذلك على النحو الآتي:

1 ـ القيام في الصلاة:

ويراد به المثول بين يدي مالك الملك، إعلاناً للطاعة والولاء وامتثال الاَمر، ولا يخفى أنّ الاستعداد والمثول قياماً بين يدي الملك هو من دلائل الطاعة وعلاماتها. ومن هنا يقتضي أن تكون هيئة المثول وحقيقته متناسبة مع عظمة الملك الذي نقف بين يديه.

فكمال القيام بين يدي الله تعالى أن يكون على طمأنينة وسكون وهيبة وحياء، فلا يجعل رأسه مرفوعاً وكأنه يقف أمام ضده ونظيره، ولا يبالغ في طأطأته فيخرج بالحياء عن صورته، بل يجعل نظره إلى محلّ سجوده، مقيماً صلبه ونحره، مرسلاً يديه على فخذيه بوقار، فلا يعبث بهما، ولو استحضر العبد أثناء قيامه قول الله تعالى: ( الذي يراك حين تقوم * وتقلبك في الساجدين ) (1)لما فارق هذه الهيئة.

ويزيد في جلال القيام وهيبته ما وجب فيه من تلاوة بعض سور القرآن الكريم، وبهذا يكون القيام مشهداً من مشاهد الطاعة والولاء والاجلال

____________

=

القدير شرح الجامع الصغير|المناوي 2: 87|1348، دار الكتب العلمية ـ بيروت 1415 هـ 1994، ط1.

(1) سورة الشعراء: 26|218 ـ 219.

 

( 15 )

والتعظيم.

فهذا الاِمام السجاد عليه السلام وهو يستحضر هذا المشهد فيلفت انتباه الناس من حوله تغيّر لونه حال وضوئه وكان إذا قام إلى الصلاة اخذته رعدة فقيل له: مالك؟ فقال عليه السلام: « أتدرون بين يدي من أقوم ومن أُناجي؟ » (1)إنّه الحضور بين يدي مالك الملك.

2 ـ الركوع في الصلاة:

وهو صورة أُخرى من صور الامتثال والخضوع، ولا شك أنه يحمل من معاني الخضوع فوق ما يحمله القيام، ولكلٍّ معناه وأبعاده ومغزاه.

ومع صورة التعظيم الظاهرة في انحناءة الركوع، يأتي الذكر الذي يصحبها متوّجاً معنى التعظيم ومركّزاً مغزاه في قلب الراكع: «سبحان ربي العظيم وبحمده».

هذه المرتبة من التعظيم أفردها الاِسلام لله تعالى وحده، فنهى أن ينحني أحد أمام أحد احتراماً وتعظيماً، ولذلك تميّز الركوع بمرتبة أخص من الامتثال قياماً في الولاء والخضوع والتعظيم، فالقيام يقع كثيراً في يوميات الانسان، كالامتثال قياماً بين يدي الوالدين، أو بين يدي المعلم، أو الرئيس أو الملك، ولكن يحرّم الركوع لهؤلاء ولغيرهم ؛ لاَنّه من

____________

(1) مختصر تاريخ دمشق|ابن منظور 17: 236|134 ترجمة علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام، دار الفكر ـ دمشق 1409 هـ ط1. وسير أعلام النبلاء| الذهبي 4: 392|157 ترجمة علي بن الحسين عليه السلام، مؤسسة الرسالة ـ بيروت 1412هـ ط 8.

 

( 16 )

خصائص الخضوع لله تعالى.

ولهذا فقد اختصّ الله تعالى هذه الاُمّة بالسلام، وهي تحية أهل الجنّة، وحرّم عليهم ما كان شائعاً من مظاهر التحية كالسجود والانحناء والتكفير وغيرها من المظاهر التي لا تجوز إلاّ لله تعالى (1).

ولقد ورد في سرِّ مد العنق في الركوع عن أمير المؤمنين عليه السلام: « تأويله آمنتُ بالله ولو ضُرِبَت عنقي » (2).

وجاء عن الاِمام الباقر عليه السلام في الركوع من الذكر ما يستشعر به المرء حقيقة ما يؤديه من امتثال وطاعة وخشوع، يقول فيه: « إذا أردت أن تركع فقل وأنت منتصب: الله أكبر، ثم اركع وقل: اللهمّ لك ركعت، ولك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكّلت، وأنت ربّي، خشع لك قلبي وسمعي وبصري وشعري وبشري ولحمي ودمي ومخّي وعصبي وعظامي وما أقلّته قدماي، غير مستنكفٍ ولا مستكبرٍ ولا مستحسرٍ، سبحان ربي العظيم وبحمده » (3).

وكما أنّ الركوع تخشّع لله تعالى، كذلك رفع الرأس منه تواضع له تعالى، وانتصاب للامتثال بين يديه.

____________

(1) راجع مجمع البيان|الطبرسي 5: 405، دار المعرفة ـ بيروت 1406هـ.

(2) من لا يحضره الفقيه|الشيخ الصدوق 1: 204|928 باب 45، دار الاضواء ـ بيروت 1405هـ ط 6. وجامع أحاديث الشيعة|تحت اشراف آية الله السيد البروجردي 5: 430|8213 باب 2 كيفية الركوع ـ قم 1416هـ.

(3) جامع أحاديث الشيعة 5: 433|8229 باب 2 كيفية الركوع.

 

( 17 )

ومن حيث الحكم: فالركوع: موضع تعظيم الله تعالى، وتبطل الصلاة بعدم إتيانه أو بتكراره، ولو سهواً.

3 ـ السجود في الصلاة:

وهو موضع الدعاء وطلب الحاجات، ويعدّ غاية في الخضوع والتذلل والاستكانة.

إنّ العبد في حالة السجود يكون في تمام الذلة والخضوع لله سبحانه وتعالى، وإذا عرف العبد نفسه بالذلة والافتقار عرف ربه هو العلي الكبير المتكبر الجبار (1).

روي عن الاِمام جعفر الصادق عليه السلام أنّه قال: « السجود منتهى العبادة من بني آدم » (2).

وعنه عليه السلام: « ما خسر والله قطُّ من أتى بحقيقة السجود ولو كان في عمره مرة واحدة، وما أفلح من خلا بربه في مثل ذلك الحال تشبيهاً بمخادع نفسه، غافلاً لاهياً عما أعدّ الله تعالى للساجدين من البشر العاجل، وراحة الآجل، ولا بَعُدَ عن الله أبداً من أحسن تقرّبه في السجود، ولا قَرُبَ إليه أبداً من أساء أدبه وضيّع حرمته بتعليق قلبه بسواه في حال السجود.. »(3)

____________

(1) فيض القدير للمناوي 2: 68|1348.

(2) الدعوات|قطب الدين الراوندي: 7. ومستدرك الوسائل 4: 472|5193 باب 18. وجامع أحاديث الشيعة 5: 466|8321.

(3) مصباح الشريعة: 91 باب 41 في السجود، منشورات مؤسسة الأعلمي ـ بيروت 1403هـ ط2.

 

( 18 )

والمراد في هذه الصورة المتحركة التي يرسمها هذا الحديث الشريف هو ضرورة حضور القلب في جميع أحوال الصلاة من أفعالها وأقوالها، وجدير بالتأمل أن ذلك يقتضي أن يكون الحضور حال السجود آكد ؛ لاَنّ حضور القلب في القيام ـ مثلاً ـ يقتضي الالتفات إلى مقام العبودية والربوبية، وفي الركوع يقتضي الالتفات إلى عظمة الرب وذلة العبد، وإلى أنّ الحول والقوة منفيّة عنه.

والحضور المناسب للسجود هو بالفناء عن الكلِّ والحضور عند الرب تعالى (1).

ولاَهمية السجود جعله الله تعالى واحداً من العلامات التي تميز عباده المخلصين، قال تعالى: ( سيماهم في وجوههم من أثر السجود ) (2).

تسمية المصلّى مسجداً:

ومما يؤكد اهتمام الاِسلام المتزايد بالسجود هو تسمية المصلى ـ وهو موضع اقامة الصلاة ـ مسجداً، إذ أصبح له عنواناً خاصاً متميزاً، عناية بأهم أجزاء الصلاة، باعتبار أن السجود هو موضع القرب كما تبين وبه يتجلى التواضع والخضوع والتذلل لله جلَّ وعلا، لذا فقد أولى الباري تعالى عناية خاصة بالمساجد فنسبها له سبحانه وحده كما قال: ( إنّ المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً ) (3).

____________

(1) اسرار الصلاة|الميرزا جواد الملكي التبريزي: 268، دار الكتاب الإسلامي ـ قم.

(2) سورة الفتح: 48|29.

(3) سورة الجن: 72|18.

 

( 19 )

ولقد شاءت ارادته تعالى أن يجعل المسجد مبدأ إسراء النبي صلى الله عليه وآله ومعراجه إلى السماء ليريه من آياته العظمى ويثبت له معجزة في ذلك قال تعالى: ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الاَقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا.. ) (1).

4 ـ هيئة السجود وحالته وذكره:

إنّ للسجود هيئةً وحالةً وذكراً، تنطوي على جملة أسرارٍ تتجلى للاِنسان المؤمن من خلال صلاته بمقدار درجة الاقبال وحضور القلب ووعي تامّ لما يقوم به من حركات وما يتلفّظه من كلمات.

أ ـ فهيئته: إراءة حالة التواضع وترك الاستكبار والعجب من خلال وضع الجبهة على الاَرض وإرغام الاَنف ـ وهو من المستحبات الاَكيدة ـ إظهاراً لكمال التخضّع والتذكّر والتواضع.

ب ـ وأما الحالة: فهي وضع أعضاء السجود السبعة على الاَرض، وبما أنّ تلك الاَعضاء تعدّ مظهراً لعقل الاِنسان وقدرته وحركته، فيكون إرغامها على التذلل والخضوع والمسكنة عبر السجود لله عزَّ وجلّ مظهراً من مظاهر التسليم التام له سبحانه، وهذا يعني شعور العبد بالندم والتوبة وطلب المغفرة والابتعاد عن الخطيئة بشتى أشكالها، ومع حصول تلك المعاني في نفس الساجد، فلا شكّ أنه سيشعر بحالة من الاُنس ورهبة حقيقية تمنعه من العدول إلى ارتكاب المعصية من جديد.

جـ ـ وأما الذكر: وهو ( سبحان ربي الأعلى وبحمده ) فإنه متقوم بالتسبيح

____________

(1) سورة الإسراء 17|1.

 

( 20 )

جـ ـ وأما الذكر: وهو (سبحان ربي الاَعلى وبحمده) فإنّه متقوّم بالتسبيح ـ وهو التنزيه عن التوصيف ـ والتحميد، وذكره تعالى بأنّه العلي الاَعلى، والعلي من الاَسماء الذاتية لله تعالى (1).

وفي الحديث الشريف عن الاِمام الرضا عليه السلام: «.. فأول ما اختار لنفسه: العلي العظيم ؛ لاَنّه أعلى الاَشياء كلّها، فمعناه: الله واسمه العلي العظيم، هو أول أسمائه، علا على كلِّ شيء » (2).

د ـ ومن أسرار حركات السجود: ـ من الهوي إلى الاَرض، ثم استقرار الجبهة عليها، ثم رفع الرأس، ثم العودة إليها، ثم الرفع منها ثانية ـ استحضار دورة حياة الانسان كلّها منذ نشأته الاُولى من مادة الاَرض، وتكونه إنساناً يدبّ عليها، ثمّ عودته فيها بعد موته، ثم خروجه منها يوم البعث والنشور.

وقد جمع أمير المؤمنين عليه السلام أطراف هذا المشهد في جوابه العجيب عن سؤال سائل سأله، قائلاً: يا بن عم خير خلق الله، ما معنى السجدة الاُولى؟ فقال عليه السلام: « تأويله اللهم إنّك منها خلقتنا ـ يعني من الاَرض ـ ورفع رأسك: ومنها أخرجتنا، والسجدة الثانية: وإليها تُعيدنا، ورفع رأسك من الثانية: ومنها تخرجنا تارة اُخرى..»(3).

____________

(1) الآداب المعنوية للصلاة|الإمام الخميني: 536 ـ 537، نشر طلاس ـ دمشق 1984م ط1.

(2) اُصول الكافي|الكليني 1: 113|2 باب حدوث الاسماء، كتاب التوحيد، دار الأضواء ـ بيروت 1405هـ.

(3) علل الشرائع|الشيخ الصدوق 2: 336|4 باب 32، منشورات مكتبة

=

 

( 21 )

فمن عثر على سر الصلاة يقف على مواقف القيامة ويراها كأنّها قامت وتدعو نارها من أعرض وتولى، فيجدُّ ويجاهد ويجتهد في إخمادها، كما في المأثور عن الاِمام زين العابدين عليه السلام أنّ حريقاً وقع في بيته وهو ساجد فجعلوا يقولون له: يا بن رسول الله، النار، يا بن رسول الله النار. فما رفع رأسه حتى طفئت. فقيل له ـ بعد فراغه: ما الذي ألهاك عنها؟

قال عليه السلام: « ألهاني عنها النار الاُخرى » (1).

رابعاً: العلاقة العبادية بين الركوع والسجود:

ربما عبّر القرآن الكريم عن الصلاة كلّها بالركوع والسجود، قال تعالى: ( يا أيُّها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلّكم تفلحون ) (2). ومثله ما حكاه القرآن من قول الملائكة لمريم: ( يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين ) (3).

ومع هذا الاشتراك بين الركوع والسجود، وكونهما مثالين لغاية التذلّل

____________

=

الداوري ـ قم ( افسيت على طبعة المكتبة الحيدرية ـ النجف الاشرف، تحقيق السيد محمد صادق بحر العلوم سنة 1385هـ ).

(1) مختصر تاريخ دمشق|ابن منظور 17: 236|134 ترجمة علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. وسير اعلام النبلاء|الذهبي 4: 391 ـ 392|157 ترجمة علي بن الحسين عليه السلام. وانظر: مناقب آل أبي طالب|ابن شهر آشوب 4: 147 ـ 148، دار الاضواء ـ بيروت 1991م ـ 1412هـ ط2.

(2) سورة الحج: 22|77.

(3) سورة آل عمران: 3|124.

 

( 22 )

والتخضّع، ومقرونين بالذكر الخاص بكل منهما، لكن في السجود زيادة تخضّع ظاهرة، فبين الانحناءة ومدّ العنق وبين وضع الجبهة على الاَرض، مصحوباً بهذا الذكر الجليل «سبحان ربي الاعلى» فارق مرتبة جعل العبد في حالة السجود أشدّ قرباً إلى الله تعالى، وبه يتجلّى لنا معنى قوله تعالى: ( واسجد واقترب ) (1) وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «أقرب ما يكون العبد من الله عزَّ وجلَّ وهو ساجد » (2).

وفي حديث الإمام جعفر الصادق عليه السلام يوازن فيه بين الركوع والسجود، جاء فيه: «.. الركوع أول والسجود ثانٍ، فمن أتى بمعنى الاَول صلح للثاني، وفي الركوع أدب، وفي السجود قرب، ومن لا يحسن الاَدب لا يصلح للقرب،... فإنّ الله تعالى يرفع عباده بقدر تواضعهم له ويهديهم إلى اُصول التواضع والخضوع بقدر اطلاع عظمته على سرائرهم » (3).

وقد علّق الاِمام الخميني قدس الله سره على هذا النصّ بقوله: (وفي هذا الحديث الشريف إشارات وبشارات وآداب ووظائف.. ومن هنا يعلم أن السجود فناء ذاتي كما قال أهل المعرفة، لاَنّ الركوع أول هذه المقامات والسجود ثانٍ، فليس هو إلاّ مقام الفناء في الذات) (4).

____________

(1) سورة العلق: 96|19.

(2) راجع: صحيح مسلم بشرح النووي 4: 167|482 باب 42 كتاب الصلاة. والسنن الكبرى|النسائي 1: 242|723 باب 25كتاب التطبيق، دار الكتب العلمية ـ بيروت 1411هـ ط1. وجامع احاديث الشيعة 5: 225|2937 باب أفضل السجود وآدابه من أبواب السجود.

(3) وسائل الشيعة 6: 309.

(4) الآداب المعنوية للصلاة|الامام الخميني: 527 ـ 528. والحديث منقول من

=

 

 

 

( 23 )

وأما من حيث الذكر، فالذكر الذي ينبغي قوله في كل منهما يشترك في جوانب ويختلف في أُخرى، فالاشتراك بذكر التسبيح والتحميد، وهو التنزيه والشكر على النعم.

سأل محمد بن سنان الاِمام الرضا عليه السلام عن علّة جعل التسبيح في الركوع والسجود فقال عليه السلام: « لعللٍ، منها أن يكون العبد مع خضوعه وخشوعه وتعبّده وتورّعه واستكانته وتذللـه وتواضعه وتقربه إلى الله مُقدِّساً له وممجّداً، مسبّحاً مطيعاً، معظّماً شاكراً لخالقه ورازقه فلا يذهب به الفكر والاَماني إلى غير الله » (1).

وأما موضع الافتراق ففي الاَول التعظيم في الانحناء، وفي الثاني ذكره بالعلو مع التذلل والانحطاط والصاق الجبين بالتراب بمعنى ربي أنت العلي وأنا الوضيع الداني.

عن هشام بن الحكم، عن أبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام ـ في حديث صلاة النبي صلى الله عليه وآله في الاسراء ـ قال: قلت له.. ولاَي علة يقال في الركوع: (سبحان ربي العظيم وبحمده) ويقال في السجود: (سبحان ربي الاَعلى وبحمده)؟

قال عليه السلام: « يا هشام.. فلمّا ذكر ما رأى من عظمة الله ارتعدت فرائصه،

____________

=

كتاب مصباح الشريعة: 12 باب 15.

(1) عيون أخبار الرضا عليه السلام|الشيخ الصدوق 2: 106|1 باب 34. العلل التي ذكرها الفضل بن شاذان والتي سمعها من الإمام الرضا عليه السلام مرة بعد مرة، تحقيق السيد محمد مهدي السيد حسن الخرسان، منشورات الأعلمي ـ طهران (أُوفسيت على طبعة المكتبة الحيدرية ـ النجف الاشرف ) 1390هـ.

 

( 24 )

فابترك على ركبتيه، وأخذ يقول: (سبحان ربي العظيم وبحمده) فلمّا اعتدل من ركوعه قائماً نظر إليه (1)في موضع أعلى من ذلك الموضع خرَّ على وجهه وجعل يقول: (سبحان ربي الاَعلى وبحمده) فلمّا قال سبع مرات سكن ذلك الرعب، فلذلك جرت به السُنّة » (2).

ومن بديع التعبير عن علاقة الركوع بالسجود ما قاله السيد السبزواري رحمه الله:

 

إنَّ الرُّكوعَ والسُّجُودَ والثَّنا * أعظمُ طاعةٍ لخالقِ السَّما

إنَّ الرُّكوعَ والسُّجُودَ حقّـُهُ * بِذاتِهِ لِذاكَ يَستحقُّهُ (3)

____________

(1)الضمير في ( إليه ) راجع الى الموصول في قوله عليه السلام: « فلما ذكر ما رأى من عظمة الله » وليس المراد به ما ذهب اليه المجسمة الذين ما قدروا الله حق قدره، فقالوا بالرؤية، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً.

(2) علل الشرائع|الصدوق 2: 332 ـ 333|4 باب 30.

(3) مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام|السيد السبزواري 6: 415.

 

( 25 )

 

المبحث الثاني: فضل السجود وآثاره ونتائجه

للسجود فضائل كثيرة وآثار محمودة ونتائج طيبة تعود بالخير على الساجد نفسه في عاجلته وآجلته، وبما أنّ للسجود حالات وأوصافاً متعددة لذا كانت نتائجه موافقة لحالاته وأوصافه، فقد يكون السجود طويلاً وكثيراً مصحوباً ببكاء الساجد وخشيته الشديدة من الله عزّ وجلّ، كما قد يكون قليلاً وسريعاً كنقر الغراب، وقد نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله : « إذا سجدت فمكّن جبهتك من الاَرض ولا تنقر نقراً »(1) لاَنّه لايتمكن من السجود ولا يطمئن فيه.

وعن الاِمام الصادق عليه السلام أنّه قال: « أبصر أمير المؤمنين عليه السلام رجلاً وهو ينقر بصلاته فقال: منذُ كم صليت بهذه الصلاة؟ فقال له الرجل: منذ كذا وكذا. قال عليه السلام: مثلك عند الله مثل الغراب إذا ما نقر، لو متَّ، متَّ على غير ملة أبي القاسم صلى الله عليه وآله وسلم، ثم قال أمير المؤمنين عليه السلام: إنّ أسرق السراق من سرق من صلاته » (2)، وقد يكون وسطاً بين هذا وذلك.

____________

(1) وسائل الشيعة 6: 298|8017 باب 3 وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود كتاب الصلاة. وراجع: مستدرك الوسائل|الميرزا حسين النوري 4: 469| 5185 باب 17 من أبواب السجود.

(2) روضة الواعظين|الفتّال النيسابوري 2: 319. وصحيح البخاري 1: 206 باب إذا لم يتم سجوده، كتاب الصلاة عن حذيفة.

 

 

( 26 )

والسجود الذي نروم الحديث عن فضله وآثاره ليس سجود المرائين والمنافقين القائم على أساس بلوغهم أهداف خسيسة زائلة، ومقاصد حقيرة عاجلة، فلا شكّ أنه ليس له من تلك الآثار نصيب، ولا لفاعله إلاّ الخيبة والخسران.

وإنّما هو السجود الصادق لله عزَّ وجلّ وإن اختلفت شدته ورتبته من ساجد إلى آخر، وبالجملة فإنّ السجود الصادق لله عزَّ وجلّ له من الآثار والفضائل مايجلّ وصفها، وسوف نذكر ما تيسر لنا منها اهتداء بأحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم وآله عليهم السلام، وعلى النحو الآتي:

1 ـ مدح الساجدين في القرآن الكريم:

لقد مدح الله تعالى الساجدين في أكثر من موضع، ولا سيّما ممن جمع مع السجود الجهاد في سبيل الله وتحلّى بمكارم الاَخلاق، لاَنّ السجود بطبيعته خضوع لله تعالى، لذا فإنّه يستوجب الزهد بكلِّ شيء من أجله تعالى، والاقبال على ما يوفّر رضاه ومحبته، قال تعالى: ( محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود ) (1).

أي أنّ سجودهم لله تذللاً وتخشعاً أثّر في وجوههم أثراً، وهو سيماء الخشوع لله، ويعرفهم به من رآهم، وقيل: المراد أثر التراب في جباههم لاَنهم كانوا إنّما يسجدون على التراب، لا على الاَثواب (2).

____________

(1) سورة الفتح: 48|29.

(2) الميزان في تفسير القرآن|السيد محمدحسين الطباطبائي 18: 300 في تفسير

=

 

 

 

( 27 )

روي عن أمير المؤمنين عليه السلام وهو يشير إلى هذا الصنف من الناس بقوله عليه السلام: « إنّي لاَكره للرجل أن أرى جبهته جلحاء ليس فيها أثر السجود.. » (1).

وروي أنّ الاِمام زين العابدين عليه السلام قال في معرض رده على قوم يزعمون التشيع لاَهل البيت عليهم السلام: « أين السّمَتُ في الوجوه؟ أين أثر العبادة ؟ أين سيماء السجود؟ إنّما شيعتنا يعرفون بعبادتهم وشعثهم، قد قرحت العبادة منهم الآناف ودثرت الجباه والمساجد » (2).

2 ـ اتخاذ إبراهيم عليه السلام خليلاً لكثرة سجوده:

من الآثار المباركة لكثرة سجود النبي إبراهيم عليه السلام، أن اتخذه الله خليلاً، كما يدلك على هذا حديث الاِمام الصادق عليه السلام وقد سُئل: لِمَ اتخذ الله إبراهيم خليلاً؟

فقال عليه السلام: « لكثرة سجوده على الاَرض » (3).

____________

=

الآية السابقة، مؤسسة مطبوعات اسماعيليان ـ قم (أُفست على طبعة بيروت 1393 هـ ط3).

(1) تهذيب الاَحكام|الشيخ الطوسي 2: 313|1375 باب 15 كيفية الصلاة وصفتها، دار الاَضواء ـ بيروت 1406 هـ ط3. وجامع أحاديث الشيعة 5: 468 | 8326.

(2) مستدرك الوسائل| النوري 4: 468|5182 باب 17 عن كتاب صفات الشيعة: 28| 40. وجامع أحاديث الشيعة 5: 472|8338.

(3) علل الشرائع|الشيخ الصدوق: 34|1. ومستدرك الوسائل 4: 470| 5189 باب 18.

 

 

( 28 )

3 ـ اصطفاء موسى عليه السلام كليماً لكثرة سجوده:

مما تميز به النبي موسى عليه السلام من بين جميع الاَنبياء عليهم السلام هو أن الله سبحانه وتعالى اصطفاه بكلامه، ولم ينل هذه الرتبة إلاّ بعد أن جسّد موسى عليه السلام أقصى حالات التواضع والخضوع لله جلَّ وعلا فكان يطيل السجود ويعفّر خدّه في التراب زيادة في التذلل وطلب القرب من العلي الاَعلى.

فقد روي عن الاِمام أبي عبدالله الصادق عليه السلام أنّه قال: « كان موسى بن عمران عليه السلام إذا صلّى لم ينتفل ـ من صلاته ـ حتى يلصق خده الاَيمن بالاَرض وخده الاَيسر بالاَرض » (1).

وروي عن أبي عبدالله الصادق عليه السلام أنّه قال: « أوحى الله عزَّ وجلَّ إلى موسى عليه السلام: أن يا موسى أتدري لِمَ اصطفيتك بكلامي دون خلقي؟ قال: ياربِّ ولِمَ ذاك؟ فأوحى الله تبارك وتعالى إليه: أن يا موسى إني قلّبت عبادي ظهراً لبطن فلم أجد فيهم أحداً أذلّ لي نفساً منك، يا موسى إنّك إذا صليت وضعت خدَّك على التراب ـ أو قال على الاَرض ـ » (2).

4 ـ مباهاة الرب عزَّ وجلّ الملائكة بالعبد الساجد:

من وصايا الرسول الاَكرم صلى الله عليه وآله وسلم لصاحبه أبي ذر الغفاري رحمه الله وهو يرشده

____________

(1) من لا يحضره الفقيه|الصدوق 1: 219|973 باب سجدة الشكر والقول فيها.

(2) اُصول الكافي 2: 123| 7 باب التواضع. ومن لا يحضره الفقيه| الشيخ الصدوق 1: 219|974 باب 47 عن الاِمام الباقر عليه السلام باختلاف يسير.

 

 

( 29 )

إلى أعمال يحبّها الله تعالى ويباهي بها الملائكة قال صلى الله عليه وآله وسلم: « يا أبا ذر، إنّ ربك عزَّ وجلَّ يباهي الملائكة بثلاثة نفر ـ إلى أن قال صلى الله عليه وآله وسلم ـ ورجل قام من الليل فصلّى وحده فسجد ونام وهو ساجد، فيقول الله تعالى: اُنظروا إلى عبدي روحه عندي وجسده في طاعتي ساجد » (1).

وروى الحسن بن علي الوشاء عن الاِمام أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: سمعته عليه السلام يقول: « إذا نام العبد وهو ساجد قال الله عزَّ وجلَّ للملائكة: اُنظروا إلى عبدي قبضت روحه وهو في طاعتي » (2).

ومن وصايا النبي الاَكرم صلى الله عليه وآله وسلم لاُسامة بن زيد: « يا اُسامة، عليك بطريق الحق ـ إلى أن قال ـ يا اُسامة، عليك بالسجود، فإنّه أقرب ما يكون العبد من ربّه إذا كان ساجداً، وما من عبد سجد لله سجدة، إلاّ كتب الله له بها حسنة، ومحا عنه بها سيئة، ورفع له بها درجة، وباهى به ملائكته » (3).

5 ـ السجود طاعة لله تعالى ونجاة للساجد:

أخرج الشيخ المفيد رضي الله عنه بسنده عن أمير المؤمنين الامام علي عليه السلام حديثاً تضمّن جملة وصايا حيث ركّز فيها على طول السجود باعتباره طاعة لله عزَّ وجل ونجاة للساجد قال عليه السلام: «... ولا تستصغروا قليل الآثام، فإنّ القليل يحصى ويرجع إلى الكثير، وأطيلوا السجود فما من عمل أشد على إبليس من أن يرى ابن آدم ساجداً لاَنه أُمر بالسجود فعصى وهذا أُمر

____________

(1) أمالي الشيخ الطوسي 2: 243. ومستدرك الوسائل 4: 471|5191 باب 18.

(2) عيون أخبار الرضا عليه السلام|الصدوق 2: 7|19 باب 30.

(3) مستدرك الوسائل 4: 475|5204 باب 18.

 

 

( 30 )

بالسجود فأطاع فنجا » (1).

6 ـ كثرة السجود تحتّ الذنوب:

إنّ كثرة السجود تدلّل على استمرار تذلّل العبد لربه العظيم وطلب المغفرة وتطهيره من الذنوب لما في السجود من تجسيد حقيقة العبودية بعد نفي التكبر والتمرّد والعصيان.

جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله، كثرت ذنوبي وضعف عملي، فقال له صلى الله عليه وآله وسلم: « أكثر من السجود، فإنّه يحتّ الذنوب كما تحتّ الريح ورق الشجر » (2).

7 ـ طول السجود وكثرته طريق إلى الجنة:

جاء في الحديث التأكيد على ضرورة إطالة السجود لمن أراد أن تكون له الجنة هي المأوى.

فقد روى ثقة الاِسلام الكليني رضي الله عنه بسنده عن أبي عبدالله عليه السلام أنّه قال: « مرَّ بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم رجل وهو يعالج بعض حجراته فقال: يا رسول الله ألا أكفيك ؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: شأنك، فلما فرغ قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: حاجتك؟ قال: الجنة، فأطرق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال: نعم، فلمّا ولى قال له: يا عبدالله

____________

(1) الخصال|الشيخ المفيد: 616. وجامع أحاديث الشيعة 5: 476 ـ 477| 8354. ومثله عن النبي صلى الله عليه وآله راجع علل الشرائع 2: 340|2.

(2) أمالي الصدوق: 404| 11 المجلس 75 منشورات الاَعلمي للمطبوعات ـ بيروت 1400 هـ ط5. ومستدرك الوسائل 4: 470|5188 باب 18.

 

 

( 31 )

أعنّا بطول السجود» (1).

وفي خبر آخر، أنَّ قوماً أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: يا رسول الله، اضمن لنا على ربك الجنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: « على أن تعينوني بطول السجود » (2).

وعن ربيعة بن كعب أنه سأل النبي صلى الله عليه وآله بأن يدعو له بالجنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: « أعنّي بكثرة السجود » (3).

8 ـ طول السجود طريق للحشر مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم:

ومن الفوائد المترتّبة على طول السجود، توفيق الله تعالى لاَن يحشر حليف السجدة الطويلة مع النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام، وذلك هو الفوز العظيم.

أورد الديلمي عن الامام أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: « جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال: علّمني عملاً يحبّني الله، ويحبّني المخلوقون، ويثري الله مالي، ويصح بدني، ويطيل عمري، ويحشرني معك.

قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: هذه ست خصال تحتاج إلى ست خصال، إذا أردت أن يحبّك الله فخفه واتّقه، وإذا أردت أن يحبّك المخلوقون فأحسن إليهم

____________

(1) الكافي 3: 266|8 باب فضل الصلاة.

(2) أمالي الطوسي 2: 277. ومستدرك الوسائل 4: 471|5190 باب 18 من أبواب السجود. وجامع أحاديث الشيعة 5: 465|8315 فضل السجود.

(3) دعوات الراوندي: 9. ومستدرك الوسائل 4: 471|5192 باب 18 من أبواب السجود.

 

 

( 32 )

وارفض مافي أيديهم، وإذا أردت أن يثري الله مالك فزكّه، وإذا أردت أن يصحّ الله بدنك فأكثر من الصدقة، وإذا أردت أن يطيل الله عمرك فصِلْ ذوي أرحامك، وإذا أردت أن يحشرك الله معي فأطل السجود بين يدي الله الواحد القهار » (1).

9 ـ السجود يحقّق الشفاعة في الآخرة:

المستفاد من النصوص الواردة في السجود، أنّ لطوله وكثرته سهماً في نيل الشفاعة والوصول إلى الرضوان الاِلهي وهو الجنة بدرجاتها والتخلص من النار وآثارها، ويدلّ عليه قول النبي صلى الله عليه وآله للرجل ـ كما في الحديث المتقدم:: « أعني بكثرة السجود » فإنّه يعني أنّ الشفاعة تحتاج إلى مقدمات أهمها الاستعانة بالصلاة وتفهّم أجزائها والتعايش مع أبعادها التربوية قال تعالى: ( استعينوا بالصبر والصلاة وإنّها لكبيرة إلاّ على الخاشعين ) (2).

وهذه الاستعانة تكون لاُمور شتى، منها الوصول إلى الشفاعة، ومن أهم أجزاء الصلاة التي يستعان بها هو السجود، فمن صلّى وأطال سجوده فقد توصّل إلى الشفاعة بالصلاة والسجود.

____________

(1) أعلام الدين في صفات المؤمنين|الديلمي: 268 تحقيق مؤسسة آل البيت عليهم السلام لاِحياء التراث ـ قم 1408 هـ. وبحار الاَنوار 85: 614|12. وجامع أحاديث الشيعة 5: 472 ـ 473|8339 باب 1 فضل السجود.

(2) سورة البقرة: 2|45.

 

 

( 33 )

10 ـ السجود من سنن الاَوابين:

إنّ الاَوابين هم اُولئك الذين صفت نفوسهم وارتفعت إلى مدارج الكمال بحيث سمت نفوسهم التقية فوق مستوى المادة، فهم على صلة مع الله عزَّ وجلّ في كلِّ حين كما هو واضح من معنى الاَوّاب أي الكثير الرجوع إلى الله عزَّ وجلّ في كل صغيرة وكبيرة.

لذا كان من الطبيعي جداً أن يكون سجودهم له طعمه الخاص ولونه الخاص في صفته وطوله ومن هنا جاء في حديث الاِمام الصادق عليه السلام مايؤكد على أن طول السجود من سنن الاَوابين.

فقد جاء في وصيته لاَبي بصير قوله عليه السلام: « يا أبا محمد عليك بطول السجود، فإنّ ذلك من سنن الاَوابين » (1).

11 ـ مواضع السجود لا تأكلها النار:

ومن فضل السجود عند الله عزَّ وجلّ أنه يثيب عليه حتى من غلبت سيئاته حسناته فدخل النار، وذلك بتكريم مواضع السجود لله في حياته فلا تأكلها النار، وقد ورد في الحديث ما يؤيد ذلك، ففي المروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنّه قال: «... إنّ النار تأكل كل شيء من ابن آدم إلاّ موضع السجود فيصب عليهم من ماء الجنة فينبتون كما نبت الحبة في حميل السّيل» (2).

____________

(1) مشكاة الاَنوار|الطبرسي: 146 منشورات الاَعلمي، بيروت 1411 هـ ط3. وقريب منه باختصار في علل الشرائع 2: 340|1 باب 39.

(2) سنن النسائي 2: 229 باب موضع السجود دار الكتب العلمية ـ بيروت.

 

 

( 34 )

وفي حديث آخر عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال في وصف أهوال يوم القيامة: «...حتى إذا أراد الله رحمة من أراد من أهل النار أمر الله الملائكة ان يُخرجوا من كان يعبد الله فيخرجونهم، ويعرفونهم بآثار السجود، وحرّم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار، فكل ابن آدم تأكله النار إلاّ أثر السجود.. » (1).

12 ـ شهادة الاَرض للساجد عليها يوم القيامة:

ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام استحباب تغيير مكان الصلاة باستمرار وخصوصاً في الاَماكن المقدسة، وذلك لاَن الاَرض تشهد للمصلي عند الله تبارك وتعالى، ولا سيّما البقعة التي يضع عليها جبهته سجوداً لله جلَّ وعلا، عن أبي ذر الغفاري رحمه الله في حديث وصية النبي صلى الله عليه وآله أنّه قال: « يا أبا ذر، ما من رجل يجعل جبهته في بقعة من بقاع الاَرض إلاّ شهدت له بها يوم القيامة..

يا أبا ذر ما من صباح ولا رواح إلاّ وبقاع الاَرض ينادي بعضها بعضاً: يا جارة، هل مرَّ بكِ اليوم ذاكر لله عزَّ وجلَّ، أو عبد وضع جبهته عليك ساجداً لله تعالى؟ فمن قائلة لا، ومن قائلة نعم، فإذا قالت نعم، اهتزّت وانشرحت وترى أنّ لها فضلاً على جارتها»(2).

وعن الاِمام الصادق عليه السلام قال: « صلّوا في المساجد في بقاع مختلفة،

____________

(1) فتح الباري بشرح صحيح البخاري 2: 552|806.

(2) أمالي الشيخ الطوسي: 534.

 

 

( 35 )

فإن كل بقعة تشهد للمصلي عليها يوم القيامة » (1).

13 ـ استجابة الدعاء في السجود:

يعتبر السجود من أهم مواضع استجابة الدعاء، لذا قال تعالى: ( فاسجد واقترب ) (2).

وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: « أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فاكثروا الدعاء » (3).

فالنبي صلى الله عليه وآله يؤكد هنا على ان العبد أقرب ما يكون من رحمة ربه وفضله العميم في حال سجوده لذا جاء الحث على الدعاء في السجود.

روى جميل بن دراج، عن أبي عبدالله الصادق عليه السلام أنّه قال: « أقرب مايكون العبد من ربَّه إذا دعا ربّه وهو ساجد، فأي شيء تقول؟

قلتُ: علّمني ـ جُعلت فداك ـ ما أقول؟

قال عليه السلام: قُلْ، يا رب الاَرباب، ويا ملك الملوك، ويا سيد السادات، ويا جبّار الجبابرة، ويا إله الآلهة، صلِّ على محمد وآلِ محمد وافعل بي كذا وكذا ـ يعني اذكر حاجتك ـ ثم قُل: فإنّي عبدك، ناصيتي في قبضتك، ثم ادعُ بما شئت واسأله فإنّه جواد لا يتعاظمه شيء » (4).

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 474|7.

(2) سورة العلق: 96|19.

(3) صحيح مسلم بشرح النووي 4: 167|482 باب 42.

(4) الكافي 3: 323|7 باب السجود والتسبيح والدعاء.

 

 

( 36 )

فالساجد إذن ما دام في موضع القرب والزلفى يمكنه أن يطلب من ذخائر الرحمة وأبواب المغفرة ما يشاء.

عن عبدالله بن هلال قال: شكوت إلى أبي عبدالله عليه السلام تفرّق أموالنا ومادخل علينا، فقال عليه السلام: « عليك بالدعاء وأنت ساجد، فإنَّ أقرب مايكون العبد إلى الله وهو ساجد ».

قال: قلت: فأدعو في الفريضة، واُسمي حاجتي؟

فقال عليه السلام: « نعم، قد فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فدعا على قوم بأسمائهم وأسماء آبائهم، وفعله علي عليه السلام بعده » (1).

وعن عبدالرحمن بن سيابة قال: قلت لاَبي عبدالله الصادق عليه السلام: أدعو وأنا ساجد؟

فقال عليه السلام: « نعم، فادعُ للدنيا والآخرة، فإنّه ربِّ الدنيا والآخرة » (2).

وعن زياد القندي قال: كتبت إلى أبي الحسن الاَول عليه السلام: علّمني دعاء ، فإني قد بليت بشيء ـ وكان قد حُبِس ببغداد حيث أتُّهم بأموالهم ـ فكتب إليه عليه السلام: « إذا صلّيت فأطل السجود ثم قُل: (يا أحد من لا أحد له) حتى ينقطع النفس، ثُم قُل: (يا من لا يزيده كثرة الدعاء إلاّ جوداً وكرماً) حتى تنقطع نفسك، ثم قل (يا رب الاَرباب أنت أنت أنت الذي انقطع الرجاء إلاّ منك، يا علي يا عظيم) ».

____________

(1) الكافي 3: 324|11 الباب السابق.

(2) الكافي 3: 323|6 الباب السابق.

 

 

( 37 )

قال زياد: فدعوت به ففرّج الله عني وخلّي سبيلي (1).

وروى زيد الشحام عن الاِمام الباقر عليه السلام قال: « ادعُ في طلب الرزق في المكتوبة وأنت ساجد: يا خير المسؤولين، ويا خير المعطين، ارزقني وارزق عيالي من فضلك، فإنّك ذو الفضل العظيم » (2).

نعم إنّ استجابة الدعاء تستلزم توفّر شروطها، وأبرز هذه الشروط الصدق في الدعاء، وهو يستدعي إظهار حالة الفقر الحقيقي إلى الله الغني القادر على قضاء حاجته، ثم العزم على التقيّد بما تفرضه عبوديته لله الخالق العظيم وعدم مخالفته في شيء صغيراً كان أو كبيراً.

14 ـ ثواب السجود المقترن بالصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وآله عليهم السلام:

عن عبدالله بن سليمان قال: سألت أبا عبدالله الصادق عليه السلام عن الرجل يذكر النبي صلى الله عليه وآله وهو في الصلاة المكتوبة، إما راكعاً وإما ساجداً فيصلي عليه وهو على تلك الحال؟ فقال عليه السلام: « نعم إنّ الصلاة على نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم كهيئة التكبير والتسبيح، وهي عشر حسنات يبتدرها ثمانية عشر ملكاً أيّهم يبلّغها إياه » (3).

وقال أبو حمزة الثمالي: قال الاِمام أبو جعفر الباقر عليه السلام: « من قال في ركوعه وسجوده وقيامه (صلّى الله على محمد وآل محمد) كتب الله له بمثل

____________

(1) الكافي 3: 328|25 باب السجود والتسبيح والدعاء.

(2) وسائل الشيعة|الحر العاملي 6: 372|8212 باب 17 جواز الدعاء في السجود للدنيا والآخرة.

(3) الكافي 3: 322|5 باب السجود والتسبيح والدعاء.

 

 

( 38 )

الركوع والسجود والقيام» (1).

 

المبحث الثالث: مع الساجدين:

فيما يلي نماذج مختارة من سجود النبي صلى الله عليه وآله وأئمة أهل البيت عليهم السلام تعكس لنا مدى اهتمامهم عليهم السلام بهذا الاَمر وحرصهم عليه:

سجود رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

روى أبو بصير عن الاِمام أبي جعفر الباقر عليه السلام انه قال: « كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند عائشة ذات ليلة فقام يتنفل فاستيقظت عائشة فضربت بيدها فلم تجده، فظنت انه قد قام إلى جاريتها، فقامت تطوف عليه، فوطئت عنقه صلى الله عليه وآله وسلم وهو ساجد باك، يقول: سجد لك سوادي وخيالي وآمن بك فؤادي، أبوء إليك بالنعم، واعترف لك بالذنب العظيم، عملت سوءً وظلمت نفسي فاغفر لي إنّه لا يغفر الذنب العظيم إلاّ أنت، أعوذ بعفوك من عقوبتك وأعوذ برضاك من سخطك وأعوذ برحمتك من نقمتك وأعوذ بك منك، لا أبلغ مدحك والثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك استغفرك واتوب إليك، فلمّا انصرف قال: يا عائشة لقد أوجعت عنقي، أي شيء خشيت؟ أن أقوم إلى جاريتك؟ » (2).

____________

(1) الكافي 3: 324|13 باب السجود والتسبيح والدعاء.

(2) الكافي 3: 324|12 باب السجود والتسبيح والدعاء.

 

 

( 39 )

وهذه الرواية قد حرّفها العامّة أبشع التحريف وأفقدوها الجزء الاَعظم من دلالتها الصريحة على ما كانت عليه عائشة إذ أوردها ابن خزيمة في صحيحه من رواية أبي هريرة عن عائشة أنّها قالت: فقدت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات ليلة فجعلت أطلبه بيدي فوقعت يدي على باطن قدميه وهما منتصبتان فسمعته يقول: « اللهمَّ اني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك واعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » (2).

وروى عبدالله بن أبي رافع عن علي عليه السلام أنّه قال: « إنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبّر، فذكر الحديث. وقال: ثم إذا سجد قال في سجوده اللهمَّ لك سجدت، وبك آمنت ولك أسلمت وأنت ربي سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين »(1).

سجود أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام:

من كلام لمولانا أمير المؤمنين عليه السلام وهو يصف لنا صفات المؤمن الحقّ ، قال عليه السلام: «... إنّ المؤمن من نفسه في شغل والناس منه في راحة، إذا جنَّ عليه الليل فرش وجهه وسجد لله تعالى ذكره بمكارم بدنه ويناجي الذي خلقه في فكاك رقبته ألا فهكذا كونوا » (3).

____________

(1) صحيح ابن خزيمة 1: 335 ـ 336|673 باب 99 الدعاء في السجود، المكتب الاِسلامي، تحقيق الدكتور محمد مصطفى الاَعظمي، بيروت 1412 ط2.

(2) صحيح ابن خزيمة 1: 335|671 باب الرجاء في السجود.

(3) مشكاة الاَنوار في غرر الاَخبار|الطبرسي: 90 باب 2 فصل 4 في منزلة الشيعة عند الله وحقوقهم وما يجب أن يكونوا عليه.

 

 

( 40 )

وعن أبي ذر الغفاري رحمه الله انه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: « مثل علي فيكم ـ أو قال: في هذه الاُمّة ـ كمثل الكعبة المستورة، النظر إليها عبادة، والحج إليها فريضة » (1).

وعن أبي سليمان الخطابي قال: معناه والله أعلم: إنّ النظر إلى وجهه: يدعو إلى ذكر الله لما يتوسم فيه من نور الاِسلام، ويُرى عليه من بهجة الاِيمان، ولما يتبين فيه من أثر السجود وسيماء الخشوع، وبذلك نعته الله فيمن معه من صحابة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ( سيماهم في وجوههم من أثر السجود ) (2)، وهذه كما يُروى لابن سيرين أنّه دخل السوق فلمّا نظر إليه ـ وقد جهدته العبادة ونهكته ـ قال: سبحوا (3).

وقال نوف البكالي واصفاً أمير المؤمنين كأنّ جبينه ثفنة بعير (4).

روى حفص الاعور عن الاِمام أبي عبدالله الصادق عليه السلام أنّه قال: « كان علي صلوات الله عليه إذا سجد يتخوّى كما يتخوى البعير الضامر » (5)،

____________

(1) تاريخ دمشق|ابن عساكر 42: 356|8948 ترجمة علي بن أبي طالب عليه السلام، دار الفكر ـ بيروت 1417 هـ ط1.

(2) سورة الفتح: 48|29.

(3) تاريخ دمشق|ابن عساكر 42: 356 ترجمة علي بن أبي طالب عليه السلام.

(4) مستدرك الوسائل|النوري 4: 469|187 باب 4.

(5) قال في المصباح المنير 1: 185 (خوى): خوى الرجل في سجوده: رفع بطنه عن الاَرض، وقيل جافى عضديه. وفي المعجم الوسيط: 263: خوى البعير: رفع بطنه عن الاَرض في بروكه ومكّن لثفناته والمصلِّي في سجوده: رفع بطنه عن الاَرض وفرج بين عضديه وجنبيه.

 

 

( 41 )

يعني بروكه (1).

سجود الاِمام السجاد عليه السلام:

روى جابر الجعفي عن الاِمام الباقر عليه السلام قال: « إنّ علي بن الحسين ماذكر لله عزَّ وجلَّ نعمة عليه إلاّ سجد، ولا قرأ آية من كتاب الله فيها سجدة إلاّ سجد، ولا دفع الله عنه شراً يخشاه أو كيد كائد إلاّ سجد، ولا فرغ من صلاة مفروضة إلاّ سجد، ولا وفق لاصلاح بين اثنين إلاّ سجد، وكان كثير السجود، في جميع مواضع سجوده فسمي السجاد لذلك » (2).

وعن الاِمام الباقر عليه السلام: « كان أبي في موضع سجوده آثار نابتة فكان يقطعها في السنة مرتين، في كلِّ مرة خمس ثفنات، فسمي ذو الثفنات » (3).

وعن الفضل بن يسار عن أبي عبدالله عليه السلام قال: « كان علي بن الحسين عليه السلام إذا قام إلى الصلاة تغير لونه، فإذا سجد لم يرفع رأسه حتى يرفض (4) عرقاً. ثم يرفع رأسه من السجدة الاُولى ويقول: اللهمَّ أعفُ عني واغفر لي، واجبرني، واهدني ( إني لما أنزلت إليَّ من خير فقير ) » (5).

____________

(1) الكافي 3: 321 ـ 322|2 باب السجود والتسبيح والدعاء.

(2) مناقب آل أبي طالب|ابن شهر آشوب 4: 180 ـ 181، دار الاَضواء، بيروت 1412 هـ ط2.

(3) المصدر السابق. والثفنة: الجزء الذي يصيب الاَرض من الجسم فيغلظ، والجمع ثفنات. وانظر: مستدرك الوسائل 4: 466|5177 باب 17.

(4) يرفض: يسيل ويتفرق ويتتابع سيلانه. لسان العرب 7: 156 مادة رفض.

(5) مستدرك الوسائل 4: 447|5130. وراجع فلاح السائل|ابن طاووس: 133 ـ 134 والآية من سورة القصص: 28|24.

 

 

( 42 )

وعن سعيد بن كلثوم قال: كنت عند الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام فذكر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فاطراه ومدحه بما هو أهله ـ وأخذ يصف الاِمام علي وعبادته، فقال: «.. وما أشبهه من ولده ولا أهل بيته أحد أقرب شبهاً به في لباسه وفقهه من علي بن الحسين عليهما السلام، ولقد دخل أبو جعفر ـ ابنه ـ عليهما السلام عليه فإذا هو قد بلغ من العبادة مالم يبلغه أحد، فرآه قد اصفر لونه من السهر ورمصت عيناه من البكاء، ودبرت جبهته وانخرم أنفه من السجود، وورمت ساقاه من القيام في الصلاة، فقال أبو جعفر عليه السلام: فلم أملك حين رأيته بتلك الحال البكاء فبكيت رحمة له وإذا هو يفكر فالتفت إليَّ بعد هنيهة من دخولي فقال: يا بني أعطني بعض تلك الصحف التي فيها عبادة علي بن أبي طالب عليه السلام فأعطيته فقرأ فيها شيئاً يسيراً ثم تركها من يده تضجراً وقال: من يقوى على عبادة علي عليه السلام » (1).

سجود الاِمام الباقر عليه السلام:

عن أبي عبيدة قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول وهو ساجد: « اسألك بحق حبيبك محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلاّ بدّلت سيئاتي حسنات وحاسبتني حساباً يسيراً ـ ثم قال في الثانية ـ أسألك بحق حبيبك محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلاّ كفيتني مؤونة الدنيا وكل هول دون الجنة ـ ثم قال في الثالثة ـ اسألك بحق حبيبك محمد صلى الله عليه وآله وسلم لما غفرت لي الكثير من الذنوب والقليل، وقبلت من عملي

____________

(1) الاِرشاد|الشيخ المفيد 2: 141 ـ 142 باب ذكر أخبار علي بن الحسين، تحقيق مؤسسة آل البيت عليهم السلام لاِحياء التراث ـ قم 1413 هـ ـ ط1. والمستدرك|النوري 4: 466|5178 باب 17. وكتاب الاِمام زين العابدين|عبدالرزاق المقرم: 330.

 

 

( 43 )

اليسير ـ ثم قال في الرابعة ـ اسألك بحق حبيبك محمد صلى الله عليه وآله وسلم لما ادخلتني الجنة، وجعلتني من سكانها، ولما نجيتني من سفعات النار برحمتك »(1).

وروى اسحاق بن عمار قال: قال لي أبو عبدالله عليه السلام: « اني كنت أُمهّد لاَبي فراشه فانتظره حتى يأتي فإذا أوى إلى فراشه ونام قمت إلى فراشي، وانه أبطأ عليَّ ذات ليلة فأتيت المسجد في طلبه وذلك بعدما هدأ الناس، فإذا هو في المسجد ساجد وليس في المسجد غيره فسمعت حنينه وهو يقول: سبحانك اللهمَّ أنت ربي حقاً حقاً سجدت لك يا ربِّ تعبّداً ورقاً، اللهمَّ إنّ عملي ضعيف فضاعفه لي، اللهمَّ قني عذابك يوم تبعث عبادك وتب علي إنّك أنت التواب الرحيم » (2).

سجود الاِمام الصادق عليه السلام:

روى الكليني عن الحلبي عن أبي عبدالله عليه السلام قال: « إذا سجدت فكبّر وقل: اللهمَّ لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، وعليك توكلت، وأنت ربي سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره، الحمدُّ لله ربِّ العالمين تبارك الله أحسن الخالقين، ثم قل: سبحان ربي الاَعلى وبحمده، ثلاث مرات فإذا رفعت رأسك فقل بين السجدتين: اللهمَّ اغفر لي وارحمني واجرني وادفع عني، إنّي لما أنزلت إليَّ من خير فقير. تبارك الله رب

____________

(1) فلاح السائل|ابن طاووس: 243 ـ 244. ومستدرك الوسائل 4: 448| 5130. وسفعته النار والسموم: إذا نفحته نفحاً يسيراً فغيرت لون البشرة. ومنه الدعاء: أعوذ بك من سفعات النار ـ مجمع البحرين 4: 345 مادة سفع.

(2) الكافي 3: 323|9 باب السجود والتسبيح والدعاء.

 

 

( 44 )

العالمين » (1).

عن الحسن بن زياد قال: سمعتُ أبا عبدالله عليه السلام وهو ساجد: « اللهم اني اسألك الراحة عند الموت، والراحة عند الحساب ـ قال اسماعيل في حديثه ـ والاَمن عند الحساب » (2).

عن سعيد بن يسار قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول وهو ساجد: «سجد وجهي اللئيم، لوجه ربي الكريم » (3).

عن مفضّل بن عمر قال: أتينا باب أبي عبدالله عليه السلام ونحن نريد الاَذن عليه فسمعناه يتكلّم بكلام ليس بالعربية فتوهمنا أنّه بالسريانية. ثم بكى فبكينا لبكائه، ثم خرج إلينا الغلام فأذن لنا فدخلنا عليه فقلت: أصلحك الله أتيناك نريد الاَذن عليك فسمعناك تتكلم بكلام ليس بالعربية فتوهمنا أنّه بالسريانية ثم بكيت فبكينا لبكائك، فقال عليه السلام: « نعم ذكرت إلياس النبيّ وكان من عبّاد أنبياء بني إسرائيل، فقلت كما كان يقول في سجوده » ثم اندفع فيه (4) بالسريانية فلا والله ما رأينا قساً ولا جاثليقاً (5)أفصح لهجة منه به، ثم فسّره لنا بالعربية فقال عليه السلام: « كان يقول في سجوده: أتراك

____________

(1) الكافي 3: 321|1 باب السجود والتسبيح والدعاء.

(2) مستدرك الوسائل 4: 463|5167.

(3) مستدرك الوسائل 4: 463|5168.

(4) اندفع فيه: أي شرع فيه.

(5) القس: رئيس النصارى في العلم كالقسيس. والجاثليق: يكون فوقه ويطلق على قاضيهم.

 

 

( 45 )

معذّبي وقد أظمأت لك هواجري (1)، أتراك معذّبي وقد عفّرت لك في التراب وجهي، أتراك معذّبي وقد اجتنبت لك المعاصي، أتراك معذّبي وقد أسهرت لك ليلي، قال عليه السلام: فأوحى الله إليه: أن ارفع رأسك فإنّي غير معذّبك، قال: إن قلت: لا أُعذّبك ثم عذّبتني ماذا؟ ألست عبدك وأنت ربي؟ قال: فأوحى الله إليه: أن ارفع رأسك، فإنّي غير معذّبك، إنّي إذا وعدت وعداً وفيت به » (2).

من وصاياه عليه السلام لاَصحابه، ما رواه اسماعيل بن عمّار قال: قال أبو عبدالله ـ الصادق ـ عليه السلام: « اُوصيك بتقوى الله والورع، وصدق الحديث، وأداء الاَمانة، وحسن الجوار، وكثرة السجود، فبذلك أمرنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم »(3).

سجود الاِمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام:

عرف الاِمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام بالعبد الصالح وحليف السجدة الطويلة، ومن شدة حبّه للعبادة كان يدعو الله سبحانه بأن يفرغه للعبادة، وبعد أن سجنه الطاغية هارون حسداً وظلماً، شكر الله وكظم غيضه.

روي أنّه عليه السلام كان يصلي نوافل الليل ويصلها بصلاة الصبح ثم يعقّب حتى تطلع الشمس ثم يخر ساجداً فلا يرفع رأسه من الدعاء والتحميد

____________

(1) الهاجرة: نصف النهار حين يستكن الناس في بيوتهم كأنّهم قد تهاجروا من شدة الحر.

(2) اُصول الكافي 1: 227 ـ 228|2 باب 34 كتاب الحجة.

(3) مشكاة الاَنوار|الطبرسي: 66.

 

 

( 46 )

حتى يتعالى النهار (1).

روى أبو العباس الخزري عن الثوباني انه قال: كانت لاَبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام بضع عشرة سنة في كلِّ يوم سجدة بعد انقضاض الشمس إلى وقت الزوال، فكان هارون ربما صعد سطحاً يشرف منه على الحبس الذي حبس فيه أبو الحسن عليه السلام فكان يرى أبا الحسن عليه السلام ساجداً، فقال للربيع: يا ربيع ماذاك الثوب الذي أراه كل يوم في ذلك الموضع؟

فقال: يا أمير المؤمنين ماذاك بثوب وإنّما هو موسى بن جعفر عليه السلام له كل يوم سجدة بعد طلوع الشمس إلى وقت الزوال، قال الربيع: قال لي هارون: أما انّ هذا من رهبان بني هاشم، قلت: فمالك قد ضيّقت عليه في الحبس؟

قال: هيهات لابدّ من ذلك (2).

روى زياد بن مروان: كان أبو الحسن الاِمام الكاظم عليه السلام يقول في سجوده: « أعوذ بك من نار حرّها لا يطفأ، وأعوذ بك من نار جديدها لايبلى، وأعوذ بك من نار عطشانها لا يروى، وأعوذ بك من نار مسلوبها

____________

(1) من لا يحضره الفقيه|الصدوق 1: 218|970 باب 47.

(2) عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 77 ـ 78|14 باب 7.

 

 

( 47 )

لايكسى » (1).

وروى محمد بن سليمان عن أبيه قال: خرجت مع أبي الحسن موسى ابن جعفر عليه السلام إلى بعض أمواله فقام إلى صلاة الظهر فلمّا فرغ خرّ ساجداً فسمعته يقول بصوت حزين وتغرغر دموعه: « ربي عصيتك بلساني ولو شئت وعزّتك لاَخرستني، وعصيتك ببصري ولو شئت وعزتك لاَكمهتني، وعصيتك بسمعي ولو شئت وعزتك لاصممتني، وعصيتك بيدي ولو شئت وعزتك لكنعتني، وعصيتك برجلي ولو شئت وعزتك لجذمتني، وعصيتك بفرجي ولو شئت وعزتك لعقمتني، وعصيتك بجميع جوارحي التي أنعمت بها علي وليس هذا جزاؤك مني ».

ثم أحصيت له ألف مرة وهو يقول: « العفو العفو » ثم ألصق خده الاَيمن بالاَرض وسمعته يقول بصوت حزين: « بؤتُ إليك بذنبي، عملت سوءاً وظلمت نفسي فاغفر لي فانه لا يغفر الذنوب غيرك يا مولاي » ثلاث مرات ثم ألصق خده الاَيسر بالاَرض فسمعته يقول: « إرحم من أساء واقترف واستكان واعترف » ثلاث مرات ثم رفع رأسه (2).

سجود الاِمام الرضا عليه السلام:

عن إبراهيم بن عبدالحميد قال: سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول في سجوده: « يامن علا فلا شيء فوقه، ويا من دنا فلا شيء دونه، اغفر لي

____________

(1) الكافي 3: 328|22 باب السجود والتسبيح والدعاء.

(2) التهذيب 2: 111 ـ 112|418 باب 8 كتاب الصلاة.

 

 

( 48 )

ولاصحابي» (1).

وعن أبي الحسن الصائغ عن عمه قال:... فلمّا صار إلى قرية سمعت الرضا عليه السلام يقول في سجوده: « لك الحمد إن أطعتك، ولا حجة لي إن عصيتك، ولا صنع لي ولا لغيري في إحسانك، ولا عذر لي إن أسأت، ما أصابني من حسنة فمنك يا كريم، اغفر لمن في مشارق الاَرض ومغاربها من المؤمنين والمؤمنات » (2).

سجود الاِمام الحسن العسكري عليه السلام:

قال محمد الشاكري يصف الاِمام العسكري عليه السلام: (... كان عليه السلام أصلح من رأيت من العلويين والهاشميين،... كان يجلس في المحراب ويسجد، فأنام وأنتبه، وأنام وهو ساجد...) (3).

____________

(1) التوحيد / الشيخ الصدوق: 67|21 باب 2 تحقيق السيد هاشم الحسيني الطهراني، مكتبة الصدوق طهران 1398هـ. ومستدرك الوسائل 4: 450 ـ 451|5133.

(2) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 205|5 باب 47 دلالات الرضا عليه السلام.

(3) كتاب الغيبة / الشيخ الطوسي: 251 ـ 217|179 تحقيق الشيخ عبد الله الطهراني والشيخ علي أحمد ناصح، مؤسسة المعارف الإسلامية 1417هـ ط2 ومستدرك الوسائل 4: 473|5197 باب 18.