|
النموذج الاول: فريه القولبتحريف القرآن
القرآن الكريم هو كتاب اللّه المنزلالذى لا ياتيه الباطل من بين
يديه ولا من خلفه،و هو مصدر حضارتنا ودستورنا والنبع الذى
تنهل منه الامه، وللقرآن فى نفس كل مسلم قداسه لا تعادل
بشىء، ولما كان هو مصدر التشريع الاسلامى الرئيس، والذى
تنتهى اليه كل مصادر التشريع الاخرى، فلايمكن ان يطمئن
المسلم الى سلامه كل حكم من الاحكام الشرعيه معالقول
بوقوع التحريف فيه ، زياده او نقيصه،او العبث بجمله ومفرداته
(انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون)، ونظرا لمكانه القرآنهذه
فى نفوس المسلمين فان اى فئه تذهب الى القول بالتحريف
فيه ستكون جسما غريبا فى هيكل هذه الامه، وستكون موضع
(النقمه).
من اجل ذلك كان فى طليعه ما طبخته مطابخ الحكم،
واوكلت الى وكلائها القيام بتسويقه هو نسبه القول بالتحريف
فى القرآن الكريم الى الشيعه. وسنرى ان شاء اللّه تعالى مدى
صحه هذه النسبه، ومدى مساحه القول بذلك عند اهل السنه
ليتضح لنا مدى صحه ما ينسب للشيعه.
لقد تضافرت آراء فقهائنا ومفسرينا على نفى هذه النسبه لنا،
ودحض هذه الفريه فى اكثر من مرجع من كتب الشيعه، بحيث
لا تمر بكتاب يتحدث عن مواضيع وعلوم القرآن عند الشيعه،
الا وترى فيه (بحثا) يدحض ما نسب للقرآن من كونه محرفا.
ولما لم يكن من هدفى هنا استقصاء ما كتب، وانما توجيه
القارىء الى جمله من المصادر التى تبين راى الاماميه بوضوح،
وبمقدار كاف للتدليل على ذلك فساذكر ما يفى بالمقام.
ان راى جمهور الشيعه على ان القرآن الكريم محفوظ لم ينله
تحريف من زياده او نقيصه فى آياته وسوره وحروفه، بل هو
الموجود بين الدفتين، ويتداوله المسلمون، ويمكن التاكد من
ذلك بالرجوع الى مقدمه تفسير التبيان للشيخ الطوسى،
ومقدمه مجمع البيان للطبرسى، وكشف الغطاء للشيخ استاذ
الفقهاء الشيخ جعفر فى باب بحث القرآن، وحق اليقين للملا
محسن الفيض الشهير بالمحدث الكاشانى، وآلاء الرحمن للشيخ
محمد جواد البلاغى، والبيان فى مقدمه تفسير القرآن لايه اللّه
الخوئى ابى القاسم، وهو راى المفيد والبهائى والقاضى نور اللّه
بل وكل المحققين، واما ما ينسب للشيخ الكلينى ثقه الاسلام
فى الكافى، من ايراده للروايات التى تذكر وقوع التحريف، فهو
ينفيها بنفسه ويوكد ذلك الامور التاليه:
1 - ان الاحاديث الموهمه للتحريف ذكرها الكلينى فى باب
النوادر، ومعنى النوادر هو معنى الشواذ، وهو ما لا يعمل به، فان
الشاذ من الاحاديث اذا خالف الكتاب والسنه، او كان صحيحا
فى نفسه ولكنه معارض بروايه هى اشهر منه بين الرواه، لا
يعمل به، هذا ما يقرره علماونا فى باب التعادل والتراجيح، ولما
كانت روايه التحريف مخالفه للكتاب والسنه ومعارضه بما هو
اشهر وارجح منه فلا يعمل بها.
2 - انه ذكر فى التميز بين الروايه الصحيحه وغيرها ان تعرض
على الكتاب والسنه فما وافقهما يوخذ به وما خالفهما يطرح،
وفى هذا دليل على انه لا ياخذ بتلك الروايات، وانما رواها كما
روى البخارى ومسلم اخبار التحريف.
3 - انه ذكر روايه سعد الخير فى روضه الكافى، وهى صريحه
فى نفى النقص فى القرآن. اذ قال الباقر لسعد الخير: (وكان من
نبذهم الكتاب ان اقاموا حروفه وحرفوا حدوده) وهى صريحه
بتمام حروف القرآن.
4 - ليس كل راو لروايه قائل بمضمونها، كما هو المعلوم فى
مختلف ابعاد العلوم.
هذه مجرد فكره موجزه عن تحريف الكتاب المجيد وموقف
الشيعه من ذلك، وهو بمنتهى الوضوح، وعندنا من الارقام التى
تنص على ان الشيعه لا يقولون بالتحريف، بل الذين يقولون
بتحريف القرآن بمعنى الزياده والنقيصه غيرهم، اما التحريف
بمعنى تحريف معانى الكلمات والايات واسباب النزول، فان
للشيعه راى صريح بذلك، فهم يذهبون الى ان التحريف بهذا
المعنى قد حصل عند كثير من الرواه والمفسرين لاسباب لا
تخفى.
ونعود بعد ذلك الى راى اهل السنه بالتحريف بمعنى النقيصه:
«راى رعيل من اهل السنه تبعا لمصادرهم»:
من الغريب ان القائلين بالتحريف هم اهل السنه، وآراوهم
صريحه بنقص القرآن الموجود بين ايدى المسلمين - بغض
النظر عما اذا كانوا يقولون بلوازم هذا الراى ام لا- فقد عودونا
انهم فى كثير من الامور لا يلتزمون بلوازم القول، وليس هذا
موضع البرهنه على ذلك، فان له مكانا وبحثا آخر، قد نتطرق
اليه ان شاء اللّه، اقول ان آراءهم صريحه بذلك، ولكنهم يرمون
بذلك غيرهم كما سترد علينا امثله لذلك، ولنستعرض بعض
اقوالهم فى ذلك بما يكون مجرد نماذج لذلك، ونشير بعد ذلك
لبعض المصادر لمن اراد التوسع فى ذلك.
1 - ذهب السيوطى فى كتاب الاتقان فى علوم القرآن باب عدد
سور وكلمات وحروف القرآن، الى روايات عن الخليفه عمر بن
الخطاب، انه كان يقول ان حروف القرآن الف الف وسبعه
وعشرون الف حرف، كما اخرج ذلك مرفوعا عن عمر بن
الخطاب الطبرانى بسند موثق.
2 - ذكر صاحب منتخب كنز العمال بروايته عن زربن حبيش
قال: قال لى ابى يا زر كيف تقرا سوره الاحزاب قلت ثلاث
وسبعين آيه. قال: ان كانت لتضاهى سوره البقره او هى اطول
من سوره البقره. ومفاد هاتين الروايتين هو فى راى الخليفه
كما ينسب له ان حروف القرآن الموجوده اقل من الثلث، ومفاد
الروايه الثانيه عن ابى ان سوره الاحزاب الموجوده اقل من ثلث
السوره المنزله.
3 - ذكر اهل السنه ان سورتى (الحفد) والخلع من السور
الصغار لم تثبت فى القرآن وكانتا مما يقنت بهما الخليفه
عمربن الخطاب وهما على النحو التالى: (اللهم انا نستعينك
ونستغفرك ونثنى عليك ولا نكفرك ونخلع ونترك من
يفجرك). (اللهم اياك نعبد ولك نصلى ونسجد واليك نسعى
ونحفد نرجو رحمتك ونخشى نقمتك ان عذابك بالكافرين
ملحق)، انظر السيوطى فى باب عدد السور، فقد روى ذلك
بطرق عديده مع ان السورتين غير موجودتين بالقرآن.
4 - ذكر الامام احمد بن حنبل فى الجزء الاول من مسنده
بسند عن ابن عباس عن عمربن الخطاب انه قال: ان اللّه بعث
محمدا بالحق وانزل معه الكتاب فكان مما انزل اليه آيه الرجم
فرجم رسول اللّه ورجمنا بعده، وكنا نقرا (ولا ترغبوا عن آبائكم
ان كفرا بكم ان ترغبوا عن آبائكم)، والايه ليست موجوده فى
القرآن.
5 - ذكر السيوطى فى الاتقان بروايه نافع عن ابن عمر: لا
يقولن احدكم قد اخذت القرآن كله، وما يدريه ما كله، قد ذهب
منه قرآن كثير ولكن ليقل قد اخذت منه ما ظهر.
كما روى عن عائشه زوج النبى(ص) كانت سوره الاحزاب تقرا
فى زمن النبى مائتى آيه، فلما كتب عثمان المصاحف، لم نقرا
منها الا ما هو الان، والروايتان فى منتهى الصراحه.
6 - روى الامام مسلم فى صحيحه الجزء الثالث، بسنده عن ابى
حرب بن ابى الاسود ان ابا موسى الاشعرى، قال لقراء اهل
البصره: انا كنا نقرا سوره كنا نشبهها فى الطول والشده ببراءه
(فانسيتها) غير انى قد حفظت منها لو كان لابن آدم واديان من
مال لابتغى واديا ثالثا، ولا يملا جوف ابن آدم الا التراب، وكنا
نقرا سوره كنا نشبهها باحدى المسبحات فانسيتها غير انى
حفظت منها: يا ايها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون فتكتب
شهاده فى اعناقكم فتسالون عنها يوم القيامه وليس للسورتين
او الايتين اللتين ذكرهما وجود فى القرآن، فقد سقطت على
رايه بالاضافه لما قدمناه من نماذج، فان طريقه جمع القرآن
كما يرويها، اهل السنه وطريقه كتابته، وذهابهم الى نسخ
التلاوه فى كثير من آيات القرآن، سواء نسخ الحكم ام لم ينسخ،
كل ذلك موداه تحريف القرآن بمعنى النقصان.
7 - اخرج ابن ماجه عن عائشه زوج النبى(ص) قالت: نزلت آيه
الرجم ورضاعه الكبير عشرا، وقد كانا فى صحيفه تحت سريرى،
فلما مات النبى(ص) تشاغلنا بموته فدخل داجن فاكلها، ورواه
كذلك الدميرى فى حياه الحيوان فى- داجن-.
وقد افاض علماونا فى موارد عديده بمناقشتهم للقائلين
بالتحريف، ودحض اقوالهم، وبالامكان الرجوع الى ما ذكرناه من
مصادر سابقه، ومع ذلك كله فى ما قدمناه مجرد نماذج صغيره
ولدينا من المصادر الاخرى ما يكفى لتسويد كتب وكتب فى
آراء اهل السنه وذهابهم الى القول بالتحريف، ولكن مع ذلك
كله كما اسلفنا لا تقف الافتراءات عند حدودها بل هى مستمره
على طريقه رمتنى بدائها وانسلت.
وانا اعتقد واومن بان ما نكتبه ونشرحه من دحض هذه
الافتراءات لا ينفع الا القليل من الموضوعيين المخلصين الذين
ينشدون الحق، اما الاغلب من قومنا فهم ليسوا بطلاب حقائق
ولهم من الاصرار على الباطل والمماحكه ما يصلون به الى
مستوى تسميه الشمس بالحجاره السوداء. ولكن عزاءنا اننا نضع
جهدنا بين يدى من ينشد الحقيقه فلعل اللّه تعالى ينفع به من
اراد.
النموذج الثانى: فريه القول
بان جبرئيل(ع)اخطا بنزوله
بالوحىعلىمحمد(ص)
من الثوابت والاصول فى عقيده المسلمين: ان اللّه تعالى ارسل
النبى محمدا(ص) الى العالمين وختم به الرسل والنصوص
القرآنيه توصل ذلك، يقول اللّه تعالى: (يا ايها النبى انا ارسلناك
شاهدا ومبشرا ونذيرا) ويقول تعالى: (محمد رسول اللّه) ويقول
تعالى: (هو الذى بعث فى الاميين رسولا منهم) والامر واضح
عند المسلمين بان النبى(ص) ارسله اللّه وهو خاتم رسله، فلو
جاء من يدعى بان النبى(ص) لم يكن مرسلا من قبل اللّه وانما
الوسيط الذى بين اللّه والانبياء هو جبرئيل خان الامانه وتوجه
لمحمد بينما هو مامور بنقل الوحى الى على بن ابى طالب. لا
شك ان من يقول ذلك كافر خارج عن الاسلام يلعنه المسلون
لانه اولا خالف نصوص القرآن، وثانيا انكر ضروره من ضروريات
الدين، وثالثا اتهم من سماه اللّه امينا وهو جبرئيل، ورابعا نسب
الى اللّه عز وجل انه اقر جبريل على خطاه وسكت عنه، وخامسا
جعل النبى مغتصبا لحق غيره، وسادسا فتح باب الشك فى
مضمون الوحى لان من يخون بالاداء يجوز عليه الخيانه
بالمضمون، الى ما هنالك من مواخذات.
ان نسبه مثل هذه العقيده التى ذكرناها كافيه باخراج تلك
الفئه من الاسلام، وهذا ما ينسبه اهل السنه الى الشيعه
ويصرون عليه، وسوف نناقش قولهم هذا بعد ان نستعرض
اقوالهم فى نسبه ذلك للشيعه، وترتيب الاثار عليه من كونهم
ليسوا من المسلمين.
ولو ان من نسب ذلك الى الشيعه شخص عادى لهان الامر،
ولكن الكارثه ان الذى ينسب ذلك للشيعه اناس لهم وزنهم،
وممن يقرا نتاجهم فى كل يوم، ويحتل مكان الصداره فى الفكر
الاسلامى واليك بعضهم:
1 - الفخر الرازى:
ذهب هذا الرجل الى نسبه ذلك الى الشيعه عند تفسير قوله
تعالى: (لا يمسه الا المطهرون) ولا يفوتنى ان الفت نظر
القارىء الى ان اهل السنه قد يسمون فرقه وينسبونها للشيعه
وهى فى الواقع تخص واحد، وانما يعبر عنه بفرقه حتى يكون
حجم ما ينسب اليه كبير وشائع، وبالتالى تعتبر راى لشريحه
كبيره من الشيعه مثل تسميتهم فرقه ب(المحمديه) نسبه الى
محمد بن عبد اللّه بن الامام الحسن السبط، ولا وجود لهذه
الفرقه التى نسبوا لها جماعه، كما ذكر ذلك ابن طاهر فى
الفرق بين الفرق، وكل من له المام بتراث المسلمين يعلم من
هو الفخر الرازى فى مكانته العلميه، فاذا اراد ان ينسب شيئا او
رايا لاحد فلا يتصور انه لم يتثبت من ذلك او انه اعتمد على
اشاعه، والا فلا تبقى قيمه للقيم الفكريه، وسنعقب على مدى
صحه هذه النسبه بعد ذلك.
2 - القرطبى المالكى فى تفسيره الكبير:
وهذا الرجل ايضا كسابقه ليس بالشخص العادى، وتفسيره من
التفاسير المهمه، ومكانته العلميه مرموقه ويندر ان يكتب
موضوعا فى العلوم القرآنيه ولا يرد فيه ذكر لهذا التفسير. فما
هو موقف القارىء ان وقف على ما ينسبه القرطبى للشيعه، فى
ذلك؟
3 - ابن تيميه:
فى الجزء الاول من كتابه منهاج السنه، قال فى مقارنه له بين
اليهود والشيعه: واليهود تبغض جبرئيل وتقول هو عدونا من
الملائكه، وكذلك الرافضه يقولون غلط جبرئيل بالوحى على
محمد.. الخ، ولهذا الرجل مع الشيعه تركه ثقيله، اسال اللّه ان
يجازى الشيعه ان صح ما نسبه اليهم من مختلف النسب،
ويجازيه ان كان ما نسبه محض ادعاء.
فلم ار رجلا اجرا على توزيع الكفر والايمان من هذا الرجل.
ثم جاء من بعد هولاء من اقتفى اثرهم كالجبهان فى كتابه
تبديد الظلام. ومحب الدين الخطيب وامثالهما.
كما ان جماعه آخرين شرعوا يرتبون الاثار على ذلك باعتبار
الشيعه ليسوا بمسلمين نظرا لعقيدتهم هذه، فذهب البغدادى
فى كتابه (الفرق بين الفرق) الى عدم جواز الصلاه على الشيعى
ولا خلفه ولا تحل ذبيحته ولا نكاحه لامراه سنيه ولا يحل
للسنى ان يتزوج المراه منهم اذا كانت على اعتقادهم. ولمثل
ذلك ذهب صاحب كتاب الانكحه الفاسده الدكتور امير، وجمله
من السلفيين الذين استفتوا بالبلدان الاسلاميه. وعلى كل حال
فالمساله مشهوره لا تحتاج زياده ايضاح.
وتعقيبا على ذلك نقول ان ما نسبه هولاء للشيعه لو صح، فلا
حاجه للبحث عن دليل فى كفر من ينكر ضروريه من
ضروريات الاسلام كهذه ولكن نقول:
1 - على اى مدرك استند هولاء فى نسبه ذلك للشيعه، اننا
نطالب ومن حقنا ذلك، ان يقدم هولاء المدعون مصدرا واحدا
من مصادرنا فيه هذا القول، فهل يتفضل علينا هولاء بذلك، واذا
لم يجدوا ما يسند دعواهم، فهل يرتدعون عن الافتراء، وهل
يستحيون من مثل هذه الدعاوى ام لا، واغلب الظن انهم لا
يرتدعون لان دوافعهم معروفه.
2 - لو قدر انهم يجدون ولو واحدا يقول بذلك فهل من الصواب
ومن الصحه ان تنسب امه بكاملها الى القول بذلك لان واحدا
قال ذلك، وكل مصادر الشيعه تثبت خلاف ذلك وها هى
مصادرهم فى الفقه والعقائد تملا المكتبات وتصرح بان اللّه
تعالى ارسل محمدا، وختم به النبوات، وان جبرئيل هو الامين
على وحى السماء وان القرآن الكريم يصرح بانه مطاع ثم امين.
ان الكرخى من ائمه الاحناف يذهب الى ضروره تاويل القرآن
والسنه اذا خالفت قول فقهاء الاحناف، فهل يرضى اهل السنه
ان نعلن بانهم يرون ضروره ان يكون القرآن تابعا لاقوالهم، وهل
مثل هذا القول لو قلناه يعتبر من المنطق. ان هناك من الاراء
الفرديه عند اهل السنه فى مختلف الاحكام والعقائد ما يشكل
حيزا واسعا ولا ينسجم مع الخطوط الاسلاميه، كراى البخارى
مثلا: بان لبن البقره ينشر الحرمه (اذا شرب منه اثنان نشرها
بينهما) فهل يا ترى يصح نسبه ذلك لعامه اهل السنه؟
ومع ذلك نحن نطالب ولو بواحد ممن يقولون بان جبريل اخطا
او خان وذهب بالوحى فليدلونا عليه.
3 - ان من الثابت ان الامام على(ع) كان الزم لرسول اللّه(ص)
من ظله، وكان متفانيا فى الذب عنه والدفاع عن دين اللّه،
وكان نفس رسولاللّه(ص) بنص القرآن الكريم فلماذا لم تترك
حادثه سرقه النبوه بينهما اثرا من قطيعه او عتاب على الاقل، يا
ترى هل ان الشيعه فى تاريخهم من العباقره ما لا يعد ولا
يحصى لا يفهمون ذلك ولا يفهمه الجبهان وامثاله ممن ختم
اللّه على قلوبهم، لو كانوا يعتقدون بذلك لراوا آثاره فى العلاقه
بين النبى(ص) ووصيه(ع).
4 - ان الامام على(ع) يوم نزل الوحى كان عمره مرددا بين
سبع سنوات، وعشر سنوات على روايتين، فهل يا ترى يبعث
نبى عمره سبع سنوات وهل لمثل هذه البعثه سابقه عند
النبيين الذين سبقوا محمد(ص) وهل هذا المعنى من الامور
الغامضه التى لا تفهم، فما لهولاء القوم لا يكادون يفقهون
حديثا.
5 - يقول القرآن الكريم وما ارسلنا من قبلك الا رجالا والمرء
لايطلق عليه رجل الا بعد البلوغ، وفى حدود الخامسه
والعشرين، والامام على(ع) كما اسلفنا كان صبيا.
الى امثال ذلك من الملاحظات التى كان ينبغى ان توخذ بعين
الاعتبار قبل ان توضع هذه الفريه على لسان الشعبى قبل ان
يولد، وقد فندنا ذلك فى كتابنا هويه التشيع. بعد ذلك كله
نقول، هذه مساجدنا وماذنها يرتفع فيها الاذان فى الصلوات
الخمس كل يوم، وفى معظم انحاء العالم تنادى اشهد ان
محمدا رسول اللّه، افلا تكون هذه الالاف من الماذن دليلا على
دحض هذه الفريه، وسيقول هولاء انكم تقولون ذلك تقيه، وهنا
نوفر عليهم جواب هذا القول قبل ان يقولوه، فنقول اننا نجهر
بالاذان اشهد ان عليا ولى اللّه، ولا نستعمل التقيه، وبوسعنا فى
مساجدنا فى اوربا وغيرها ان نعلن براينا اذا كنا نخاف هنا.
كما اننا فى البلدان التى كانت تحكمها الشيعه كمصر
الفاطميين وكعراق البويهيين وكايران الشيعه وغيرها يمكننا
ان نعلن ذلك بدون خوف او وجل، فلماذا لا نعلن ذلك؟ هل
يجيبنا هولاء الذين تغذيهم المصادر المشبوهه وتحملهم مهمه
تمزيق المسلمين وشق صفوفهم؟
والجواب، لا لانهم لا يريدون الحقائق، ولو كانوا من طلاب
الحقائق لما اقدموا اساسا على مثل هذه الافتراءات، ولا نعدم
والحمد للّه من اصحاب الضمائر من دفع هذه الفريه كالشيخ
محمد الغزالى فى كتابه دفاع عن العقيده، والدكتور عبد
الواحد وافى فى كتابه بين الشيعه والسنه.
النموذج الثالث: فريه الغلو فىالائمه(ع):
داب كتاب اهل السنه على مختلف تخصصاتهم ذات العلاقه
بالعلوم الاسلاميه يتهمون الشيعه بالغلو فى ائمتهم وبانهم
يعطونهم مكانه لا يستحقونها، ويبالغون فى نسبه المناقب لهم،
وربما اتهمنا البعض منهم بانا نذهب الى القول بانهم يعلمون
الغيب لذاتهم اى ان ذاتهم مبدا لانكشاف الموجودات، وانا
نعطيهم الولايه التكوينيه لذاتهم و.. الى ما هنالك من قول
يتلخص باننا نرتفع بهم عن مستوى البشر الى مستوى غايه فى
الغلو.
واول ما ابدا به هنا ان اشير الى ان معظم من يقرا الفكر الشيعى
لم يقراه باقلام الشيعه وانما باقلام اما ان تكون اقلام خصومهم
او اقلام لم تصل الى النضج الكافى فى فهم المناهج الدينيه،
وهضم مصطلحاتها وافكارها والخلط بين كونها اى الائمه
يفاض عليها من اللّه تعالى بشكل وآخر كما يعطيه اخواننا ابناء
السنه الى اناس عاديين كما سياتى وبين كونها تعلم لذاتها مما
اوجب هذا الفهم الخاطىء لاراء الشيعه.
واشير الى امر آخر هو ان بعض الكتاب قد يرى رايا شاذا لفرد او
لفئه بادت فيسحب هذا الراى الى كافه الشيعه، ثالثا قد يرى
بعض الكتاب روايه، ولما لم يكن من فرسان هذا الميدان
فيتتبع هل هناك ما يعارضها او يبين اجمالها او ما يشرح بعض
ملابساتها على طريقه معالجه الاخبار والروايات فى المنهج
الفقهى، فيذكر الروايه بدون ذلك كله، فيستنتج منها ويرتب
عليها احكاما ليست من الواقع فى شىء.
وقد يكون هناك من يعرف ويتقن امثال هذه العلوم، ولكن فى
قلبه مرض فيعمل على طريقه لا اله بدون ان يقول الا اللّه.
وعلى العموم ساعرض فى هذه العجاله الى آراء الشيعه فى
موضوع الغلو بما يكفى للتدليل على رايهم، ثم اعقب ذلك براى
او آراء اهل السنه بائمتهم لنرى اين موضع الغلو:
1 - استدل الاماميه على كفر الغلاه وتبروا منهم، ومن ادله
الاماميه على ذلك قوله تعالى فى الايه السابعه والسبعين من
المائده: (قل يا اهل الكتاب لا تغلوا فى دينكم غير الحق ولا
تتبعوا اهواء قوم قد ضلوا من قبل واضلوا كثيرا وضلوا عن سواء
السبيل).
2 - قال الامام على(ع): (هلك فى رجلان محب غال ومبغض
قال).
3 - قال الامام الصادق(ع): ما نحن الا عبيد اللّه الذى خلقنا
واصطفانا واللّه ما لنا على اللّه حجه ولا معنا من اللّه براءه، وانا
لميتون وموقوفون ومسوولون، من احب الغلاه فقد ابغضنا ومن
ابغضهم فقد احبنا، الغلاه كفار، والمفوضه مشركون، لعن اللّه
الغلاه، الا كانوا نصارى الا كانوا قدريه الا كانوا مرجئه الا كانوا
حروريه الخ..
4 - نجاسه الغلاه، وعدم تغسيل موتاهم، وعدم جواز دفن
موتاهم، وتحريم اعطائهم الزكاه، وعدم جواز تزويجهم المراه
المسلمه، وكونهم لا يرثون المسلم، ويرثهم المسلم، كل ذلك
موضع اجماع علماء الاماميه.
5 - يقول الشيخ المفيد فى كتاب شرح عقائد الصدوق: الغلاه
من المتظاهرين بالاسلام هم الذين نسبوا امير المومنين على
بن ابى طالب والائمه من ذريته الى الالوهيه والنبوه ووضعوهم
من الفضل فى الدين والدنيا الى ما تجاوزوا فيه الحدود وخرجوا
عن القصد، فهم ضلال كفار.
وهذه النصوص التى قدمناها كنماذج تكشف بوضوح راى
الاماميه فى الغلو والغلاه وما اظن ان الذين يرمون الاماميه
بالغلو، لم يطلعوا عليها، ولكن ران على قلوبهم، فاللّه المستعان
على ما يصفون.
ونقف هنا وقفه قصيره فى مسار الفكر السنى، لنرى هل هناك
غلو ام لا واليك بعض هذه النماذج:
1 - ذكر علاء الدين دده فى كتابه محاضره الاوائل ومسامره
الاواخر، قال وقع زلزال فى المدينه فضرب عمر الارض بدرته
وقال: قرى، فسكنت وانتهى الزلزال، وقال ايضا عندما نقص ماء
النيل بمصر، وكان الوالى عمرو بن العاص فاراد المصريون
كعادتهم ان يزفوا له عروسا يلقونها فى النيل، فمنعهم وكتب
الى عمر بن الخطاب، فارسل له عمر مكتوبا القاه فى النيل
فغاص، وذكر حادثه ساريه الجبل، وحادثه اطفاء نار من قبل
الخليفه عمر، ثم عقب على ذلك بقوله انه كان يعنى عمر
يتحكم بالعناصر الاربعه الماء والهواء والتراب والنار. ومعنى هذا
هو الولايه التكوينيه، فهل اثارت العشرات من امثال هذه الروايه
حساسيه عند اهل السنه، اللهم لا، ولو رويت لاحد ائمه اهل
البيت لكانت غلوا بل كفرا والحادا.
2 - ذكر ابن الجوزى فى مناقب احمد بن حنبل عن على بن
اسماعيل قال: رايت كان القيامه قد قامت وجاء الناس الى
قنطره عندها لا يترك احد ان يجوز حتى ياتى بخاتم، وهناك
رجل جالس ناحيه يختم للناس ويعطيهم، فقلت من هذا؟ قالوا
احمد بن حنبل.
3 - ذكر المكى فى الجزء الثانى من كتابه مناقب ابى حنيفه
قال: روى ابو حنيفه نائما على سرير فى بستان ومعه رق يكتب
جوائز قوم فسئل عن ذلك فقال ان اللّه قبل عملى ومذهبى
وشفعنى فى امتى، وانا اكتب جوائزهم، فقيل له الى غايه يكون
علم الذى تكتب له الجائزه؟ فقال: اذا علم ان التيمم لا يجوز
بالرماد.
4 - اخرج الخطيب البغدادى فى تاريخه الجزء الرابع عشر، قال
بسنده عن ابى امامه عن النبى(ص) قال: دخلت الجنه الى ان
قال: فلما كنت عند الباب اتيت بكفه فوضعت فيها ووضعت
امتى فى كفه فرجحت بها ثم اتى بابى بكر فوضع فى كفه
وجيىء بجميع امتى فى كفه فرجح ابو بكر، ثم اتى بعمر فوضع
فى كفه، وجيىء بجميع امتى فوضعت فى كفه، فرجح عمر، ثم
رفع الميزان كما ذكر ذلك الحكيم الترمذى فى نوادر الاصول.
5 - يقول العبيدى المالكى فى عمده التحقيق: ان النبى(ص)
لما كان قاب قوسين او ادنى اخذته وحشه، فسمع فى حضره
اللّه صوت ابى بكر فاطمان قلبه واستانس بصوت صاحبه.
والى هنا فالى الذين يرموننا بالغلو اقول: ان بين ايدينا من
مصادركم التى تنسج من هذا النسيج ما يولف موسوعه كامله
بدون ادنى مبالغه، لا نريد ان نضيع الوقت فى الانشغال بها،
وحتى لا نحقق اهداف كتابكم فى نشر المهاترات بين
المسلمين وشغل اقلامهم عن الدفاع عن دينهم او عن نشر
محاسن دينهم، والذى لا اشك لحظه انه هدف عند كثير من
الاقلام المشبوهه التى دابت تتلهى بتمزيق المسلمين وتتبضع
من سوق التفرقه، وتجتر من خزين حقد كان يجب ان يذوب
بروح من الايمان او بهدف مبارك يسعى الى جمع اصل لا اله
الا اللّه. ولا يظن ظان منكم اننا نقول ذلك خشيه، فما عندنا ما
نخافكم عليه، وليس لنا فى الكثير منكم امل بان تعودوا لجاده
اهل القبله، اللهم الا قليل من النفوس الطاهره التى تنشد الحق
والحقيقه، فالى هولاء نكتب، ومن اجلهم نكر الجهد، ووراء ذلك
كله ننشد وجه اللّه تعالى الذى ندبنا وادبنا بقوله:
ان هذه امتكم امه واحده وانا ربكم فاعبدون. اللهم انا نعبدك
ولا نشرك بك ونومن بكتابك ونبيك ودينك، انت ربنا وولينا
فتولنا برحمتك يا ارحم الراحمين. |