|
54 - تقيه جمع من التابعين سنه (145ه ):
روى الطبرى (ت/310ه )، وابن كثير (ت/774ه ) ما يدل على تقيه جمع كبير من التابعين وغيرهم، وذلك فى ارضائهم
المنصور بالنيل من رجل حسنى بعد قتله وهو ابراهيم بن
عبداللّه بن الحسن بن الحسن بن على بن ابىطالب(ع)، الذى
قتله المنصور لخمس بقين من ذىالقعده سنه /145ه .
قال الطبرى، وتابعه ابن كثير: (ان المنصور العباسى لما اتى
براس ابراهيم بن عبداللّه، وضعه بين يديه، وجلس مجلسا عاما،
واذن للناس، فكان الداخل يدخل فيسلم، ويتناول ابراهيم
فيسىء القول فيه، ويذكر منه القبيح التماسا لرضا ابى جعفر،
وابو جعفر «اى: المنصور» ساكت ممسك متغير لونه، حتى دخل
جعفر بن حنظله البهرانى، فوقف فسلم، ثم قال: عظم اللّه
اجرك يا امير المومنين فى ابن عمك، وغفر له ما فرط فيه من
حقك، فاصفر لون ابى جعفر، واقبل عليه، فقال: ابا خالد مرحبا
واهلا هاهنا! فعلم الناس ان ذلك قد وقع منه، فدخلوا فقالوا
مثل ما قال جعفر بن حنظله).
وليس من شك فى ان كلام الناس فى ابراهيم اول الامر، لم
يكن معبرا عن عقيده الكل، او البعض منهم على الاقل، لما
سياتى فى تقيه مالك بن انس (ت/179ه ) من نقمه الناس على
ابى جعفر المنصور ظلمه وطغيانه، حتى مال اكثر الفقهاء الى
محمد النفس الزكيه واخيه ابراهيم.
لذا كان التحول المفاجىء فى موقفهم من تاييد ابراهيم الى
الحط منه دليلا على تقيتهم من المنصور، كما ان تغير موقفهم
فى مجلس المنصور من النيل من ابراهيم الى الدعاء له دليل
آخر على تقيتهم منه، لان هذا التغير السريع لم ينشا من فراغ،
وانما نشا من علم الداخلين - فيما بعد على المنصور، ان
مواساه المنصور والدعاء لابراهيم بالمغفره هو المناسب لرضا
المنصور، ولولا ما قاله جعفر بن حنظله، لاستمر النيل من
ابراهيم. ولا يعقل بعد ذلك ان يكون جميع من نالوا، او دعوا من
سوقه الناس ورعاعهم، اذ لا بد وان يكون من بينهم عدد من
التابعين والفقهاء والمحدثين ممن لا تصح - عند اخواننا اهل
السنه - نسبه النفاق الى واحد منهم.
55 - تقيه خارجه بن عبداللّه المعاصر لمقاتل بن
سليمان (ت/150ه ):
كان خارجه بن عبداللّه - لم اقف على سنه وفاته - يستحل دم
مقاتل بن سليمان، وهو على الرغم من معاصرته لمقاتل لم
يقدم على قتله تقيه منه على نفسه، واشفاقا عليها من
القصاص، كما صرح هو بذلك فقال: (لم استحل دم يهودى ولا
ذمى، ولو قدرت على مقاتل بن سليمان فى موضع لا يرانى فيه
احد لقتلته).
56 - تقيه الامام ابى حنيفه النعمان (ت/150ه ):
حرص الامام ابو حنيفه على الابتعاد عن العباسيين طيله
حياته، لما عرفه من ظلمهم واضطهادهم العلماء وحملهم على
ما يكرهون، ولهذا لا نجد فى سيره الامام تقربا الى السلاطين
والحكام، ولقد كلفه ذلك ثمنا باهضا، اذ استدعى مرات ومرات،
وحبس وضرب على كبر سنه ولم يتغير موقفه فى عدم التقرب
الى الولاه والحكام. ولكن قد اجبرته السلطه حينذاك ان
يتقيهم كرها لينجو بنفسه من تعسفهم واضطهادهم، ولم يكن
الامام ابو حنيفه مبتدعا فى تقيته، فقد اتقى قومه من هو افضل
الانبياء والمرسلين(ص)، ولفيف من الصحابه والتابعين قبله،
وفيما ياتى نورد جمله من المواقف التى حملته كرها على
التقيه، وهى:
الموقف الاول - مع ابن هبيره:
كان يزيد بن عمر المعروف بابن هبيره (ت/132ه ) من ولاه
آخر الامويين مروان بن محمد (ت/132ه ) على البصره
والكوفه. وقد حاول ابن هبيره استقطاب العلماء لتقويه مركزه،
ومنهم ابى حنيفه، وقد لبى اصحاب ابى حنيفه دعوه ابن
هبيره كما سياتى فى تقيتهم، الا ان ابا حنيفه رفض ان يكون
جسرا لرغبات ابن هبيره، ولهذا حاول ابن هبيره ان ينزل اكبر
الاذى به، وينتحل عذرا ليكون مبررا لقتله، فدس اليه رجلا
وابو حنيفه فى طريقه الى السجن، فقال له الرجل: يا ابا حنيفه!
ايحل للرجل اذا امره السلطان الاعظم ان يقتل رجلا، ان يقتله؟
فاجابه بلباقه: كان الرجل ممن وجب عليه القتل؟
قال: نعم.
قال: فاقتله.
قال: فان لم يكن مما وجب عليه القتل؟
قال: السلطان الاعظم لا يامر بقتل من لا يستحق القتل.
الموقف الثانى - فى مبايعه السفاح (ت/136ه ):
روى ابو يوسف (ت/182ه )، عن داود الطائى قال: لما نزل ابو
العباس الكوفه، وجه العلماء فجمعهم فقال: (ان هذا الامر قد
افضى الى اهل بيت نبيكم، وجاءكم اللّه بالفضل، واقامه الحق،
وانه يا معشر العلماء احق من اعان عليه «انتم»، ولكم الحباء،
والكرامه والضيافه من مال اللّه ما احببتم، فبايعوا بيعه تكون
لكم عند امامكم حجه عليكم، وامانا فى معادكم، لا تلقون اللّه
بلا امام فتكونوا ممن لا حجه له، ولا تقولوا: امير المومنين نهابه
ان نقول الحق. فنظر القوم الى ابى حنيفه، فقال: ان احببتم ان
اتكلم عنى وعنكم، فامسكوا. قالوا: قد احببنا ذلك، فقال:
الحمد للّه الذى بلغ الحق من قرابه نبيه(ص)، واماط عنا جور
الظلمه، وبسط السنتنا بالحق، وقد بايعناك على امر اللّه والوفاء
لك الى قيام الساعه، فلا اخلى اللّه هذا الامر ممن قربه من نبيه.
فاجابه ابو العباس بجواب جميل، وقال: مثلك من خطب عن
العلماء، فاحسنوا اختيارك، واحسنت فى البلاغ.
فلما خرجوا، قالوا له: ما اردت بقولك: (الى قيام الساعه)، وقد
انقضت الساعه؟ قال: احتلت لنفسى واسلمتكم للبلاء، فسكت القوم، وعلموا ان الحق ما صنع).
الموقف الثالث - فى مبايعه المنصور (ت/158ه ):
ذكر ابن عبدالبر القرطبى المالكى (ت/463ه )، ان جماعه من
الفقهاء دخلوا على المنصور، وكان فيهم ابو حنيفه، وقد اقبل
المنصور على ابى حنيفه وتركهم فقال: (انت صاحب حيل،
فاللّه شاهد عليك انك بايعتنى صادقا من قلبك. قال: اللّه يشهد
على حتى تقوم الساعه. فقال: حسبك. فلما انصرف ابو حنيفه،
قال له اصحابه: حكمت على نفسك بيعته حتى تقوم الساعه.
قال: انما عنيت حتى تقوم الساعه من مجلسك، الى بول، او
غائط، او حاجه، حتى تقوم من مجلسك ذلك).
الموقف الرابع - فى بناء مدينه بغداد سنه (145ه ):
لقد كان ابوحنيفه يجاهر فى امر ابراهيم بن عبداللّه بن الحسن،
ويفتى الناس بالخروج معه على المنصور العباسى ولما انتهت
ثوره ابراهيم بقتله سنه (145ه ) تولى الامام ابو حنيفه -
وبنفس السنه المذكوره - مهمه الاشراف على ضرباللبن
وعده لبناء مدينهبغداد بامر المنصور العباسى.ولا شك انه كان
كارها لذلك، ولكنه اتقى المنصور فى هذا العمل الذى انيط له
من قبل المنصور الذى علم بموقف ابى حنيفه من ابراهيم،
فحاول ان يجد مبررا لقتله، ولكن الامام عرف ذلك منه فاتقاه
فى هذه المشاركه.
الموقف الخامس - فى قبوله قضاء الرصافه:
ذكرنا ان ابا حنيفه كان يابى تولى اى منصب من مناصب
الدولتين الامويه والعباسيه، ولكن فى روايه الخطيب البغدادى
(ت/463ه )، وابن خلكان (ت/681ه ) ان ابا حنيفه قد جلس
فى القضاء فى آخر ايام حياته بعد الضغط الشديد عليه، بحيث
لم يجد من ذلك مفرا.
فقد ذكرا ان المنصور لما اتم مدينه بغداد، ارسل الى ابى حنيفه
وعرض عليه قضاء الرصافه، فابى، فقال المنصور: ان لم تفعل
ضربتك بالسياط!!
قال ابو حنيفه: او تفعل؟
قال: نعم.
فقعد ابو حنيفه فى القضاء يومين، فلم ياته احد... فلما مضى
يومان اشتكى ابو حنيفه سته ايام ثم مات.
الموقف السادس - فى مسائله مع الامام الصادق(ع)
(ت/148ه ):
المشهور عن الامام ابى حنيفه قوله: (لولا السنتان لهلك
النعمان) وهما سنتان من التلمذه المباشره على يد الامام
الصادق(ع)، ولقد كانت بينهما لقاءات متكرره بالكوفه استفاد
منها ابو حنيفه كثيرا، وعرف عن كثب منزله الامام الصادق
علما وادبا ونسكا وورعا، ولا غرو فى ذلك، ومن احق من ابى
حنيفه بهذا؟
ولقد اوجس المنصور خيفه شديده من التفاف الناس حول
الامام الصادق(ع)، فحاول الحط منه، وتقليل شانه فى نظر
العلماء اولا، ومن ثم ابعاد عامه الناس عنه - بعد ان يتم له ذلك
ثانيا.
ومن محاولات المنصور تلك التى تكشف عن تقيه ابى حنيفه،
ما قاله ابو حنيفه نفسه، قال: (ما رايت افقه من جعفر بن
محمد، لما اقدمه المنصور بعث الى فقال: يا ابا حنيفه! ان
الناس قد افتتنوا بجعفر بن محمد فهىء له من المسائل الشداد،
فهيات له اربعين مساله، ثم بعث الى ابو جعفر «اى: المنصور»
وهو بالحيره، فاتيته، فدخلت عليه، وجعفر بن محمد جالس
عن يمينه، فلما ابصرت به دخلتنى من الهيبه لجعفر بن محمد
الصادق ما لم يدخلنى لابى جعفر، فسلمت عليه، واوما الى
فجلست، ثم التفت اليه، فقال: يا ابا عبداللّه! هذا ابو حنيفه،
فقال: نعم...ثم التفت الى المنصور، فقال: يا ابا حنيفه! الق على
ابى عبداللّه من مسائلك، فجعلت القى عليه فيجيبنى، فيقول:
انتم تقولون: كذا، واهل المدينه يقولون: كذا، ونحن نقول: كذا.
فربما تابعنا، وربما خالفنا جميعا. حتى اتيت على الاربعين
مساله -ثم قال مستدلا على ان الامام الصادق(ع) اعلم اهل
زمانه بلا منازع: السنا قدروينا: ان اعلم الناس اعلمهم باختلاف
الناس).
اقول: يستطيع الباحث ان يدرك بسهوله -من خلال ما قاله
الامام ابو حنيفه مدى تاثير السلطه على العلماء، وحملهم على
التقيه كرها، كما حصل لابى حنيفه مع الامام الصادق(ع)، فى
محاوله المنصور اليائسه فى ابعاد الناس عن الامام بشتى
الوسائل، واخبثها، ومن بينها اجبار العلماء الاعلام على
مناظرته، لعله ينقطع عن الجواب.
ولولا امر المنصور لما سئل الامام الصادق اربعين سوالا، لا
لتحصيل الجواب منه، وانما لتحصيل الانقطاع عن الجواب! ولا
شك ان ابا حنيفه كان يعلم علم الامام، ولكن ما حيله المضطر
الا ركوبها!
الموقف السابع - مع ابن ابى ليلى (ت/148ه ):
ذكر الاستاذ على الشملاوى فى بحثه: التقيه فى اطارها
الفقهى ما قاله جابر بن حماد بن الامام ابى حنيفه -كما فى
روايه الخطيب البغدادى قال جابر: (سمعت ابى حمادا يقول:
بعث ابن ابى ليلى الى ابى حنيفه، فساله عن القرآن.
فقال: مخلوق.
فقال: تتوب، والا اقدمت عليك!
فقال: القرآن كلام اللّه.
فقال: فدار به فى الخلق يخبرهم انه قد تاب من قوله: القرآن
مخلوق.
فقال ابى: فقلت لابى حنيفه: كيف صرت الى هذا وتابعته؟
قال: يا بنى! خفت ان يقدم على، فاعطيته التقيه).
57 - تقيه اصحاب ابى حنيفه من ابن هبيره
(ت/148ه ):
عرض ابن هبيره - والى الامويين على الكوفه اعمالا من اعمال
ولايته على الفقهاء الذين ارسل اليهم لهذا الغرض، وكان منهم
ابن ابى ليلى (ت/148ه )، وابن شبرمه، وداود بن ابى هند، وابو
حنيفه.
وقد اعطى لكل واحد منهم عملا من اعمال ولايته، وتنازل
لابى حنيفه عن جزء من سلطانه، ليكون فى يده خاتم الدوله
يختم به كل امر، وجعل من حقه انفاذ الاحكام التى يصدرها
القضاء والخراج، وختم اوامر الوالى. فرفض ابو حنيفه وقبل
الاخرون اعمالهم، واشاروا على ابى حنيفه بالقبول فرفض
ذلك. حتى ان ابن ابى ليلى قال: (دعوا صاحبكم، فانه هو
المصيب).
الا ان اصحاب ابى حنيفه الحوا عليه بقبول ما اعطاه ابن هبيره،
وقالوا: ننشدك اللّه ان تهلك نفسك، فانا اخوانك، وكلنا كاره
لهذا الامر، ولم نجد بدا من ذلك، فرفض ايضا.
وهذا القول الاخير لا يمكن ان يفهم منه معنى غير معنى
التقيه.
58 - تقيه ابن سمعان من المنصور (ت/158ه ):
ذكر ابن قتيبه ان المنصور العباسى اجتمع فى اول خلافته
بمالك بنانس، وابن ابى ذويب، وابن سمعان، وسالهم: اى
الرجال انا عندكم، امن ائمه العدل، ام من ائمه الجور؟
اما مالك فقد توسل اليه باللّه، وتشفع بالنبى(ص) ان يستعفيه
من الجواب، فاستعفاه.
واما ابن ابى ذويب، فلم يخش فى اللّه لومه لائم، اذ اوقف
المنصور على حقيقه حاله، وصارحه بواقع امره، حتى ان الامام
مالك بن انس قد ظن انه سيسفكدمابنابىذويبقبلان يتم
كلامهفجمعاطراف ثوبهلئلا يتلوثبالدم.
واما ابن سمعان، فقد خاف على نفسه واتقى من المنصور،
فوصفه بصفات الصديقين الابرار الاخيار، وانه من خير من
ولدته حواء، وانه من اعدل الائمه، وانه وانه.
59 - سفيان الثورى (ت/161ه ):
عن ابى اسحاق الفزارى، قال: جاءنى نعى اخى من العراق، وقد
خرج مع ابراهيم بن عبداللّه الطالبى، فقدمت الكوفه، فاخبرونى
انه قتل، وانه قد استشار سفيان الثورى وابا حنيفه، فاتيت
سفيان وانباته مصيبتى باخى، وقلت: واخبرت انه استفتاك.
قال: نعم، قد جاءنى فاستفتانى، فقلت: ماذا افتيته؟ قال: قلت:
لا آمرك ولا انهاك. قال: فاتيت ابا حنيفه فقلت له: بلغنى ان
اخى اتاك فاستفتاك. قال: قد اتانى واستفتانى، قال، قلت:
فبماذا افتيته؟ قال: افتيته بالخروج، قال: فاقبلت عليه، فقلت:
لا جزاك اللّه خيرا، قال: هذا رايى).
ويفهم من قول سفيان المتقدم: لا آمرك ولا انهاك، انه كان
يرى الخروج مع ابراهيم مشروعا، ولو كان المنصور اماما عادلا،
لوجب على سفيان ان ينهى عن الخروج عليه، لا ان يقول: لا
آمرك، ولا انهاك، فهذا قول من فكر فى عواقب الامور، وادرك
انه ليس من مصلحته الافصاح بما هو الحق، فترك لنفسه
مجالا فى الجواب تقيه من انكشاف امره لدى المنصور.
60 - المفضل الضبى (ت/168ه ):
كان المفضل الضبى العالم اللغوى المشهور من انصار ابراهيم
بن عبداللّه ابنالحسن، ولكن حينفشلت ثوره ابراهيم وقبض
المنصور على المساندين لهذه الثوره، وانزل العقاب الصارم
بهم، كان المفضل الضبى من بين من قبض عليه، فعفا عنه
المنصور، وسرعان ما تبدلت مواقف المفضل حتى استخلصه
المنصور لنفسه، وقربه اليه، وصار نجما فى بلاط الخليفه،
وعهد اليه ان يودب ولده المهدى، وكانه لم يكن بالامس ناقما
على المنصور ظلمه وطغيانه، وانى لهذا ان يكون لولا التقيه
والمداراه التى كان يظهرها مودب المهدى لمن خرج على ابيه
بالامس، حتى لكان خروجه لم يكن شيئا مذكورا!
61 - تقيه الامام مالك بن انس (ت/179ه ):
الموقف الاول: مع الامويين:
جاء فى ترجمه الامام الصادق(ع) (ت/148ه ) فى ميزان
الاعتدال للذهبى (ت/748ه ) ما نصه: (وقال مصعب، عن
الدراوردى، قال: لم يرو مالك عن جعفر، حتى ظهر امر بنى
العباس).
وقد صرح امين الخولى (ت/1385ه )، بان امتناع مالك بن انس
من الروايه عن الامام الصادق(ع) فى عهد الامويين، انما كان
لخشيته منهم.
اقول: ولد الامام مالك بن انس سنه 93ه ، وتوفى سنه 179ه ،
فكان عمره خمس وثمانين سنه، ادرك فيها امامه الباقر(ع)
كلها من سنه 95ه الى سنه 114ه ، كما ادرك فيها امامه
الصادق(ع) -البالغه اربعا وثلاثين سنه كلها، من سنه 114ه الى
سنه 148ه ، كانت منها ثمان عشره سنه فى عهد الامويين
الذين انقرضوا سنه 132ه .
وهذا يعنى ملازمه الامام مالك للتقيه فى عدم الروايه عن
الامام الصادق مده ثمان عشره سنه كامله، على الرغم من
كونهما يقطنان فى المدينه المنوره، ولم يفصل مالك بن انس
عن الصادق زمان ولا مكان، غير سطوه الامويين وبطشهم
الذى خافه مالك بن انس، لا سيما وان موقف الامويين من اهل
البيت(ع) معروف لكل احد.
الموقف الثانى - مع العباسيين:
ان سيره الامام مالك تثبت انه كان يستعمل التقيه فى ظل
الدوله العباسيه، وعلى نطاق اوسع منه فى العهد الاموى، فقد
روى المورخون موقفه من خروج محمد النفس الزكيه سنه
145ه على المنصور، وخلاصه هذا الموقف انه كان مضطرا الى
ان لا يسهم فى هذه الثوره التى ايدها مشايخه
كالتابعىالمعروف بابن هرمز مساهمه ايجابيه، لانه سبق وان
ارسله المنصور -مع من ارسل الى بنى الحسن ليدفعوا اليه
محمداوابراهيم ابنى عبداللّه بن الحسن، حتى اذا ما قامت
الثوره لم يسع مالك الاشتراك بها لهذا السبب، مع انه كان من
الناقمين على المنصور جبروته وطغيانه. وقد عرف الثوار منه
ذلك، فكانوا يستفتونه فى الخروج مع محمد النفس الزكيه،
ويقولون له: ان فى اعناقهم بيعه للمنصور، فكان يرد عليهم
بقوله: انما بايعتم مكرهين، وليس على مكره يمين. وقد تحمل
نتيجه هذه الفتيا سياط والى المدينه جعفر ابن سليمان،
وجبذت يداه حتى انخلعت من كتفه.
ثم لم تلبث ان وطدت العلاقه بينه وبين العباسيين كثيرا حتى
قال له المنصور ذات يوم: (انت واللّه اعقل الناس، واعلم الناس،
واللّه لئن بقيت لاكتبن قولك كما تكتب المصاحف، ولابعثن به
الى الافاق، ولاحملنهم عليه).
ولا شك ان للتقيه دورها الواضح فى توطيد هذه العلاقه،
ولولاها لما كان الرجل الناقم على المنصور جبروته وطغيانه،
والذى يفتى الناس بالخروج عليه ويحثهم على خلع بيعته،
بقوله: انما بايعتم مكرهين، وليس على مكره يمين، يكون هو
نفسه -كما جاء فى مقدمه تحقيق الموطا الرجل الذى: (يامر
بحبس من يشاء، او يضرب من يريد) فى دوله المنصور نفسه!
الموقف الثالث - فى تاليف الموطا:
ان تقيه الامام واضحه كالشمس فى تاليفه كتاب الموطا، اذ
تجنب فيه الروايه عن اهل البيت(ع) الا لماما، ويكفى انه لم يرو
شيئا فى الموطا عن امير المومنين على(ع)، بل ولم يذكره فى
حلقته، ولما سئل عن ذلك؟ اجاب بانه -يعنى عليا(ع) لم يكن
فى المدينه!!.
ولموقف الامام مالك من على(ع) تفسيران لا ثالث لهما، وهما:
الاول: ما ذكره القاضى عياض (ت/544ه ) فى ترتيب المدارك
1: 330 وابو زهره فى مالك بن انس ص: 28، وامين الخولى فى
مالك بن انس ص: 418، ولا احب الخوض فى تفصيلاته، ومن
رام الوقوف عليه فليرجع الى مصادره ومراجعه، على ان
خلاصته هو اجتهاد مالك فى هذا الشان!!
الثانى: هو التقيه من المنصور فى ذلك، اذ لا خلاف بين
الباحثين على ان المنصور العباسى كان يراسل محمد النفس
الزكيه بما ينال من منزله الامام على(ع) كما نص عليه الطبرى
فى تاريخه، وليس من السهل على الامام مالك ان يعارض
المنصور فى ذلك، وهذا هو التوجيه المقبول عند كل من
يحسن الظن بالامام مالك.
الموقف الرابع - تصريحه بالتقيه:
وخيرمايمثله رايهفى طلاق المكرهحيث كان لا يجيزه، ويعده
باطلا، لانه وقع تقيه تحت طائله الاكراه، وقد سبق الكلام فى
الفصل الاول بانه احتج لذلك بقول ابن مسعود (ت/32ه ): (ما
من كلام يدرا عنى سوطين من سلطان الا كنت متكلما به).
وكان يقول: (ولان احلف سبعين يمينا واحنث، احب الى من ان
ادل على مسلم).
الموقف الخامس:
مر هذا الموقف فى تقيه ابن سمعان من المنصور برقم /57،
فراجعه، ستجد ان الامام مالك قد نظر لنفسه فراى ان نطق
كاذبا فقد اغضب اللّه تعالى، وان نطق صادقا فقد اغضب
المنصور، وراى ان من الحكمه ان يحذر غضب اللّه تعالى،
ويتقى نقمه المنصور فى ذلك الموقف الصعب، ولهذا طلب ان
يستعفيه من الجواب فاستعفاه.
62 - سعيد بن اشرس، صاحب مالك بن انس
(ت/179ه ):
ذكر القرطبى المالكى (ت/671ه ) ان سعيدا كان قد آوى رجلا
بتونس، وكان الرجل ممن طلبه سلطان تونس ليقتله، ويظهر
من كلام القرطبى ان للسلطان التونسى عيونا اخبرته بمكان
من يطلب، وانه احضر سعيدا، فانكر، فاستحلفه، فحلف له على
انه ما آواه، ولا يعلم له مكانا.
ونكتفى بهذا القدر ممن اتقى من التابعين، وننتقل الى موقف
جديد آخر مع روم الاختصار.
موقف تابعى التابعين وغيرهم من التقيه
وفى هذا الموقف سنراعى ايضا ما وصل اليه التسلسل السابق
مع لحاظ السبق الزمنى لكل موقف، على انا سندع الكثيرالكثير
من اسماء العلماء الذين استعملوا التقيه او صرحوا بها، اذ مرت
اسماوهم فى الفصل الاول، خصوصا المفسرين منهم ابتداء من
الطبرى (ت/310ه )، وانتهاء بالصابونى الوهابى المعاصر، اللهم
الا اذا وجدنا كلاما لاحدهم لم ننقله عنه هناك، وان كان ثمه
مجال سنشير اليهم اجمالا فى آخر المطاف، ومما وقفنا عليه
من هذه المواقف ما ياتى:
63 - يعقوب بن ابراهيم المعروف بابى يوسف
(ت/182ه ):
يعقوب بن ابراهيم الرجل الثانى فى المذهب الحنفى، وهو من
اشهر اصحاب ابى حنيفه، كانت سيرته قد اختلفت تماما عن
سيره ابى حنيفه ازاء بنى العباس، فقد ولى قضاء بغداد فى زمن
موسى المهدى (ت/169ه )، ثم هارون الرشيد (ت/193ه ) من
بعده، وهواولمندعى بقاضى القضاه فى الاسلام، وقد بلغت
علاقتهبالرشيد انهانياكلمعه الفالوذج بدهنالفستق.
ولا خلاف بان الشريعه الاسلاميه لا تحرم الاكل مع السلاطين
والحكام، ولكنها نبهت على خطره، مغبه ان يحمل الاكل -لا
سيما اذا كان من الفقهاء كرها على الافتاء بما يوافق هوى
السلاطين والحكام. وهذا من البداهه بمكان لا يخفى على احد.
قال ابن قتيبه الدينورى (ت/276ه ): (لا تكونن صحبتك
للسلطان الا بعد رياضه منك لنفسك على طاعتهم فى
المكروه عندك، وموافقتهم فيما خالفك، وتقدير الامور على
اهوائهم دون هواك).
ولهذا نجد الامام ابا حنيفه قد اوصى ابا يوسف فى ايامه الاخيره
بقوله: (واذا رايت من سلطانك ما لا يوافق العلم، فاذكر ذلك
مع طاعتك اياه، فان يده اقوى من يدك. تقول له: انا مطيع لك
فى الذى انت فيه، سلطان ومسلط على، غير انى اذكر من
سيرتك ما لا يوافق العلم، وانصحه فى الدين، وناظره ان كان
مبتدعا) الى آخر ما جاء فى هذه الوصيه القيمه.
وفى مقابل هذا نجد ان فى بعض ما صدر من فتاوى لابى
يوسف، لا ينسجم مع فقه الاحناف بالمره، وليس له من تفسير
غير التقيه، ولا نعنى بهذا الغض من ابى يوسف، وانما نعنى به
كثره الضغوط التى كان يواجهها -بحكم كونه قاضى القضاه فى
الاسلام مما لا مفر له منها بغير التقيه، ولا غضاضه عليه فى
ذلك، لان الشريعه الغراء التى اباحت الكفر -وهو من افضع
الاشياء عند الاكراه على القتل او الوعيد المتلف، لا شك انها
تبيح للفقيه الفتيا بخلاف الواقع الذى يعلمه، ان خاف على
نفسه التلف.
ولهذا فان ما نذكره من تقيه ابى يوسف فى الافتاء، وان كنا لا
نعلم نوع الاكراه عليها، الا انها محموله على الاكراه المبيح
لذلك ان شاء اللّه، وان كان ظاهر بعض فتاويه فى نظر حاسديه
لا تستوجب مخالفه للشرع الحنيف.
ومن تقيته فى الفتيا، ما توضحه المواقف التاليه:
الموقف الاول: مع المهدى العباسى .
ذكر السيوطى (ت/911ه ) ان الرشيد قد احب جاريه من
جوارى المهدى، فراودها عن نفسها، فامتنعت وبينت له ان ابوه
قد طاف بها، ولكن الرشيد قد هام بها حبا، فارسل الى ابى
يوسف فافتاه فيما رغب. |