فهرس الكتاب

مكتبة العقائد الإمامية

مكتبة الموقع

 

موقف التابعين من التقيه
التابع لغه، هو التالى، وقد اختلفوا فى حده كثيرا، فمنهم من اشترط الصحبه للصحابى، ومنهم لم يشترط واكتفى باللقاء، واشترط بعضهم طول الملازمه، وآخر صحه السماع، وثالث التمييز، ومنهم من قيد التابع باحسان.
والمهم هنا ان عصر التابعين قد انتهى بموت آخر التابعين خلف بن خليفه - على ما قيل - فى سنه ثمانين ومائه، وقيل سنه احدى وثمانين ومائه، ولهذا سنتابع موقف رجالات هذا العصر من التقيه ابتداء من سنه (50 ه ) وانتهاء بسنه (179 ه ) وقد يكون من بينهم من لم ير صحابيا، ولكنه ادرك عصرهم الذى انتهى على راس المائه الاولى من الهجره تقريبا. مراعيا
بذلك ما وصل اليه تسلسل الموقف المتقدم، مع ملاحظه السبق الزمنى لمواقف التابعين من التقيه، وعلى النحو الاتى:


32 - تقيه بنى ضبه سنه (50ه ):
روى‏الطبرى فى تاريخه فى حوادث سنه خمسين من الهجره الشريفه‏مطارده زياد بن ابيه (ت/53ه ) للفرزدق الشاعر العربى المشهور (ت/110ه )، وفى هذه السنه هام الفرزدق على وجهه فى البرارى مختفيا خائفا من ان يدركه الطلب، لا سيما وقد اباح زياد دمه، الى ان وصل الفرزدق الى اخواله من بنى ضبه، ثم ادركه الطلب وهو فيهم، فاخفوه، وانكروا - بعد ان سئلوا عنه - ان يكون لهم علم به، وقالوا: ما رايناه. ولم ينكر عليهم احد - على طول‏التاريخ - بانهم كذبوا وقالوا خلاف الواقع، بل على العكس كان قولهم هذا مما يستحسنه العقلاء فى كل آن وزمان، وهو مما وجب عليهم شرعا، والا لكانوا من الاثمين اتفاقا، وهكذا كان للتقيه فضلها فى عصمه دم الفرزدق.


33 - صعصعه بن صوحان (ت/56ه ):
من كبار التابعين، شهد صفين مع على (ع)، وكان يوصى بالتقيه، فقد قال لاسامه بن زيد الصحابى المعروف (ت/54ه ): (خالص المومن وخالق الكافر، ان الكافر يرضى منك بالخلق الحسن).
وهذا القول يوكد صحه ما مر سابقا، من ان التقيه لاتكون خوفا من المومن اطلاقا، لان المومنين اخوه، والمومن مرآه المومن، وانما تكون من الكافر، بل ومن المسلم الذى تخشى بوادره ولا يطمان الى جانبه.


34 - مسروق بن الاجدع (ت/64ه ):
روى ان معاويه بن ابى سفيان (ت/60ه ) كان‏قدبعث‏بتماثيل‏من‏صفرلكى تباع بارض الهند، فمر بها على مسروق بن الاجدع، فقال: (واللّه لو انى اعلم انه يقتلنى لغرقتها، ولكنى اخاف ان يعذبنى فيفتننى، واللّه، لا ادرى اى الرجلين: معاويه رجل قد زين له سوء عمله، او رجل يئس من الاخره، فهو يتمتع فى الدنيا).
وهذا الكلام ما اصرحه فى جواز التقيه عند الخوف من الحاكم الظالم، ولو من غير القتل، وفيه ايماءه الى ان التعذيب بالضرب والاهانه وما شابه ذلك هو اشد وقعا على نفوس العلماء واهل الفضل من القتل بالسيف ونحوه، على ان مسروق كان يرى: ان المكره على التقيه اذا اباها حتى مات، دخل النار، وقد تقدم هذا فى قول ابى حيان.


35 - نجده بن عويمر الخارجى (ت/69ه ):
حكى الشهرستانى (ت/548ه ) فى ملله اختلاف نجده بن عويمر، راس فرقه النجدات من الخوارج مع نافع بن الازرق (ت/65ه )، راس فرقه الازارقه من الخوارج ايضا، فى مشروعيه التقيه. فقال نافع: التقيه لا تحل، وخالفه نجده بن عويمر الحرورى، وقال: التقيه جائزه، واحتج بقوله تعالى: (الا ان تتقوا منهم تقاه) وبقوله‏تعالى: (وقال رجل مومن من آل‏فرعون يكتم ايمانه)، واثبت لنافع ان التقيه مشروعه من لدن عليم حكيم.

 

36 - سعيد بن جبير (ت/94ه ):
قال ابو عبيد القاسم بن سلام (ت/224ه ): (حدثنا مروان بن معاويه، عن حسان بن ابى يحيى الكندى، قال: سالت سعيد بن جبير عن الزكاه؟ فقال: ادفعها الى ولاه الامر، فلما قام سعيد تبعته، فقلت: انك امرتنى ان ادفعها الى ولاه الامر وهم يصنعون بها كذا، ويصنعون بها كذا؟ فقال: ضعها حيث امرك اللّه، سالتنى على رووس الناس فلم اكن لاخبرك).
وبعد فلا اظن ان احدا يشك فى صحه تقيه راهب التابعين سعيد بن جبير رضوان اللّه تعالى عليه.


37 - سعيد بن المسيب (ت/94ه ):
وقال ابو عبيد القاسم بن سلام ايضا: (حدثنا يزيد، عن همام بن يحيى، عن قتاده قال: (سالت سعيد بن المسيب، الى من ادفع زكاه مالى؟ فلم يجبنى، قال: وسالت الحسن؟ فقال: ادفعها الى السلطان).
اقول: اذا كان راى الحسن البصرى (ت/110ه ) هو هذا فعلا فلا دلاله فيه على تقيته، ولكن على م يدل سكوت التابعى سعيد بن المسيب؟
قال الدكتور محمد خليل هراس - فى هامشه، معلقا عليه -: (يظهر ان سعيدا (رحمه‏اللّه) كان لا يرى دفع الزكاه الى ولاه بنى اميه، ولهذا سكت).
ومن تقيته ايضا، ما اخرجه الحافظ احمد بن محمد بن سعيد بن عقده الزيدى الجارودى الحافظ (ت/333ه ) فى اول كتاب الولايه، عن شيخه ابراهيم بن الوليد بن حماد، عن يحيى بن يعلى، عن حرب بن صبيح عن ابن اخت حميد الطويل، عن ابن
جدعان، عن سعيد بن المسيب قال: (قلت لسعد ابن ابى وقاص: انى اريد ان اسالك عن شى‏ء وانى اتقيك؟ قال: سل عما بدا لك، فانما انا عمك، قال: قلت: مقام رسول اللّه (ص) فيكم يوم غدير خم؟ قال: نعم، قام فينا بالظهيره، فاخذ بيد على بن ابى طالب فقال: من كنت مولاه فعلى مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه، فقال ابو بكر وعمر: امسيت ياابن ابى طالب مولى كل مومن ومومنه).
قال العلامه الامينى بعد ان اورده - وتقيه زيد بن ارقم لهذا الحديث كما مر: (فان الظاهر من هذه كلها انه كان بين الناس للحديث معنى لا يامن معه راويه من ان يصيبه سوء اولدته العداوه للوصى - صلوات اللّه عليه - فى العراق وفى الشام).

 

 38 - تقيه الملايين من سيف الحجاج (ت/95ه ):
لا يخفى ان التقيه هى الباعث الاول والاخير للمومنين - الذين لا يجدون مفرا عنها -على‏اطاعتهم للمتسلط الظالم والانقياد الى‏اوامره، وهذامما لا ينبغى الشك فيه، لان تصور اى مبرر آخر لتلك الطاعه وذلك‏الانقياد، لابد وان ترافقه التقيه بشكل او باخر، والا لاصبحا (الطاعه والانقياد) تكريسا لنظريه وجوب طاعه الحاكم الظالم، تلك النظريه التى انشاها شيخ الامويين لاسباب لا تخفى على كل باحث ذى عقل حر وتفكير سليم.

وما يهمنا هنا هو كشف حقيقه التقيه المليونيه - ان صح التعبير - فى هذا المثال الذى لم يكن هو الوحيد الكاشف عنها اذا علمنا ان لغه السيف هى اعرق فى قاموس الامويين من بروز الحجاج بن يوسف الثقفى على مسرح الاحداث السياسيه فى تاريخهم الدموى. حيث ولاه عبدالملك بن مروان (ت/86ه )
-بعد ان اخمد ثوره ابن الزبير وقتله سنه (73ه ) - مكه، والمدينه، والطائف ثم اضاف اليها العراق بمصريه (الكوفه والبصره)، لا لفقه الحجاج وورعه وتقواه وسابقته، وانما لكونه سفاكا سفاحا من الطراز الاول الذى لا يرعى للّه الا ولا ذمه.

ولقد كان الحجاج يصرح بقسوته المتناهيه على اهالى هذه الامصار الاسلاميه، كما يظهر فى الكثير من خطبه على منابر المسلمين! وقد نقل بعضها ابن قتيبه الدينورى (ت/276ه ) فى عيون الاخبار، وسنذكر منها ما يقرب صوره التقيه (المليونيه) الى الابصار.


الخطبه الاولى قال ابن قتيبه: (دخل الحجاج بن
يوسف الثقفى الى البصره، وهو متقلد سيفا، ومتنكب قوسا عربيه، فعلا المنبر ثم قال:
اناابن جلا وطلاع الثنايا متى اضع العمامه تعرفونى ان امير المومنين نكب عيدانه بين يديه فوجدنى امرها عودا واصلبها مكسرا، فوجهنى اليكم، الا فواللّه لاعصبنكم عصب السلمه، ولالحونكم لحو العود، ولاضربنكم ضرب غرائب الابل حتى تستقيم لى قناتكم، وحتى يقول القائل: انج سعد، فقد قتل سعيد...).


الخطبه الثانيه (ايها الناس انى اريد الحج، وقد
استخلفت عليكم ابنى هذا واوصيته بخلاف ما اوصى به رسول اللّهصلى اللّه عليه وسلم فى الانصار، ان رسول اللّه اوصى ان يقبل من محسنهم، وان يتجاوز عن مسيئهم، وانى امرته الا يقبل من محسنكم، ولا يتجاوز عن مسيئكم، الا وانكم ستقولون بعدى مقاله لا يمنعكم من اظهارها الا مخافتى، ستقولون بعدى: لا احسن اللّه له الصحابه! الا وانى معجل لكم الجواب. لا احسن اللّه لكم الخلافه).
الخطبه الثالثه: (سوط‏ى سيفى، فنجاده فى عنقى، وقائمه فى يدى، وذبابه قلاده لمن اغتر بى).


خطبه اخرى‏وله خطبه اخرى ذكر فيها من الوان
التهديد واصناف الوعيد الشى‏ء العجيب، مصرحا فيها بانه لا فرق عنده بين المعافى والسقيم، وبين من يطيعه او يعصيه، فالمحسن والمسى‏ء كلاهما سيان، وكان اللّه تعالى لم يقل فى كتابه الكريم: (ولا تزر وازره وزر اخرى)
. هذه هى كلماته على ملايين المسلمين، فماذا كان جوابهم؟
انه السكوت المطبق، وكان لسان حالهم يردد:
للفتى عقل يعيش به حيث يهدى ساقه قدمه او:
ما ان ندمت على سكوتى مره ولقد ندمت على الكلام مرارا اما من تجرا على الكلام منهم كعبد اللّه بن الاهتم التميمى فقد وصف الحجاج بن يوسف بانه مثل انبياء اللّه تعالى!!

قال ابن قتيبه بعد ان اورد له خطبته التى ساوى فيها بين المحسن والمسى‏ء: (فقام اليه عبداللّه بن الاهتم التميمى فقال: ايها الامير اشهد انك اوتيت الحكمه وفصل الخطاب، فقال له: كذبت ذاك نبى اللّه داود).


ومما يستنتج من خطب الحجاج امور هى:
1-انه ‏كان ‏يشتم‏الناس من‏على‏منبره علنا، ويهددهم ويوعدهم‏قبل‏صدور الذنب منهم‏ولا احد يجيبه منهم، اما من يتجرا - من المتزلفين - على القول، فانه يصف الحجاج بصفات الانبياء.
2 - ان تلك الخطب لا شك كان يسمعها عدد من الصحابه وكثير من التابعين، ولم ينكروا عليه شيئا خصوصا فيما ورد فيها مخالفا لشرع اللّه تعالى وسنه نبيه الكريم صلى اللّه عليه وآله وسلم.
3 - ان الحجاج كان يعلم باتقاء اهل مكه والمدينه والطائف والبصره والكوفه وما بينهما منه، لا سيما وقد صرح هو بنفسه بهذه الحقيقه فقال: (الا وانكم ستقولون بعدى مقاله لا يمنعكم من اظهارها الا مخافتى).


39 - مجاهد بن جبر المكى (ت/103ه ):
وهو من كبار التابعين فى التفسير باعتراف سائر العلماء من الشيعه و اهل السنه - وقد امتدحه الشيخ الطوسى (ت/460ه ) فى مقدمه التبيان فقال: (من المفسرين من حمدت طرائقه، ومدحت مذاهبه، كابن عباس، والحسن، وقتاده، ومجاهد وغيرهم).
وقد نص القرطبى فى الايه الاولى فى الفصل الاول على ان مجاهدا كان يقرا: ( الا ان تتقوا منهم تقيه ) فى موضع (تقاه)، وكيف بمن يقروها هكذا لا يرى جواز التقيه بعدئذ؟! وقد مر فى بيان دلاله هذه الايه على التقيه تفسيره لها مما يشير الى جواز التقيه عنده فيما دون سفك الدم الحرام، ونهب الاموال.


40 - عامر الشعبى (ت/103ه او 104ه ):
كان عامر الشعبى من ندماء عبدالملك بن مروان (ت/86ه ) وقد ارسله الى ملك الروم، وكان من‏الطبيعى جدا ان يعمل‏بالتقيه لاسيما فى بلاط الامويين، وقد نقل الشيخ عباس على براتى فى بحثه: التقيه فى آراء علماء المسلمين عن القرطبى فى الجامع لاحكام القرآن، ان الشعبى كان يعمل بالتقيه وانه كان ينال ممن لم يراع التقيه عند الاكراه عليها.


41 - الضحاك بن مزاحم (ت/105ه ):
اخرج الطبرى (ت/310 ه ) عن الضحاك انه قال: (التقيه باللسان ومن حمل على امر يتكلم به، وهو للّه معصيه، فتكلم مخافه على نفسه، وقلبه مطمئن بالايمان، فلا اثم عليه، انما التقيه باللسان).
وقد مر فى الفصل الاول من قال بجواز التقيه قولا وفعلا، ولا فرق بينهما اخذا بظاهر آيه التقيه، مع النصوص النبويه المثبته لذلك ايضا.


42 - عكرمه البربرى مولى ابن عباس (ت/105ه ):
يظهر من تفسير عكرمه لايه التقيه، انه كان يرى جوازها فيما دون قتل النفس، ونهب الاموال، فقد اخرج الطبرى (ت/310ه ) فى تفسير آيه التقيه وهى من قوله تعالى: (الا ان تتقوا منهم تقاه) عن عكرمه انه قال: (ما لم يهرق دم مسلم، ولم يستحل ماله)، وبه قال مجاهد ايضا.


43 - الحسن البصرى (ت/110ه ):
لقد مر فى الفصل الاول ما يوكد ان الحسن البصرى كان يقول: (التقيه جائزه الى يوم القيامه)، والحسن البصرى خبير باحوال الصحابه وهذا الكلام: اما ان يكون قد سمعه منهم، او يكون مما استفاده هو من القرآن الكريم.
على ان الاستاذ على حسين رستم اكد فى بحثه (التقيه عند اهل السنه نظريا وتطبيقيا) تقيه الحسن البصرى فى روايته عن على (ع).
اذ روى حديث على (ع)، ولكنه لم يسنده اليه بل رفعه الى النبى (ص) تقيه من ظلم الامويين، مشيرا بذلك الى مراسيل ابى داود.
وبعد فلا حاجه لمتابعه موقف الحسن من التقيه بعد قوله: (التقيه جائزه الى يوم القيامه)، وللّه در القائل: قطعت جهيزه قول كل خطيب.


44 - رجاء بن حيوه (ت/112ه ):
كان رجاء من وعاظ الشام، وكان‏ملازما لعمر بن عبدالعزيز (ت/101ه )، ومن تقيته ما حكاه القرطبى (ت/671ه ) قال: (وقال ادريس بن يحيى: كان الوليد بن عبدالملك يامر جواسيس يتجسسون الخلق وياتون‏بالاخبار.. فجلس رجل منم فى حلقه رجاء بن حيوه فسمع بعضهم يقع فى الوليد، فرفع ذلك اليه.
فقال: يا رجاء! اذكر بالسوء فى مجلسك ولم تغير؟!

فقال: ما كان ذلك يا امير المومنين.
فقال له الوليد: قل اللّه الذى لا اله الا هو.
قال: اللّه الذى لا اله الا هو.
فامر الوليد بالجاسوس، فضرب سبعين سوطا. فكان يلقى رجاء فيقول: يا رجاء! بك يستسقى المطر وسبعين سوطا فى ظهرى!!
فيقول رجاء: سبعون سوطا فى ظهرك، خير لك من ان يقتل رجل مسلم).
اقول : اين هذا من عيون المنصور العباسى (ت/158ه )، فقد ذكر ابن‏نباته‏المصرى (ت/768ه ) فى سرح العيون: ان مالك
بن انس (ت/179ه ) قد جمعه ذات يوم مجلس مع المنصور، فقال له المنصور: (اليست اذا بكت ابنتك من الجوع، تامرب حجر الرحا فيتحرك، كيلا يسمع الجيران بكاءها؟

فقال مالك: واللّه ما علم احد بهذا الا اللّه!
فقال له: ااعلم بهذا، ولا اعلم احوال رعيتى؟).
واذا علمت ان اهل المدينه قد خلعوا المنصور وبايعوا غيره، فلك ان تقدر كم يمين صدرت منهم، على نحو يمين رجاء.


45 - ميمون بن مهران (ت/117ه ):
نقل الغزالى (ت/505ه ) عن ميمون بن مهران قوله: (الكذب فى بعض المواطن خير من الصدق).
وفى كتاب الاشراف لابن ابى الدنيا (ت/281ه ): (وحدثنى ابى، قال: اخبرنا اسماعيل بن عليه، قال: اخبرنا سوار بن عبداللّه ، قال: ان ميمونا كان جالسا وعنده رجل من قراء اهل الشام، فقال: ان الكذب فى بعض المواطن خير من الصدق، فقال الشامى: لا، الصدق فى كل المواطن خير. فقال ميمون: ارايت لو رايت رجلا يسرع وآخر يتبعه بالسيف، فدخل الدار فانتهى اليك، فقال: ارايت الرجل؟
ما كنت قائلا؟
قال: كنت اقول: لا!!
قال: فذاك).


46 - عطاء بن ابى رباح (ت/118ه ):
ذهب عطاء بن ابى رباح الى ان يمين المكره غير ثابته عليه، بمعنى ان الحلف تقيه جائز عند الاكراه، ولا كفاره فى ذلك، وقد نسب له هذا القول الامام الشافعى (ت/204ه ) فى احكام القرآن.

 

47 - قتاده بن دعامه السدوسى (ت/118ه ):
ذكر ابو حيان الاندلسى (ت/754ه ) فى تفسيره: ان قتاده قال: (اذا كان الكفار غالبين، او يكون المومنون فى قوم كفار فيخافوهم فلهم ان يحالفوهم ويداروهم دفعا للشر، وقلبهم مطمئن بالايمان).
وقد مر قول الرازى الشافعى: (ان الحاله بين المسلمين اذا شاكلت الحاله بين المسلمين والمشركين، حلت التقيه محاماه
على النفس).


48 - شبه ابو عقال:
لم اقف على سنه وفاته، الا انه روى عن الصحابى انس بن مالك (ت/93ه ) كما نص عليه مترجموه، فهو اذا من طبقه عطاءوقتاده وغيرهما من التابعين. ومن تقيته، ما حكاه ابن قتيبه الدينورى (ت/276ه ) عن ابنه عقال بن شبه، من انه قال: (كنت رديف ابى، فلقيه جرير على بغل، فحياه ابى والطفه. فلما مضى، قلت: ابعد ما قال لنا ما قال؟!
قال: يا بنى! افاوسع جرحى؟!).
والظاهر، ان المراد من جرير هو جرير بن عطيه الخطفى الشاعر المشهور (ت/110ه )، وانه هجا ابا عقال، فحاول الاخير مداراته لكيلا يعود الى الهجاء ثانيه، فاتقى لسانه بهذه المداراه.


49 - الزهرى (ت/124ه ):
محمد بن مسلم بن عبداللّه بن شهاب المعروف بابن شهاب الزهرى، كان من كبار الحفاظ والفقهاء من التابعين، كان يتقى من الامويين خصوصا فى فضائل الامام على(ع)، فيما صرح هو بنفسه، فقد روى ابن الاثير (ت/630ه ) فى اسد الغابه باسناده، عن عبداللّه بن العلاء، عن الزهرى، عن سعيد بن جناب، عن ابى عنفوانه المازنى، عن جندع «ابو جنيده بن عمرو بن مازن الانصارى‏»قال: سمعت النبى‏صلى اللّه عليه وسلم يقول: ( من كذب على متعمدا فليتبوا مقعده من النار). وسمعته -والا صمتا يقول وقد انصرف من حجه الوداع، فلما نزل غدير خم قام فى الناس خطيبا، واخذ بيد على، وقال: (من كنت مولاه فهذا وليه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه).
وقال عبداللّه بن العلاء: فقلت للزهرى: لا تحدث هذا بالشام وانت تسمع مل‏ء اذنيك سب على!!
فقال: واللّه ان عندى من فضائل على ما لو تحدثت لقتلت.
اخرجه الثلاثه)، انتهى بلفظه.


50 - السدى (ت/127ه ):
اخرج الطبرى عنه انه قال فى آيه التقيه، انها تعنى: (اظهار الولايه للكافرين فى دينهم، والبراءه من المومنين)، وهذا هو احد مصاديق‏التقيه عند الاكراه على كلمه الكفر، لا كل التقيه كما مر فى الفصل الاول، والمهم هنا هو ان السدى من القائلين
بالتقيه فى افضع الاشياء وهو الكفر كغيره من التابعين. على ان هذا المعنى قد اطبقت على صحته كلمه المفسرين، بشرط ان يكون القلب مطمئن بالايمان.

 

51 - واصل بن عطاء (ت/131ه ):
وهو راس الاعتزال، وكان مفرط الذكاء، ومن‏تقيته‏ماذكره‏ابن الجوزى الحنبلى (ت/597ه ) فى كتاب الاذكياء، من انه خرج يريد سفرا فى رهط، فاعترضهم جيش من الخوارج، فقال واصل: (لا ينطقن احد ودعونى معهم، فقصدهم واصل، فلما قربوا بدا الخوارج ليوقعوا. فقال: كيف تستحلون هذا وما تدرون من نحن، ولا لاى شى‏ء جئنا؟ فقالوا: نعم، من انتم؟ قال: قوم من المشركين جئناكم لنسمع كلام اللّه.

قال: فكفوا عنهم، وبدا رجل منهم يقرا القرآن، فلما امسك، قال واصل: قد سمعت كلام اللّه، فابلغنا مامننا حتى ننظر فيه وكيف ندخل فى الدين. فقال: هذا واجب، سيروا، قال: فسرنا والخوارج واللّه - معنا يحموننا فراسخ، حتى قربنا الى بلد لا سلطان لهم عليه، فانصرفوا).


52 - سالم بن ابى حفصه البترى (ت/140ه ):
قال الكشى (من علماء الشيعه الاماميه فى القرن الرابع الهجرى) فى ترجمته: (وحكى عن سالم: انه كان مختفيا من بنى اميه بالكوفه، فلما بويع لابى العباس، خرج من الكوفه محرما فلم يزل يلبى: لبيك قاصم بنى اميه لبيك، حتى اناخ «راحلته‏» بالبيت).
وهذا يعنى انه كان يتقيهم فى دولتهم، فلما زالت افصح عما فى قلبه نحوهم، على ان سالما ليس من الشيعه الاماميه، وانما من البتريه، وقيل: التبريه - بتقديم التاء المثناه من فوق على الباء الموحده - والاول اشهر، والبتريه - بضم الباء الموحده، وقيل كسرها هم فرقه من فرق الزيديه.
واما ما ذكرناه عن الصحابه كعمار، وحذيفه وغيرهما ممن عرف بالتشيع، ومن التابعين سعيد بن جبير وغيره، فلكونهم ممن احتج اهل السنه باقوالهم، وقد نقلنا تلكم الاقوال من كتب غير الشيعه الاماميه، مما يصح معه انطباق المعنون على عنوان: (واقع التقيه عند المذاهب والفرق الاسلاميه من غير الشيعه الاماميه).


53 - عمرو بن عبيد المعتزلى (ت/144ه ):
ذكر الخطيب البغدادى (ت/463ه ) فى تاريخه: ان المنصور العباسى (ت/158ه ) قال لعمرو بن عبيد: (بلغنى ان محمدا بن عبداللّه بن الحسن كتب اليك كتابا؟
قال عمرو: قد جاءنى كتاب يشبه ان يكون كتابه.

قال: فيم اجبته؟
قال: اوليس قد عرفت رايى فى‏السيف‏ايام كنت‏تختلف الينا، انى لا اراه؟!
قال المنصور: اجل، ولكن تحلف لى ليطمئن قلبى!!
قال عمرو: لئن كذبتك تقيه لاحلفن لك تقيه.
قال المنصور: واللّه، واللّه انت الصادق البر).
اقول: ان فى هذه المحاوره دليل على ايمان المنصور بالتقيه ايضا، فضلا عن تصريح عمرو بن عبيد بها. اذ لو كانت التقيه محرمه، لابدى المنصور معارضته، ولقال - مثلا -: كيف تحلف باللّه باطلا؟