|
25 - عبداللّه بن عمر بن الخطاب (ت/65ه ):
قال البخارى فى الجامع الصحيح: (حدثنا ابراهيم بن موسى،
اخبرنا هشام، عن معمر، عن الزهرى، عن سالم، عن ابن عمر.
قال: واخبرنى ابن طاوس، عن عكرمه بن خالد، عن ابن عمر
قال: دخلت على حفصه ونسواتهاتنطف قلت: قد كان من امر
الناس ما ترين، فلم يجعل لى من الامر شىء؟فقالتالحق، فانهم
ينتظرونك، واخشى ان يكونفىاحتباسك عنهم فرقه. فلم
تدعه حتى ذهب.
فلما تفرق الناس، خطب معاويه، قال: من كان يريد ان يتكلم
فى هذا الامر فليطلع لنا قرنه، ولنحن احق به منه، ومن ابيه.
قال حبيب بن مسلمه فهلا اجبته، قال عبداللّه: فحللت حبوتى،
وهممت ان اقول: احق بهذا الامر من قاتلك واباك على
الاسلام، فخشيت ان اقول كلمه تفرق بين الجمع، وتسفك
الدم، ويحمل عنى غير ذلك، فذكرت ما اعد اللّه فى الجنان.
قال حبيب: حفظت وعصمت. قال محمود، عن عبدالرزاق:
ونوساتها)، انتهى بتمامه.
وبمراجعه شروح صحيح البخارى، نرى ان قوله: (قد كان من
امر الناس ما ترين). اراد به ما وقع بين على(ع) ومعاويه من
القتال فى صفين ، واجتماع الناس على الحكومه بينهم.. ثم
شاور عبداللّه بن عمر اخته حفصه فى التوجه اليهم اوعدمه،
فاشارت عليه باللحوق بهم خشيه ان ينشا من غيبته اختلاف
يفضى الى استمرار الفتنه.
ومعنى قوله: (فلم تدعه حتى ذهب، فلما تفرق الناس خطب
معاويه) اى: ان حفصه لمتدعه حتى حضر التحكيم بين ابى
موسى الاشعرى،وعمروبنالعاص كما فى قصه التحكيم
المعروفه، وكيف ان ابا موسى خلع علىا(ع) بخدعه من ابن
العاص الذى اثبت صاحبه فى الحكم، ولما انفصل الامر على هذا
خطب معاويه، وقوله: (فليطلع لنا قرنه)، تعريض منه بابن عمر
وعمر، وقوله: (احق به منه ومن ابيه)، اى: احق بامر الخلافه
من ابن عمر وعمر بن الخطاب!
وقول ابن عمر: (من قاتلك واباك..) يريد به علىا (ع)، اذ كان
قد قاتل معاويه واباه يومى احد والخندق، وهما كانا كافرين.
على ان قول ابن عمر: فحللت حبوتى، وهممت ان اقول، لا يدل
على تقيه ابن عمر وحده، وانما يدل على تقيه غيره من
الصحابه الذين حضروا خطبه معاويه، اذ ليس من المعقول ان
يخطب معاويه على ابن عمر وحده، كما ان تاييد الصحابى
المعروف حبيب بن مسلمه بن مالك الفهرى (ت/42ه ) لعبد
اللّه بن عمر يكشف عن تقيه الفهرى ومن حضر معهما ايضا.
ويظهر من سيره الصحابى ابن عمر انه كان يتقى من الامويين
وولاتهم كثيرا، فقد اشار الامام مسلم (ت/261ه ) الى مبايعه
ابنعمر ليزيد بن معاويه وانكارهعلى عبداللّه بنمطيع خروجه
علىيزيد ابان ما كان منموقعهالحره المشهوره التى استمر
فيها قتل المومنين من المهاجرينوالانصار بسيوف جند اهل
الشام، الذين خربوا مدينه الرسول(ص) واكثروا فيها الفساد،
حيث اباحوا المدينهالمنوره ثلاثه ايام بلياليها مما لا يخفى هذا
على سائر الباحثين.
وهذا الموقف من ابن عمر لا يفسر التفسير الصحيح الا على
اساس التقيه فى غير موضعها، لانه سبق وان امتنع عن البيعه
لامير المومنين على (ع)، وليس من المعقول جدا - ولا يوافقنا
عليه احد من المسلمين - ان يكون يزيد بن معاويه احق
بالخلافه من على (ع) فى نظر ابن عمر، او اجدر منه عليها. لولا
انه امن سوط على(ع) واتقى ببيعته ليزيد خوفا من سيفه الذى
يقطر دما.
ومن تقيته ايضا انه كان يصلى خلف الظالمين وياتم بهم. فقد
اخرج البيهقى (ت/458ه ) من طريق سعيد بن عبدالعزيز، عم
عمير بن هانى قال: (بعثنى عبدالملك بن مروان بكتب الى
الحجاج فاتيته، وقد نصب على البيت اربعين منجنيقا!!! فرايت
ابن عمر اذا حضر الصلاه مع الحجاج صلى معه، واذا حضر ابن
الزبير صلى معه! فقلت: يا ابا عبدالرحمن! اتصلى مع هولاء
وهذه اعمالهم؟! فقال: يا اخا اهل الشام، ما انا لهم بحامد، ولا
نطيع مخلوقا فى معصيه الخالق).
وقال ابن سعد (ت/230ه ) فى طبقاته: (لا ياتى امير الا صلى
ابن عمر خلفه، وادى اليه زكاه ماله).
واخرج ابن ابى شيبه (ت/235ه ) من طريق قيس بن يونس،
عن عمير ابنهانى قال: (شهدت ابن عمر، والحجاج محاصر ابن
الزبير، فكان منزل ابن عمر بينهما، فكان ربما حضر الصلاه مع
هولاء، وربما حضر الصلاه مع هولاء).
وفى شرح العقيده الطحاويه: (وفى صحيح البخارى: ان عبداللّه
بن عمر كان يصلى خلف الحجاج بن يوسف الثقفى..).
فصلاه ابن عمر خلف هولاء مما لا يمكن انكارها، كما لا يمكن
ان تكون بغير تقيه. قال الفقيه الحنبلى ابن قدامه (ت/620ه ):
(لا تجوز الصلاه خلف المبتدع والفاسق فى غير جمعه وعيد،
يصليان بمكان واحد من البلد، فان من خاف منه ان ترك
الصلاه خلفه، فانه يصلى خلفه تقيه ثم يعيد الصلاه).
وقد ذكر اثرا صحيحا عن النبى (ص) فى مقام
الاحتجاجبهعلىصحه قوله، وهو ما اخرجه عن جابر بن عبداللّه
الانصارى (ت/78ه ) قال: (سمعت النبى ( على منبره يقول: لا
تومن امراه رجلا، ولا يوم اعرابى مهاجرا، ولا يوم فاجر مومنا الا
ان يقهره بسلطانه او يخاف سوطه او سيفه).
ومن تقيته ايضا ما اخرجه الهيثمى (ت/807ه ) عن مجاهد بن
جبر، عن ابن عمر قال: ( سمعت الحجاج يخطب، فذكر كلاما
انكرته، فاردت ان اغير، فذكرت قول رسول اللّه (: لا ينبغى
للمومن ان يذل نفسه، قال: قلت: يا رسول اللّه! كيف يذل نفسه،
قال: يتعرض من البلاء لما لا يطيق).
اقول: هكذا يجب ان تفهم تقيه الصحابى ابن عمر من معاويه
ويزيد وولاتهما، لا ان يلجا الى الاحتجاج بما رواه ابن عمر
عن
رسول اللّه (ص) انه قال: (من خلع يدا من طاعه لقى اللّه يوم
القيامه لا حجه له). فليس هذا للمحتج فى شىء، اذ مع حمل
هذا الاثر على الصحه فانه لا يدل اكثر من مبايعه الظالمين
تقيه لا اختيارا، لان المراد من الطاعه، انما هى طاعه من امر
اللّه تعالى ورسوله الكريم بطاعتهم، وليس المراد منها طاعه
يزيد ومبايعته، حتى وان اريد بالخلع المذكور فى هذا الاثر، هو
الخلع بعد البيعه حيث كانت قد اخذت بالاكراه كما هو
المعروف فى اخذ البيعه ليزيد بن معاويه زمن الحره، فخلعه اذا
لا تبعه فيه، ولا حنث يمين، لان البيعه كانت تقيه بضغط
الاكراه، وليس على مكره يمين.
فها هم اهل المدينه انفسهم قد نقموا على ابى جعفر المنصور
(ت/158ه ) ظلمه وطغيانه، وخلعوا ايديهم من طاعته بعد
بيعتهم له، وخرجوا مع محمد النفس الزكيه (ت/145ه )
وفيهم كبار التابعين بعد ان افتاهم مالك بن انس (ت/179ه )
بان بيعتهم له انما كانت تقيه بضغط الاكراه عليها، وليس على
مكره يمين.
ولم يقل احد بالامس ولا اليوم من فقهاء المسلمين قاطبه: ان
اهل المدينهخلعهمالمنصور ومبايعه النفس الزكيه سيلقون اللّه
يوم القيامه لا حجه لهم.
ومن هنا يفهم ان حمل ما رواه ابن عمر عن رسول اللّه (ص) لا
يمكن شرعا وعقلا ان يحمل - مع القول بصحته - على غير
المعنى المتقدم، والا فلا يخلوهذا الاثر من اتهام عظيم لسائر
صلحاء هذه الامه، وابرارها ممن خلعوا يدا عن طاعه الظالمين،
واشتروا انفسهم ابتغاء مرضاته تعالى.
26 - زيد بن ارقم (ت/68ه ):
اخرج الامام احمد بن حنبل (ت/240ه ) فى مسنده، من طريق
ابن نمير، عن عطيه العوفى قال: (سالت زيد بن ارقم فقلت له:
ان ختنا لى حدثنى عنك بحديث فى شان على يوم غدير خم،
فانا احب ان اسمعه منك؟
فقال: انكم معشر اهل العراق فيكم ما فيكم، فقلت له ليس
عليك منى باس، فقال نعم، كنا بالجحفه فخرج رسولاللّه (
الينا ظهرا وهو آخذ بعضد على، فقال: ايها الناس الستم تعلمون
انى اولى بالمومنين من انفسهم؟ قالوا: بلى. قال: فمن كنت
مولاه فعلى مولاه. قال: فقلت له: هل قال: (اللهم وال من ولاه،
وعاد من عاداه)؟ قال: انما اخبرك كما سمعت).
ولا شك ان كتمان زيد لقوله (ص): (اللهم وال من ولاه، وعاد
من عاده) كان تقيه من عطيه العوفى، ذلك لان الاقرار بهذه
العباره يعنى فضح اعداء الامام على، وانهم ممن يعاديهم اللّه،
وهم ما اكثرهم فى عهد زيد بن ارقم الذى امتد عمره حتى
ادرك حكم مروان بن الحكم، وما يدل على تقيته من عطيه
العوفى، قوله لعطيه: انكم معشر اهل العراق فيكم ما فيكم،
اشاره الى الفتن الكثيره التى كانت تموج بها - يوم ذاك - ارض
العراق، كما ان قول عطيه له: ليس عليك منى باس دليل آخر
على فهم عطيه ان زيدا يخشاه. ومما يوكد ذلك ان ما كتمه
زيد عن عطيه قد رواه زيد نفسه كما فى كثير من الطرق
الصحيحه المنتهيه اليه، وقد حققها العلامه الامينى فى كتاب
الغدير، وحسبك ان يكون من روى الحديث كاملا عن زيد بن
ارقم - كما فى الغدير - الامام احمد بن حنبل فى مسنده،
والنسائى فى خصائصه، والدولابى فى الكنى والاسماء،
والميبدى فى شرح ديوان الامام على (ع)، والذهبى فى
تلخيص المستدرك، وفى ميزان الاعتدال، وابن الصباغ فى
الفصول، و ابن طلحه الشافعى فى مطالب السوول، والهيثمى
فى مجمع الزوائد من طريق احمد والطبرانىوالبزاز،
والخوارزمى الحنفى فى المناقب، وابن عبدالبر فى الاستيعاب،
والكنجى الشافعى فى كفايه الطالب، والسيوطى فى مجمع
الجوامع، وتاريخ الخلفاء والجامع الصغير، وابن حجر فى تهذيب
التهذيب، والتبريزى فى مشكاه المصابيح، وعشرات غيرهم.
ولهذا قال العلامه الامينى معلقا: (ان زيدا اتقى ختنه العراقى،
وهو يعلم ما فى العراقيين من النفاق والشقاق يوم ذاك، فلم
يبد بسره حتى امن من بوادره فحدثه بالحديث).
27 - عبداللّه بن عباس (ت/68ه ):
لقد ورد عن ابن عباس فى تفسير قوله تعالى: (الا ان تتقوا
منهم تقاه ) انه قال: (ما لم يهرق دم مسلم ولم يستحل ماله)،
وعنه ايضا: (التقيه باللسان ومن حمل على امر يتكلم به وهو للّه
معصيه فتكلم مخافه على نفسه، وقلبه مطمئن بالايمان، فلا
اثم عليه، انما التقيه باللسان).
وقد اخرج ابو حيانالاندلسى (ت/754ه ) عن ابن عباس انه
قال عن التقيه: (انها مداراه ظاهره، اى يكون المومن مع
الكفار، وبين اظهرهم فيتقيهم بلسانه، ولا موده لهم فى قلبه).
وقال ايضا: (فاما من اكره فتكلم به لسانه وخالفه قلبه بالايمان
لينجو بذلك من عدوه، فلا حرج عليه، لان اللّه سبحانه انما
ياخذ العباد بما عقدت عليه قلوبهم).
ومن تقيه ابن عباس (رضىاللّه) ما قاله الطحاوى الحنفى
(ت/321 ه ) واليك عين لفظه:
قال ( حدثنا محمد بن عبداللّه بن ميمون البغدادى، قال: حدثنا
الوليد بن مسلم، عن الاوزاعى، عن عطاء قال: قال رجل لابن
عباس (رضىاللّه): هل لك فى معاويه اوتر بواحده « اى: صلى
الوتر بركعه واحده » - وهو يريد ان يعيب معاويه - فقال ابن
عباس: اصاب معاويه).
ثم بين الطحاوى ان المروى عن ابن عباس ما يدل على انكاره
صحه صلاه معاويه فقال: (ان ابا غسان مالك بن يحيى
الهمدانى حدثنا قال: حدثنا عبدالوهاب، عن عطاء قال: اخبرنا
عمران بن حدير، عن عكرمه انه قال: كنت مع ابن عباس عند
معاويه نتحدث حتى ذهب هزيع من الليل، فقام معاويه فركع
ركعه واحده، فقال ابن عباس: من اين ترى اخذها الحمار؟)
واخرج من طريق ابى بكره مثله، ثم قال: (وقد يجوز ان يكون
قولابن عباس: (اصاب معاويه) على التقيه له، اى: اصاب فى
شىء آخر، لانه كان فى زمنه. لا يجوز عليه - عندنا - ان يكون
ماض لفعل رسول اللّه (، الذى قد علمه عنه صوابا)، ثم اخرج
عن ابن عباس فى الوتر انه ثلاث.
قلت: واحسن من هذا التاويل، ان يكون المفعول تقديره الخطا
لا الحق، فيكون الكلام: (اصاب معاويه الخطا).
28 - ابو سعيد الخدرى (ت/74ه ):
ذكر الاستاذ على حسين من الباكستان فى بحثه عن التقيه
تقيه الصحابى ابى سعيد الخدرى من ولاه الامويين فى
تقديمهم الخطبه على الصلاه، مشيرا الى صحيح البخارى -
كتاب العيدين، باب الخروج الى الصلاه من غير منبر، وصحيح
مسلمكتابالصلاه، وعمده القارى،حديث رقم/9،
وسننابىداود - كتاب الصلاه، باب الخطبه يومالعيد، حديث
رقم/1140، وسنن الترمذى - كتاب الفتن/31، باب/26، وسنن
ابنماجه - كتاب الفتن /36، باب/20.
29 - تقيه جمع من الصحابه فيهم جابر الانصارى (ت/78ه ):
قال اليعقوبى (ت/284ه ) عند الحديث عن خلافه الامام على
(ع) ما نصه:
(ووجه معاويه بسر بن ابى ارطاه، وقيل: ابن ارطاه العامرى من
بنى عامر بن لوى فى ثلاثه الاف رجل، فقال له: سر حتى تمر
بالمدينه فاطرد اهلها، واخف من مررت به، وانهب مال كل من
اصبت له مالا ممن لم يكن دخل فى طاعتنا، واوهم اهل
المدينه انك تريد انفسهم، وانه لا براءه لهم عندك ولا عذر،
وسر حتى تدخل مكه، ولا تعرض فيها لاحد، وارهب الناس فيما
بين مكه والمدينه، واجعلهم شرادات، ثم امض حتى تاتى
صنعاء، فان لنا بها شيعه وقد جاءنى كتابهم.
فخرج بسر، فجعل لا يمر بحى من احياء العرب الا فعل ما امر
معاويه، حتى قدم المدينه، وعليها ابو ايوب الانصارى فتنحى
عن المدينه، ودخل بسر فصعد المنبر ثم قال:
يا اهل المدينه! مثل السوء لكم: (قريه كانت آمنه مطمئنه ياتيها
رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بانعم اللّه فاذاقها اللّه لباس
الجوع والخوف بما كانوا يصنعون)، الا وان اللّه قد اوقع بكم هذا
المثل، وجعلكم اهله. شاهت الوجوه، ثم ما زال يشتمهم حتى
نزل!
قال فانطلق جابر بن عبداللّه الانصارى الى ام سلمه زوج النبى،
فقال: انى خشيت ان اقتل، وهذه بيعه ضلال؟
قالت: اذا فبايع، فان التقيه حملت اصحاب الكهف على ان كانوا
يلبسون الصلب، ويحضرون الاعياد مع قومهم.
وهدم بسر دورا بالمدينه، ثم مضى حتى اتى مكه، ثم مضى
حتى اتى اليمن) الى اخر ما ذكره من جرائم بسر بن ارطاه.
وفى روايه ابن ابى الحديد المعتزلى الحنفى (ت/656ه ) اكثر
وضوحا لتقيه جميع الانصار والمهاجرين من بسر.
قال: (.. ودخل بسر المدينه، فخطب الناس وشتمهم وتهددهم
يومئذ وتوعدهم، وقال: شاهت الوجوه! ان اللّه تعالى يقول: (و
ضرب اللّه مثلا قريه كانت آمنه مطمئنه ياتيها رزقها) الايه، وقد
اوقع اللّه تعالى ذلك المثل بكم وجعلكم اهله - الى ان قال - ثم
شتم الانصار، فقال: يا معشر اليهود وابناء العبيد: بنى زريق،
وبنى النجار، وبنى سلمه، وبنى عبدالاشهل، اما واللّه لاوقعن
بكم وقعه تشفى غليل صدور المومنين.. ودعا الناس الى بيعه
معاويه فبايعوه... وتفقد جابر بن عبداللّه، فقال: ما لى لا ارى
جابرا يا بنى سلمه! لا امان لكم عندى، او تاتونى بجابر، فعاذ
جابر بام سلمه - رضى اللّه عنها فارسلت الى بسر بن ارطاه،
فقال: لا اومنه حتى يبايع، فقالت له ام سلمه: اذهب فبايع،
وقالت لابنها عمر: اذهب فبايع، فذهبا فبايعاه).
ثم روى عن وهب بن كيسان كيف ان جابرا توارى من بسر،
وكيف عاد اليه فبايعه وفيه انه قال: (فلما امسيت دخلت على
ام سلمه فاخبرتها الخبر، فقالت: يا بنى، انطلق فبايع، احقن
دمك ودماء قومك، فانى قد امرت ابن اخى ان يذهب فيبايع،
وانى لاعلم انها بيعه ضلاله).
وهكذا كان جابر (رضىاللّه)، يرى ان لا جناح عليه فى طاعه
الظالم اذا اكرهه على التقيه، قال السرخسى الحنفى (ت/92ه
): (وعن جابر (رضىاللّه)، قال: لا جناح على فى طاعه الظالم
اذا اكرهنى عليها - اى: التقيه -).
30 - القاضى شريح (ت/78ه ):
عندما ادخل هانى بن عروه (رحمهاللّه) على عبيداللّه بن زياد
والى الكوفه سنه 60 ه طالبه بمسلم بن عقيل بن ابى طالب
(ع)، وكان فى داره ثم انتهى الامر الى ان هشم ابن زياد وجه
هانى (رحمهاللّه) بعمود من حديد واودعه السجن، قال المورخ
لوط بن يحيى: (وبلغ عمرو بن الحجاج ان هانئا قد قتل، فاقبل
فى مذحج حتى احاط بالقصر، ومعه جمع عظيم، ثم نادى: انا
عمرو بن الحجاج، هذه فرسان مذحج ووجوهها لم تخلع طاعه
ولم تفارق جماعه، وقد بلغهم ان صاحبهم يقتل، فاعظموا
ذلك.
فقيل لعبيداللّه: هذه مذحج بالباب، فقال لشريح القاضى: ادخل
على صاحبهم فانظر اليه، ثم اخرج فاعلمهم انه حى لم يقتل،
وانك قد رايته.
فدخل اليه شريح فنظر اليه).
وقد حدث شريح اسماعيل بن طلحه عن تقيته فى ذلك اليوم
فقال: (دخلت على هانى فلما رآنى، قال: يا اللّه ياللمسلمين
اهلكت عشيرتى؟ فاين اهل الدين؟ واين اهل المصر؟ تفاقدوا
يخلونى وعدوهم وابن عدوهم!!
والدماء تسيل على لحيته، اذ سمع الرجه على باب القصر،
وخرجت، واتبعنى، فقال: يا شريح! انى لاظنها اصوات مذحج
وشيعتى من المسلمين، ان دخل على عشره نفر انقذونى.
قال: فخرجت اليهم، ومعى حميد بن بكر الاحمرى، ارسله معى
ابن زياد -وكان من شرطه ممن يقوم على راسه - وايم اللّه! لولا
مكانه معى لكنت ابلغت اصحابه ما امرنى به.
فلما خرجت اليهم، قلت: انالامير لما بلغه مكانكمومقالتكم فى
صاحبكم، امرنى بالدخول اليه، فاتيته، فنظرت اليه، فامرنى ان
القاكم وان اعلمكم انه حى، وان الذى بلغكم فى قتله كان
باطلا).
31 - تقيه انس بن مالك (ت/93ه ):
قال القاضى الدمشقى (ت/772ه ): (وفى صحيح البخارى: ان
عبداللّه بن عمر كان يصلى خلف الحجاج بن يوسف الثقفى،
وكذلك انس بن مالك، وكان الحجاج فاسقا ظالما).
وقد مر فى تقيه عبداللّه بن عمر قول النبى (ص): (ولا يوم فاجر
مومنا الا ان يقهره بسلطان او يخاف سوطه او سيفه).
اقول: المعروف عن صلاه الامويين انهم كانوا يسقطون منها
البسمله عند قراءتهم سوره الفاتحه، لما روى فى ذلك عن
بعض الصحابه - ومنهم انس ابن مالك - انه صلى خلف رسول
اللّه (ص)، وخلف ابى بكر، وعمر، وعثمان، فلم يسمع احدا
منهم يبسمل فى صلاته.
وقد اثبت الرازى الشافعى بطلان جميع الوجوه التى احتج بها
من ذهب الى هذا الراى من الفقهاء، واحتمل ان يكون خبر
الصحابى انس قد صدر تقيه منه لانه كان يخشى الامويين، لا
سيما وانه ادرك من ظلمهم ما يزيد على خمسين سنه، ويويده
ائتمامه بهم، وانى للماموم ان يخالف الامام فيما يقرا؟
قال الرازى الشافعى - فى المسائل الفقهيه المستنبطه من
الفاتحه، فى الجواب عن خبر انس بن مالك انه ليس البسمله
من الفاتحه - ما نصه:
(والجواب عن خبر انس من وجوه:
الاول: قال الشيخ ابو حامد الاسفرائينى: روى عن انس فى هذا
الباب ست روايات. اما الحنفيه فقد رووا عنه ثلاث روايات:
احداها: قوله: صليت خلف رسول اللّه (، وخلف ابى بكر، وعمر،
وعثمان فكانوا يستفتحون الصلاه ب ( الحمد للّه رب العالمين ).
وثانيتها: قوله: انهم ما كانوا يذكرون (بسم اللّه الرحمن الرحيم).
وثالثتها: قوله: لم اسمع احدا منهم قال: (بسم اللّه الرحمن
الرحيم)، فهذه الروايات الثلاث تقوى قول الحنفيه، وثلاث
اخرى تناقض قولهم.
احداها: ما ذكرنا ان انسا روى ان معاويه لما ترك (بسم اللّه
الرحمن الرحيم) فى الصلاه، انكر عليهالمهاجرون والانصار،
وقد بينا ان هذا يدل على ان الجهر بهذه الكلمات كالامر
المتواتر فيما بينهم.
وثانيتها: روى ابو قلابه، عن انس ان رسول اللّه (، وابا بكر، وعمر
كانوا يجهرون ب (بسم اللّه الرحمن الرحيم).
وثالثتها: انه سئل عن الجهر ب (بسم اللّه الرحمن الرحيم)،
والاسرار به؟ فقال: لا ادرى هذه المساله!
فثبت انالروايه عن انس فى هذهالمساله قد عظمفيها الخبط
والاضطراب،فبقيتمتعارضه، فوجب الرجوع الى سائر الدلائل.
وايضا ففيها تهمه اخرى، وهى: ان عليا عليه السلام كان يبالغ
فى الجهر بالتسميه، فلما وصلت الدوله الى بنى اميه بالغوا فى
المنع من الجهر «بها» سعيا فى ابطال آثار على عليه السلام.
فلعل انسا خاف منهم، فلهذا السبب اضطربت اقواله فيه، ونحن
وان شككنا فى شىء فانا لا نشك انه مهما وقع التعارض بين
قول انس و ابن المغفل، وبين قول على بن ابى طالب عليه
السلام، الذى بقى عليه طول عمره، فان الاخذ بقول على اولى.
فهذا جواب قاطع فى المساله)، انتهى الوجه الاول من كلام
الرازى حرفا بحرف.
قلت: ان ما احتمله الامام الرازى من تقيه الصحابى انس فى موافقته للامويين على ترك البسمله فى الصلاه، حقيقه
واضحه لا مجرد احتمال، ويدل عليه قوله: لا ادرى هذه
المساله، حين سئل عنها. وهذه هى تقيه اخرى منه ازاء السائل.
اذ كيف يجهل الجهر من الاسرار بالبسمله، وهو قد عاش عصر
النبى (ص)، وعصر الخلفاءالراشدين، فضلا عن ملازمته للنبى
الاكرم(ص) وخدمته، لولا انه اوجس خيفه من السائل؟
وبعد.. فلا تعجب ان قلت لك: ان الامام الرازى قد ختم كتابه
المحصل بقول سليمان بن جرير الزيدى - ولم يناقشه -
وخلاصته: ان مفهوم التقيه فى الاسلام هو من وضع (ائمه
الرافضه)!!. |