فهرس الكتاب

مكتبة العقائد الإمامية

مكتبة الموقع

 

الفصل الثانى- موقف الصحابه والتابعين وغيرهم‏من التقيه
موقف الصحابه من التقيه.
موقف التابعين من التقيه.
موقف تابعى التابعين وغيرهم من التقيه.
الاشاره‏الى‏من‏صرح بالتقيه‏اجمالا.


موقف الصحابه من التقيه
ليس من العجب ان يجد الباحث الكثير من الصحابه الذين استعملوا التقيه فى حياتهم لا بقيد الاكراه المتلف للنفس، او الوعيد بانتهاك الاعراض وسلب الاموال فحسب وانما لمجرد احتمال الخوف من ذلك، او احتمال التعرض للاهانه والضرب  ولو بسوط واحد او سوطين. ولكن العجب ان يدعى بان التقيه من النفاق بعد ان استعملها من قولهم حجه باتفاق علماء اهل السنه انفسهم.
نعم، لقد وقفت على الكثير من الصحابه والتابعين وتابعيهم ومن جاء بعدهم الى يومنا هذا ممن استعمل التقيه وصرح بها علنا، وفيما ياتى جمله من اسماء الصحابه الذين استعملوا التقيه، وسنذكرهم بحسب تاريخ الوفاه، وهم:

 

1 - ياسر بن عامر الكنانى‏ المذحجى ابو عمار (ت/7ق.
ه )، قال الزركلى (ت/1976م) فى الاعلام: (وفى ايامه بدات الدعوه الى الاسلام سرا).


2 - سميه بنت خباط، زوج ياسر وام عمار قتلها ابو
جهل فى السنه السابعه قبل الهجره، ومات زوجها فى هذه السنه ايضا تحت التعذيب، وهما اول من استشهد فى الاسلام رضى اللّه عنهما.
وقد مرت تقيتهما فى تفسير الايه الثانيه، فى الفصل الاول.


3 - الصحابى الذى شهد تقيه لمسيلمه الكذاب
(ت/12ه ) بانه رسول اللّه، وقد مر كلام المفسرين فى ذلك كالحسن البصرى (ت/110ه )، والزمخشرى (ت/538ه )، والرازى(ت/606ه )، والبيضاوى (ت/685ه )، وغيرهم، وذلك فى الدليل القرآنى الثانى على مشروعيه التقيه فى الاسلام.


4 - معاذ بن جبل (ت/18ه ):
اخرج القاسم بن سلام عن سعيد بن المسيب قال: (ان عمرا بعث معاذا ساعيا على بنى كلاب، او على بنى سعد بن ذبيان، فقسم فيهم حتى لم يدع شيئا، حتى جاء مجلسه الذى خرج به على رقيته، فقالت امراته: اين ماجئت به مما ياتى به العمال من عراضه اهليهم ؟ فقال: كان معى ضاغط، فقالت: قد كنت امينا عند رسول اللّه(ص)، وعند ابى بكر، افبعث عمر معك ضاغطا؟ فقامت بذلك فى نسائها واشتكت عمر، فبلغ ذلك عمر، فدعا معاذا فقال: انا بعثت معك ضاغطا؟ فقال: لم اجد شيئا اعتذر به اليها الا ذلك. قال: فضحك عمر واعطاه شيئا وقال: ارضها به).

ولا شك ان قول معاذ ليس فيه تقيه وانما جاء على سبيل التوريه، لان للضاغط معنيين:
احدهما: (الرقيب والامين يلزم به العامل لئلا يخون فيما يجبى، يقال: ارسله ضاغطا على فلان، سمى بذلك لتضييقه على‏العامل)، وهذا المعنى هو القريب المتبادر من كلام معاذ بقرينه السوال عن العراضه، اى الهديه.
والاخر: هو الحافظ الامين اى: اللّه عز وجل، وهذا المعنى البعيد هو المراد بقول معاذ، ولكنه اوهم زوجته بالاول.
ومما سوغ ذكره هنا - على الرغم من ان التوريه غير التقيه - هو ان التوريه تشترك مع‏التقيه فى‏التخلص من‏الضرر عند الاكراه‏او الاضطرار، وتقدم على التقيه ما امكن، كما تشتركان فى‏انهما عباره عن اظهار شى‏ء غير مراد اصلا.
وسبب آخر سوغ ذلك هو ان بعض الكتاب حمل ما ورى به الامام الصادق(ع) عن نفسه - فى بعض احاديث الكافى - على التقيه، من ذلك قول الصادق(ع) لمن ساله من الزيديه: (افيكم امام مفترض الطاعه؟ فقال: لا.. الحديث).
فالمقصود: ليس فينا امام مفترض الطاعه بزعمكم. او ليس من بنى فلان من اولاد على(ع) مفترض الطاعه، والا ففرض طاعتهم قد نص عليها القرآن، والنبى الاكرم، واحاديثهم هم(ع) فى فرض طاعتهم - لا سيما عن الامام الصادق - لا تكاد تحصى كثره.
وقد ناقشنا هذا الحديث وسائر احاديث الكافى الاخرى التى توجه لها طعن بعض الكتاب من اهل السنه كما اشرنا الى ذلك فى مقدمه هذا البحث.
وبالجمله فان التوريه تسبق التقيه عاده، بل اوجبها - عند تمكن المضطر منها - اكثر المفسرين من اهل السنه تخلصا من التقيه.


5 - عمر بن الخطاب (ت/23ه ):
حدث البخارى ان عمر بن الخطاب يوم اسلم، او يوم اراد ان  يدخل الاسلام كان خائفا مذعورا من المشركين، واضطر الى ملازمه داره خوفا من ان يخرج فيقتل وبقى على هذا الحال حتى انقذه العاص بن وائل، وكان حليفا لهم فى الجاهليه.

واليك نص ما قاله عبداللّه بن عمر بن الخطاب فى اسلام ابيه، كما فى روايه البخارى من طريق يحيى بن سليمان فى باب اسلام عمر بن الخطاب.
قال: (بينما هو فى الدار خائفا اذ جاءه العاص بن وائل السهمى ابو عمرو عليه حله حبره،وقميص مكفوف بحرير، وهو من بنى سهم، وهم حلفاونا فى الجاهليه، فقال له: مابالك؟ قال: زعم قومك انهم سيقتلوننى ان اسلمت. قال: لاسبيل اليك.
بعد ان قالها امنت. فخرج العاص، فلقى الناس قد سال بهم الوادى، فقال: اين تريدون؟ فقالوا: نريد هذا ابن الخطاب الذى صبا. قال: لاسبيل اليه. فكر الناس).
اقول: ان عباره: (بعد ان قالها امنت) هى من قول عمر، اى: بعد ما قال العاص: (لا سبيل اليك) امنت، وليس هى من قول ابنه كما نص عليه ابن حجر (ت/852ه ) فى فتح البارى، ثم قال: (وفى روايه الاسماعيلى: فقلت لعمر: من الذى ردهم عنك يوم اسلمت؟ قال: يابنى ذاك العاص بن وائل).
وهذا الحديث المروى فى الصحيح صريح جدا بخوف عمر يوم اسلم من المشركين وتقيته منهم حيث لزم داره.
وهذا يعنى ان عمر بن الخطاب قد بداعهده بالاسلام مع التقيه.


6 - تقيه رجل قرشى من عمر بن الخطاب:
قال ابن الجوزى الحنبلى (ت/597ه ):(ان عمر بن الخطاب استعمل رجلا من قريش على عمل، فبلغه انه قال: اسقنى شربه الذ عليها واسق باللّه مثلها ابن هشام فاشخصه اليه، وذكر انه انما اشخصه من اجل البيت. فضم اليه آخر، فلما قدم، قال عمر: الست القائل:
اسقنى شربه الذ عليها
واسق باللّه مثلها ابن هشام؟
قال: نعم يا امير المومنين.
عسلا باردا بماء سحاب
اننى لا احب شرب المدام

قال: اللّه اللّه، ارجع الى عملك).


7 - تقيه امراه من عمر بن الخطاب:
روى عبداللّه بن بريده قال: بينا عمر يعس ذات ليله، انتهى الى باب متجانف وامراه تغنى نسوه:
هل من سبيل الى خمر فاشربها
ام هل سبيل الى نصر بن حجاج
ثم ذكر ما كان من عمر وكيف انه دعا نصرا فوجده من احسن الناس وجها وعينا وشعرا، فامر عمر بشعره فجز، ونفاه الى البصره بسبب شعر هذه المراه به. ثم قال:

(وخافت المراه التى سمع عمر منها ما سمع ان يبدر اليها شى‏ء فدست اليه ابياتا:
قل للامير الذى تخشى بوادره
مالى وللخمر او نصر بن حجاج
انى بليت ابا حفص بغيرهما
شرب الحليب وطرف فاتر ساج
لا تجعل الظن حقا او تبينه
ان‏السبيل سبيل‏الخائف الراجى
ما منيه قلتهاعرضا بضائره
والناس من هالك قدما ومن ناج
ان الهوى رعيه التقوى تقيده
حتى اقر بالجام واسراج
قال: فبكى عمر وقال: الحمد للّه الذى قيد الهوى بالتقوى).


8 - سراقه بن مالك بن جشعم (ت/24ه ) وسراقه
من الصحابه اسلم بعد الطائف فى السنه الثامنه من الهجره، وقد اتقى قومه كما هو مفصل فى قصه هجره النبى(ص) من مكه الى المدينه. فقد ذكر ابن سعد (ت/230ه )فى الطبقات الكبرى ان قريش‏ا قد تتبعت اثر النبى(ص)، وكان معهم سراقه بن مالك بن جشعم القرشى، وهو خير من يعرف تتبع الاثر، وانه -بفضل ذلك ادرك النبى وصاحبه ابابكر، وكيف ان قوائم فرسه قد ساخت فى الارض، وانه طلب من النبى(ص) ان يدع اللّه ان يطلق فرسه، وانه فى مقابل ذلك يرجع عنه ويرد من ورائه، ففعل النبى(ص)، فاطلق فرسه ورجع من حيث اتى (فوجد الناس يلتمسون رسول‏اللّه(ص)، فقال لهم: ارجعوا فقد استبرات لكم ما هاهنا وقد عرفتم بصرى فى الاثر، فرجعواعنه).


9 - عبداللّه بن مسعود (ت/32ه ):
اخرج ابن حزم الظاهرى (ت/ 456 ه )، عن الحارث بن سويد قال: (سمعت عبد اللّه بن مسعود يقول: ما من ذى سلطان يريد ان يكلفنى كلاما يدرا عنى سوطا او سوطين الا كنت متكلما به).
قال ابن حزم معقبا: (ولا يعرف له من الصحابه رضى اللّه عنهم مخالف).
وهذا القول صريح باتفاق الصحابه على جواز التقيه، ولو باحتمال الخوف من سوط واحد من سياط السلطان الجائر.

ولم يقتصر امر التقيه عند ابن مسعود على الكلام فقط، بل تعداه الى اهم الافعال العباديه، حيث كان يتقى من الوليد بن عقبه بن ابى معيط والى عثمان على المدينه، فيصلى خلفه على الرغم من ان الوليد هذا كان ياتى الى مسجد رسول اللّه(ص) ثملا ويوم الصحابه فى الصلاه!!

(حتى انه صلى بهم الصبح مره اربعا!! ثم قال: ازيدكم؟ فقال له ابن مسعود: مازلنا معك منذ اليوم فى زياده).
وفى هذا دليل على تقيه ابن مسعود ومن كان معه فى الصلاه خلف هذا الوالى الفاسق،الذى جلد على شرب الخمر فى عهد  عثمان (ت/35ه ).


10 - ابو الدرداء (ت/32ه ):
روى البخارى فى صحيحه عن ابى الدرداء انه كان يقول: (انا لنكشر فى وجوه اقوام، وان قلوبنا لتلعنهم).


11 - عبداللّه بن حذافه (ت/نحو 33ه ):
ابن قيس السهمى القرشى احد الصحابه وهو الذى بعثه النبى(ص) الى كسرى، وكان قد اسر فى ايام عمر من قبل الروم، وقد اكرهه ملك الروم على ان يقبل راسه ففعل تقيه، ولما عاد الى المدينه قبل عمر بن الخطاب راس ابن حذافه، لانه خلص بتقيته عددا من المسلمين الذين اسرهم الروم.


12 - المقداد بن الاسود (ت/33ه ):
مرت الاشاره الى تقيته فى الدليل الثانى عشر من ادله السنه النبويه على مشروعيه التقيه، وذلك فيما رواه ابن ماجه فى سننه، حيث عد تقيه المقداد من فضائله، اذ ذكرها فى باب فضل سلمان‏وابى‏ذر والمقداد، ولو كانت التقيه غير جائزه فى الاسلام، لكان ينبغى ان يعدها من معايبه لا من فضائله.

 

13 - حذيفه بن اليمان (ت/36ه ):
قال السرخسى الحنفى (ت/490ه ) فى المبسوط: (وقد كان حذيفه(رضى‏اللّه) ممن يستعمل التقيه على ما روى انه يدارى رجلا، فقيل له: انك منافق!!
فقال: لا، ولكنى اشترى دينى بعضه ببعض مخافه ان يذهب كله).
ولعل حذيفه(رضى‏اللّه) يريد بهذا الكلام: ان ترك التقيه ليس مطلقا فى كل حال، وان عدم مداراه الناس تودى الى نفرتهم، وعزلته عنهم، وربما نتج من ترك التقيه وعدم المداراه ما يودى الى ضرر اكيد، فيكون من باب القاء النفس الى التهلكه التى هى من الاثم الذى يذهب الدين كله، ومن هنا يتضح عدم الفرق بين التقيه والمداراه فى مجال دفع الضرر، وان اختلفت المداراه عن التقيه بجلب المنفعه، زياده على دفع الضرر، والمداراه مشروعه عند سائر المسلمين كما يظهر من ابوابها فى‏كتب الحديث وما اخرجه المحدثون -كالبخارى وغيره - فى تلك الابواب من الاحاديث الكثيره التى تحث عليها، وتجعلها من صفات العاقل الحكيم، وكيف لا؟ وقد مر ما يثبت مداراه نبينا الكريم(ص) لمن كان فى طبعه نوع من الشكاسه.


14 - خباب بن الارت (ت/37ه ):
وهو من جمله الصحابه الذين عذبوا بمكه من قبل المشركين على ان يكفروا باللّه، ويرجعوا الى عباده الاوثان، وقد وافاهم على ما ارادوا تقيه فيما نص عليه جميع المفسرين وقد تقدم ذلك، ولاحاجه لاعادته.


15 - عمار بن ياسر (ت/37ه ):
اما تقيه عمار فهى نار على علم، والاطاله فيها اطاله فى الواضحات، وليس بدعا على المسلم ان يتاسى بعمار عند الاكراه، وقد علم الجميع ان عمارا ممن ملى‏ء ايمانا من فرقه الى قدمه.


16 - صهيب بن سنان بن مالك (ت/38ه ):
وهذا الصحابى المعروف بصهيب الرومى هو من جمله الصحابه الذين عذبوا بمكه على ان يكفروا باللّه، وقد وافاهم على ما ارادوا تقيه على نفسه، وقد مر ذكره ايضا مع عمار واصحابه رضى اللّه عنهم.


17 - جبر مولى الحضرمى:
وهذا من الصحابه الذين اكرهوا على الكفر، فكفروا تقيه، ذكره الرازى الشافعى(ت/606ه ) واغلب المفسرين ايضا، فى بيانهم لتقيه عمار بن ياسر واصحابه يوم اكرهوا عليها من قبل المشركين.
قال الرازى - بعد ذكر ما جرى لعمار -:(ومنهم: جبر مولى الحضرمى اكرهه سيده فكفر، ثم اسلم مولاه، وحسن اسلامهما
وهاجرا).
ولاشك ان هذا الصحابى قد بقى على تقيته طيله مده كفر سيده، ولعلها اطول تقيه على الكفر فى العهد العصيب.


18 - تقيه جمع من الصحابه وغيرهم سنه/ 41ه :
قال الطبرى (ت/310ه ) فى حوادث سنه 41ه : (حدثنى عمر، قال: حدثنا على بن محمد، قال: خطب بسر على منبر البصره، فشتم عليا(ع)، ثم قال: نشدت اللّه رجلا علم انى صادق الا صدقنى او كاذب الاكذبنى!
قال: فقال ابو بكره: اللهم لا نعلمك الا كاذبا.

قال: فامر به فخنق، قال: فقام ابو لولوه الضبى، فرمى بنفسه عليه، فمنعه، فاقطعه ابو بكره بعد ذلك مائه جريب.
قال: وقيل لابى بكره: ما اردت الى ما صنعت؟
قال: ايناشدنا باللّه ثم لانصدقه؟!).
ولا يمكن تصور ان اهل البصره ليس فيهم من الصحابه فى ذلك الحين غير ابى بكره الثقفى نفيع بن الحارث (ت/52ه ) بالبصره، اذ لابد وان يكون الكثير منهم قد سمع مقاله بسر بن ارطاه (ت/86ه ) واتقى من بطشه وظلمه، فضلا عمن سمع ذلك واتقاه من البصريين ممن ليست لهم صحبه.

ويصدق هذا النوع من التقيه الجماعيه، على جميع ما سمعه المسلمون على امتداد التاريخ من خطب الحكام والامراء الظالمين التى ملئت منكرا، ولم يقف بوجههم احد وقفه الصحابى ابى بكره الذى كان قد اعتزل القتال فى موقعتى الجمل وصفين، ولم ينصر على‏ا(ع)، الا انه ابى الا ان يقول الصدق بوجه بسر بن ارطاه.
ولعل من هذه التقيه ما تقوم به دور الصحافه والاعلام فى بعض الدول الاسلاميه من كيل المدح والثناء على الخطب والكلمات الذليله التى تستجدى الصلح من اسرائيل، مع ما اقترفه اليهود من جرائم يندى لها جبين البشريه خجلا، فان لم يكن ذلك من التقيه، فهو من النفاق الذى لا شبهه فيه، وشتان ما بين التقيه والنفاق.


19 - ابو موسى الاشعرى (ت/44ه ):
روى القرافى المالكى (ت/648ه ) عن ابى موسى الاشعرى انه كان يقول: (انا لنكشر فى وجوه اقوام، وان قلوبنا لتلعنهم) ثم علق عليه بقوله: (يريد: الظلمه والفسقه‏الذين يتقى شرهم، ويتبسم‏فى وجوههم).
اقول: هذا من قول ابى الدرداء ايضا، كما تقدم برقم/10 عن صحيح البخارى، فراجع.


20 - مداراه معاويه للنابغه الجعدى (ت/50ه ):
النابغه الجعدى هو حبان بن قيس المضرى الشاعر المعمر، كان فى الجاهليه ممن انكر الخمر وهجر الازلام، واجتنب الاوثان، وكان على دين ابراهيم الخليل(ع)، ولما بعث نبين‏ا(ص)، وفد عليه وانشده قصيدته الرائيه الخالده التى جاء فيها: ولاخير فى حلم اذا لم تكن له بوادر تحمى صفوه ان يك-درا فقال(ص): لا يفضض اللّه فاك.
وكان النابغه محبا لال البيت(ع)، وقد شهد مع على(ع) صفين، وله فى ذلك ابيات معروفه يصف فيها امير المومنين على(ع) بانه السائق الى نهج الهدى، ويعرض بمعاويه وبمن جارا على‏ا(ع) ولم يدركه من الاوائل.
ولما آل الامر الى معاويه، كتب الى مروان فى شان النابغه، فاخذ مروان اهل النابغه وماله، فدخل النابغه على معاويه وكان عنده عبداللّه بن عامر، ومروان، فانشده:
من راكب ياتى ابن هند بحاجتى
على الن-اى، والانباء تنمى وتجلب
ويخبر عنى ما اقول ابن عامر
ونعم الفتى ياوى اليه المعصب
فان تاخذوا اهلى ومالى بظنه
فانى لحراب الرجال مج-رب
صبور على ما يكره المرء كله
سوى الظلم انى ان ظلمت ساغضب
فما كان من معاويه الا ان التفت الى مروان فقال: ما ترى، قال:
ارى الا ترد عليه شيئا. فقال: ما اهون عليك ان ينجحر هذا فى غار ثم يقطع عرضى ثم تاخذه العرب فترويه، اما واللّه ان كنت لمن يرويه. اردد عليه كل شى‏ء اخذته منه.

هذا هو حال معاويه وهو الملك المطاع والرئيس لا المرووس مع واحد من رعيته، فكيف يكون اذن حال المغلوب على امره ممن هو اقوى واقدر منه؟


21 - ثوبان مولى النبى(ص) (ت/54ه ):
لقد عرف عن ثوبان اباحته الكذب فى المواطن التى لا ينفع فيها الصدق، فقد نقل الغزالى (ت/505ه ) عنه قوله: (الكذب اثم الا ما نفع به مسلما، او دفع عنه ضررا).

واذا كان الكذب وهو امقت الاشياء وارذلها، يباح لنفع المسلم، او دفع الضرر عنه عند الصحابى‏ثوبان، فما ظنك برايه فى التقيه التى‏خرجت عن حكم الافتراء بنص القرآن الكريم. مع ان الغايه من تشريعها هى دفع الضرر. قال تعالى: (انما يفترى الكذب الذين لا يوءمنون بايات اللّه واولئك هم الكاذبون # من كفر باللّه من بعد ايمانه الا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان ).
قال تاج الدين الحنفى (ت/749ه ): (والمعنى: انما يفترى الكذب من كفر باللّه من بعد ايمانه، واستثنى منه المكره، فلم يدخل تحت حكم الافتراء).

 

22 - ابو هريره (ت/59ه ):
ان تتبع سيره هذا الصحابى يكشف عن استعماله التقيه على اوسع نطاق خصوصا مع الامويين، ولقد كان ابو هريره يجاهر بالتقيه، ويصرح بانه لولاها لقطع بلعومه.
ففى صحيح البخارى: (حدثنا اسماعيل، قال: حدثنى اخى، عن ابن ابى ذئب، عن سعيد المقبرى، عن ابى هريره قال: حفظت
من رسول اللّه( وعاءين: فاما احدهما فبثثته، واما الاخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم).
اقول: روى البخارى، عن ابى هريره ايضا انه قال: (ان الناس يقولون: اكثر ابو هريره، ولولا آيتان فى كتاب اللّه ما حدثت حديثا، ثم يتلو: (ان الذين يكتمون ما انزلنا من البينات)).

ترى ما هى البينات التى خشى ابو هريره من بثها بين الناس؟

فاضطر الى كتمها تقيه، لكى لا يقطع منه البلعوم.

لقد اجاب ابن حجر العسقلانى الشافعى (ت/852 ه ) على هذا السوال ولكن لم يتم جوابه، وان افصح عما فيه الكفايه، فقال:
(وحمل العلماء الوعاء الذى لم يبثه على الاحاديث التى فيها تبيين اسامى امراءالسوء، واحوالهم، وزمنهم. وقد كان ابو هريره يكنى عن بعضه ولا يصرح به خوفا على نفسه منهم، كقوله:
(اعوذ باللّه من راس الستين، واماره الصبيان). يشير الى خلافه يزيد بن معاويه، لانها كانت سنه ستين من الهجره).
ثم نقل عن ابن المنير قوله: (وانما اراد ابو هريره بقوله: (قطع) اى: قطع اهل الجور راسه، اذا سمعوا عيبه لفعلهم، وتضليله لسعيهم).
اقول: ليس من البعيد ان تكون بعض الاحاديث التى كتمها ابو هريره ليست فى معايب الامويين، وانما فى مناقب وفضائل امير المومنين(ع) الذى يلعنونه على منابرهم. فيكون مثله كمثل من يمتدح المفكر الاسلامى الخالد الشهيد محمد باقر الصدر بمراى ومسمع من اقدم على اعدامه استهانه بدين الاسلام وسائر المسلمين.
وسياتى ما يدل عليه فى بيان تقيه الصحابى زيد بن ارقم (ت/68ه )، وتقيه التابعى الزهرى (ت/124ه ) فى كتمانهما ما يدل على مكانه على بن ابى طالب (ع) من رسول اللّه (ص)، تقيه من ظلم الامويين.
واذا كان كتمان حديث رسول اللّه (ص) المودى الى اللعنه كما فهمه ابو هريره لما فى تتمه ما تلاه من الايه الكريمه جائزا فى حال التقيه عنده، فلك ان تقدر تقيته فيما وراء ذلك، اذ لا يسع‏المقام للاستزاده من تقيه راويه الاسلام!


23 - تقيه جمع من الصحابه من معاويه بن ابى
سفيان (ت/60ه ):
اخرج النسائى (ت/303ه ) فى سننه من طريق احمد بن عثمان بن حكيم الاودى، عن سعيد بن جبير قال: (كنت مع ابن عباس بعرفات، فقال ما لى لا اسمع الناس يلبون؟ قلت: يخافون من معاويه!!
فخرج ابن عباس من فسطاطه، فقال: لبيك اللهم لبيك، لبيك فانهم تركوا السنه من بغض على!!).
وهذا الحديث صريح بان جميع من حج من الصحابه والتابعين فى ذلك الموسم الذى شهده معاويه قد اتقى من معاويه فى ترك التلبيه بعرفه الا ما كان من ابن عباس (رضى‏اللّه).


24 - تقيه جمع آخر من الصحابه من معاويه بن ابى
سفيان:
فى كتاب الغدير للعلامه الامينى تحقيق واسع حول طرق‏الحديث‏المروى‏عن عبداللّه بن مسعود (ت/32ه )، وابى سعيد الخدرى (ت/74ه )، عن رسول اللّه (ص) انه قال: (اذا رايتم معاويه على منبرى فاقتلوه).
وفى لفظ: (يخطب على منبرى فاقتلوه).

وفى آخر: (يخطب على منبرى فاضربوا عنقه).
وفى لفظ ابى سعيد: (فلم نفعل، ولم نفلح).
وفى لفظ الحسن البصرى (ت/110ه ): (فما فعلوا، وما فلحوا).
وفى لفظ آخر للحسن - كما فى روايه البلاذرى -: (فتركوا امره، فلم يفلحوا، ولم ينجحوا).
وقد انتهى العلامه الامينى من تحقيق طرق الحديث برمتها، وفحص عن الرواه الناقلين لهذا الحديث - من طرق البلاذرى - فحصا دقيقا، واثبت وثاقتهم من كتب الرجال المعتبره عند اهل السنه، بما يجعل الباحث يسلم بصحه صدور هذا الحديث عن النبى (ص).
وبعد ثبوت صحته، فان دلالته على تقيه من شهد من الصحابه معاويه وهو يخطب على منبر النبى (ص)، اوضح من الشمس فى رابعه النهار.