فهرس الكتاب

مكتبة العقائد الإمامية

مكتبة الموقع

 

الايه الخامسه:
قال تعالى: (وما لكم الا تاكلوا مما ذكر اسم اللّه عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم الا ما اضطررتم اليه).
ومعنى الايه كما نص عليه سائر المفسرين: ان اللّه تعالى قد بين لكم الحلال من الحرام، وازيل عنكم اللبس والشك، ثم استثنى فقال: (الا ما اضطررتم اليه) اى: ما اضطررتم اليه من المحرمات فهو لكم. والايه ناظره لقوله تعالى: (انما حرم عليكم الميته والدم ولحم الخنزير وما اهل به لغير اللّه فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا اثم عليه ان اللّه غفور رحيم).
ولا خلاف بين اهل الاسلام بجواز اكل المضطر لمثل هذه المحرمات، وهذا الاضطرار كما يحصل من الجوع فى مخمصه، فقد يحصل ايضا نتيجه الاكراه عليه.
قال مجاهد بن جبر المكى (ت/103ه ) وهو من ائمه المفسرين من التابعين، فى تفسير الايه الخامسه: (يعنى: اكره عليه، كالرجل ياخذه العدو فيكرهونه على اكل لحم الخنزير وغيره فى معصيه اللّه تعالى، الا ان الاكراه يبيح ذلك الى آخر الاكراه).
وهذا دليل مضاف على ما تقدم من ان التقيه ليست فى الكلام فقط، وانما تكون فى الفعل ايضا، حيث دلت هذه الايه على جواز التقيه فى الفعل عند الاكراه عليه، كما لو اكره الكافر مسلما على اكل لحم الخنزير فانه يباح له ذلك، كما ابيح ذلك للمضطر، ولا يسعه ان يمتنع.
قال الجصاص الحنفى (ت/370ه ): (ومن امتنع من المباح كان قاتلا نفسه متلفا لها عند جميع اهل العلم...انه لو امتنع من اكل المباح معه حتى مات كان عاصيا للّه تعالى).

 

الايه السادسه:
قال تعالى: (وانفقوا فى سبيل اللّه ولا تلقوا بايديكم الى التهلكه واحسنوا ان اللّه يحب المحسنين).
ان الاختلاف الحاصل فى معنى قوله تعالى: (ولا تلقوا بايديكم الى التهلكه) بين اقطاب المفسرين من الصحابه والتابعين ومن جاء بعدهم بين ترك النفقه فى سبيل اللّه تعالى للخوف من الفقر، كما ورد عن ابن عباس (ت/68ه )، وبين ترك الجهاد فى سبيل اللّه تعالى كما ورد عن حذيفه (ت/36ه )، والحسن (ت/110ه )، ومجاهد (ت/103ه ) وقتاده (ت‏118/ه )، والضحاك (ت/105ه ) وغيرهم.
لا يعنى هذا حصر التهلكه فى هذين المعنيين، اذ لا يقيد المعنى بسبب النزول اتفاقا، والعبره انما هى بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولهذا فالايه ناظره‏وان نزلت بسبب مخصوص - الى كل ما تودى عاقبته الى الهلاك، الا ما استثنى منه بدليل معتبر، كمن يكرهه السلطان الظالم على قتل رجل مومن فيابى، فيقتل، فهذا لا يعد ممن قد القى نفسه الى التهلكه، ولكن لو كان الامتناع عن شرب الخمر يودى الى القتل حتما، فعندها سيكون الممتنع قد القى نفسه الى التهلكه، وهذا ما نبه عليه الامام الرازى فى الايه الثانيه عند بيانه مراتب الاكراه، وقد عد الامتثال للمكره واجبا على المكره فى مثل هذه الحال، فراجع.


الايه السابعه:
قال تعالى: (وما جعل عليكم فى الدين من حرج) لا خلاف فى ان اصل الحرج لغه، هو: الضيق، ولا خلاف ايضا فى ان التقيه لا تحصل الامن جراء وقوع صاحبها فى ضيق لا يسعه الخروج منه بدونها، ولهذا كانت هذه الايه من نعم اللّه تعالى على امه محمد، كما صرح بذلك علماء اهل السنه.
قال القرطبى المالكى (ت/671ه ): (وهذه الايه تدخل فى كثير من الاحكام، وهى مما خص اللّه بها هذه الامه.
روى معمر، عن قتاده قال: اعطيت هذه الامه ثلاثا لم يعطها الا نبى: كان يقال للنبى: اذهب فلا حرج عليك، وقيل لهذه الامه: (وما جعل عليكم فى الدين من حرج)).

 

الايه الثامنه:
قال تعالى: (ادفع بالتى هى احسن فاذا الذى بينك وبينه عداوه كانه ولى حميم).
ان دلاله هذه الايه على وجوب تمسك المسلم بالاخلاق الفاضله ومراعاه شعور الاخرين، ومقابله الاساءه بالاحسان، ورد الباطل بالحق، والتسامح مع الاخرين، لا يكاد يشك فيه اى مسلم كان، وهذا المعنى مما اتفق عليه المفسرون عن بكره ابيهم.
ولا شك ان هذه الامور التى دلت عليها الايه الكريمه تدخل - بقدرما-فى‏باب المداراه، والمداراه هى من التقيه اتفاقا.

على ان هناك الكثير من الايات الاخر التى تقرب الى الاذهان مشروعيه التقيه فى القرآن الكريم، من ذلك: قوله تعالى: (لا يكلف اللّه نفسا الا ما آتاها).
وقوله تعالى: (يريد اللّه بكم اليسر ولا يريد بكم العسر).
كما ان قوله تعالى: (بل الانسان على نفسه بصيره)، يدل على ان للانسان‏ان‏يقدر نتائج ما يقدم عليه من استعمال التقيه او تركها، بل عليه ان يقدر نتائج كل ما يقدم عليه فى حياته كلها، لانه مسوول عن تلك النتائج صغيرها وكبيرها يوم القيامه، وستشهد بها جوارحه عليه، ولا مجال‏ هناك للانكار او المجادله كما يشعر بذلك قوله تعالى بعد ذلك: (ولوالقى معاذيره).
وهذا يعنى‏ان‏الاضطرار او الاكراه‏اللذان يواجههما الانسان فى حياته يترك تقديرهما له، لانه‏اعلم من غيره حين‏ينزلان به، وعليه ان يزن الامور بالميزان الحق، فان علم انه لا مخرج من الاضطرار الا باكل المحرم فله ذلك، وان شعر ان الاكراه على المعصيه من فعل او قول ان ادى - مع عدم الامتثال للمكره - الى القتل او ما يقاربه من وعيد متلف او الاعتداء على الاعراض او الاموال وغير ذلك من الاضرار الاخرى التى لا تطاق عاده،فله‏ان يستعمل التقيه، وقد مر هذا المعنى فى كلمات المفسرين للايه الثانيه كالرازى وغيره، فراجع.

 

ثانيا - السنه المطهره - القوليه والفعليه:
ورد مفهوم التقيه فى كثير من النصوص المخرجه فى كتب الصحاح والمسانيد، وكتب السيره وقد اسندت الى النبى، وسنذكر منها ما يصح الاحتجاج به على مشروعيه التقيه، وعلى النحو الاتى:
1 - اخرج البخارى (ت/256ه ) من طريق قتيبه بن سعيد، عن عروه بن الزبير ان عائشه اخبرته ان رجلا استاذن فى الدخول الى منزل النبى، فقال: (ائذنوا له فبئس ابن العشيره، او بئس اخو العشيره، فلما دخل الان له الكلام. فقلت له: يا رسول اللّه!

قلت ما قلت ثم النت له فى القول؟! فقال: اى عائشه، ان شر الناس منزله عند اللّه من تركه او ودعه الناس اتقاء فحش).
وهذا الحديث صريح جدا بتقيه رسول اللّه من احد رعيته لفحشه، فكيف اذا لا تجوز تقيه من هو ليس‏بنبى من ‏المسلم الظالم المتسلط الذى لا يقاس ظلمه مع ضرر كلام‏الفاحش‏البذى‏ء؟
2 - الحديث المشهور بين علماء المسلمين: (رفع اللّه من امتى الخطا، والنسيان، وما استكرهوا عليه).
وهذا الحديث يدل ايضا على مشروعيه التقيه، وان صاحبها لا يواخذ بشى‏ء ما دام مكرها عليها، وقد مر فى كلام ابن العربى المالكى ماله علاقه بهذا الحديث ودلالته على التقيه فى تفسيره للايه الثانيه، فراجع.
3 - الحديث المروى عن ابن عمر (ت/65ه )، عن النبى انه قال: (المومن الذى يخالط الناس، ويصبر على اذاهم اعظم اجرا من المومن الذى لا يخالط الناس ولا يصبر على اذاهم).
ولا تخفى ما فى مخالطه الناس من امور توجب المداراه، التى تدخل من هذا الباب فى حقل التقيه.
4 - اخرج الهيثمى (ت/807ه ) من طريق ابراهيم بن سعيد، عن النبى(ص)انه‏قال: (كيف انتم فى قوم مرجت عهودهم واماناتهم وصاروا حثاله؟ وشبك بين اصابعه. قالوا: كيف نصنع؟

قال: اصبروا وخالقوا الناس باخلاقهم، وخالفوهم باعمالهم).

ولعمرى، هل هناك اصرح من هذا بالتقيه؟ وكيف تكون مخالقه حثاله الناس باخلاقهم، ومخالفتهم فى اعمالهم من غير تقيه؟

5 - حديث ابن عمر عن‏النبى انه قال: (لا ينبغى للمومن ان يذل نفسه، قال: قلت: يا رسول اللّه! كيف يذل نفسه؟ قال:
يتعرض من البلاء لما لا يطيق).

اقول: لقد طبق هذا الحديث من ادرك الحكم الاموى من الصحابه وما اكثرهم، بل وجميع التابعين، ذلك لان من الثابت الذى لا يرقى اليه الشك مطلقا، ان عليا(ع)قد لعنه الامويون على منابر المسلمين لعشرات من السنين، ولم يغير احد هذا المنكر لا من الصحابه ولا من التابعين، الا القليل الذى احتفظ التاريخ بمواقفهم وسجلها بكل اعزاز وتقدير، فقد ادرك الكل ان مثل هذا التغيير سيعرضهم الى ما لا يطيقون من البلاء، ولا اعلم موقفا اوضح منه فى التقيه.

6 - اخرج المحدثون عن على(ع) (ت/40ه ) وابن عباس (ت/68ه )، و معاذ ابن جبل (ت/18ه )، وعمر بن الخطاب (ت/23ه )، عن النبى، انه قال: (استعينوا على انجاح حوائجكم بالكتمان، فان كل ذى نعمه محسود).
اقول: لقد مرت‏فائده كتمان مومن‏آل‏فرعون ايمانه، حيث‏استطاع -وبفضل كتمان ايمانه، وتظاهره بمظهر الناصح الشفيق على مصلحه فرعون وقومه - ان يثنى فرعون اللعين عما عزم عليه من جرم عظيم.
على ان هذا الحديث لا يعنى الامر بكتمان الحق والتظاهر بالباطل، ولا يحث على ذلك مطلقا، بل فيما يعنيه ان فى الكتمان فوائدا لا تتحقق بغيره، ولما كانت التقيه هى عباره عن كتمان ما ترى واظهار خلافه للحفاظ على النفس او العرض او المال، اذا اتضحت علاقه الحديث بالتقيه.
7 - حديث السيوط‏ى، عن النبى قال: (بئس القوم قوم يمشى المومن فيهم بالتقيه والكتمان).
وهذا الحديث مويد بنصوص القرآن الكريم، وقد مر بعضها، حيث امتدح اللّه تعالى مومن آل فرعون، وذم فرعون وقومه.
كما وصف اهل الكهف بقوله تعالى: (انهم فتيه آمنوا بربهم وزدناهم هدى) ووصف قومهم بانهم: (ممن افترى على اللّه كذبا).
ولا يمكن والحال هذه تصور حياه اهل الكهف خاليه من التقيه، وهم بين ظهرانى قوم يفترون على‏اللّه الكذب، مع عتو ملكهم دقيانوس (ت/385م) الذى جاس خلال الديار والبلاد بالعبث والفساد، وقتل من خالفه من المتمسكين بدين المسيح(ع)، وكان‏يتبع‏الناس فيخيرهم بين القتل وعباده الاوثان .

وقد اخرج المفسرون عن ابن عباس (ت/68ه )، وعطاء (ت/114ه )، ومجاهد (ت/103ه )، وعكرمه (ت/105ه )، وابن جريج (ت/150ه ) وغيرهم من ان عامه اهل بلدهم كانوا كفارا، وكان فيهم قوم يخفون ايمانهم على وجه التقيه، ومنهم اصحاب الكهف الذين كانوا من الاشراف على دين عيسى(ع)، وكانوا يعبدون اللّه سرا ويكتمون امرهم.

كل ذلك يويد صحه ما رواه السيوط‏ى آنفا، ويفصح عن ان التقيه لا تكون من المومن ابدا، لان المومنين اخوه، والمومن مرآه المومن، وانما تكون من الانسان الظالم الذى لا يوتمن جانبه.
8 -ما رواه ابن العربى المالكى (ت/543ه ) فى احكام القرآن حول ارسال النبى جماعه من الصحابه لقتل كعب بن الاشرف الطائى فى السنه الثالثه من الهجره، وكان فيهم محمد بن مسلمه (ت/43ه )، وكيف ان ابن مسلمه واصحابه قد استاذنوا النبى فى ان ينالوا منه، فقالوا: (يارسول اللّه! اتاذن لنا ان ننال منك؟) فاذن لهم بذلك، وهكذا مكنهم اللّه تعالى على قتله بعد ان تظاهروالكعب‏تقيه‏وباذن النبى‏بانهم كرهوا دينه.
9 - الحديث المخرج فى كتب الطرفين، وهو من قوله: ( لا ضرر ولا ضرار) وفى لفظ آخر: (لا ضرر ولا ضرار فى الاسلام).
وهذه القاعده، اعنى: قاعده نفى الضرر، قد تفرعت منها قواعد كثيره، نص عليها ابن نجيم الحنفى (ت/970ه )، وقد ذكر فى كل منها مسائل شتى، ومنها المسائل المحتمل فيها وقوع الضرر، او المتيقن عند الاكراه، وسياتى كلامه فى الفصل الاخير عند الحديث عن التقيه فى فقه الاحناف.

10 - ما رواه الحسن البصرى (ت/110ه ) وايده عليه سائر المفسرين من ان عيونا لمسيلمه الكذاب (ت/12ه ) قد اخذوا رجلين من المسلمين فاتوه بهما، فقال لاحدهما: اتشهد ان محمدا رسول اللّه؟ قال: نعم. قال: اتشهد انى رسول اللّه، فابى ولم يشهد، فقتله. وقال مثل ذلك للثانى فشهد لمسيلمه الكذاب بما اراد، فاطلقه، فاتى النبى، واخبره بما جرى، فقال: (اما صاحبك فمضى على ايمانه، واما انت فاخذت بالرخصه).

11 - ما رواه ابن ماجه (ت/273ه ) فى قصه عمار بن ياسر (ت/37ه ) وامه سميه بنت خباط (ت/7ق. ه )، وصهيب (ت/38ه )، وبلال (ت/37ه ) والمقداد (ت/33ه ) قال: (فاخذهم المشركون والبسوهم ادراع الحديد وصهروهم فى الشمس فما منهم احد الا وقد واتاهم على ما ارادوا الا بلالا) وفى لفظ ابى عبيده بن محمد بن عمار بن ياسركما فى تفسير الطبرى (ت/310ه ): (اخذ المشركون عمار بن ياسر فعذبوه حتى باراهم فى بعض ما ارادوا، فشكا ذلك الى النبى، فقال النبى: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئنا بالايمان، قال النبى: فان عادوا فعد).
وفى لفظ الرازى (ت/606ه ) انه قيل بشان عمار: (يا رسول اللّه! ان عمارا كفر. فقال: كلا، ان عمارا ملى‏ء ايمانا من فرقه الى قدمه، واختلط الايمان بلحمه ودمه، فاتى عمار رسول اللّه( وهو يبكى، فجعل رسول اللّه( يمسح عينيه ويقول: مالك؟ ان عادوا لك، فعد لهم بما قلت).
12 - وما يستدل به على التقيه فى هذا الباب ما اتفق عليه جميع المسلمين وبلا استثناء من انه كان يدعو الناس سرا الى الاسلام فى اول الامر، اشفاقا منه على هذا الدين العظيم حتى لا يخنق فى مهده، وتباد انصاره.
فالدعوه الى الاسلام قد بدات اذا من دائره التقيه، حيث اتفق علماء السيره، والمورخون، والمفسرون وغيرهم على القول بان رسول اللّه(ص)لم يجهر بالدعوه الى الاسلام الا بعد ثلاث سنين من نزول الوحى.
ولو كانت التقيه غير مشروعه، لكونها مثلا من الكذب والنفاق والخداع، او انها معارضه لعقيده الامر بالمعروف والنهى عن المنكر، لما مرت الدعوه الى هذا الدين الحنيف بهذا العمر من التستر والكتمان.
وقد مر عن ابن قتيبه (ت/276ه ) فى المسائل والاجوبه فى مناقشتنا لقول السرخسى فى تقيه النبى(ص)فى الايه الثانيه ما له علاقه بالمقام، فراجع.
وان دل هذا على شى‏ء انما يدل على ضروره ملازمه التقيه لكل دعوه اصلاح، حتى لا يذاع‏امرها،وتخنق‏فى‏مهدها، ومما يشهد على صحه هذا القول هو ما ينادى به الاسلاميون‏فى الساحه الاسلاميه من ضروره تطبيق احكام الشرع الاسلامى، ولا شك ان تحركاتهم تلك لا بد وان تكون قد مرت بدور التقيه والكتمان، اذ لا يعقل ظهورها وبهذا الحجم‏الذى ارعب الكثير
من الدوائر الاستعماريه‏كان فجاه وبلا استعداد وتنظيم.

13 - اخرج البخارى من طريق عبدالوهاب، عن ابى مليكه قال: (ان النبى( اهديت له اقبيه من ديباج مزرره بالذهب، فقسمها فى ناس من اصحابه، وعزل منها واحدا لمخرمه، فلما جاء، قال: خبات هذا لك.
قال ايوب احد رجال اسناد البخارى بثوبه انه يريد اياه، وكان فى خلقه شى‏ء).
قال محمد بن يوسف الكرمانى (ت/786ه ) فى شرح صحيح البخارى: (ايوب بثوبه: اى: ملتبسا به، حالا عن لفظ خبات، يعنى: قال رسول‏اللّه(: خبات هذا الذهب لك، وكان ملتصقا بالثوب، وان رسول اللّه( كان يرى مخرمه ازاره، ليطيب قلبه به، لانه كان فى خلق مخرمه نوع من الشكاسه.
ولفظ: (قال بثوبه) معناه: اشار ايوب الى ثوبه ليستحضر فعل النبى( للحاضرين، قائلا: انه يرى مخرمه الازار).
اقول: ربما يقال ان الحديث ليس فيه ما يدل على تقيه النبى من مخرمه، لانه لم يظهر لمخرمه الا الواقع، فاين التقيه فى هذا الحديث؟
والجواب: ان فى هذا الحديث مداراه واضحه، والمداراه تدخل فى باب التقيه، بل لا فرق بينهما كما يظهر من كلام السرخسى فى حذيفه بن اليمان على ما سياتى فى‏موقف الصحابه من التقيه فى الفصل الثانى.
14 - واخرج البخارى ايضا من طريق عبداللّه بن مسيلمه، عن عبداللّه بن عمر، عن عائشه قالت: (ان رسول اللّه( قال لها: الم ترى قومك لما بنوا الكعبه اقتصروا على قواعد ابراهيم؟ فقلت: يا رسول اللّه! الا تردها على قواعد ابراهيم؟ قال: لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت). ولقد اعاد البخارى روايه الحديث بصيغ اخرى ايضا.
واخرج ابن ماجه (ت/273) من طريق ابن ابى شيبه، عن الاسود بن يزيد، عن عائشه قالت: (سالت رسول اللّه( عن الحجر؟ فقال: هو من البيت. قلت: ما منعهم ان يدخلوه فيه؟ قال: عجزت بهم النفقه. قلت: فما شان بابه مرتفعا، لا يصعد اليه الا بسلم؟ قال: ذلك فعل قومك، ليدخلوه من شاءوا ويمنعوه من شاءوا، ولولا ان قومك حديث عهد بكفر مخافه ان تنفر قلوبهم، لنظرت هل اغيره فادخل فيه ما انتقص منه، وجعلت بابه بالارض).
وهذا الحديث قد اخرجه البخارى بلفظه من طريق مسدد، عن الاسود بن يزيد، عن عائشه، كما اخرجه مسلم (ت/261ه ) فى صحيحه من طريقين كلاهما عن الاسود بن يزيد، عن عائشه، واخرجه الترمذى (ت/297ه ) كذلك وقال: (هذا حديث حسن صحيح).
وفى لفظ الامام احمد بن حنبل (ت/240ه ): (لولا ان قومك حديث عهد بشرك او بجاهليه لهدمت الكعبه، فالزقتها بالارض، وجعلت لها بابين: بابا شرقيا، وبابا غربيا، وزدت فيها من الحجر سته اذرع، فان قريشا اقتصرتها حين بنت الكعبه).
وقريب من هذا اللفظ ما اخرجه البخارى من طريق عبيد بن اسماعيل، عن هشام، عن ابيه، عن عائشه، ومن طريق سنان بن عمرو، عن عروه، عن عائشه. وبعد...اليس فى هذه الاحاديث دلاله صريحه على ان رسول اللّه(ص)كان يتقى القوم مخافه ان تنفر قلوبهم، لحداثه عهدهم بالكفر، وقربه من الشرك والجاهليه؟!


ثالثا - دليل الاجماع:
لقد ثبت مما تقدم ان التقيه قد شرعها اللّه تعالى فى كتابه الكريم، وتقدمت اقوال ما يزيد على ثلاثين مفسرا من مفسرى المذاهب والفرق الاسلاميه فى جواز التقيه، زياده على ما اثبتته اهم كتب الحديث واصحها عند اهل السنه من جواز التقيه ايضا.
وهذا يعنى ان اهم مصادر التشريع فى الاسلام قد اثبتت مشروعيه التقيه، اذ ليس هناك من مصدر تشريعى‏اقوى حجه من الكتاب والسنه على الاطلاق.
واما عن الاجماع، فهو على الرغم من كونه فى نظر علماء الشيعه مجرد اداه تكشف عن وجود دليل متين وقويم، كايه من كتاب اللّه تعالى، او حديث شريف ينطق بالحكم المجمع عليه، الا انه لا باس من التعرض الى دليل الاجماع حول مشروعيه التقيه، لا سيما وقد عده علماء اهل السنه دليلا قائما بنفسه تماما كالكتاب والسنه، بمعنى ان الاجماع معصوم عن الخطا، بل ويستحيل فى حقه الخطا، ومن يرد على المجمعين بالاشتباه والغلط، فهو كمن يرد قول اللّه تعالى وسنه رسوله.
قال عبدالعزيز بن احمد البخارى الحنفى (ت/730ه ) فى كشف الاسرار عن اصول البزدوى: (الاصل فى الاجماع ان يكون موجبا للحكم قطعا كالكتاب والسنه).
وقال‏الغزالى (ت‏505ه ) فى‏المنخول: (الاجماع حجه كالنص المتواتر). ومن هنا كان التعرض لدليل الاجماع، مع التذكير بان من يكره على كلام فيقوله، او على فعل فيفعله، وفيهما معصيه للّه، وقلبه غير راض بما قال او فعل فان تصرفه هذا هو ما يسميه القرآن الكريم، والسنه النبويه، وجميع من نطق الشهادتين من اهل الاسلام، وجميع العقلاء بالتقيه، وانه لا شى‏ء عليه، بدليل ما مر ودليل الاجماع الاتى: 1 - قال ابو بكر الجصاص الحنفى(ت/370ه ): (ومن امتنع من المباح كان قاتلا نفسه متلفا لها عند جميع اهل العلم).

2 - وقال ابن العربى المالكى (ت/543ه ): (لما سمح اللّه تعالى فى الكفر به...عند الاكراه، ولم يواخذ به، حمل العلماء عليه فروع الشريعه، وعليه جاء الاثر المشهور عند الفقهاء: رفع عن امتى الخطا، والنسيان، وما استكرهوا عليه...فان معناه صحيح باتفاق من العلماء).
3 - وقال عبدالرحمن المقدسى الحنبلى (ت/624ه ): (اجمع العلماء على اباحه‏الاكل من‏الميته للمضطر، وكذلك سائر المحرمات‏التى لاتزيل‏العقل).
وقد مر فى هذا الفصل ان الاضطرار الى اكل الميته قد يكون بسبب الجوع او بسبب الاكراه من ظالم او كافر وذلك فى الايه
الخامسه فراجع.
4 - وقال القرطبى المالكى (ت/671ه ): (اجمع اهل العلم على ان من اكره على الكفر حتى خشى على نفسه القتل انه لا اثم عليه ان كفر وقلبه مطمئن بالايمان).
5 - وقال ابن كثير الشافعى (ت/774ه ) بعد ان نقل قول رسول اللّه(ص)لعمار حين اكره على الكفر: (كيف تجد قلبك؟ قال:
مطمئنا بالايمان. فقال: ان عادوا فعد).
قال: (ولهذا اتفق العلماء على ان المكره على الكفر يجوز له ان يوالى ابقاء لمهجته، ويجوز له ان يابى).
6 - وقال ابن حجر العسقلانى الشافعى (ت/852ه ): (قال ابن بطال‏تبعا لابن المنذر:اجمعواعلى ان من اكره على الكفر حتى خشى على نفسه القتل فكفر وقلبه مطمئن بالايمان، انه لا يحكم عليه بالكفر).
7 - وقال الامام الشوكانى الزيدى (ت/1250ه ): (اجمع اهل العلم على ان من اكره على الكفر حتى خشى على نفسه القتل، انه لا اثم عليه ان كفر وقلبه مطمئن بالايمان، ولا تبين منه زوجته، ولا يحكم عليه بحكم الكفر).
8 - وقال جمال الدين القاسمى الشامى (ت/1332ه ): (ومن هذه الايه: (الا ان تتقوا منهم تقاه) استنبط الائمه مشروعيه التقيه عند الخوف، وقد نقل الاجماع على جوازها عند ذلك الامام مرتضى اليمانى).
9 - وقال الشيخ المراغى المصرى (ت/1364ه ): (وقد استنبط العلماء من هذه الايه (الا ان تتقوا منهم تقاه)جواز التقيه)، ولم يذكر مخالفا لهم فى ذلك.
10 - وقال عيسى شقره: (وانعقد اجماع العلماء على جواز اظهار الكفر لمن اكره عليه...ابقاء لنفسه بشرط اطمئنان القلب).

11 - وقال الدكتور عبدالكريم زيدان: (فاذا اخذ المضطر بالرخصه ونطق بالكفر، فلا اثم‏عليه باجماع الفقهاء، لان الايه صريحه بذلك، وجاءت السنه النبويه واكدت ما نطقت‏به الايه الكريمه) .