فهرس الكتاب

مكتبة العقائد الإمامية

مكتبة الموقع

 

الايه الثانيه:
قال تعالى: (من كفر باللّه من بعد ايمانه الا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من اللّه ولهم عذاب عظيم).
هذه الايه الكريمه مكيه بالاتفاق، وقد نزلت فى بدايه الدعوه الى دين الاسلام، والمسلمون بعد ثله قليله ربما لا يتجاوزون عدد الاصابع، وهذا يعنى ان تاريخ تشريع التقيه فى الاسلام كان فى بدايه امر هذا الدين الحنيف.
والحق ان تاريخ تشريع التقيه‏كما يبدو من الايات الاخر فى القرآن الكريم‏قد سبق تاريخ ولاده الدين الاسلامى بزمن بعيد، حيث كانت مشروعه فى زمن عيسى ومن قبله موسى(ع). ولما بزغت شمس الاسلام، سارع القرآن الكريم الى امضاء هذا التشريع واقراره، لكى تكون التقيه منسجمه تماما مع مرونه هذا الدين العظيم الذى لا حرج فيه ولا عسر، ومن ثم لتكون التقيه فيه حصنا يتحصن فيه المسلمون امام طغيان ابى سفيان، وجبروت ابى جهل كلما دعت الضروره اليها. وهذا ماسيتضح من اقوال المفسرين وغيرهم من علماء المسلمين على اختلاف مذاهبهم وفرقهم فى تفسير هذه الايه الكريمه، وعلى النحو الاتى:
قال الحسن البصرى (ت/110ه ) فى تفسير هذه الايه: (ان عيونا لمسيلمه اخذوا رجلين من المسلمين فاتوه بهما، فقال لاحدهما: اتشهد ان محمدا رسول اللّه؟ قال: نعم، قال: اتشهد انى رسول اللّه؟ فاهوى الى اذنه، فقال: انى اصم. فامر به فقتل.

وقال للاخر: اتشهد ان محمدا رسول اللّه؟ قال: نعم، قال: اتشهد انى رسول اللّه؟ قال: نعم، فارسله. فاتى النبى( فاخبره، فقال: اما صاحبك فمضى على ايمانه، واما انت فاخذت بالرخصه). واحتج الامام الشافعى (ت/204ه ) بهذه الايه على ان قول المكره كما لم يقل فى الحكم، واطلق القول فيه، واختار ان يمين المكره غير ثابته عليه، كما نسب القول بذلك الى عطاء بن ابى رباح (ت/114ه ) احد اعلام التابعين.
واخرج ابن ماجه (ت/273ه ) عن ابن مسعود (ت/32ه )ما يشير الى سبب نزول هذه الايه فى جمله من الصحابه كانوا قد وافقوا المشركين على ما انتدبوهم اليه‏انه قال: (كان اول من اظهر اسلامه سبعه: رسول اللّه، وابو بكر، وعمار، وامه سميه، وصهيب، وبلال، والمقداد.
فاما رسول اللّه(، فمنعه اللّه بعمه ابى طالب.

واما ابو بكر، فمنعه اللّه بقومه.
واما سائرهم، فاخذهم المشركون والبسوهم ادراع الحديد وصهروهم فى الشمس، فما منهم من احد الا وقد واتاهم على ما ارادوا الابلالا، فانه هانت عليه نفسه فى اللّه، وهان على قومه، فاخذوه فاعطوه الولدان، فجعلوا يطوفون به فى شعاب مكه، وهو يقول: احد، احد).
قال‏الشيخ محمد فواد عبدالباقى (ت/1388ه )فى هامش حديث ابن ماجه- مانصه: (واتاهم: اصله آتاهم، بالهمزه، ثم قلبت الهمزه واو، والايتاء معناه: الاعطاء، اى: وافقوا المشركين على ما ارادوا منهم تقيه، والتقيه فى مثل هذه الحال جائزه لقوله تعالى: (الا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان)).
اما الطبرى (ت/310ه ) فقال: (ان هذه الايه نزلت فى عمار بن ياسر وقوم كانوا اسلموا، ففتنهم المشركون عن دينهم، فثبت على الاسلام بعضهم، وافتتن بعض).
ثم‏اخرج هذا المعنى عن ابن عباس (ت/68ه ) انه قال: (وذلك‏ان المشركين اصابوا عمار بن ياسر، فعذبوه ثم تركوه، فرجع الى رسول اللّه فحدثه بالذى لقى من قريش، والذى قال، فانزل اللّه تعالى ذكره عذره).
كما اخرج ذلك عن قتاده (ت/118ه ) انه قال: (انها نزلت فى عمار بن ياسر، اخذه بنو المغيره فغطوه فى بئر ميمون، وقالوا: اكفر بمحمد، فتابعهم على ذلك وقلبه كاره، فانزل اللّه تعالى ذكره: (الا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان)).
واخرج عن ابى‏عبيده بن محمد بن عمار بن ياسر انه قال: (اخذ المشركون عمار بن ياسر فعذبوه حتى باراهم فى بعض ما ارادوا، فشكا ذلك الى النبى( ،فقال النبى(: كيف تجد قلبك؟

قال: مطمئنا بالايمان، قال النبى( فان عادوا فعد).
ثم عقب الطبرى بقوله: (فتاويل الكلام اذا: من كفر باللّه من بعد ايمانه الا من اكره على الكفر، فنطق بكلمه الكفر بلسانه، وقلبه مطمئن بالايمان، موقن بحقيقته، صحيح عليه عزمه، غير مفسوح الصدر بالكفر، لكن من شرح بالكفر صدرا، فاختاره وآثره على الايمان، وباح به طائعا فعليهم غضب اللّه ولهم عذاب عظيم).
(ثم اخرج ما يويد هذا القول عن ابن عباس انه قال: (فاما من اكره فتكلم به لسانه وخالفه قلبه بالايمان لينجو بذلك من عدوه، فلا حرج عليه، لان اللّه سبحانه انما ياخذ العباد بما عقدت عليه قلوبهم).
وقال ابو بكر الجصاص الحنفى (ت/370ه )بعد ان اخرج عن معمر روايه ابى عبيده بن محمد بن عمار بن ياسر المتقدمه: (هذا اصل فى جواز اظهار كلمه الكفر فى حال الاكراه، والاكراه المبيح لذلك هو ان يخاف على نفسه، او بعض اعضائه التلف ان لم يفعل ما امره به، فابيح له فى هذه الحال ان يظهر كلمه الكفر).
ثم ذكر بعد ذلك ان الاكراه بالقتل، وتلف الاعضاء على شرب الخمر، او اكل الميته لابد فيه من امتثال المكره، وان لم يفعل كان آثما، لان اللّه عز وجل قد اباح له ذلك فى حال الضروره عند الخوف على النفس، مستدلا بقوله تعالى: (الا ما اضطررتم اليه).
ثم اخذ فى بيان الامور التى تصح فيها التقيه وعد منها القذف، والامور التى لاتصح فيها كالقتل والزنا وشبههما مما فيه مظلمه على الانسان.

وذكر ابو الحسن الماوردى الشافعى (ت/450ه ) عن ابن الكلبى، ان الايه نزلت فى عمار بن ياسر وابويه ياسر وسميه، وصهيب، وخباب، اظهروا الكفر بالاكراه وقلوبهم مطمئنه بالايمان. ثم قال: (فاذا اكره على الكفر فاظهره بلسانه وهو معتقد الايمان بقلبه، ليدفع عن نفسه بما اظهر، ويحفظ دينه بما اضمر، فهو على ايمانه، ولو لم يضمره لكان كافرا).

وبين الواحدى المفسر الشافعى (ت/468ه ) كيف ان الذين لا يومنون بايات اللّه يفترون الكذب، ذلك لانهم يقولون لما لا يقدر عليه الا اللّه تعالى: ان هذا من قول البشر، مشيرا بذلك الى الايات المتقدمه على هذه الايه فى سوره النحل، قال: ثم سماهم كاذبين بقوله: (واولئك هم الكاذبون).
ثم قال فى قوله تعالى: (من كفر باللّه بعد ايمانه): (ثم استثنى المكره على الكفر (الا من اكره) على التلفظ بكلمه الكفر (وقلبه مطمئن بالايمان)).

وقال الفقيه السرخسى الحنفى (ت/490ه ) عن جواز اظهار الكفر تقيه فى حاله الاكراه، كما نصت عليه هذه الايه‏مانصه: (رخص فيه لعمار بن ياسر(رضى‏اللّه)، الا ان هذا النوع من التقيه يجوز لغير الانبياء، والرسل عليهم الصلاه والسلام، فاما فى حق المرسلين صلوات اللّه عليهم اجمعين فما كان يجوز ذلك فيما يرجع الى اصل الدعوه الى الدين الحق، وقد جوزه بعض الروافض لعنهم اللّه).

اقول: اتفق علماء الشيعه عن بكره ابيهم على انه لو فرض حدوث ما لم يعلم جهته الا من امام، كان فى هذه الحال كالنبى، لا تجوز عليه التقيه قطعا، لانه يلزم من التقيه فى هذه الصوره الاغراء بالقبيح الذى لا يمكن تصور صدوره عن معصوم. ولا شك ان ما يتعلق باصل الدعوه والدين هو من الوحى الذى لا تعلم جهته الا من النبى، ولذلك فالشيعه لا تجوز عليه‏التقيه فى ذلك قطعا.
اما الجائز من التقيه عند الشيعه الاماميه على مطلق المعصوم، فهو كالجائز منها على النبى عند اهل السنه، وهو ما لا يخل بالوصول الى الحق، وسياتى ما يدل عليه فى المصدر الثانى من مصادر تشريع التقيه.
وربما قصد الامام السرخسى بقوله: (بعض الروافض) غلاه الشيعه كالخطابيه لعنهم اللّه، اذ لا يبعد ان يكون لديهم مثل هذا الاعتقاد السى‏ء، ولكن نسبه القول بذلك الى (بعض الروافض) دون تشخيصهم، فهو على الرغم مما فيه من التنابز الا انه قد يوهم البعض بان المقصود هم الشيعه الاماميه نظرا لما يقوله سائر علماء الشيعه فى سبب الوعيد الذى سبق حديث  الغدير، وربما يكون هو المقصود.

فان كان ما عناه‏سامحه اللّه هو هذا، فنقول: ان ما سبق حديث الغدير من وعيد قد بينه تعالى بقوله الكريم: (يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته واللّه يعصمك من الناس ان اللّه لا يهدى القوم الكافرين).
فالوعيد الموجه الى النبى فى هذه الايه لا شك فيه، وهو لايدل على تهاون النبى فى امر الدين، او توانيه فيما انزل اليه، وعدم اكتراثه بشان الوحى، وكيف يمكن تصور صدور مثل هذا القول عمن قال بعصمه جميع الانبياء(ص)، ونزاهتهم عن كل نقص؟!

بل المراد من ذلك فى نظر علماء الشيعه الاماميه ومن وافقهم من علماء اهل السنه هو ان النبى(ص)قد تريث بعض الشى‏ء لجسامه التبليغ الذى عده اللّه عز وجل موازيا لثقل الرساله كلها، ريثما يتم تدبير الامر من تهيئه مستلزماته، كجمع حشود الحجاج الذين كانوا معه، وتمهيد السبيل امام هذه الحشود لكى تقبل نفوس بعضهم مثل هذا التبليغ، لا سيما الاعراب الذين اسلموا اخيرا ولما يدخل الايمان فى قلوبهم.

ولا يمنع ان يكون النبى قد خشى من بعضهم لاجل ما انزل عليه، ويدل عليه قوله تعالى: (واللّه يعصمك من الناس)، على
ان هذه الخشيه لم تكن على نفسه الطاهره، فهو لا يخشى فى اللّه لومه لائم، وانما كانت على‏التبليغ نفسه اذ تفرس(ص)مخالفته فاخر التبليغ الى حين، ليجد له ظرفا صالحا وجوا آمنا عسى ان تنجح فيه دعوته، ولا يخيب مسعاه، فامره اللّه تعالى بتبليغ عاجل، وبين له اهميه هذا التبليغ، ووعده ان يعصمه من الناس، ولا يهديهم فى كيدهم، ولا يدعهم يقلبوا له امر الدعوه.

وهكذا تم التبليغ بخطبه وداع وعلى احسن ما يرام بعيدا عن كل اجواء التقيه، الا انه مع الاسف قد اضطر بعض من سمع التبليغ الى التقيه فى عدم روايته كما سنثبته فى الفصل الثانى من هذا البحث.
اما من اراد ان يفسر تريث النبى بالوجه المتقدم على انه من التقيه المصطلح عليها فليس بذاك، وانما هى تقيه ليست من قبيل دفع الضرر المحتمل عن النفس او العرض او المال، فهذا التفسير يكذبه قوله تعالى فى مدح رسله(ع)والشهاده لهم بانهم هم: (الذين يبلغون رسالات اللّه ويخشونه ولا يخشون احدا الا اللّه وكفى باللّه حسيبا)، وانما هى تقيه لاجل هذا التبليغ ممن كان المترقب من حالهم انهم سيخالفونه مخالفه شديده قد تصل الى تكذيبه. ومن تصفح الجزء الاول من موسوعه الغدير للعلامه الامينى(رحمه‏اللّه)(ت/1390ه ) سيجد الكثير ممن وافق الشيعه الاماميه من علماء اهل السنه على صحه هذا التفسير.
ولعل من المناسب هنا ان نذكر قول ابن قتيبه (ت/276ه ) عن آيه التبليغ. قال: (والذى عندى فى هذا ان فيه مضمرا يبينه مابعده، وهو ان رسول اللّه( كان يتوقى بعض التوقى، ويستخفى ببعض ما يومر به على نحو ما كان عليه قبل الهجره، فلما فتح اللّه عليه مكه، وافشى الاسلام امره ان يبلغ ما ارسل اليه مجاهرا به غير متوق، ولاهائب، ولا متالف. وقيل له: ان انت لم تفعل ذلك على هذا الوجه لم تكن مبلغا لرسالات ربك. ويشهد لهذا قوله بعد: (واللّه يعصمك من الناس)اى: يمنعك منهم، ومثل هذه الايه قوله: (فاصدع بما تومر واعرض عن المشركين))، انتهى بلفظه.
وهذا القول هو الذى رفضه الامام الفقيه السرخسى، والشيعه قاطبه تويده على هذا الرفض.
ولنعد بعد هذا الى جواز التلفظ بالكفر تقيه، والقلب مطمئن بالايمان، كما مر فى الايه الثانيه المتقدمه، ودلالتها عند المفسرين وغيرهم، فنقول: استدل الكياالهراسى الشافعى (ت/504ه ) بهذه الايه على جمله من الاحكام فقال: (وذلك يدل على ان حكم الرده لا يلزمه.. ان المشرع غفر له لما يدفع به عن نفسه من الضرر.. واستدل به اصحاب الشافعى على نفى وقوع طلاق المكره، وعتاقه، وكل قول حمل عليه بباطل، نظرا لما فيه من حفظ حقه عليه، كما امتنع الحكم بنفوذ ردته حفظا على دينه).

قال الزمخشرى المعتزلى (ت/538ه ) فى تفسير الايه المتقدمه: (انما يفترى الكذب من كفر باللّه من بعد ايمانه، واستثنى منهم المكره، فلم يدخل تحت حكم الافتراء). ثم نقل قصه عمار بن ياسر (ت/37ه )، وما فعله مسيلمه الكذاب (ت/12ه ) بالصحابيين، وكيف ان احدهما قد شهد للكذاب تقيه انه رسول اللّه.
اما ابن عطيه الاندلسى الغرناط‏ى المالكى (ت/541او 542او 546ه ) فقد بين ان المراد من الكاذبين فى قوله تعالى: (انما يفترى الكذب الذين لايومنون بايات اللّه واولئك هم الكاذبون)، هم: عبداللّه بن ابى سرح، ومقيس بن صبابه واشباههما ممن كان آمن برسول اللّه ثم ارتد. ثم قال: (فلما بين فى هذه الايه امر الكاذبين بانهم الذين كفروا بعد الايمان، اخرج من هذه الصفه القوم المومنين المعذبين بمكه، وهم: بلال، وعمار، وسميه امه، وخباب، وصهيب واشباههم، وذلك ان كفار مكه كانوا فى صدر الاسلام يوذون من اسلم من هولاء الضعفه، يعذبونهم ليرتدوا، فربما سامعهم بعضهم بما ارادوا من القول، يروى ان عمار بن ياسر فعل ذلك فاستثناه اللّه من هذه الايه، وبقيت الرخصه عامه فى الامر بعده).
ثم بين بعد ذلك ما يتعلق بايه التقيه من مسائل الاكراه فقال: (ويتعلق بهذه الايه شى‏ء من مسائل الاكراه:
اما من عذبه كافر قادر عليه ليكفر بلسانه، وكان العذاب يودى الى قتله فله الاجابه باللسان، قولا واحدا فيما احفظ. فان اراد منه الاجابه بفعل كالسجود الى صنم ونحو ذلك، ففى هذا اختلاف:
فقالت فرقه هى الجمهور: يجيب بحسب التقيه.

وقالت فرقه: لا يجيب ويسلم نفسه.
وقالت فرقه: ان كان السجود نحو القبله اجاب، واعتقد السجود للّه..).
ثم اشار الى حالات الاكراه التى تصح فيها التقيه، ولا يلزم المكره بشى‏ء منها كالاكراه على البيع، والايمان، والطلاق، والعتق، والافطار فى شهر رمضان ، وشرب الخمر، ونحو ذلك من المعاصى، ثم اك-د ان ما بينه هو المروى‏عن مالك‏بن‏انس (ت/179ه ) من‏طريق‏مطرف،وابن‏عبدالحكم، واصبغ.
وذكر بعد هذا ان التقيه على مثل هذه الامور لا يشترط ان تكون من اجل المحافظه على النفس من التلف، لتعدد مصاديق الاكراه التى تسوغ معها التقيه. فقال: (قال مالك: والقيد اكراه، والسجن اكراه، والوعيد المخوف اكراه‏وان لم يقع‏اذا تحقق ظلم ذلك المتعدى، وانقاذه لما يتوعد).

اما ابن العربى المالكى (ت/543ه )، فقد فصل القول فى هذه الايه، وذكر فيها تسع مسائل، نذكرها باختصار، وهى: المساله الاولى: نزول الايه فى المرتدين، مع الاحاله الى ما بينه من احكام المرتدين فى سوره المائده.

المساله الثانيه: استثناء من تكلم بالكفر بلسانه عن اكراه، ولم يعقد على ذلك قلبه، فانه خارج عن حكم المرتد، معذور فى
الدنيا، مغفور له فى الاخره.

ثم اكد بعد هذا ان التهديد على عمل معين اذا كان من قادر ظالم تصح معه التقيه ويسقط عن صاحبها الاثم فى الجمله، الا فى القتل، وادعى عدم الخلاف بين الامه فى حرمه القتل تحت طائله الاكراه.
وسياتى عنه فى المساله السادسه خلاف هذا الادعاء!!

ثم قال: (واختلف فى الزنا، والصحيح انه يجوز له الاقدام عليه، ولا حد عليه، خلافا لابن الماجشون، فانه الزمه الحد، لانه راى انها شهوه خلقيه لا يتصور عليها اكراه، ولكنه غفل عن السبب فى باعث الشهوه، وانه باطل.
واما الكفر باللّه فذلك جائز له بغير خلاف، على شرط ان يلفظ بلسانه، وقلبه منشرح بالايمان).
المساله الثالثه: احتج بهذه الايه على ان الكفر ليس بقبيح لعينه وذاته، اذ لو كان كذلك لما حسنه الاكراه.
ولا يخفى ما فيه، لانه لو سئل من لا يومن‏باللّه واليوم‏الاخر ومن يكفر بكل تشريع‏سماوى، ماذاتقول؟ ايهما القبيح عندك؟
الظلم، او العدل والاحسان؟ فماذا سيكون جوابه؟

المساله الرابعه: ان الكفر بالاكراه جائز، ومن صبر ولم يكفر تقيه فقتل فهو شهيد.
قال: (ولا خلاف فى ذلك، وعليه تدل آثار الشريعه التى يطول سردها، وانما وقع الاذن رخصه من اللّه رفقا بالخلف، وابقاء عليهم، ولما فى هذه الشريعه من السماحه، ونفى الحرج، ووضع الاصر).
المساله الخامسه: فى بيان سبب نزول هذه الايه المكيه.

المساله السادسه: (لما سمح اللّه تعالى فى الكفر به.. عند الاكراه ولم يواخذ به، حمل العلماء عليه فروع الشريعه، فاذا وقع الاكراه عليها لم يواخذ به، ولا يترتب حكم عليه، وعليه جاء الاثر المشهور عند الفقهاء: (رفع عن امتى الخطا والنسيان وما استكرهوا عليه)).
ثم ذكر اختلاف العلماء فى تفاصيل معنى الخبر بعد اتفاقهم على صحته فقال: (فان معناه صحيح باتفاق من العلماء، ولكنهم اختلفوا فى تفاصيل.

منها: قول ابن الماجشون فى حد الزنا وقد تقدم.
ومنها: قول ابى حنيفه: ان طلاق المكره يلزم، لانه لم يعدم فيه اكثر من الرضا، وليس وجوده بشرط فى الطلاق كالهازل. وهذا قياس باطل، فان الهازل قاصد الى ايقاع الطلاق، راض به، والمكره غير راض به، ولا نيه له فى الطلاق، وقد قال النبى: (انما الاعمال بالنيات ولكل امرى‏ء ما نوى).

ومنها: ان المكره على القتل اذا قتل يقتل، لانه قتل من يكافئه ظلما استبقاء لنفسه فقتل.
وقال ابو حنيفه وسحنون: لا يقتل!! وهى عثره من سحنون..).
المساله السابعه: تعجب‏فى هذه‏المساله من‏اختلاف علماءالمالكيه فى‏الاكراه على الحنث فى اليمين هل يقع به ام لا، بمعنى: هل تجوز فيه التقيه ام لا؟ ثم حكم بجوازها موكدا عدم الفرق بين الاكراه على اليمين فى انها لا تلزم وبين الحنث فى انه لا يقع.

المساله الثامنه: وهى غريبه حقا حقا، فقد جوز فيها التقيه للرجل فى ان يعط‏ى اهله لما لا يحل عند الاكراه على ذلك، ولا يقتل نفسه دونها، ولا يتحمل اذى فى تخليصها، وقد اعتمد فى ذلك على اسرائيليه لا شك فيها، وخلاصتها ان ابراهيم(ع) هاجر ومعه ساره، ودخل بها قريه فيها ملك جبار فارسل الى ابراهيم ان يرسلها له، ففعل ابراهيم، ولكن اللّه انجاها من هذا الكافر الذى اراد بها سوءا!! فالتقيه على هذا المستوى جائزه عنده، مع ان من اسباب تشريعها صيانه العرض لا هتكه.

المساله التاسعه: بخصوص حكم الاكراه الحق مع عدم الانقياد اليه.
وقال ابن الجوزى الحنبلى (ت/597ه ) فى تفسيرها: (الاكراه على كلمه الكفر يبيح النطق بها، وفى الاكراه المبيح لذلك، عن احمد روايتان: احداهما: انه يخاف على نفسه، او على بعض اعضائه التلف ان لم يفعل ما امر به).
وقال الرازى الشافعى (ت/606ه ): (وفى الايه مسائل..) وقد ذكر فى المساله الثانيه قصه عمار بن ياسر(رضى‏اللّه)، وانه قيل بشانه لرسول اللّه: (يارسول اللّه! ان عمارا كفر. فقال: (كلا، ان عمارا ملى‏ء ايمانا من فرقه الى قدم، واختلط الايمان بلحمه ودمه)، فاتى عمار رسول اللّه( وهو يبكى، فجعل رسول اللّه( يمسح عينيه ويقول: (ما لك؟ ان عادوا لك، فعد لهم بما قلت).
ثم قال: ومنهم جبر مولى الحضرمى اكرهه سيده فكفر، ثم اسلم مولاه وحسن اسلامهما وهاجرا).
وقد بين مراتب الاكراه فى المساله السابعه، ولاهميتها نذكر ما قال: (المرتبه الاولى: ان يجب الفعل المكره عليه، مثل ما اذا اكرهه على شرب الخمر، واكل الخنزير، واكل الميته، فاذا اكرهه عليه بالسيف، فهاهنا يجب الاكل، وذلك لان صون الروح عن الفوات واجب.. لقوله تعالى: (ولا تلقوا بايديكم الى التهلكه).

المرتبه الثانيه: ان يصير ذلك الفعل مباحا، ولا يصير واجبا، ومثاله ما اذا اكرهه على التلفظ بكلمه الكفر، فهاهنا يباح له، ولكنه لا يجب.
المرتبه الثالثه: انه لا يجب ولا يباح بل يحرم، وهذا مثل ما اذا اكرهه انسان على قتل انسان آخر، او على قطع عضو من اعضائه، فهاهنا يبقى الفعل على الحرمه الاصليه. وهل يسقط القصاص عن المكره لو قتل ام لا؟ قال الشافعى(رحمه‏اللّه) فى احد قوليه: يجب القصاص).

اقول: ان القول الاخر للامام الشافعى(رحمه‏اللّه) هو: لاقصاص على من يقتل تقيه، ولابد من حمل هذا القول الاخير على التقيه، لانه عاش فى ظل ظروف اوجبت عليه التقيه فى هذا الحكم، كما سنشير اليه فى الفصل الثانى من هذا البحث، وذلك فى بيان مواقف الصحابه والتابعين وغيرهم من التقيه.

واحتج الفقيه ابن قدامه الحنبلى (ت/620ه ) بهذه الايه على جواز التقيه عند الاكراه عليها، ثم قال: (وانما ابيح له فعل المكره عليه، دفعا لما يتوعده به من العقوبه فيما بعد).

كما ان من اكره على كلمه الكفر فاتى بها، لم يصر كافرا عنده، قال: وبهذا قال مالك، وابو حنيفه، والشافعى، وقد ذكر تفصيلات اخرى ستاتى عند الحديث عن التقيه فى فقه الحنابله.
وقال القرطبى المالكى (ت/671ه ): (هذه الايه نزلت فى عمار بن ياسر فى قول اهل التفسير، لانه قارب بعض ما ندبوه اليه).

ثم نقل عن ابن عباس انه قال: ( واما عمار فاعطاهم ما ارادوا بلسانه مكرها، فشكا ذلك الى رسول اللّه(، فقال رسول اللّه(: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئن بالايمان، فقال رسول اللّه(: فان عادوا فعد). ثم بين عن مجاهد: ان الذين اخذوا مع عمار بن ياسر، هم: بلال، وخباب، وصهيب، وسميه ام عمار، وانهم قالوا كلهم كلمه الكفر مثل الذى قاله عمار، الا ما كان من بلال.

وقال البيضاوى الشافعى (ت/685ه ): (الا من اكره): (على الافتراء، او كلمه الكفر، (وقلبه مطمئن بالايمان) لم تتغير عقيدته، وفيه دليل على ان الايمان هو التصديق بالقلب).

ثم روى بعد ذلك قصه عمار بن ياسر وقال: (وهو دليل على جواز التكلم بالكفر عند الاكراه، وان كان الافضل ان يتجنب عنه اعزازا للدين) ثم ذكر بعد ذلك قصه مسيلمه الكذاب مع الصحابيين، اللذين انتهى خبرهما الى النبى، وكيف انه رخص
لمن اعترف لمسيلمه الكذاب‏لعنه اللّهبانه رسول اللّه.
وقال المفسر الشافعى على‏بن محمد المعروف‏بالخازن (ت/741ه ): (التقيه لاتكون الا مع خوف القتل مع سلامه النيه قال اللّه تعالى: (الامن اكره وقلبه مطمئن بالايمان)، ثم هذه التقيه رخصه).
اقول: ان هذا الكلام من الخازن الشافعى مردود بما مر عن الرازى الشافعى فى بيانه مراتب الاكراه، ومردود ايضا بما تقدم من اقوال سائر من ذكرنا من المفسرين والفقهاء، ومردود ايضا بما سياتى من اقوال مفسرى اهل السنه لا سيما الشافعيه فى تفسيرهم لهذه الايه، فترقب.
وقال ابن جزى الكلبى الغرناط‏ى المالكى (ت/741او 747ه ): (الا من اكره): (استثنى من قوله: (من كفر)، وذلك ان قوما ارتدوا عن الاسلام، فنزلت فيهم الايه، وكان فيهم من اكره على الكفر فنطق بكلمه الكفر وهو يعتقد الايمان، منهم: عمار بن ياسر، وصهيب، وبلال، فعذرهم اللّه)، ثم فصل قصه عمار بن ياسر، وما قال له النبى(ص)على النحو المتقدم من اقوال‏المفسرين وقال: (وهذا الحكم‏فيمن‏اكره بالنطق‏على‏الكفر،واما الاكراه على فعل هو كفر كالسجود للصنم، فاختلف هل تجوز الاجابه اليه ام لا؟ فاجازه الجمهور، ومنعه قوم.

وكذلك قال مالك: لا يلزم المكره يمين، ولاطلاق، ولا عتق، ولا شى‏ء فيما بينه وبين اللّه، ويلزمه ما كان من حقوق الناس، ولا تجوز الاجابه اليه، كالاكراه على قتل احد، او اخذ ماله).

اقول: سياتى بيان ما جرى للامام مالك بن انس (ت/179ه ) من لدن خلفاء بنى العباس بسبب افتائه فى يمين المكره وقوله فى ذلك: ليس على مكره يمين، فى الفصل الثانى من هذا البحث وذلك فى بيان مواقف الصحابه والتابعين وغيرهم من التقيه، وسترى هناك كيف قد كلفته هذه الفتيا كثيرا.
وقال تاج الدين الحنفى (ت/749ه ): (من اكره على الكفر، ولفظ به، وقلبه مطمئن بالايمان، فلا يواخذ به.. والمعنى: انما يفترى الكذب من كفر باللّه من بعد ايمانه، واستثنى منه المكره، فلم يدخل تحت حكم الافتراء).
وقال ابو حيان محمد بن يوسف الاندلسى المالكى (ت/754ه ): (استثنى من الكافرين من كفر باللفظ وقلبه مطمئن بالايمان، ورخص له فى النطق بكلمه الكفر، اذ كان قلبه مومنا، وذلك مع الاكراه. والمعنى: الا من اكره على الكفر، تلفظ بكلمه الكفر وقلبه مطمئن بالايمان).
وقال فى مكان آخر من تفسير الايه: (وفى قوله: (الا من اكره) دليل على ان من فعل المكره لا يترتب عليه شى‏ء. واذا كان قد سومح لكلمه الكفر، او فعل ما يودى اليه، فالمسامحه بغيره من المعاصى اولى.
وقد تكلموا فى كيفيه الاكراه المبيح لذلك، وفى تفصيل الاشياء التى يقع الاكراه فيها، وذلك كله مذكور فى كتب الفقه. والمكرهون على الكفر، المعذبون على الاسلام: خباب، وصهيب، وبلال، وعمار، وابواه: ياسر وسميه، وسالم، وجبر عذبوا فاجابهم عمار وجبر مولى الحضرمى‏فخلى سبيلهما، وتمادى الباقون على الاسلام، فقتل ياسر وسميه، وهما اول قتيل فى الاسلام).

وقد مر، وسياتى ايضا ان هولاء الصحابه كلهم قد اجابواالمشركين الى ما انتدبوهم اليه الا ما كان من بلال، وليس الامر كما قاله ابو حيان، على ان ما يفهم من عباره المفسرين ان جبرا قد استمر ارتداده عن الاسلام فى الظاهر تقيه لمده طويله الى ان اسلم مولاه الحضرمى الذى كان قد اكره جبرا على الكفر.
وقال ابن كثير الشافعى (ت/ 774ه ): (واما قوله: (الا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان)، فهو استثناء ممن كفر بلسانه، ووافق المشركين بلفظه مكرها لما ناله من ضرب واذى، وقلبه يابى ما يقول، وهو مطمئن بالايمان باللّه ورسوله.
وقد روى العوفى عن ابن عباس: ان هذه الايه نزلت فى عمار بن ياسر، حين عذبه المشركون حتى يكفر بمحمد( ، فوافقهم على ذلك مكرها، وجاء معتذرا الى النبى(، فانزل اللّه هذه الايه).

ثم نقل عن الطبرى (ت/310ه ) ما رواه فى قصه عمار بن ياسر(رضى‏اللّه)، وعن البيهقى (ت/458ه ) انه قال: (انه‏اى: عمار بن ياسرسب النبى(، وذكر آلهتهم بخير. فشكا ذلك الى النبى(، فقال: يارسول اللّه! ما تركتك حتى سببتك، وذكرت آلهتهم بخير. قال: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئنا بالايمان.

فقال: ان عادوا فعد).
ثم قال: (ولهذا اتفق العلماء على ان المكره على الكفر يجوز له ان يوالى ابقاء لمهجته، ويجوز له ان يابى) مستدلا بشهاده حبيب بن زيد الانصارى، وسلامه صاحبه حين امتحنهما مسيلمه الكذاب، فاستشهد الاول لامتناعه عن الاقرار لما اراده الكذاب، ونجا الثانى لموافقته على ما اراد، وبقول النبى(ص)له: (واما انت فاخذت بالرخصه).
وقال المفسر السنى نظام الدين الحسن بن محمد القمى النيسابورى (ت/850ه ): (والمعنى: انما يفترى الكذب من كفر، واستثنى منهم المكره، فلم يدخل تحت الافتراء.. وانما صح استثناء المكره من الكافر مع انه ليس بكافر، لانه ظهر منه بعد الايمان ما مثله يظهر من الكافر طوعا، فلهذه المشاكله صح الاستثناء.

قال ابن عباس: نزلت فى عمار بن ياسر).

ثم تطرق الى بعض مسائل التقيه، منها: التقيه فى الدماء، والزنا، فقال: (ومنها: لايجب ولا يباح بل يحرم، كما اذا اكره على قتل انسان، او على قطع عضو من اعضائه، فهاهنا يبقى الفعل على الحرمه الاصليه، وحينئذ لو قتل، فللعلماء قولان:
احدهما: لا يلزم القصاص. وبه قال ابو حنيفه، والشافعى فى احد قوليه، لانه قتله دفعا عن نفسه فاشبه قتل الصائل..
وثانيهما: وبه قال احمد والشافعى فى اصح قوليه: ان عليه القصاص لانه قتله عدوانا لاستبقاء نفسه).
ثم نقل النيسابورى عن ابى حنيفه (ت/150ه ) انه قال: لو اكره السلطان احدا على‏الزنا فزنى، لم يجب على الزانى‏الحد، ولو اكرهه بعض الرعيه وجب.
اذا التقيه ‏وبموجب هذا القول ونظائره المتقدمه‏تصح فى الدماء وهتك الاعراض!!
وقال ابن حجر العسقلانى الشافعى (ت/852ه ): (واما من اكره على ذلك فهو معذور بالايه، لان الاستثناء من الاثبات نفى،  فيقتضى ان لا يدخل الذى اكره على الكفر تحت الوعيد، والمشهور: ان الايه المذكوره نزلت فى عمار ابن ياسر، كما جاء من طريق ابى عبيده بن محمد بن عمار بن ياسر، قال: اخذ المشركون عمارا فعذبوه حتى قاربهم فى بعض ما ارادوا...). واخرج عن الطبرى (ت/310ه ) مارواه بسنده عن ابن عباس (ت/68ه ) انه قال: (اخبر اللّه ان من كفر بعد ايمانه فعليه غضب من اللّه، واما من اكره بلسانه وخالفه قلبه بالايمان لينجو بذلك من عدوه، فلا حرج عليه، ان اللّه انما ياخذ يواخذالعباد بما عقدت عليه قلوبهم).
اما الشربينى الشافعى (ت/977ه ) فقد علق على ما افتى به النووى الشافعى (ت/676 ه ) بعدم رده المكره على الكفر بقوله‏بعد ان استدل بالايه المتقدمه: (لايكون مرتدا، لان الايمان كان موجودا قبل الاكراه، وقول المكره ملغى مالم يحصل فيه اختيار لما اكره عليه، كما لو اكره على الطلاق، فان العصمه كانت موجوده قبل الاكراه، فاذا لم يحصل منه اختيار لما اكره عليه لم يقع عليه طلاق).

وقال البرسوى الحنفى (ت/1137ه ): (الا من اكره): (اجبر على ذلك التلفظ بامر يخاف على نفسه، او على عضو من اعضائه..
لان الكفر اعتقاد، والاكراه على القول دون الاعتقاد، والمعنى: لكن المكره على الكفر باللسان (وقلبه مطمئن بالايمان)، بالايمان: حال من المستثنى، اى: والحال ان قلبه مطمئن بالايمان لم تتغير عقيدته، وفيه دليل على ان الايمان المنجى المعتبر عند اللّه هو التصديق بالقلب).
اقول: ان عله نفى الكفر عن المكره‏كما يفهم من هذا القول وسائر الاقوال المتقدمه‏هى ان الكفر اعتقاد، والاكراه دونه، وهذا الحكم يجب ان يطرد على جميع مايقدم عليه‏الانسان‏تقيه عند الاكراه‏الا ما خرج عنه‏بدليل معتبر لاطراد العله نفسها.
وقال الامام الشوكانى الزيدى (ت/1250ه ) فى تفسير الايه:
(اجمع اهل العلم على ان من اكره على الكفر حتى خشى على نفسه القتل انه لا اثم عليه ان كفر وقلبه مطمئن بالايمان، ولا تبين منه زوجته، ولا يحكم عليه بحكم الكفر).

ثم رد قول محمد بن الحسن الشيبانى (ت/189ه ) بخصوص ان من اظهر الكفر كان مرتدا فى الظاهر، وانه تبين منه زوجته، ولا يصلى عليه ان مات، ولا يرث اباه ان مات مسلما!! فقال: (وهذا القول مردود على قائله، مدفوع بالكتاب والسنه).

وهذا القول على خلاف اقوال مفسرى الاحناف وفقهائهم واعلامهم، بل على خلاف اقوال جميع علماء الاسلام قاطبه، فضلا عن معارضته صراحه للكتاب العزيز والسنه النبويه.

فقد اجمع الكل على ان عمار بن ياسر قد ملى‏ء ايمانا من فرقه الى قدمه مع انه سب النبى، وذكر اللات والعزى بخير. فهو قول شاذ لا يعتد به لمخالفته صراحه للكتاب العزيز، والسنه المطهره، واجماع المسلمين.
كما رد الشوكانى قول الحسن البصرى (ت/110ه )، والشافعى (ت/204ه ) وسحنون القاضى المغربى المالكى (ت/240ه)
- وهو الذى روى المدونه الكبرى لمالك بن انس (ت/179ه ) بتوسط عبدالرحمن بن قاسم الفقيه المالكى (ت/191ه )، عن
الامام مالك من ان الرخصه فى التقيه انما جاءت فى هذه الايه فى القول، واما الفعل فلا رخصه فيه!
قال الشوكانى: (ويدفعه ظاهر الايه فانها عامه فيمن اكره من غيرفرق‏بين‏القول والفعل، ولا دليل لهولاء القاصرين للايه على القول، وخصوص السبب لا اعتبار به مع عموم اللفظ كما تقرر فى علم الاصول).
اقول: لقد ذكرنا من اقوال المالكيه قول: ابن عطيه، وابن العربى،وابن‏جزى، وابى‏حيان وهولاء كلهم قد خالفوا سحنون القاضى فيما ذهب اليه.
وذكرنا ايضا من اقوال الشافعيه قول: الماوردى، والواحدى، والرازى، والخازن، وابن كثير، والبيضاوى، وابن حجر العسقلانى، والشربينى، وهولاء كلهم قد خالفوا الامام الشافعى فيما نسبه اليه الشوكانى.
اما ما ذكرناه من اقوال غير هولاء وهولاء من الاحناف والحنابله فهو على عكس ذلك ايضا، وسياتى المزيد من اثبات هذه الحقيقه‏التى اكدها الشوكانى وغيره‏فى الفصل الاخير من هذا البحث عند تناول التقيه فى فقه المذاهب والفرق الاسلاميه. وقال الفقيه الشافعى المفسر محمد بن عمر الجاوى النووى (ت/1316 ه ): (من كفر باللّه من بعد ايمانه): (اى: من تلفظ بكلمه الكفر من بعد ايمانه به تعالى فعليه غضب من اللّه (الا من اكره) على التلفظ بالكفر فتلفظ به بامر لا طاقه له به كالتخويف بالقتل، وكالضرب الشديد، وكالايلامات القويه مما يخاف على نفسه او على عضو من اعضائه (وقلبه مطمئن بالايمان) اى: والحال ان قلبه لم تتغير عقيدته).

ثم اورد بعد هذا قصه عمار بن ياسر(رضى‏اللّه)، وتقيته من المشركين.
وذكر السيد جمال الدين القاسمى الشامى (ت/1332ه ) فى تفسير هذه الايه بعض التنبيهات.
منها: ان الايه الكريمه قد استدلوا بها على ان المكره غير مكلف، وان الاكراه يبيح التلفظ بكلمه الكفر، مع شرط طمانينه القلب بالايمان، كما استدلوا بها على نفى طلاق المكره، وعتاقه، وكل قول او فعل صدر منه الا ما استثنى وعزاه الى السيوط‏ى الشافعى (ت/911 ه ) فى كتابه: الاكليل.
ثم قال بعد التنبيهات: (قال سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: اكان المشركون يبلغون من اصحاب رسول اللّه( من العذاب ما
يعذرون به فى ترك دينهم؟ قال: نعم، واللّه! ان كانوا ليضربون احدهم ويجيعونه ويعطشونه‏حتى‏ما يقدرعلى‏ان يستوى جالسا من شده الضر الذى نزل به حتى يعطيهم ما سالوه من الفتنه، حتى يقولون له: اللات والعزى الهك من دون اللّه؟ فيقول: نعم، حتى ان الجعل يمر بهم، فيقولون له: هذا الجعل الهك من دون اللّه؟ فيقول: نعم، اقتداء منهم مما يبلغون من جهده).
وقال المفسر الخارجى الاباضى الجزائرى محمد بن يوسف اطفيش (ت/1332ه ): (الا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان): (حال الاكراه مستمر، حال القتل او التعذيب، او ذاهل حالهما غير معتقد للكفر، فانه ليس بكافر، لان قلبه مطمئن بالايمان، وان جرى لفظ الكفر على لسانه كرها).

ثم اورد قصه عمار بن ياسر، مع ما جرى للصحابى حبيب بن زيد الانصارى وصاحبه مع مسيلمه الكذاب.
ومنع التقيه حال‏الاكراه على‏القتل‏او الزنا، قال: (لايجوز له ولا يعذر).
وقال‏المراغى (ت/ 1364ه ) فى‏معنى‏الايه‏الكريمه: (والمعنى،اى: من كفر باللّه بعد الايمان‏والتبصر فعليه غضب من‏اللّه، الا اذا اكره على ذلك‏وقلبه‏ملى‏ء الايمان‏باللّهوالتصديق برسوله، فلا تثريب عليه كما فعل عمار بن ياسر).

وقال المفسر المعاصر محمد على الصابونى الوهابى: (الا من اكره..): (اى: الا من تلفظ بكلمه الكفر مكرها، والحال ان قلبه مملوء ايمانا ويقينا.. قال المفسرون: نزلت فى عمار بن ياسر، اخذه المشركون فعذبوه حتى اعطاهم ما ارادوا مكرها). ثم اورد قصه عمار بن ياسر، وتقيته من المشركين على نحو ما مر فى كلام من سبق من المفسرين.