|
تمهيد
إنَّ عملية الإعداد الفكري والتربوي (الرسالي) لولاية عليّ بن أبي طالب وخلافته، التي قام بها الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) كانت تسير في خطين متوازيين ومتكاملين، وهما إعداد عليّ (عليه السلام) وإعداد الأُمة في آن واحدٍ. فبينما نجدُ الرسول القائد (صلى الله عليه وآله) يتعهد علياً برعايةٍ خاصة، تربيةً وتثقيفاً، فكرياً وعقائدياً، وفق برنامج دقيق ويومي متواصل، نجده صلوات الله عليه يتولّى تهيئة ذهنية الأمة المسلمة، وتربيتها فكرياً وعقائدياً أيضاً لترسيخ ولاية عليّ، وتأكيد أهليته لقيادة المسيرة الإسلامية، والتجربة الإسلامية بعده مباشرةً. وقد كان تدخل الوحي المباشر في كثير من الموارد والمناسبات ـ كما سيأتي ـ يصبّ هو الآخر في هذا الاتجاه. لقد كان قرآن ينزلُ دائماً يحمل الإشادة بفضل عليّ تارةً، ويدلُّ على خصائصه تارةً، ويشخّصه دون غيره إلى أن يصل الأمر إلى تعليق إكمال تبليغ الرسالة على الإعلان عن ولايته، والتصريح بها للأمة ـ كما سيأتي البيان ـ. هذا ما سنحاول استيضاحه وتوثيقه في هذه الدراسة التي نلحقها بهذا البحث العميق والأصيل للشهيد الصدر (رضوان الله تعالى عليه). وسنوزع هذه الدراسة على ثلاثة مباحث: نعرض في المبحث الأول؛ عملية الإعداد الفكري والتربوي لعلي (عليه السلام) من أجل تولي مهمة القيادة بعد النبي (صلى الله عليه وآله). ونعرض في المبحث الثاني عملية الإعداد الفكري والتربوي للأمة المسلمة من أجل تلك المهمة نفسها. ونعرض في المبحث الثالث، مدخلية إفراد عليّ بعلم القرآن خاصةً بتلك المهمة نفسها. وسنحاول في هذه الدراسة الموجزة تسليط الأضواء على تلك الحقائق معتمدين أصل البحث العلمي وقواعده، بعيداً عن المبالغات والتمحلات، مستندين إلى المصادر الحديثية والتفسيرية من مصنفات العلماء والمحدّثين والباحثين الفضلاء وخاصة من أهل السنة. نستمد العون من الله تعالى وهو حسبنا ونعم الوكيل. * * * عرفنا كيف وُلد (التشيّع)، وأما كيف ولدت (الشيعة) ونشأ الانقسام على أساس ذلك في الأمة الإسلامية، فهذا ما سنجيب عنه الآن: إننا إذا تتبعنا المرحلة الأولى من حياة الأمة الإسلامية، في عصر النبي (صلى الله عليه وآله) نجدُ أن اتجاهين رئيسيين ومختلفين قد رافقا نشوء الأمة وبداية التجربة الإسلامية منذ السنوات الأولى، وكانا يعيشان معاً داخل إطار الأمة الوليدة التي أنشأها الرسول القائد (صلى الله عليه وآله). وقد أدّى هذا الاختلاف بين الاتجاهين إلى انقسام عقائدي عقيب وفاة الرسول مباشرةً، شطرَ الأمةَ الإسلامية الى شطرين، قدر لأحدهما أن يحكم فاستطاع أن يمتدَ ويستوعب أكثرية المسلمين، بينما أقصي الشطر الآخر عن الحكم، وقُدرَ له أن يمارس وجوده كأقلية معارضة، ضمن الإطار الإسلامي العام، وكانت هذه الأقلية هي (الشيعة). وها هنا ثلاثة مباحث. * * * أما فيما يتعلق بالسؤال الأول: (كيف وُلد التشيّع؟) فنحن نستطيع أن نعتبرَ التشيّع نتيجة طبيعية للإسلام، وممثلاً لإطروحة كان من المفروض للدعوة الإسلامية أن تتوصّلَ اليها حفاظاً على نموها السليم. ويمكننا أن نستنتج هذه الإطروحة استنتاجاً منطقياً من الدعوة التي كان الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) يتزعم قيادتها بحكم طبيعة تكوينها، ونوع الظروف التي عاشتها، فإنّ النبي (صلّى الله عليه وآله)، كان يباشر قيادة دعوة انقلابية، ويمارس عملية تغيير شامل للمجتمع وأعرافه وأنظمته ومفاهيمه، ولم يكن الطريق قصيراً أمام عملية التغيير هذه، بل كان طريقاً طويلاً وممتداً بامتداد الفواصل المعنوية الضخمة بين الجاهلية والإسلام. فكان على الدعوة التي يمارسها النبي أن تبدأ بإنسان الجاهلية فتنشئه إنشاءً جديداً، وتجعل منه الإنسان الإسلامي، الذي يحمل النور الجديد إلى العالم، وتجتث منه كل جذور الجاهلية ورواسبها(1). وقد خطا القائد الأعظم (صلّى الله عليه وآله) بعملية التغيير خطواتٍ مدهشة، في برهةٍ قصيرة، وكان على العملية التغييرية أن تواصل طريقها الطويل حتى بعد وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله). وكان النبي يدرك منذ فترةٍ قبل وفاته، أنّ أجله قد دنا، وأعلن ذلك بوضوح في (حجة الوداع)(2)، ولم يفاجئه الموت مفاجأة. وهذا يعني أنه كان يملك فرصةً كافية للتفكير في مستقبل الدعوة بعده، حتى إذا لم نُدخل في الموقف عاملَ الاتصال الغيبي والرعاية الإلهية المباشرة للرسالة عن طريق الوحي(3). وفي هذا الضوء يمكننا أن نلاحظ أنَّ النبي (صلى الله عليه وآله) كان أمامه ثلاثة طرق بالامكان انتهاجها تجاه مستقبل الدعوة. أولها: الطريق السلبي، وثانيها: الطريق الإيجابي ممثلاً بالشورى، وثالثها: التعيين (وهنا ثلاثة مباحث).
الهوامش: |