فهرس الكتاب

مكتبة العقائد الإمامية

مكتبة الموقع

 

المبحث الثالث: الإيجابية ممثلةً بالاختيار والتعيين

 

إن الطريق الثالث المفترض هو الإيجابية ممثلة في إعداد ونصب من يقود الأُمة وهذا هو الطريق الوحيد الذي بقي منسجماً مع طبيعة الأشياء، ومعقولاً في ضوء ظروف الدعوة والدعاة، وسلوك النبي (صلى الله عليه وآله)(1)، وهو أن يقف النبيُّ من مستقبل الدعوة بعد وفاته موقفاً إيجابياً، فيختار ـ بأمر الله سبحانه وتعالى ـ شخصاً يرشحه عمقُ وجوده في كيان الدعوة، فيعدّه إعداداً رسالياً(2) وقيادياً خاصاً، لتتمثل فيه المرجعية الفكرية والزعامة السياسية للتجربة، وليواصلَ بعده ـ بمساندة القاعدة الشعبية الواعية من المهاجرين والأنصار ـ قيادة الأُمة وبناءها عقائدياً، وتقريبها باستمرار نحو المستوى الذي يُؤهلّها لتحمل المسؤوليات القيادية.

وهكذا نجد أنَّ هذا هو الطريق الوحيد الذي كان بالإمكان أن يضمن سلامة مستقبل الدعوة، وصيانة التجربة في خط نموها وهكذا كان(3).

وليس ما تواتر عن النبي (صلى الله عليه وآله) من النصوص التي تدلُّ على أنه كان يمارس إعداداً رسالياً وتثقيفاً عقائدياً خاصاً لبعض الدعاة على مستوىً يهيئه للمرجعية الفكرية والسياسية، وإنه (صلى الله عليه وآله) قد عهَد اليه بمستقبل الدعوة، وزعامة الأُمة من بعده، فكرياً وسياسياً(4)، ليس هذا إلاّ تعبيراً عن سلوك القائد الرسول (صلى الله عليه وآله) للطريق الثالث الذي كانت تفرضه، وتدلُّ عليه من قبل ذلك طبيعة الأشياء كما عرفنا.

ولم يكن هذا الشخص الداعية المرشح للإعداد الرسالي القيادي، والمنصوب لتسلم مستقبل الدعوة، وتزعمها فكرياً وسياسياً، إلاّ عليّ بن أبي طالب، الذي رشحه لذلك عمقُ وجوده في كيان الدعوة، وإنه المسلم الأول، والمجاهد الأول في سبيلها عِبرَ كفاحها المرير ضد كلّ أعدائها، وكذلك عمقُ وجوده في حياة القائد الرسول (صلى الله عليه وآله)، وإنه ربيبُه الذي فتح عينيه في حجره، ونشأ في كنفهِ، وتهيأت له من فرص التفاعل معه والاندماج بخطه، ما لم يتوفر لأي إنسان آخر(5).

والشواهد من حياة النبي والإمام عليّ، على أنّ النبيَّ (صلى الله عليه وآله) كان يعدُّ الإمام اعداداً رسالياً خاصاً، كثيرة جداً، فقد كان النبي يخصه بكثير من مفاهيم الدعوة وحقائقها، ويبدؤه، بالعطاء الفكري والتثقيف إذا استنفد الإمام أسئلته(6)، ويختلي به الساعات الطوال في الليل والنهار، يفتح عينيه على مفاهيم الرسالة ومشاكل الطريق، ومناهج العمل الى آخر يومٍ من حياته الشريفة.

روى الحاكم في المستدرك بسنده عن أبي إسحاق، سألتُ القاسم بن العباس (كيف وَرث عليٌّ رسول الله؟ قال: لأنه كان أولنا به لحوقاً وأشدنا به لزوقاً...)(7).

وفي حِلية الأولياء عن ابن عباس أنه يقول: (كنّا نتحدث أنَّ النبي (صلى الله عليه وآله) عهد الى عليٍّ بسبعين عهداً، لم يعهد إلى غيره)(8).

وروى النسائي في الخصائص عن الإمام عليّ أنه يقول: (كانت لي منزلةٌ من رسول الله لم تكن لأحدٍ من الخلائق؛ كنتُ أدخل على نبي الله كلَّ ليلةٍ، فإن كان يصلي سبّح فدخلت، وإن لم يكن يصلي أذِنَ لي فدخلت)(9). وروى أيضاً عن الإمام عليّ (عليه السلام) قوله: (كان لي من النبي مدخلان مدخل بالليل ومدخل بالنهار...)(10).

وروى النسائي عن الإمام أيضاً انه كان يقول: (كنتُ إذا سألتُ رسول الله اعطيت، وإذا سكتُّ ابتدأني...)(11). ورواه الحاكم في المستدرك أيضاً، وقال: صحيح على شرط الشيخين(12).

وروى النسائي عن أمّ سلمة أنها كانت تقول: (والذي تحلف به امُّ سلمة: إنَّ أقرب الناس عهداً برسول الله (صلى الله عليه وآله) عليٌّ، قالت: لما كانت غداة قبض رسول الله، فأرسل إليه رسول الله، وأظنه كان بعثه في حاجةٍ، فجعل يقول: جاء عليّ؟ ثلاث مرات، فخرجنا من البيت، وكنّا عند رسول الله يومئذٍ في بيت عائشة، وكنت في آخر من خرج من البيت، ثمّ جلستُ وراء الباب، فكنتُ أدناهم الى الباب، فأكبَّ عليه عليٌّ فكان آخر الناس به عهداً، فجعل يسارّه ويناجيه)(13).

وقال أمير المؤمنين في خطبته القاصعة الشهيرة، وهو يصف ارتباطه الفريد بالرسول القائد، وعناية النبي بإعداده وتربيته: (وقد علمتم موضعي من رسول الله بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا ولدٌ، يضمّني إلى صدره، ويكنفني في فراشه، ويمسني جسده، ويشمني عرفه، وكان يمضغ الشيء ثمّ يلقمنيه، وما وجَدَ لي كذبة في قول، ولا خطلة في فعل... ولقد كنتُ أتّبَعه اتّباع الفصيل لأثر أمّه، يرفع لي في كل يومٍ من أخلاقه علماً، ويأمرني بالاقتداء به، ولقد كان يجاورُ في كل سنةٍ بحراء، فأراه ولا يراه غيري، ولم يجمع بيتٌ واحد يومئذٍ في الإسلام غير رسول الله وخديجة وأنا ثالثهما، أرى نورَ الوحي والرسالة، وأشمُّ ريح النبوة...)(14).

إنَّ هذه الشواهد، وشواهد أخرى كثيرة، تقدّم لنا صورةً عن ذلك الإعداد الرسالي الخاص الذي كان النبي (صلى الله عليه وآله) يمارسه في سبيل توعية الإمام على المستوى القيادي للدعوة. كما إنّ في حياة الإمام عليّ (عليه السلام) بعد وفاة القائد الرسول (صلى الله عليه وآله) أرقاماً كثيرة جداً تكشف عن ذلك الإعداد العقائدي الخاص للإمام عليّ (عليه السلام) من قِبل النبي (صلى الله عليه وآله)، بما تعكسه من آثار ذلك الإعداد الخاص ونتائجه. فقد كان الإمام هو المفزع والمرجع لحلّ أي مشكلة يستعصي حلّها على القيادة الحاكمة وقتئذٍ(15). ولا نعرف في تاريخ التجربة الإسلامية على عهد الخلفاء واقعة واحدة رجع فيها الإمام الى غيره لكي يتعرف على رأي الإسلام وطريقة علاجه للموقف، بينما نعرف في التاريخ عشرات الوقائع التي أحسّت القيادة الإسلامية الحاكمة بضرورة الرجوع الى الإمام على رغم تحفظاتها في هذا الموضوع.

وإذا كانت الشواهد كثيرة على أنَّ النبي (صلى الله عليه وآله) كان يعدّ الإمام إعداداً خاصاً لمواصلة قيادة الدعوة من بعده، فالشواهد على إعلان الرسول القائد عن تخطيطه هذا، وإسناده زعامة الدعوة الفكرية والسياسية رسمياً الى الإمام عليّ (عليه السلام) لا تقلُّ عنها كثرةً؛ كما نلاحظ ذلك في حديث الدار(16)، وحديث الثقلين(17). وحديث المنزلة(18)، وحديث الغدير(19)، وعشرات النصوص النبوية الاخرى(20).

وهكذا وُجد التشيع في إطار الدعوة الإسلامية متمثلاً في هذه الإطروحة النبوية التي وضعها النبي (صلى الله عليه وآله) ـ بأمرٍ من الله ـ للحفاظ على مستقبل الدعوة.

وهكذا وُجد التشيع لا كظاهرة طارئة على مسرح الأحداث، بل كنتيجة ضرورية لطبيعة تكوّن الدعوة وحاجاتها وظروفها الأصلية التي كانت تفرض على الإسلام أن يلدَ (التشيّع)، وبمعنى آخر كانت تفرض على القائد الأول للتجربة ان يُعدَّ للتجربةِ قائدها الثاني(21) الذي تواصل على يده ويد خلفائه نموها الثوري، وتقترب نحو اكتمال هدفها التغييري في اجتثاث كل رواسب الماضي الجاهلي وجذوره، وبناء أمة جديدة على مستوى متطلبات الدعوة ومسؤولياتها.

  

الهوامش:

1- لا شك بعد استبعاد الافتراضين السابقين علمياً، لا يبقى إلاّ هذا الافتراض من وجهة منطقية مقبولة.

2- راجع ما بيناه عن هذا الاختيار، وعن عملية الاعداد الرسالي (الفكري والعلمي والتربوي) في الملحق.

3- إذ تمَّ تهيئة الخليفة القائد ـ وتمَّ تعيينه فعلاً ـ كما هو تصريح النصوص.

4- راجع ما نقلناه من النصوص المعتبرة عن إخواننا السنة في الملحق.

5- راجع خطبة الإمام عليّ (عليه السلام) الشهيرة بالقاصعة ـ كما ذكرناها في الملحق ـ نهج البلاغة، ص 300 و 301 ضبط الدكتور صبحي الصالح.

6- جاء عن الإمام عليّ (عليه السلام) أنه قال: (كنتُ إذا سألته ـ أي رسول الله ـ أعطاني وإذا سكتُّ ابتدأني...). السنن الكبرى، للنسائي ج 5 ص 142؛ الصواعق المحرقة، ص 127.

7- المستدرك على الصحيحين، للحاكم النيسابوري ج 3 ص 136 حديث رقم 4633 طبعة دار الكتب العلمية ـ بيروت.

8- حلية الأولياء، لأبي نعيم، ج 1 ص 68، طبعة دار الكتاب العربي بيروت ط 5 1407 هجري.

9- السنن الكبرى، الخصائص ج 5 ص 140 ح 8499 / 1.

10- المصدر السابق، ج 5 ص 141.

11- المصدر السابق، ج 5 ص 142.

12- المستدرك، ج 3 ص 135 ـ حديث برقم 4630 ـ تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، طبعة دار الكتب العلمية ـ بيروت 1411 هجري.

13- السنن الكبرى، النسائي ج 5 ص 154 باب 54، وراجع الرواية في مختصر تاريخ ابن عساكر ج 18 ص 21.

14- نهج البلاغة، ضبط الدكتور صبحي الصالح، خطبة رقم 192.

15- راجع الملحق، وراجع تاريخ الخلفاء، السيوطي، ص 170 و 172. قال عمر بن الخطاب:

(لا أبقاني الله لمعضلةٍ ليس لها أبو الحسن) الصواعق المحرقة، ابن حجر، ص 127.

16- حديث الدار: عندما نزل قوله تعالى: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) راجع تفسير الخازن، ج 3 ص 371، دار المعرفة ـ بيروت.

17- حديث الثقلين أخرجه أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد، راجع: صحيح مسلم، ج 4 ص 1873، صحيح الترمذي، ج 5 ص 596 ـ تحقيق كمال الحوت، طبعة دار الفكر.

18- حديث المنزلة: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى...) صحيح البخاري، ج 5 ص 81 باب 39.

19- حديث الغدير: راجع سنن ابن ماجة، المقدمة باب 11 ج 1 ص 43، ومسند الإمام أحمد ج 4 ص 281 ـ طبعة دار صادر ـ بيروت.

20- راجع ملحق البحث في بسط هذا المطلب والتوسع فيه.

21- راجع مختصر تاريخ ابن عساكر، ج 18 ص 35: قول الخليفة الثاني لأصحاب الشورى.