فهرس الكتاب

مكتبة العقائد الإمامية

مكتبة الموقع

 

المبحث الثالث: التشيّع الروحي والتشيّع السياسي

 

أود أن أشير هنا الى نقطةٍ أعتبر توضيحها على درجةٍ كبيرة من الأهمية، وهي أن بعض الباحثين يحاولُ التمييز بين نحوين من التشيع، أحدهما (التشيع الروحي)، والآخر (التشيع السياسي)، ويعتقد أن التشيع الروحي أقدمُ عهداً من التشيع السياسي(1)، وأنّ أئمة الشيعة الإمامية ـ من أبناء الحسين (عليه السلام) ـ قد اعتزلوا، بعد مذبحة كربلاء، السياسة، وانصرفوا الى الإرشاد والعبادة، والانقطاع عن الدنيا.

والحقيقة أنَّ (التشيّع) لم يكن في يوم من الأيام منذ ولادته مجرد اتجاه روحي بحت، وإنما ولد التشيع في أحضان الإسلام بوصفه إطروحة مواصلة الإمام عليّ (عليه السلام) للقيادة بعد النبي فكرياً واجتماعياً وسياسياً على السواء كما أوضحنا سابقاً عند استعراض الظروف التي أدّت الى ولادة التشيع، ولم يكن بالإمكان ـ بحكم هذه الظروف التي استعرضناها ـ أن يفصل الجانب الروحي عن الجانب السياسي في إطروحة التشيّع تبعاً لعدم انفصال أحدهما عن الآخر في الإسلام نفسه.

فالتشيع إذن، لا يمكن أن يتجزأ إلاّ إذا فقد معناه كاطروحة لحماية مستقبل الدعوة بعد النبي (صلى الله عليه وآله)، وهو مستقبل بحاجةٍ الى المرجعية الفكرية والزعامة السياسية للتجربة الإسلامية معاً. وقد كان هناك ولاء واسع النطاق للإمام عليّ (عليه السلام) في صفوف المسلمين باعتباره الشخص الجدير بمواصلة دور الخلفاء الثلاثة في الحكم، وهذا الولاء هو الذي جاء به الى السلطة عقيب مقتل الخليفة عثمان(2)، ولكن هذا الولاء ليس تشيّعاً روحياً ولا سياسياً، لأن التشيّع يؤمن بعليٍّ كبديل عن الخلفاء الثلاثة، وخليفة مباشر للرسول (صلى الله عليه وآله)، فالولاء الواسع للإمام في صفوف المسلمين أوسع نطاقاً من التشيع الحقيقي الكامل، وإنْ نما التشيّع الروحي والسياسي داخل إطار هذا الولاء، فلا يمكن أن نعتبره مثالاً على التشيّع المجزّأ. كما أنَّ الإمام عليّاً (عليه السلام) يتمتع بولاء

روحي وفكري من عدد من كبار الصحابة في عهد أبي بكر وعمر من قبيل سلمان وأبي ذرّ وعمار وغيرهم، ولكن هذا لا يعني أيضاً تشيّعاً روحيّاً منفصلاً عن الجانب السياسي بل إنه تعبيرٌ عن إيمان اولئك الصحابة بقيادة الإمام عليّ للدعوة بعد وفاة النبي فكرياً وسياسياً وقد انعكس إيمانهم بالجانب الفكري من هذه القيادة بالولاء الروحي المتقدم وانعكس إيمانهم بالجانب السياسي منها بمعارضتهم لخلافة أبي بكر(3) وللاتجاه الذي أدّى الى صرف السلطة عن الإمام الى غيره.

ولم تنشأ في الواقع النظرة التجزيئية الى التشيّع الروحي بصورة منفصلةٍ عن التشيّع السياسي، ولم تولد في ذهن الإنسان الشيعي، إلاّ بعد أن استسلم الى الواقع، وانطفأت جذوة التشيّع في نفسه كصيغة محددة لمواصلة القيادة الإسلامية في بناء الأمة، وإنجاز عملية التغيير الكبيرة التي بدأها الرسول الكبير، وتحولت الى مجرد عقيدة يطوي الإنسان عليها قلبَه، ويستمد منها سلوته وأمله.

وهنا نصل إلى ما يقال من أَنَّ أئمة أهل البيت (عليهم السلام) من أبناء الحسين (عليه السلام) اعتزلوا السياسة وانقطعوا عن الدنيا، فنلاحظ أنَّ التشيّع بعد أن فهمناه كصيغة لمواصلة القيادة الإسلامية، والقيادة الإسلامية لا تعني إلاّ ممارسة عملية التغيير التي بدأها الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله)، لتكميل بناء الأمة على أساس الإسلام، فليس من الممكن أن نتصور تنازل الأئمة عن الجانب السياسي إلاّ إذا تنازلوا عن التشيّع. غير أنَّ الذي ساعد على تصور اعتزال الأئمة وتخليهم عن الجانب السياسي من قيادتهم، ما بدا من عدم إقدامهم على عمل مسلح ضد الوضع الحاكم مع إعطاء الجانب السياسي من القيادة معنى ضيقاً لا ينطبق إلاّ على عملٍ مسلح من هذا القبيل.

ولدينا نصوص عديدة عن الأئمة (عليهم السلام) توضح أَنَّ إمام الوقت دائماً كان مستعداً لخوض عملٍ مسلح إذا وجدت لديه القناعة بوجود الأنصار والقدرة على تحقيق الأهداف الإسلامية من وراء ذلك العمل المسلح(4).

ونحن إذا تتبعنا سير الحركة الشيعية، نلاحظ أن القيادة الشيعية المتمثلة في أئمة أهل البيت، كانت تؤمن بأن تسلّم السلطة وحده لا يكفي، ولا يمكن من تحقيق عملية التغيير إسلامياً، ما لم تكن هذه السلطة مدعمة بقواعد شعبية واعية تعي أهداف تلك السلطة وتؤمن بنظريتها في الحكم، وتعمل في سبيل حمايتها، وتفسير مواقفها للجماهير، وتصمد في وجه الأعاصير.

وفي نصف القرن الأول بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) كانت القيادة الشيعية بعد إقصائها عن الحكم، تحاول باستمرار استعادة الحكم بالطرق التي تؤمن بها، لأنها كانت تؤمن بوجود قواعد شعبية واعية، أو في طريق التوعية من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان، ولكن بعد نصف قرنٍ، وبعد أن لم يبق من هذه القواعد الشعبية شيء مذكور، ونشأت أجيال مائعة(5) في ظل الانحراف، لم يعد تسلّم الحركة الشيعية للسلطة محققاً للهدف الكبير، لعدم وجود القواعد الشعبية المساندة بوعي وتضحية، وأمام هذا الواقع كان لابدَّ من عملين:

أحدهما: العمل من أجل بناء هذه القواعد الشعبية الواعية التي تُهّئ أرضيةً صالحةً لتسلّم السلطة.

 وثانيهما: تحريك ضمير الأمة الإسلامية وإرادتها، والاحتفاظ للضمير الإسلامي والإرادة الإسلامية بدرجةٍ من الحياة والصلابة تحصن الأمة ضد التنازل المطلق عن شخصيتها وكرامتها للحكام المنحرفين.

والعمل الأول هو الذي مارسه الأئمة (عليهم السلام) بأنفسهم، والعمل الثاني، هو الذي مارسه ثائرون علويون كانوا يحاولون بتضحياتهم الباسلة أن يحافظوا على الضمير الإسلامي والإرادة الإسلامية؛ وكان الأئمة (عليهم السلام) يسندون المخلصين منهم.

قال الإمام عليّ بن موسى الرضا للمأمون وهو يحدثه عن زيد بن عليّ الشهيد: (أنه كان من علماء آل محمد، غضب لله تعالى فجاهدَ أعداءه، حتى قتل في سبيله، ولقد حدثني أبي موسى بن جعفر أنه سمع أباه جعفر بن محمد يقول: رحم الله عمي زيداً، إنه دعا الى الرضا من آل محمد، ولو ظفر لوفى بما دعا إليه... إن زيد بن عليّ لم يدعُ ما ليس له بحق، وإنه كان أتقى لله من ذلك، انه قال: ادعوكم الى الرضا من آل محمد (صلى الله عليه وآله)(6).

وفي رواية انه ذكر بين يدي الإمام الصادق من خرج من آل محمد، فقال: (لا أزال أنا وشيعتي بخير ما خرج الخارجي من آل محمد، ولوَدَدتُ أنَّ الخارجي من آل محمد خرج وعَلَيَّ نفقة عياله)(7).

فترك الأئمة إذن العمل المسلح بصورة مباشرة ضد الحكام المنحرفين لم يكن يعني تخليهم عن الجانب السياسي من قيادتهم وانصرافهم الى العبادة، وإنما كان يعبرُ عن اختلاف صيغة العمل الاجتماعي التي تحددها الظروف الموضوعية، وعن إدراك معمّق لطبيعة العمل التغييري وأسلوب تحقيقه.

تمّ بحمد الله تعالى وعونه وتوفيقه تحقيق الكتاب والتعليق عليه محرم الحرام / 1414 هجري

د. شرارة

 

الهوامش:

1- راجع: الصلة بين التصوف والتشيع، الدكتور الشيبي ج 1 ص 12. وراجع أيضاً: مقدمة في تاريخ صدر الإسلام، الدكتور عبد العزيز الدوري ص 72.

2- راجع: تاريخ الطبري، ج 2 ص 696 وما بعدها، وراجع أيضاً وصف الحالة في خطبة الإمام علي من قوله : (فما راعني إلاّ والناس كعُرف الضبع اليَّ ينثالون عليَّ من كل جانبٍ... مجتمعين حولي كربيضة الغنم). نهج البلاغة، ضبط الدكتور صبحي الصالح ص 48 ـ الشقشقية.

3- راجع ما نقله الطبرسي في الاحتجاج، ج 1 ص 75.

4- راجع: أصول الكافي، ج 2 ص 190 ـ باب في قلة عدد المؤمنين، المطبعة الإسلامية طهران 1388 هجري.

5- راجع ما أحدثته السياسة الأموية في أوساط الأمة، من نشر اللهو، وإشاعة المجون وشرب الخمر، ثمّ استخدام سياسية البطش والقمع ضد كل المناوئين. راجع في هذه القضية مروج الذهب، المسعودي، ج 3 ص 214 وما بعدها. وراجع: العقد الفريد، ابن عبد ربه، ج 5 ص 200 و 202.

وراجع: الأغاني، أبي الفرج الأصفهاني، ج 7 ص 6 وما بعدها. طبعة دار الفكر بيروت، ط 1 1407 هجري. وراجع: حول عبث الأمويين في الأموال: العدالة الاجتماعية في الإسلام، سيد قطب.

6- وسائل الشيعة، الحر العاملي تحقيق عبد الكريم الشيرازي ج 11 ص 39 ط 5 المكتبة الإسلامية - طهران 1401 هجري (الشهيد). وراجع الطبعة المحققة، مؤسسة آل البيت ـ قم ج 15 ص 54 كتاب الجهاد.

7- السرائر، لابن إدريس ج 3 ص 569 الرواية عن أبي عبد الله السيّاري عن رجل من الأصحاب مؤسسة النشر الإسلامي ـ قم (الشهيد).