|
المبحث الثاني: الإيجابية ممثلةً بنظام الشورى
إنّ الطريق الثاني المفترض، هو أن يخطط الرسول القائد (صلّى الله عليه وآله) لمستقبل الدعوة بعد وفاته، ويتخذ موقفاً إيجابياً، فيجعل القيمومة على الدعوة، وقيادة التجربة للأمة ممثلةً ـ على أساس نظام الشورى ـ في جيلها العقائدي الأول الذي يضمُّ مجموع المهاجرين والأنصار، فهذا الجيل الممثل للأمة هو الذي سيكون قاعدة للحكم، ومحوراً لقيادة الدعوة في خط نموها. بالنسبة لهذا الافتراض، يلاحظ هنا أن طبيعة الأشياء، والوضع العام الثابت عن الرسول الأكرم والدعوة والدعاة، يرفض هذه الفرضية، وينفي أن يكون النبي (صلّى الله عليه وآله) قد انتهج هذا الطريق، واتجه الى ربط قيادة الدعوة بعده مباشرةً بالأمة ممثلة في جيلها الطليعي من المهاجرين والأنصار على أساس نظام الشورى. وفيما يأتي بعض النقاط التي توضح ذلك: النقطة الأولى: لو كان النبي (صلّى الله عليه وآله) قد اتخذ من مستقبل الدعوة بعده موقفاً إيجابياً يستهدف وضع نظام الشورى موضع التطبيق، بعد وفاته مباشرةً، وإسناد زعامة الدعوة الى القيادة التي تنبثق عن هذا النظام، لكان من أبْدَهِ الأشياء التي يتطلبها هذا الموقف الإيجابي، أن يقوم الرسول القائد بعملية توعيةٍ للأمة والدعاة على نظام الشورى، وحدوده وتفاصيله، وإعطائه طابعاً دينياً مقدساً، وإعداد المجتمع الإسلامي إعداداً فكرياً وروحياً لتقبل هذا النظام، وهو مجتمع نشأ من مجموعة من العشائر، لم تكن قد عاشت - قبل الإسلام - وضعاً سياسياً على أساس الشورى، وإنما كانت تعيش، في الغالب، وضع زعامات قبلية وعشائرية تتحكم فيها القوة والثروة وعامل الوراثة إلى حد كبير(1). ونستطيع بسهولة أن ندرك أن النبي (صلّى الله عليه وآله) لم يمارس عملية التوعية على نظام الشورى، وتفاصيله التشريعية، ومفاهيمه الفكرية، لأنّ هذه العملية لو كانت قد اُنجزت، لكان من الطبيعي أن تنعكس وتتجسد في الأحاديث المأثورة عن النبي (صلّى الله عليه وآله)، وفي ذهنية الأُمة، أو على الأقل في ذهنية الجيل الطليعي منها، الذي يضمُّ المهاجرين والأنصار، بوصفه هو المكلف بتطبيق نظام الشورى، مع أننا لا نجدُ في الأحاديث عن النبي (صلّى الله عليه وآله) أيَّ صورةٍ تشريعية محددة لنظام الشورى(2). وأما ذهنية الأُمة أو ذهنية الجيل الطليعي منها فلا نجد فيها أيَّ ملامح أو انعكاسات محددة لتوعيةٍ من ذلك القبيل. فإنَّ هذا الجيل كان يحتوي على اتجاهين، أحدهما الاتجاه الذي يتزعمه أهل البيت، والآخر الاتجاه الذي تمثله السقيفة والخلافة التي قامت فعلاً بعد وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله). فأما الاتجاه الأول؛ فمن الواضح أنه كان يؤمن بالوصاية والإمامة، ويؤكد على القرابة، ولم ينعكس منه الإيمان بفكرة الشورى(3). وأما الاتجاه الثاني؛ فكل الأرقام والشواهد في حياته وتطبيقه العملي تدلُّ بصورة لا تقبل الشك على أنه لم يكن يؤمن بالشورى، ولمْ يبنِ ممارساته الفعلية على أساسها، والشيء نفسه نجده في سائر قطاعات ذلك الجيل الذي عاصرَ وفاة الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) من المسلمين(4). ونلاحظ بهذا الصدد للتأكد من ذلك، أنَّ أبا بكر ـ حينما اشتدت به العلة ـ عهد الى عمر بن الخطاب، فأمر عثمانَ أن يكتب عهدَه، وكتبَ (بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما عهد به أبو بكر خليفة رسول الله، الى المؤمنين والمسلمين: سلام عليكم فإني أحمد الله اليكم. أما بعد: فإني قد استعملتُ عليكم عمرَ بن الخطاب، فاسمعوا وأطيعوا)(5) ودخل عليه عبد الرحمن بن عوف فقال: كيف أصبحتَ يا خليفة رسول الله؟ فقال: أصبحت مولياً، وقد زدتموني على ما بي، إذ رأيتموني استعملتُ رجلاً منكم، فكلكم قد أصبح وَرِماً أنفُه، وكلٌّ يطلبها لنفسه...)(6). وواضح من هذا الاستخلاف، وهذا الاستنكار للمعارضة، أنّ الخليفة لم يكن يفكر بعقلية نظام الشورى، وأنه كان يرى من حقه تعيين الخليفة، وأن هذا التعيين يفرض على المسلمين الطاعة، ولهذا أمرهم بالسمع والطاعة(7)، فليس هو مجرد ترشيح أو تنبيه، بل هو إلزامٌ ونصبٌ. ونلاحظ أيضاً أنّ عمر رأى هو الآخر، أيضا، أن من حقه فرض الخليفة على المسلمين، ففرضه في نطاق ستة أشخاص، وأوكل أمرَ التعيين إلى الستة أنفسهم دون أن يجعلَ لسائر المسلمين أيَّ دور حقيقي في الانتخاب(8)، وهذا يعني أيضاً، أن عقلية نظام الشورى لم تتمثل في طريقة الاستخلاف التي انتهجها عمر، كما لم تتمثل، من قبلُ، في الطريقة التي سلكها الخليفة الأول. وقد قال عمر ـ حين طلب منه الناسُ الاستخلاف ـ: (لو أدركني أحد رجلين فجعلتُ هذا الأمر اليه لوَثِقتُ به: سالم مولي أبي حذيفة، وأبي عبيدة بن الجراح، ولو كان سالمٌ حيّاً ما جعلتها شورى...) (9). وقد قال أبو بكر لعبد الرحمن بن عوف، وهو يناجيه على فراش الموت: (وددتُ أني كنت سألت رسولَ الله (صلّى الله عليه وآله) لمن هذا الأمر، فلا ينازعه أحدٌ...)(10) وحينما تجمع الأنصار في السقيفة لتأمير سعد بن عبادة، قال منهم قائل: (إنْ أبت مهاجرة قريش فقالوا نحن المهاجرون، ونحن عشيرتُه وأولياؤه، فقالت طائفة منهم إذن نقول منّا أميرٌ ومنكم أمير، لن نرضى بدون هذا منهم أبداً...)(11). وحينما خطب أبو بكر فيهم قال: (كنّا معاشر المسلمين المهاجرين أول الناس اسلاماً، والناس لنا في ذلك تبع، نحن عشيرة رسول الله وأوسط العرب أنساباً...)(12). وحينما اقترح الأنصار أن تكون الخلافة دورية بين المهاجرين والأنصار ردّ أبو بكر قائلاً: (إنَّ رسول الله لما بُعث عظُم على العرب أن يتركوا دين آبائهم فخالفوه وشاقوه، وخصَّ الله المهاجرين الأولين من قومه بتصديقهِ... فهم أول من عبدَ اللهَ في الأرض، وهم أولياؤه وعترته، وأحق الناس بالأمر بعده، لا ينازعهم فيها إلاّ ظالم...)(13). وقال الحباب بن المنذر، وهو يشجع الأنصار على التماسك: (املكوا عليكم أيديكم إنما الناس في فيئكم وظلكم، فإن أبى هؤلاء فمنّا أميرٌ ومنهم أمير...)(14) وردّ عليه عمر قائلاً: (هيهات لا يجتمع سيفان في غمد.. من ذا يخاصمنا في سلطان محمد وميراثه، ونحن أولياؤه وعشيرته إلاّ مدلٌّ بباطل، أو متجانف لإثم، أو متورط في هلكة)(15). إنَّ الطريقة التي مارسها الخليفة الأولى والخليفة الثاني للاستخلاف، وعدم استنكار عامة المسلمين لتلك الطريقة، والروح التي سادت على منطق الجناحين المتنافسين من الجيل الطليعي، المهاجرين والأنصار يوم السقيفة، والاتجاه الواضح الذي بدا لدى المهاجرين نحو تقرير مبدأ انحصار السلطة بهم، وعدم مشاركة الأنصار في الحكم، والتأكيد على المبررات الوراثية التي تجعل من عشيرة النبي أولى العرب بميراثه، واستعداد كثير من الأنصار لتقبل فكرة أميرين، أحدهما من الأنصار والآخر من المهاجرين، واعلان أبي بكر الذي فاز بالخلافة ـ في ذلك اليوم ـ عن أسفه لعدم السؤال من النبي عن صاحب الأمر بعده...(16)، كل ذلك يوضح، بدرجة لا تقبل الشك، أن هذا الجبل الطليعي من الأُمة الإسلامية ـ بما فيه القطاع الذي تسلّم الحكم، بعد وفاة النبي ـ لم يكن يفكر بذهنية الشورى، ولم يكن يملك فكرة محددة عن هذا النظام، فكيف يمكن أن نتصور أن النبي (صلّى الله عليه وآله) قد مارس عملية توعية على نظام الشورى تشريعياً وفكرياً، وأعدَّ جيلَ المهاجرين والأنصار لتسلم قيادة الدعوة بعده على أساس هذا النظام، ثمّ لا نجد لدى هذا الجيل تطبيقاً واعياً لهذا النظام أو مفهوماً محدداً عنه؟(17) كما أننا لا يمكن أن نتصور ـ من ناحية اخرى ـ أنَّ الرسول القائد يضع هذا النظام، ويحدده تشريعياً ومفهومياً، ثمّ لا يقوم بتوعية المسلمين عليه وتثقيفهم به(18). وهكذا يبرهن ما تقدم على أنَّ النبي (صلّى الله عليه وآله) لم يكن طرح الشورى كنظام بديلٍ على الأُمة، إذ ليس من الممكن عادةً أن تُطرح بالدرجة التي تتناسب مع أهميتها، ثمّ تختفي اختفاءً كاملاً عن الجميع وعن كل الاتجاهات(19). ومما يوضح هذه الحقيقة بدرجةٍ اكبر أن نلاحظ: أولاً: إنَّ نظام الشورى كان نظاماً جديداً بطبيعته على تلك البيئة التي لم تكن قد مارست، قبل النبوة، أي نظام مكتمل للحكم (20). فكان لابدَّ من توعيةٍ مكثفة ومركزّة عليه كما أوضحنا ذلك. ثانياً: إنَّ الشورى، كفكرةٍ، مفهوم غائمٌ، لا يكفي طرحه هكذا، لإمكان وضعه موضع التنفيذ، ما لم تشرح تفاصيله وموازينه ومقاييس التفضيل عند اختلاف الشورى، وهل تقوم هذه المقاييس على أساس العدد والكم، أو على أساس الكيف والخبرة؟ الى غير ذلك مما يحدد للفكرة معالمها ويجعلها صالحة للتطبيق(21) فورَ وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله). ثالثاً: إنّ الشورى تعبّر في الحقيقة عن ممارسة للأمة ـ بشكل أو آخر ـ للسلطة عن طريق التشاور وتقرير مصير الحكم، فهي مسؤولية تتعلق بعدد كبير من الناس هم كل الذين تشملهم الشورى، وهذا يعني أنها لو كانت حكماً شرعياً يجب وضعه موضع التنفيذ عقيب وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله) لكان لا بدَّ من طرحه على أكبر عدد من اولئك الناس لأنَّ موقفهم من الشورى ايجابي، وكلّ منهم يتحمل قسطاً من المسؤولية(22). وكل هذه النقاط تبرهن على أن النبي (صلّى الله عليه وآله) في حالة تبنّيه لنظام الشورى، كبديلٍ له بعد وفاته، يتحتم عليه أن يطرح فكرة الشورى على نطاق واسع، وبعمق، وباعداد نفسي عام، وملءٍ لكل الثغرات، وابراز لكل التفاصيل التي تجعل الفكرة عملية، وطرحٌ للفكرة على هذا المستوى كماً وكيفاً وعمقاً، لا يمكن أن يمارسه الرسولُ الأعظم (صلّى الله عليه وآله)، ثمّ تنطمس معالمه لدى جميع المسلمين الذين عاصروه الى حين وفاته صلوات الله عليه. وقد يفترض أنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله) كان قد طرح فكرة الشورى بالصورة اللازمة، وبالحجم الذي يتطلبه الموقف كماً وكيفاً، واستوعبها المسلمون، غير أن الدوافع السياسية استيقظت فجأةً وحجبت الحقيقة وفرضت على الناس كتمان ما سمعوه من النبي فيما يتصل بالشورى وأحكامها وتفاصيلها. غير أنَّ هذا الافتراض ليس عملياً، لأنَّ تلك الدوافع مهما قيل عنها، فهي لا تشمل المسلمين الاعتياديين من الصحابة الذين لم يساهموا في الأحداث السياسية عقب وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله)، ولا في بناء هرم السقيفة، وكان موقفهم موقف المترسل، وهؤلاء يمثلون في كل مجتمع جزءاً كبيراً من الناحية العددية مهما طغى الجانب السياسي عليه(23). فلو كانت الشورى مطروحةً من قبل النبي (صلى الله عليه وآله) بالحجم المطلوب لما اختص الاستماع الى نصوصها بأصحاب تلك الدوافع، بل لسمعها مختلف الناس، ولانعكست بصورة طبيعية عن طريق الاعتياديين من الصحابة كما انعكست فعلاً النصوص النبوية على فضل الإمام (عليه السلام) ووصايته عن طريق الصحابة أنفسهم، فكيف لم تَحُل الدوافع السياسية دون أن تصل الينا مئات الأحاديث ـ عن طريق الصحابة ـ عن النبي (صلى الله عليه وآله) في فضل علي (عليه السلام) ووصايته ومرجعيته(24)، على الرغم من تعارض ذلك مع الاتجاه السائد وقتئذٍ، ولم يصلنا شيء ملحوظ من ذلك فيما يتصل بفكرة الشورى؟(25) بل حتى اولئك الذين كانوا يمثلون الاتجاه السائد كانوا في كثير من الأحيان يختلفون في المواقف السياسية، وتكون من مصلحة هذا الفريق أو ذاك أن يرفع شعار الشورى ضد الفريق الآخر، ومع ذلك لم نعهد أنَّ فريقاً منهم استعمل هذا الشعار كحكم سمعه من النبي (صلى الله عليه وآله)، فلاحظوا ـ على سبيل المثال ـ موقف طلحة من تعيين أبي بكر لعمر، واستنكاره لذلك، وإعلانه السخط على هذا التعيين(26)، فإنه لم يُفكرـ على رغم ذلك ـ أن يلعب ضد هذا التعيين بورقة الشورى، ويشجب موقف أبي بكر، بأنه يخالف ما هو المسموع من النبي (صلى الله عليه وآله) عن الشورى والانتخاب. النقطة الثانية: إنَّ النبي لو كان قد قررَ أن يجعل من الجيل الإسلامي الرائد، الذي يضمّ المهاجرين والأنصارَ من صحابته قيّماً على الدعوة بعده، ومسؤولاً عن مواصلة عملية التغيير، فهذا يحتمّ على الرسول القائد (صلى الله عليه وآله) أنْ يعبئ هذا الجيل تعبئةً رساليةً وفكرية واسعة، يستطيع ان يمسك بالنطرية بعمق ويمارس التطبيق في ضوئها بوعي، ويضع للمشاكل التي تواجهها الدعوة باستمرار حلولها النابعة من الرسالة، خصوصاً إذا لاحظنا أنَّ النبي (صلى الله عليه وآله) كان ـ وهو الذي بشّرَ بسقوط كسرى وقيصر(27) ـ يعلمُ بأنَّ الدعوةَ مقبلةٌ على فتوح عظيمة، وأنَّ الأُمة الإسلامية سوف تضمّ إليها في غدٍ قريبٍ شعوباً جديدة ومساحةً كبيرة، وتواجه مسؤولية توعيةِ تلك الشعوب على الإسلام، وتحصين الأُمة من أخطار هذا الانفتاح، وتطبيق أحكام الشريعة على الأرض المفتوحة وعلى أهل الأرض، وبالرغم من أنّ الجيل الرائد من المسلمين كان أنظف الأجيال التي توارثت الدعوة وأكثرها استعداداً للتضحية، بالرغم من كل ذلك، لا نجد فيها ملامح ذلك الإعداد الخاص للقيمومة على الدعوة، والتثقيف الواسع العميق على مفاهيمها؛ والأرقام التي تبرر هذا النفي كثيرة لا يمكن استيعابها في هذا المجال. ويمكننا أن نلاحظ بهذا الصدد، أنّ مجموع ما نقله الصحابة من نصوص عن النبي (صلى الله عليه وآله) في مجال التشريع لا يتجاوز بضع مئات من الأحاديث (28)، بينما كان عدد الصحابة يناهز اثني عشر ألفاً على ما أحصته كتب التاريخ (29). وكان النبي (صلى الله عليه وآله) يعيش مع آلاف من هؤلاء في بلدٍ واحدٍ ومسجدٍ واحدٍ، صباحاً ومساءً، فهل يمكن أن نجدَ في هذه الأرقام ملامح الإعداد الخاص؟! والمعروف عن الصحابة أنهم كانوا يتحاشون من ابتداء النبي (صلى الله عليه وآله) بالسؤال حتى أنَّ أحدهم كان ينتظر فرصة مجيء أعرابي من خارج المدينة ـ يسأل ليسمع الجواب(30)، وكانوا يرون أنَّ من الترف الذي يجب الترفع عنه السؤال عن حكم قضايا لم تقع بعد. ومن أجل ذلك قال عمر على المنبر: (احرج بالله على رجلٍ سأل عمّا لم يكن، فإنَّ الله قد بيّن ما هو كائن...)(31) وقال: (لا يحلُّ لأحدٍ أن يسأل عمّا لم يكن. إنَّ الله قد قضى فيما هو كائن...)(32) وجاء رجلٌ يوماً الى ابن عمر يسأله عن شيء، فقال له ابن عمر: (لا تسأل عمّا لم يكن، فإني سمعتُ عمر بن الخطاب يلعن من سأل عمّا لم يكن...)(33)، وسأل رجلٌ أبيّ بن كعب عن مسألة، قال: (يا بُنيّ أكان الذي سألتني عنه؟ قال: لا، قال: أما لا، فأجلني حتى يكون)(34). (وقرأ عمر يوماً القرآن، فانتهى الى قوله تعالى: (فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً* وَعِنَباً وَقَضْبَاً* وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً* وَحَدائِقَ غُلْباً* وَفَاكِهَةً وَأَبّاً)(35)، فقال كل هذا عرفناه، فما الأبّ؟ ثمّ قال: هذا لعمر الله هو التكلف، فما عليك أن لا تدري ما الأب، اتبعوا ما بين لكم هداه من الكتاب فاعملوا به، وما لم تعرفوه فكِلوه الى ربّه...)(36). وهكذا نلاحظ اتجاهاً لدى الصحابة الى العزوف عن السؤال إلاّ في حدود المشاكل المحددة الواقعة. وهذا الاتجاه هو الذي أدّى الى ضآلة عدد النصوص التشريعية التي نقلوها عن الرسول (صلى الله عليه وآله)، وهو الذي أدّى ـ بعد ذلك ـ الى الاحتياج إلى مصادر اُخرى غير الكتاب والسنة، كالاستحسان والقياس وغيرهما من ألوان الاجتهاد التي يتمثل فيها العنصر الذاتي للمجتهد(37)، الأمر الذي أدّى الى تسرّب شخصية الإنسان بذوقه وتصوراته الخاصة الى التشريع... وهذا الإتجاه أبعد ما يكون عن عملية الإعداد الرسالي الخاص التي كانت تتطلب تثقيفاً واسعاً لذلك الجيل وتوعية له على حلول الشريعة للمشاكل التي سوف يواجهها عِبرَ قيادته. وكما أمسك الصحابة عن مبادرة النبي بالسؤال، كذلك أمسكوا عن تدوين آثار الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله ) وسنته(38) على رغم أنها المصدر الثاني من مصادر الإسلام، وأنّ التدوين كان هو الاسلوب الوحيد للحفاظ عليها وصيانتها من الضياع والتحريف، فقد أخرج الهروي في ذمّ الكلام عن طريق يحيى بن سعد عن عبد الله بن دينار قال: لم يكن الصحابة، ولا التابعون، يكتبون الأحاديث، وإنما كانوا يؤدونها لفظاً ويأخذونها حفظاً(39). بل إنَّ الخليفة الثاني ـ على ما في طبقّات ابن سعد ـ ظلَّ يفكر في الموقف الأفضل تجاه سة الرسول، واستمر به التفكير شهراً ثمّ أعلن منعه عن تسجيل شيء من ذلك(40). وبقيت سنة الرسول الأعظم التي هي أهم مصدر للإسلام بعد الكتاب الكريم، في ذمة القدر يتحكم فيها النسيان تارةً، والتحريف أُخرى، وموت الحفاظ ثالثةً، طيلةَ مائة وخمسين سنةً تقريباً(41). ويستثنى من ذلك اتجاه أهل البيت، فإنهم دأبوا على التسجيل والتدوين منذ العصر الأول، وقد استفاضت رواياتنا عن أئمة أهل البيت بأنَّ عندهم كتاباً ضخماً مدوناً بإملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) وخط عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)(42) فيه جميع سنن رسول الله (صلى الله عليه وآله). فهل ترى بربّك أنَّ ذلك الاتجاه الساذج ـ إن كانت المسألة مسألة سذاجة ـ الذي ينفر من السؤال عن واقعة قبل حدوثها ويرفض تسجيل سنن النبي (صلى الله عليه وآله) بعد صدورها كفؤاً لزعامة الرسالة الجديدة وقيادتها في أهم وأصعب مراحل مسيرتها الطويلة؟! أو هل ترى بربّك أن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) كان يترك سنته مبعثرة بدون ضبط وتسجيل مع أنه يأمر بالتمسك بها؟(43) أوَلم يكن من الضروري إذا كان يمهّد لفكرة الشورى حقاً أن يحدد للشورى دستورها ويضبط سنته لكي تسير الشورى على منهاج ثابت محدد لا تتلاعب به الأهواء؟(44) أوليس التفسير الوحيد المعقول لهذا الموقف من النبي أنه كان قد أعدَّ الإمام عليّاً للمرجعية وزعامة التجربة بعده، وأودعه سنَّتَه كاملةً، وعلمه ألف باب من العلم(45). وقد أثبتت الأحداث ـ عد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) ـ نَّ جيل المهاجرين والأنصار، لم يكن يملك أيَّ تعليمات محددة عن كثير من المشاكل الكبيرة، التي كان من المفروض أن تواجهها الدعوة بعد النبي، حتى أنَّ المساحة الهائلة من الأرض، التي امتدَّ اليها الفتح الإسلامي، لم يكن لدى الخليفة والوسط الذي يسنده، أي تصور محدد عن حكمها الشرعي، وعمّا إذا كانت تقسّم بين المقاتلين أو تجعل وقفاً على المسلمين عموماً(46) فهل يمكننا أن نتصور أنَّ النبي يؤكد للمسلمين أنهم سوف يفتحون أرض كسرى وقيصر(47)، ويجعل من جيل المهاجرين والأنصار القيّم على الدعوة، والمسؤول عن هذا الفتح، ثمّ لا يخبره بالحكم الشرعي الذي يجب أن يطبقه على تلك المساحة الهائلة من الدنيا التي سوف يمتد اليها الإسلام؟ بل إننا نلاحظ أكثر من ذلك أن الجيل المعاصر للرسول (صلّى الله عليه وآله) لم يكن يملك تصورات واضحة محددة حتى في مجال القضايا الدينية التي كان النبي (صلى الله عليه وآله) يمارسها مئات المرات، وعلى مرأى ومسمع من الصحابة، ونذكر على سبيل المثال لذلك؛ الصلاة على الميت، فإنها عبادة كان النبي (صلى الله عليه وآله) قد مارسها علانيةً مئات المرات، وأداها في مشهد عام من المشيعين والمصلين، وبالرغم من ذلك يبدو أن الصحابة كانوا لا يجدون ضرورة معرفة هذه العبادة ما دام النبي (صلى الله عليه وآله) يؤديها، وما داموا يتابعون فيها النبي، فصلاً بعد فصل. ولهذا وقع الاختلاف بينهم بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) في عدد التكبيرات في صلاة الميّت، (فقد أخرج الطحاوي عن إبراهيم قال: قُبض رسول الله، والناس مختلفون في التكبير على الجنازة لا تشاء أن تسمعَ رجلاً يقول سمعتُ رسول الله يكبر خمساً، وآخر يقول سمعت رسولَ الله يكبرِّ أربعاً، فاختلفوا في ذلك حتى قبض أبو بكر، فلما ولي عمر، ورأى اختلاف الناس في ذلك، شق عليه جداً، فأرسل الى رجال من أصحاب رسول الله فقال: (إنكم معاشر أصحاب رسول الله متى تختلفون على الناس يختلفون من بعدكم، ومتى تجتمعون على أمر يجتمع الناس عليه، فانظروا ما تجتمعون عليه، فكأنما أيقظهم، فقالوا: نِعْمَ ما رأيت يا أمير المؤمنين)(48). وهكذا نجد أنَّ الصحابة كانوا في حياة النبي (صلى الله عليه وآله) يتّكلون غالباً على شخص النبي (صلى الله عليه وآله)، ولا يشعرون بضرورة الاستيعاب المباشر للأحكام والمفاهيم ما داموا في كنف النبي (صلى الله عليه وآله)(49). وقد تقول إنَّ هذه الصورة التي عُرضت عن الصحابة، وما فيها من أرقام على عدم كفايتهم للقيادة يتعارض مع ما نؤمن به جميعاً من أنَّ التربية النبوية أحرزت درجةً هائلة من النجاح، وحققت جيلاً رسالياً رائعاً!!. والجواب: إنّا بما قدمناه قد حددنا الصورة الواقعية لذلك الجيل الواسع الذي عاصر وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) دون أن نجدَ في ذلك ما يتعارض مع التقييم الإيجابي بدرجة عالية للتربية النبوية التي مارسها الرسول (صلى الله عليه وآله) في حياته الشريفة، لأننا في نفس الوقت الذي نؤمن فيه بأنَّ التربية النبوية كانت مثلاً ربانيّاً رائعاً وبعثاً رسالياً متميزاً في تاريخ العمل النبوي على مرِّ الزمن نجدُ أنَّ الإيمان بذلك والوصول الى تقييم حقيقي لمحصول هذه التربية ونتائجها، لا يقوم على أساس ملاحظة النتائج بصورة منفصلةٍ عن ظروف التربية وملابساتها، ولا على اساس ملاحظة الكم، بصورة منفصلة عن الكيف. ومن أجل توضيح ذلك خذ هذا المثال، نفترض مدرساً يدرّس عدداً من طلبة اللغة الانكليزية وآدابها، ونريد أن نقيّم قدرته التدريسية فإننا لا نكتفي بمجرد دراسة مدى وما وصل إليه هؤلاء الطلبة من ثقافة واطلاع على اللغة الانكليزية وآدابها، وإنما نربط ذلك بتحديد الزمن الذي مارس فيه المدرس تدريسه لهؤلاء الطلبة، وبتحديد الوضع القَبْلِي لهم، ودرجة قربهم أو بعدهم مسبقاً عن أجواء اللغة الانكليزية وآدابها، وحجم الصعاب والعقبات الاستثنائية التي واجهت عملية التدريس، وأعاقت سيره الطبيعي، والهدف الذي كان المدرس يتوخاه من تدريس طلبته آداب تلك اللغة، ونسبة المحصول النهائي لعملية التدريس الى حالات تدريس اخرى مختلفة(50). ففي مجال تقييم التربية النبوية يجب أن نأخذ بعين الاعتبار: أولاً: قصر الفترة الزمنية التي مارس النبي (صلى الله عليه وآله) فيها تربيته، لأنها لا تتجاوز تقريباً عقدين من الزمن بالنسبة إلى أقدم صحبة من القلائل الذين رافقوه في بدايات الطريق، ولا تتجاوز عقداً واحداً من الزمن بالنسبة الى الكثرة الكاثرة من الأنصار، ولا تتجاوز ثلاث سنوات أو أربع بالنسبة الى الأعداد الهائلة التي دخلت الإسلام، ابتداءً منذ صلح الحديبية، واستمراراً الى حين فتح مكة. ثانياً: الوضع المسبق الذي كان هؤلاء يعيشونه من الناحية الفكرية والروحية والدينية والسلوكية قبل أن يبدأ النبي (صلى الله عليه وآله) بممارسة دوره، وما كانوا عليه من سذاجة وفراغ وعفوية في مختلف مجالات حياتهم، ولا أجدني بحاجة الى توضيح إضافي لهذه النقطة، لأنها واضحة بذاتها حيث إنَّ الإسلام لم يكن عملية تغيير في سطح المجتمع، بل هو عملية تغيير في الجدور، وبناء انقلابي لأمةٍ جديدةٍ، وهذا يعني الفاصل المعنوي الهائل بين الوضع الجديد الذي بدأ النبي (صلى الله عليه وآل) تربيته للأمة في اتجاهه، وبين الوضع السابق(51). ثالثاً: ما زخرت به تلك الفترة من أحداث وألوان الصراع السياسي والعسكري على جبهات متعددة، الأمر الذي ميّز طبيعة العلاقة بين الرسول الأعظم وصحابته من نوع العلاقة بين شخص كالسيد المسيح وتلامذته، فلم تكن علاقة مدرس ومربٍّ متفرغ لإعداد تلامذته، وإنما هي العلاقة التي تتناسب مع موقع الرسول كمربٍّ وقائد حربٍ ورئيس دولة(52). رابعاً: ما واجهته الجماعة المسلمة نتيجة احتكاكها بأهل الكتاب، وبثقافات دينية متنوعة من خلال صراعها العقائدي الاجتماعي فقد كان هذا الاحتكاك وما يطرحه على الساحة خصوم الدعوة الجديدة المثقفون بثقافات دينية سابقة، مصدر قلقٍ وإثارة مستمرة. وكلنا نعرف أنه شكل بعد ذلك تياراً فكرياً إسرائيلياً تسربَ بصورة عفوية، أو بسوء نيّةٍ الى كثيرٍ من مجالات التفكير(53)، ونظرة فاحصة في القرآن الكريم تكفي لاكتشاف حجم المحتوى لفكر الثورة المضادة، ومدى اهتمام الوحي برصدها ومناقشة أفكارها (54). خامساً: إنّ الهدف الذي كان يسعى المربي الأعظم (صلى الله عليه وآله) لتحقيقه على المستوى العام، وفي تلك المرحلة هو إيجاد القاعدة الشعبية الصالحة، التي يمكن لزعامة الرسالة الجديدة ـ في حياته أو بعد وفاته ـ أن تتفاعل معها، وتواصل عن طريقها التجربة، ولم يكن الهدف المرحلي وقتئذٍ، تصعيد الأُمة الى مستوى هذه الزعامة نفسها، بما تتطلبه من فهم كامل للرسالة، وتفقهٍ شامل على أحكامها، والتحام مطلق مع مفاهيمها. وتحديد الهدف في تلك المرحلة بالدرجة التي ذكرناها كان أمراً منطقياً تفرضه طبيعة العمل التغييري، إذ ليس من المعقول أن يرسم الهدف إلاّ وفقاً لممكنات عملية، ولا إمكان عملي في حالةٍ كالحالة التي واجهها الإسلام إلاّ ضمن الحدود التي ذكرناها، لأن الفاصل المعنوي والروحي والفكري والاجتماعي بين الرسالة الجديدة وبين الواقع الفاسد القائم، وقتئذٍ، كان لا يسمح بالارتفاع بالناس إلى مستوى زعامة هذه الرسالة مباشرة. وهذا ما سنشرحه في النقطة التالية(55) ونبرهن عن طريقه على أنَّ استمرار الوصاية على التجربة الانقلابية الجديدة، متمثلةً في إمامة أهل البيت وخلافة عليّ (عليه السلام)، كانت أمراً ضرورياً يفرضه منطق العمل التغييري على مسار التاريخ. سادساً: إنّ جزءاً كبيراً من الأُمة التي تركها النبي (صلى الله عليه وآله) بوفاته كان يمثل مسلمة الفتح، أي المسلمين الذين دخلوا الإسلام بعد فتح مكة(56)، وبعد أن أصبحت الرسالة الجديدة سيدة الموقف في الجزيرة العربية سياسياً وعسكرياً. وهؤلاء لم يتح للرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) أن يتفاعل معهم في الفترة القصيرة التي أعقبت الفتح إلاّ بقدر ضئيل، وكان جلّ تفاعله معهم، بوصفه حاكماً، بحكم المرحلة التي كانت الدولة الإسلامية تمرُّ بها، وفي هذه المرحلة برزت فكرة المؤلفة قلوبهم، والتي أخذت موضعها في تشريع الزكاة(57)، وفي اجراءات اخرى، ولم يكن هذا الجزء من الأمة مفصولاً عن الأجزاء الأخرى، بل كان مندمجاً فيها، ومؤثراً، ومتأثراً في نفس الوقت. ففي إطار هذه الأمور الستة نجد أن التربية النبوية أنتجت إنتاجاً عظيماً، وحققت تحولاً فريداً، وأنشأت جيلاً صالحاً مؤهلاً لما استهدفه النبي من تكوين قاعدة شعبية صالحة للالتفاف حول الزعامة القائدة للتجربة الجديدة وإسنادها، ولهذا نجد أنَّ ذلك الجيل كان يؤدي دوره كقاعدة شعبية صالحة ما دامت الزعامة القائدة الرشيدة كانت قائمة في شخص النبي، ولو قدر لهذا الزعامة أن تأخذ مسارها الرباني لظلت القاعدة تؤدي دورها الصالح، غير أنَّ هذا لا يعني ـ بحال من الأحوال ـ أنها مهيأة فعلاً لكي تتسلم هذه الزعامة، وتقود بنفسها التجربة الجديدة، لأنّ هذه التهيئة تتطلب درجة أكبر من الانصهار الروحي والإيماني بالرسالة، وإحاطة أوسع كثيراً بأحكامها ومفاهيمها ووجهات نظرها المختلفة عن الحياة، وتطهيراً أشمل لصفوفها من المنافقين والمندسين والمؤلفة قلوبهم، الذين كانوا لا يزالون يشكلون جزءاً من ذلك الجيل له أهميته العددية(58)، ومواقعه التاريخية، كما أنَّ له آثاره السلبية، بدليل حجم ما تحدث به القرآن الكريم عن المنافقين ومكائدهم ومواقفهم(59)، مع تواجد أفراد في ذلك الجيل قد استطاعت التجربة أن تبنيهم بناءً رسالياً رفيعاً، وتصهرهم في بوتقتها، كسلمان وأبي ذرٍّ وعمار وغيرهم(60). أقول: إنّ تواجد هؤلاء الأفراد ضمن ذلك الجيل الواسع لا يبرهن على أنَّ ذلك الجيل ككل بلغ الى الدرجة التي تبرر إسناد مهام التجربة اليه على أساس الشورى. وحتى اولئك الأفراد الذين مثلوا النمط الرفيع رسالياً من ذلك الجيل لا يوجد في أكثرهم ما يبرر افتراض كفايتهم الرسالية لزعامة التجربة من الناحية الفكرية والثقافية على رغم شدة إخلاصهم، وعمق ولائهم، لأن الإسلام ليس نظرية بشرية لكي يتحدد فكرياً من خلال الممارسة والتطبيق(61)، وتتبلور مفاهيمه عبرَ التجربة المخلصة، وإنما هو رسالة الله التي حددت فيها الأحكام والمفاهيم وزودت ربانيّاً بكل التشريعات العامة التي تتطلبها التجربة(62)، فلا بدَّ لزعامة هذه التجربة من استيعاب الرسالة بحدودها وتفاصيلها، ومن وعي بكل أحكامها ومفاهيمها(63)، وإلاّ اضطرت الى استلهام مسبقاتها الذهنية ومرتكزاتها القَبلية، وأدّى ذلك الى نكسة في مسيرة التجربة، وبخاصة إذا لاحظنا أن الإسلام كان هو الرسالة الخاتمة من رسالات السماء التي يجب أن تمتد مع الزمن، وتتعدى كل الحدود الوقتية والإقليمية والقومية(64)، الأمر الذي لا يسمح بأن تمارس زعامته التي تشكل الأساس لكل ذلك الامتداد، تجارب الخطأ والصواب، التي تتراكم فيها الأخطاء عِبرَ فترة من الزمن حتى تشكل ثغرةً تهدد التجربة بالسقوط والانهيار(65). وكل ما تقدم يدلّ على أنّ التوعية التي مارسها النبي (صلى الله عليه وآله) على المستوى العام للمهاجرين والأنصار، لم تكن بالدرجة التي يتطلبها إعداد القيادة الواعية الفكرية والسياسية لمستقبل الدعوة وعملية التغيير، وإنما كانت توعية بالدرجة التي تبني القاعدة الشعبية الواعية التي تلتف حول قيادة الدعوة في الحاضر والمستقبل. وأي افتراض يتجه الى القول بأن النبي (صلي الله عليه وآله) كان يخطط لإسناد قيادة التجربة والقيمومة على الدعوة بعدهُ مباشرةً الى جيل المهاجرين والأنصار، يحتوي ضمناً اتهام أذكى وأبصر قائد رسالي في تاريخ العمليات التغييرية، بعدم القدرة على التمييز بين الوعي المطلوب على مستوى القاعدة الشعبية للدعوة والوعي المطلوب على مستوى قيادة الدعوة وإمامتها الفكرية والسياسية. النقطة الثالثة: إنّ الدعوة عملية تغيير، ومنهاج حياة جديد، وهي تستهدف بناء أمة من جديد واقتلاع كل جذور الجاهلية ورواسبها من وجودها. والأُمة الإسلامية ـ ككل ـ لم تكن قد عاشت في ظل عملية التغيير هذه إلاّ عقداً واحداً من الزمن على أكثر تقدير، وهذا الزمن القصير لا يكفي ـ عادةً ـ في منطق الرسالات العقائدية، والدعوات التغييرية، لارتفاع الجيل الذي عاش في كنف الدعوة عشر سنوات فقط الى درجة من الوعي والموضوعية والتحرر من رواسب الماضي، والاستيعاب لمعطيات الدعوة الجديدة، تؤهله للقيمومة على الرسالة وتحمل مسؤوليات الدعوة ومواصلة عملية التغيير بدون قائد، بل إنَّ منطق الرسالات العقائدية يفرض أن تمرَّ الأُمة بوصاية عقائدية فترةً أطول من الزمن، تهيؤها للارتفاع إلى مستوى تلك القيمومة(66). وليس هذا شيئاً نستنتجه استنتاجاً فحسب، وإنما يعبّر أيضاً عن الحقيقة التي برهنت عليها الأحداث بعد وفاة القائد الرسول (صلى الله عليه وآله)، وتجلّت عِبرَ نصف قرنٍ أو أقل من خلال ممارسة جيل المهاجرين والأنصار لإمامة الدعوة والقيمومة عليها، إذ لم يمض على هذه القيمومة ربع قرن حتى بدأت الخلافة الراشدة والتجربة الإسلامية، التي تولى جيل المهاجرين والأنصار قيادتها تنهار تحت وقع الضربات الشديدة التي وجهها أعداء الإسلام القدامى(67)، ولكن من داخل إطار التجربة الإسلامية لا من خارجها، إذ استطاعوا أن يتسللوا الى مراكز النفوذ في التجربة بالتدريج، ويستغلوا القيادة غير الواعية، ثمّ صادروا بكل وقاحةٍ وعنف، تلك القيادة، وأجبروا الأُمة وجيلها الطليعي الرائد على التنازل عن شخصيته وقيادته، وتحولت الزعامة الى ملك موروث(68)، يَستهتر بالكرامات ويِقتُل الأبرياء(69)، ويُبعثِر الأموال(70)، ويُعطِّل الحدود، ويُجمِّد الأحكام (71)، ويَتلاعَب بمقدرات الناس، وأصبح الفيء والسواد بستاناً لقريش، والخلافة كرةً يتلاعب بها صبيان بني أميّة(72). فواقع التجربة بعد النبي، وما تمخض عنه بعد ربع قرن من نتائج يدعم الاستنتاج المتقدم، الذي يؤكد أنّ إسناد القيادة والإمامة الفكرية والسياسية لجيل المهاجرين والأنصار عقيب وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) مباشرة إجراء مبكر، وقبل وقته الطبيعي ولهذا ليس من المعقول أن يكون النبي قد اتخذ إجراءً من هذا القبيل.
الهوامش: 1- راجع: النظم الإسلامية، الدكتور عبد العزيز الدوري ص 7، مطبعة نجيب ـ بغداد 1950 م أيضاً النظم الإسلامية، الدكتور صبحي الصالح ص 50 دار العلم للملايين 1965. 2- يعترف الدكتور ضياء الدين الريس في كتابه (النظريات السياسية الإسلامية) بأن الخلافة بالصورة التي انتهى اليها نظام الشورى لم يكن أساسها الأحاديث، وإنما إجماع الصحابة على حدّ زعمه. ص 106 في الهامش ردّاً على آرنولد. ويظهر ذلك بصورة أوضح في معرض ردّه ومناقشته للدكتور عليّ عبد الرزاق في كتابه (الإسلام وأصول الحكم) إذ نفى هذا الأخير وجود أي نصوص تشريعية حديثية يستفاد منها نظام الحكم والسياسة وقد ردُّ عليه الدكتور الريس، محتجاً بما جرت عليه سيرة الخفاء الراشدين وإنَّ فعلهم ذاك هو الآخر له قيمة تشريعية في الإسلام. راجع ص 174 و 175. وراجع مناقشة وافية شافية كافية للنصوص التي قيل انها في الشورى، اساس الحكومة الإسلامية للعلامة السيد كاظم الحائري، ص 81 وما بعدها ـ مطبعة النيل ـ بيروت 1399. 3- راجع انكار الإمام عليّ (عليه السلام) فكرة الشورى، واحتجاجه على المؤتمرين في السقيفة عندما احتج أبو بكر بالقرابة من رسول الله (صلى الله عليه وآله) الخطبة الشقشقية وقوله عليه السلام: (فيالله وللشورى...) نهج البلاغة، شرح الإمام محمد عبده ج 1 ص 30 و 34. 4- لاحظ ما جرى يوم السقيفة من نقاش وحجاج؛ إذ لم يرد للشورى ذكر ولا اسم بل الذي جرى على خلافها، ومنها إطروحة منا أمير ومنكم أمير، وكيف رفض أبو بكر ومن بعده عمر بن الخطاب هذه الفكرة، ثمّ كيف بادر عمر بن الخطاب الى حسم الموقف بأن أخذ يد أبي بكر، وقال: (ابسط يدك لأبايعك...). راجع نصوص السقيفة في؛ تاريخ الطبري، ج 2 ص 234 وما بعدها، وفي ص 203 طبعة دار التراث، وراجع شرح النهج، لابن أبي الحديد ج 6 ص 6 - 9 . تحقيق أبو الفضل ابراهيم. 5- راجع: مختصر تاريخ دمشق، ابن منظور ج 18 ص 310، تاريخ الطبري ج 2 ص 352. 6- تاريخ اليعقوبي، ج 2 ص 126، طبعة النجف الحيدرية، (الشهيد) وراجع مختصر تاريخ ابن عساكر ج 18 ص 310، وتاريخ الطبري ج 4 ص 52 ط 1 الحسينية المصرية. 7- راجع مختصر تاريخ ابن عساكر، ج 18 ص 312: عن قيس بن أبي حازم، قال: خرج علينا عمر ومعه شديد مولى أبي بكر ومعه جريدة... فقال: أيها الناس اسمعوا قول خليفة رسول الله، إني قد رضيتُ لكم عمر، فبايعوه، وفي رواية: اسمعوا وأطيعوا لمن في هذه الصحيفة. 8- قال عمر لصهيب: (صلّ بالناس ثلاثة أيام، وأدخل عليّاً وعثمان والزبير وسعداً وعبد الرحمن بن عوف وطلحة، إنّ قَدِمَ، وأحضر عبد الله بن عمر ولا شيء له من الأمر وقم على رؤوسهم، فإن اجتمع خمسةٌ ورضوا رجلاً وأبى واحد فاشدخ رأسه، أو اضرب رأسه بالسيف، وإن اتفق أربعة فرضوا رجلاً منهم وأبي اثنان فاضرب رؤوسهما، فإن رضي ثلاثة رجلاً منهم، وثلاثة رجلاً منهم فحكموا عبد الله بن عمر، فاي الفريقين حكم له فليختاروا رجلاً منهم، فإن لم يرضوا بحكم عبد الله بن عمر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، واقتلوا الباقين إن رغبوا عمّا اجتمع عليه الناس...). راجع: تاريخ الطبري ج 2 ص 581، الكامل في التاريخ، ابن أثير ج 3 ص 67 طبعة دار صادر، وهذا النصّ غنيّ عن التعليق. 9- راجع طبقات ابن سعد، ج 3 ص 343 ـ طبعة دار صادر ـ بيروت (الشهيد)، وراجع تاريخ الطبري، ج 2 ص 580ا، الدار العلمية، الرواية تختلف عن رواية ابن سعد المذكورة. 10- تاريخ الطبري، ج 2 ص 354 ط 3 ـ طبعة دار الكتب العلمية ـ بيروت 1408 هجري (الشهيد). 11- المصدر السابق ج 2 ص 242. 12- المصدر السابق ج 2 ص 235. 13- المصدر السابق، ج 2 ص 242: وقد ردَّ الإمام عليّ (عليه السلام) مثل هذا الاحتجاج كما في مختصر تاريخ ابن عساكر، ج 18 ص 38 و 39، وحاصله: إنه إذا كان السبق الى الإسلام والإيمان هو الذي يرشح الإنسان للخلافة مع ضرورة كونه أقرب الى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأن يكون من أوليائه وعترته، فإنَّ عليّاً هو الأسبق الى عبادة الله والإيمان برسالة نبيه صلوات الله عليه، بل إنَّ عبادته لله لم تكن مسبوقة بشرك ـ فهم لم يسجد لصنم قط ـ على خلاف الجميع وأما القرب من رسول الله فهو من عترته وخاصته وهو بالنص الصريح وليّه وأخوه ونفسه ـ وأنه هو وحده الذي يؤدي عنه. راجع مسند الإمام أحمد، ج 4 ص 281. إذن بمقتضى هذا المنطق يلزم أن يكون هو الأحق لا غيره. 14- راجع تاريخ الطبري ج 2 ص 241 وما بعدها ـ حوادث سنة (11) هجرية. 15- المصدر السابق، ج 2 ص 243. وراجع شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ج 6 ص 6 - 9 (الشهيد). 16- تاريخ الطبري، ج 2 ص 354. 17- إذ حسب الافتراض لو كان هذا النظام قد جرت التوعية عليه كما يقتضيه الشأن دائماً، فلا بدَّ أن نعثرَ في النصوص عند هذا الجيل مفهوماً معيناً، أو تطبيقات معينةٍ، ولكن شيئاً من هذا لم يتم العثور عليه - كما نبّه الشهيد الصدر ـ وكما هو الواقع. 18- لأنّ التوعية في مثل هذه الموارد قد جرت عليه سيرتُه الشريفة وسنته المباركة، ونجد ذلك في الأمور التي هي أقل شأناً وأهمية من هذا الأمر في مناسبات وموارد لا تحصى كثرة. 19- اختفاء تفاصيل فكرة الشورى حتى على مستوى تحديد معالمها الاساسية كنظام للحكم حقيقة قائمة إذ لم ينقل أن أحداً من المتنازعين سواء في مؤتمر السقيفة أو بعده قد تقدم ولو بنص واحد يتعلق بها من قريب أو بعيد. راجع نصوص السقيفة مثلاً في تاريخ الطبري، ج 2 ص 234 وما بعدها. 20- قضية عدم وجود نظام للحكم في الجزيزة العربية ـ قبل البعثة النبوية وتأسيس دولة الإسلام في المدينة ـ أمر متسالم عليه عند المؤرخين لضرورة عدم وجود دولة أصلاً من جهة، ولخضوع العرب الى أعرافهم وتقاليدهم القبلية، راجع محاضرات في تاريخ العرب، الدكتور صالح أحمد العلي ط 2 ـ بغداد؛ وراجع محاضرات في تاريخ العرب الإسلام، الدكتور عبد اللطيف الطيباوي، ج 1 ص 121 ـ دار الأندلس ـ بيروت 1963؛ وراجع تاريخ العرب قبل الإسلام، القسم السياسي، الكتور جواد عليّ ـ طبعة دار المجمع العلمي العراقي، وراجع تاريخ الإسلام السياسي، الدكتور حسن إبراهيم حسن ص 51. 21- بلحاظ ضرورة الوضوح بدرجة كافية لحسم مسألة الرئاسة بعد شغور كرسيها تجنباً للمخاطر المتوقعة في حالة عدم وجود معايير محددة في هذا المجال. 22- أي كما هو الشأن في كل تكليف شرعي، إذ يقتضي البيان والتفصيل، وهذا ما كان عليه دأبه صلوات الله وسلامه عليه، في كل التكاليف الشرعية قال تعالى: (... وأنزَلنَا إليْكَ الذّكرَ لتُبيّنَ لِلنَّاسَ مَا نُزلَ إليْهِم ...)[سورة النحل: الآية44]؛ فلو كان حكماً شرعياً إذن، وواجباً يجب ممارسته ممن عنده الأهلية، لكان يقتضي البيان. 23- أي كما تمت محاولة طمس مبدأ الولاية لعلي (عليه السلام) ومع ذلك فإنَّ النصوص المتعلقة بها لم تختف تماماً ولا كلياً، بل وصلت نصوص كثيرة بلغ بعضها حدّ الشهرة والتواتر. راجع مختصر تاريخ ابن عساكر، ابن منظور ج 17 ص 356 وما بعدها وج 18 ص 1 - 50 فلو كان هناك بيانات ونصوص عن الشورى كنظام لاستعصت على الطمس. 24- راجع ما نقلنا في الدراسة (الملحق)، وراجع مختصر تاريخ ابن عساكر، لابن منظور ج 17 ص 354 وج 18 ص 1 - 50، وراجع حلية الأولياء، لأبي نعيم ج 1 ص 66، وراجع الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 338، وراجع ينابيع المودة للقندوزي ج 1 ص 62 وما بعدها وراجع السنن الكبرى ـ النسائي الخصائص ج 5 ص 128 وما بعدها. 25- من الملاحظ أن الكتّاب المسلمين الذين بحثوا في مسألة نظام الحكم، أو في مسألة الخلافة، ممن استبعد فكرة النص والتعيين ـ التي توفرت فيها مئات النصوص النبوية ـ واعتمد بدلها فكرة نظام الشورى محتجين بالقرآن في بعض الموارد، لم يعثروا على نصوص نبوية تسعفهم في تأييد دعواهم، ولذلك اضطروا الى اعتماد سيرة الصحابة، ومع ذلك فإنهم لم يجدوا تفسيراً منطقياً للوضع المتباين والمضطرب الذي كان عليه استخلاف الصحابة. راجع النظريات السياسية الإسلامية، الدكتورالريس، وراجع السقيفة والخلافة لعبد الفتاح عبد المقصود. 26- راجع مختصر تاريخ ابن عساكر، ابن منظور ج 18 ص 230 الرواية عن الشعبي وكان مع طلحة والزبير وسعيد وعبد الرحمن. 27- راجع تاريخ الطبري، ج 2 ص 92 ط 1 ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت حديث النبي عند حفر الخندق. 28- راجع سننن أبي داود، لاختصاصه بأحاديث الأحكام، والموطأ، للإمام مالك، مجموع أحاديثه (1570) بعضها مراسيل. 29- ما أحصاه ابن حجر في (الإصابة في تمييز الصحابة) في أربع مجلدات، بلغ عدد التراجم (12267). راجع بحوث في تاريخ السنة المشرفة، الدكتور أكرم ضياء العمري، هامش ص 71 ط 3 مؤسسة الرسالة ـ بيروت 1975، وراجع علوم الحديث ومصطلحه، الدكتور صبحي الصالح ص 354، فقد نقل عن أبي زرعة ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قبض عن (114000) مائة الف وأربعة عشر ألفاً من الصحابة. 30- راجع خطبة الإمام عليّ (عليه السلام) رقم 210 ص 327 نهج البلاغة، الدكتور صبحي الصالح. قال: (وليس كل أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) من كان يسأله ويستفهمه، حتى إن كانوا ليُحبون أن يجيء الأعرابي والطارئ فيسأله صلوات الله عليه حتى يسمعوا، وكان لا يمرُّ بي من ذلك شيء إلاّ سألته وحفظته...). 31- سنن الدارمي، ج 1 ص 50 نشر دار إحياء السنة النبوية. 32- المصدر السابق، ج 1 ص 50 (الشهيد). 33- المصدر السابق، ج 1 ص 50 (الشهيد). 34- المصدر السابق، ج 1 ص 56 (الشهيد). 35- سورة عَبس: آية 27 - 31. 36- الاتقان في علوم القرآن، السيوطي ج 2 ص 4 ـ تحقيق أبو الفضل ابراهيم. 37- انكر الاجتهادُ الشافعيُّ نظريتي الاستحسان والمصالح المرسلة، لأن الشريعة قد تكفلت ببيان كل ما يحتاج الإنسان الى معرفته من الأحكام، إما بالنص الصريح، أو بالاشارة، أو بطريق القياس المشروع، ولأن الاستحسان لا ضابط له ولا مقاييس يقاس بها الحق من الباطل،.. ولذا أُثِرَ عن الشافعي قوله: (من استحسن فقد شرّع...). راجع المدخل الفقهي العام، الدكتور مصطفى الزرقا ج 1 ص 124 ـ 125. 38- راجع في مسألة تدوين الحديث، والمنع منه أو إجازته فيما بعد ما أورده ونقله الدكتور صبحي الصالح ص20 وما بعدها في الهامش علوم الحديث ومصطلحه، طبعة دار العلم للملايين. 39- راجع المصدر السابق، وراجع: سنن الدارمي، ج 1 ص 119 باب من لم يرَ كتابة الحديث. 40- الطبقات الكبرى، ابن سعد ج 3 ص 287 ـ طبعة دار بيروت 1405. 41- كان أول تدوين رسمي للسنة على يد محمد بن مسلم بن شهاب الزهري (ت 124 هجري)، بأمر من عمر بن عبد العزيز ونقل عنه قوله: (لم يدون هذا العلم أحدٌ قبل تدويني...). وكان ذلك بداية المائة الثانية من الهجرة، راجع علوم الحديث ومصطلحه، الدكتور صبحي الصالح ص 46. 42- أصول الكافي، ج 1 ص 241 ـ 242، باب ذكر الصحيفة والجفر والجامعة...نشر دار الكتب الإسلامية طهران 1388 هجري. 43- كما في حديث الثقلين: (إني تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي...). وقد مرَّ تخريجه، راجع مثلاً صحيح مسلم، ج 4 ص 1874، وراجع الأصول العامة، محمد تقي الحكيم، بحث السنة. 44- أشرنا إلى مسألة الاضطراب في قضية الشورى واختلاف معاييرها ومعالمها من خلافة الى اخرى في الهامش رقم (50) وراجع: السقيفة والخلافة، عبد الفتاح عبد المقصود، ص 264. 45- راجع الإرشاد، الشيخ المفيد ص 22، ينابيع المودة، القندوزي ج 1 ص 62 وراجع الملحق الذي كتبناه: (الإعداد الفكري والتربوي لإمامة علي..). 46- راجع احكام القرآن، ابن عربي ج 4 ص 1778 سورة الحشر، وراجع: فتوح البلدان، البلاذري ص268. 47- تاريخ الطبري، ج 2 ص 92 في البشارة بفتح أرض كسرى وقيصر ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت. 48- راجع: عمدة القارئ شرح صحيح البخاري، ج 8 ص 137 باب التكبير على الجنازة طبعة دار إحياء التراث بيروت (الشهيد). 49- راجع: تمهيد لتاريخ الفلسفة، د. مصطفى عبد الرزاق ص 272. 50- التفاتة رائعة من الشهيد (رض) الى المعايير الدقيقة في عملية تقويم العمل التربوي ومحصوله النهائي. وهذه المعايير والملاحظات يمكن الإفادة منها في أية عملية إعداد فكري أو تربوي. وكذلك في أي عملية تقييم موضوعي لحالة مشابهة. 51- راجع ما كان عليه المجتمع العربي والحجازي قبل الإسلام: تاريخ العرب قبل الإسلام، الدكتور جواد عليّ القسم الديني، القسم الاجتماعي. 52- إن تنوع المسؤوليات وطبيعتها، والتحديات التي واجهت الرسول القائد كانت من الضخامة بحيث لم يتهيأ للرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) الوقت الكافي ليشمل بتربيته وتثقيفه القطاعات الواسعة من الأُمة. راجع علوم القرآن، محمد باقر الحكيم ص 96 ـ 100. 53- راجع: الإسرائيليات في التفسير والحديث، الدكتور محمد حسين الذهبي دار الإيمان دمشق 1985. 54- لاحظ سورة (المنافقون) في القرآن الكريم. ولاحظ حركة وتحركات اليهود والأدوار التي لعبوها في التاريخ الإسلامي، راجع: الإسرائيليات في القرآن، محمد جواد مغنية ـ طبعة بيروت. 55- أي في الفصل القادم «الطريق الثالث». 56- راجع تفسير الكشاف، الزمخشري ج 4 ص 810 تفسير سورة النصر. 57- كما جاء في قوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِين وَالعَاملينَ عَلَيْهَا وَالمُؤَلَّفةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرّقَابِ وَالغَارِمينَ وَفي سَبِيلِ الله وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ...)[سورة التوبة: الآية 60]. 58- يظهر أنهم من الكثرة بحيث شكلوا عبئاً على الموارد المالية للدولة، مما دفع الخليفة الثاني الى إلغائها بحجة أنَّ الإسلام صارَ عزيزاً قويّاً. 59- راجع تفسير سورة (المنافقون) في كتب التفاسير. 60- قال رسول الله: (إنّ الله أمرني بحبّ أربعةٍ وأخبرني أنه يحبهم: عليّ وأبو ذر والمقداد وسلمان) سنن ابن ماجة ج 1 ص 66، وراجع التاج الجامع للأصول ج 3 ص 405. 61- من المقولات الشائعة في أوساط أصحاب النظريات وعند المفكرين: أنّ النظرية تغتني بالتطبيق ولذلك ينبه الشهيد الصدر على أن الإسلام ليس من هذا القبيل. 62- لاحظ قوله تعالى: (... مَّا فَرَّطنَا فِي الكِتابِ مِن شَيءٍ...)[سورة الانعام: الآية 38]، وقال تعالى: (... وَنَزَّلنَا عَلَيكَ الكِتَابَ تِبيَاناً لِكُلِّ شَيءٍ...)[سورة النحل: الآية 89]، وقال تعالى: (... وَمَا آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهَاكُم عَنْهُ فَانتَهُواْ...)[سورة الحشر: الآية 7]. 63- راجع الدراسة التي ألحقت بالبحث في الآخر. 64- قال تعالى: (وَمَا أَرسَلْنَاكَ إِلاَّ كافةً لِلنَّاسِ...)[سورة سبأ: الآية 28]، وقال تعالى: (وَمَا أَرسَلْنَاكَ إلاّ رحمة لِلعَالَمينَ)[سورة الأنبياء: الآية 107]. 65- لقد أراد نبينا محمد (صلى الله عليه وآله) تجنيب أمته مرارة ومعاناة تجربة الخطأ والصواب، وما يمكن أن تجرّه على الأُمة المسلمة من ويلات وآلام وتيه فقال: (هلموا اكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعدي أبداً...) ولكن الرزية كلّ الرزيّة ـ على حد تعبير ابن عباس أن مُنعَ رسول الله من ذلك. راجع القصة في صحيح البخاري، ج 8 ص 161 باب الاعتصام. 66- لاحظ حدوث حالات النكوص والارتداد بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله)، ولاحظ المفارقات والمخالفات الصريحة لمتبنيات الإسلام وأخلاقيته فيما أقدمَ عليه حتى بعض القادة العسكريين الكبار، كما حصل من مثل خالد بن الوليد، إذ اتهمه الخليفة الثاني عمر في قصة مالك بن نويرة فقال عن خالد: انه قتلَ امرأً مسلماً ـ يعني مالك بن نويرة ـ ونزا على امرأته. راجع: تاريخ الطبري ج 2 ص 280، الطبعة المحققة دار التراث بيروت. 67- كان هذا منطق الرسالات السابقة، كما في وراثة سليمان لداود، وكما في خلافة هارون عن موسى: (قال اخلفني في قومي وأصلح...). ثمّ هو يقتضيه منطق الأشياء، ومنطق الشريعة الخاتمة ـ راجع الملحق. 68- يقصد بهم من أسلم زمن الفتح ـ فتح مكة ـ وكان من المؤلفة قلوبهم أبو سفيان ومعاوية تاريخ الطبري ج 2 ص 175. 69- راجع: المقدمة ابن خلدون ص 227 انقلاب الخلافة الى ملك طبعة دار الجيل، وقد نقل ابن الأثير، ج 3 ص 199 (طبعة الحلبي) عن عبد الرحمن بن أبي بكر، وهو يقاطع مروان حين كان يخطب على منبر المدينة، مدافعاً عن وجهة نظر معاوية، إذ صاح به عبد الرحمن قائلاً: كذبتَ والله وكذب معاوية، ما الخيار أردتما لأمة محمد، ولكنكم تريدون أن تجعلوها هرقلية كلما مات هرقل قام هرقل... وراجع تاريخ الخلفاء، السيوطي ص 203. 70- نقل ابن الأثير، ج 3 ص 487: عن الحسن البصري ـ وهو من أجلاء التابعين المشهورين ـ أنه قال: أربع خصال كنَّ في معاوية، لو لم تكن فيه إلاّ خصلة واحدة لكانت موبقة؛ انتزاؤه على هذه الأمة بالسيف حتى أخذ الأمر من غير مشورة، وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة؛ واستخلافه بعده ابنه يزيد سكيراً؛ وادعاؤه زياداً؛ وقتله حجر بن عدي وأصحاب حجر، فيا ويلاً له من حجر، ويا ويلاً له من حجر وأصحاب حجر... 71- راجع: التاج الجامع للأصول، ج 5 ص 310، وراجع للتفصيل: العدالة الاجتماعية في الإسلام، الشهيد سيد قطب ص 231 وما بعدها. راجع ما نقله السيوطي في تاريخه، ص 209 وما بعدها: ما ارتكبه يزيد من المنكرات الشنيعة، من قتله ريحانة رسول الله الحسين (عليه السلام)، وسبي حرم رسول الله، ومن ضرب الكعبة، واستباحة المدينة المنورة وقتل أهلها والاعتداء على النواميس. 72- يريد قول أبي سفيان لعثمان حين توليه الخلافة. راجع تاريخ الخلفاء، السيوطي ص 209. وراجع: النزاع والتخاصم بين بني هاشم وبني أمية، المقريزي ص 56 تحقيق الدكتور مؤنس. |