|
المبحث الثاني: المرجعية الفكرية والمرجعية القيادية
إنَّ إمامة أهل البيت والإمام عليّ التي تمثلها تلك الظاهرة الطبيعية تُعبِّر عن مرجعيتين: إحداهما المرجعية الفكرية، والأخرى المرجعية في العمل القيادي والاجتماعي، وكلتا المرجعيتين كانتا تتمثلان في شخص النبي (صلى الله عليه وآله)، وكان لابدّ في ضوء ما درسنا من ظروف أن يصمم الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) الامتداد الصالح له لتحمل كلتا المرجعيتين، لكي تقوم المرجعية الفكرية بملء الفراغات التي قد تواجهها ذهنية المسلمين، وتقديم المفهوم المناسب، ووجهة النظر الإسلامية فيما يستجد من قضايا الفكر والحياة، وتفسير ما يشكل ويغمض من معطيات الكتاب الكريم(1)، الذي يشكل المصدر الأول للمرجعية الفكرية في الإسلام، ولكي تقوم المرجعية القيادية الاجتماعية بمواصلة المسيرة، وقيادة المسيرة الإسلامية في خطّها الاجتماعي. وقد جمعت كلتا المرجعيتين لأهل البيت (عليهم السلام)، بحكم الظروف التي درسناها، وجاءت النصوص النبوية الشريفة تؤكد ذلك باستمرار. والمثال الرئيسي للنصّ النبوي على المرجعية الفكرية حديث الثقلين إذ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (إني أوشك أن ادعى فاجيب، وإني تارك فيكم الثقلين كتاب الله، حبلٌ ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، وأنَّ اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا عَلَيَّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما...)(2) والمثال الرئيسي للنص النبوي على المرجعية في العمل القيادي الاجتماعي حديث الغدير حيث أخرج الطبراني بسند مجمع على صحته، عن زيد بن أرقم قال: خطب رسول الله (صلى الله عليه وآله) بغدير خم تحت شجرات فقال: (أيها الناس يوشك أن أدعى فاجيب، واني مسؤول، وأنكم مسؤولون، فماذا أنتم قائلون؟ قالوا نشهد أنك قد بلغت، وجاهدت، ونصحت فجزاك الله خيراً، فقال: أليس تشهدون أن لا إله إلاّ الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وأنَّ الساعة آتية لا ريب فيها، وأنَّ الله يبعث من في القبور؟ فقالوا: بلى نشهد بذلك قال: اللهم اشهد. ثمّ قال: يا أيها الناس، إنَّ الله مولاي، وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه، فهذا مولاه ـ يعني علياً ـ اللهم والِ من والاه، وعاد من عاداه)(3). وهكذا جسّد هذان النصان النبويان الشريفان، في عدد كبير من أمثالهما، كلتا المرجعيتين في أهل البيت (عليهم السلام). وقد أخذ الاتجاه الإسلامي القائم على التعبد بنصوص النبي (صلى الله عليه وآله) بكلا النصين، وآمن بكلتا المرجعيتين، وهو اتجاه المسلمين الموالين لأهل البيت. ولئن كانت المرجعية القيادية الاجتماعية لكل إمام تعني ممارسته للسلطة خلال حياته، فإنَّ المرجعية الفكرية حقيقة ثابتة مطلقة لا تتقيد بزمان حياة الإمام. ومن هنا كان لها مدلولها العملي الحيّ في كل وقت، فما دام المسلمون بحاجةٍ الى فهم محدد للإسلام، وتعرف على أحكامه وحلاله وحرامه ومفاهيمه وقيمه، فهم بحاجة إلى المرجعية الفكرية المحددة ربانياً المتمثلة أولاً: في كتاب الله تعالى، وثانياً: في سنة رسوله (صلى الله عليه وآله) والعترة المعصومة من أهل البيت التي لا تفترق ولن تفترق عن الكتاب كما نصَّ الرسول(4) الأعظم (صلى الله عليه وآله). وأما الاتجاه الآخر في المسلمين الذي قام على الاجتهاد بدلاً عن التعبد بالنص، فقد قرّرَ في البدء عند وفاة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) تسليم المرجعية القيادية التي تمارس السلطة الى رجالات من المهاجرين وفقاً لاعتبارات متغيرة ومتحركة ومرنة. وعلى هذا الأساس تسلّم أبو بكر السلطة، بعد وفاة النبي مباشرةً على أساس ما تمَّ من تشاور محدود في مجلس السقيفة(5)، ثمّ تولّى الخلافة عمر بنص محدّد من أبي بكر(6) وخلفهما عثمان بنص غير محدّد من عمر(7)، وأدت المرونة بعد ثلث قرنٍ من وفاة الرسول القائد إلى تسلل أبناء الطلقاء(8) الذين حاربوا الإسلام بالأمس إلى مراكز السلطة. هذا فيما يتصل بالمرجعية القيادية التي تمارس السلطة، وأما بالنسبة إلى المرجعية الفكرية فقد كان من الصعب إقرارها في أهل البيت، بعد أن أدّى الاجتهاد إلى انتزاع المرجعية القيادية منهم، لاَنَّ إقرارها كان يعني خلق الظروف الموضوعية التي تمكنهم من تسلّم السلطة والجمع بين المرجعيتين، كما أنه كان من الصعب أيضاً من الناحية الأخرى، الاعتراف بالمرجعية الفكرية لشخص الخليفة الذي يمارس السلطة، لأن متطلبات المرجعية الفكرية تختلف عن متطلبات ممارسة السلطة. فالإحساس بجدارة الشخص لممارسة السلطة والتطبيق، لا يعني بحالٍ الشعور بإمكانية نصبه إماماً فكرياً، ومرجعاً أعلى بعد القرآن والسنة النبوية لفهم النظرية. لأنَّ هذه الإمامة الفكرية تتطلب درجةً عاليةً من الثقافة، والإحاطة واستيعاب النظرية، وكان من الواضح إنَّ هذا لم يكن متوفراً في أي صحابي بمفرده(9) إذ قطع النظر عن أهل البيت (عليهم السلام). ولهذا ظلَّ ميزان المرجعية الفكرية يتأرجح فترةً من الزمن، وظل الخلفاء، في كثير من الحالات، يتعاملون مع الإمام عليّ، على أساس إمامته الفكرية، أو على أساس قريب من ذلك، حتى قال الخليفة الثاني مرات عديدة: (لولا عليٌّ لهلك عمر، ولا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو حسن)(10) ولكن بمرور الزمن، بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله)، وتعوّد المسلمين تدريجياً على النظر الى أهل البيت، والإمام علي، بوصفهم أشخاصاً اعتياديين ومحكومين، أمكن الاستغناء عن مرجعيتهم الفكرية أساساً، وإسنادها الى بديل معقول، وهذا البديل ليس هو شخص الخليفة، بل الصحابة، وهكذا وُضِعَ بالتدريج مبدأ مرجعية الصحابة، ككل، بدلاً عن مرجعية أهل البيت، وهو بديل يستسيغه النظر بعد تجاوز المرجعية المنصوصة، لأنَّ هؤلاء هم الجيل الذي رافق النبي (صلى الله عليه وآله)، وعاشَ حياته وتجربته، ووعى حديثه وسنته(11). وبهذا فقد أهل البيت عملياً امتيازهم الرباني، وأصبحوا يشكلون جزءاً من المرجعية الفكرية بوصفهم صحابة. وبحكم ما قدر أن عاشه الصحابة أنفسهم من اختلافات حادَّة، وتناقضات شديدة، بلغت، في كثير من الأحيان الى مستوى القتال، وهَدر كل فريقٍ دمَ الفريق الآخر وكرامته، واتهامه بالانحراف والخيانة(12). وبحكم هذه الاختلافات والاتهامات بين صفوف الإمامة الفكرية، والمرجعية العقائدية نفسها، نشأت ألوانٌ من التناقض العقائدي والفكري(13) في جسم الأمة الإسلامية، كانعكاسات لأوجه التناقض في داخل تلك الإمامة الفكرية التي قررها الاجتهاد.
الهوامش: 1- راجع ما أثبتناه في الملحق آخر الكتاب حول هذه المسألة: مدى قدرة الإمام عليّ (عليه السلام) واستيعابه لكتاب الله تعالى واحاطته بخاصه وعامه، وبناسخه ومنسوخه وبأحكامه وشرائعه، وبظاهره وباطنه وراجع مثلاً: الإتقان، السيوطي ج 4 ص 234. 2- المستدرك على الصحيحين، الحاكم النيسابوري ج 3 ص 119، قال: صحح على شرط الشيخين (الشهيد) وقد أخرجه مسلم في صحيحه، ج 4 ص 1874 (الشهيد) وراجع: صحيح الترمذي، ج 1 ص 130 (الشهيد). السنن الكبرى، النسائي ج 5 ص 622 (الشهيد). مسند الإمام أحمد بن حنبل ج 4 ص 217، ج 3 ص 14 ص 17 (الشهيد) وراجع أيضاً: سنن الدارمي، ج 2 ص 432، باب فضائل القرآن طبعة دار إحياء السنة النبوية. 3- قال الشهيد الصدر في الهامش: وحديث الغدير مستفيض في كتب الحديث عند الشيعة والسنة معاً، وقد أحصى بعض المحققين عدد رواة الحديث من الصحابة فكانوا أكثر من مائة، وعددهم من التابعين فكانوا أكثر من ثمانين تابعياً، وعددهم من الحفاظ في القرن الثاني الهجري فكانوا قرابة ستين شخصاً من حفاظ الحديث ورجالاته. لاحظ كتاب الغدير للعلامة الأميني (الشهيد) أورد العلامة الأميني في كتابه الغدير عدة أحاديث عن زيد بن أرقم وبألفاظ مختلفة، ويبدو أن السيد الشهيد قد جمع بين تلك المرويات وأخرجها بهذا الشكل، راجع الغدير ج 1 ص 31 ـ 36، وراجع تخريج الحديث في الملحق، نذكر منها: سنن ابن ماجة ج 1 المقدمة ـ الباب 11. ومسند الإمام أحمد بن حنبل ج 4 ص 281، ص 368 ـ طبعة دار صادر. 4- حديث الثقلين المشهور ـ مرَّ تخريجه ـ. 5- راجع نصوص السقيفة، تاريخ الطبري، ج 2 ص 234. 6- راجع قصة استخلاف عمر المصدر السابق. 7- راجع قصة الستة الشورى في استخلاف عثمان، تاريخ الطبري، ج 2 ص 580 وراجع الخطبة الشقشقية للإمام عليّ ـ الخطبة رقم 3، نهج البلاغة ضبط الدكتور صبحي الصالح ص 48، وراجع شرحها لابن أبي الحديد ج 1 ص 151 وما بعدها تحقيق أبو الفضل إبراهيم، وراجع: السقيفة والخلافة عبد الفتاح عبد المقصود ص 264. 8- الطلقاء: وصف يطلق على من أسلم زمن الفتح في مكة ومنهم أبو سفيان وابنه معاوية، راجع: تاريخ الطبري، ج 2 ص161. علماً بأنهما كانا من المؤلفة قلوبهم راجع تاريخ الطبري، ج 2 ص 175. 9- لاحظ احتياجهم الى مرجعية الإمام عليّ (عليه السلام) في موارد كثيرة وما صدر عنهم من عبارات تصرّح بذلك. راجع تاريخ الخلفاء، السيوطي ص 171 هذا مع عدم رجوع الإمام عليّ (عليه السلام) الى أي واحدٍ منهم في أمور الشريعة وأحكامها. 10- الطبقات الكبرى، ج 2 ص 339. 11- لاحظ أولاً تقييم الشهيد الصدر للجيل الأول من الصحابة، وهو تقييم ينمُّ عن مدى الموضوعية التي تمسك بها الشهيد الصدر (رضوان الله عليه) في تناوله لتاريخ المسلمين، ولدور الرعيل الأول. وثانياً: إن جعل الصحابة بديلاً عن أهل البيت، لم يحظ بالقبول من كثير من أجلاء الصحابة كسلمان وعمار وأبي ذر والمقداد وغيرهم، بل بقي هؤلاء على ولائهم لأهل البيت. وثالثاً: إنه أصبحت سيرة الصحابة، أو قول الصحابي أمراً واقعاً، إلاّ أنه لم يتمّ التسليم بحجية أقوالهم، وحسبك أن سيرة الشيخين عرضت على الإمام علي (عليه السلام) يوم الشورى، فلم يقبل بها، وراجع المناقشة العلمية الشافية في الأصول العامة للفقه المقارن، العلامة محمد تقي الحكيم ص 133 ـ 142. 12- راجع اتهام الخليفة الثاني عمر بن الخطاب لخالد بن الوليد بأنه قتلَ رجلاً مسلماً ونزا على امرأته، تاريخ الطبري، ج 2 ص 274 ـ طبعة دار الكتب العلمية ـ بيروت. 13- راجع مناهج الاجتهاد، د. محمد سلام مدكور حول نشوء الفرق والمذاهب الإسلامية الكلامية والفقهية، والنزاعات الحاصلة بينهم. وراجع أيضاً: الملل والنحل، الشهرستاني ج 1 ص 15 وما بعدها. |