فهرس الكتاب

مكتبة العقائد الإمامية

مكتبة الموقع

 

مقدمة المحقق

 

بين يدي المؤلف والكتاب:

إنَّ الإمام الشيهد الصدر (رضي الله عنه) ـ الذي يُنشر له هذا البحث ـ عالمٌ رباني، وفقيه من أعاظم فقهاء العصر، ومجاهدٌ في سبيل الله، متفانٍ في سبيل الإسلام إلى درجة الاستشهاد. وهو (رضي الله عنه) كان ينبوعاً متدفقاً من العطاء العلمي الأصيل؛ فهو إمام فذّ في الدراسات الأصولية والفقهية، وعبقريٌّ نادر في المنطق ومناهج البحث، ومجدد في الفكر الإسلامي لمواجهة التحديات الفكرية المعاصرة، في الفلسفة والاقتصاد والاجتماع، وهو بعدَ ذلك كله قد أسهم باطروحاته، ونظراته، وآرائه الأصيلة في تأصيل المدرسة الإسلامية، وتجديد البحوث الكلامية، وإغناء المعرفة القرآنية، كما أرسى دعائمَ منهجٍ علمي رصين في كل ما تناوله قلمُه الشريف من موضوعات.

إنّ الدراسة الرائدة التي بين أيدينا حول (قضية التشيّع) قد نهج فيها الشهيد الصدر (رضي الله عنه) المنهج العلمي الرصين، وأحكم فيها المنطق النزيه، وسار في خطواتها بعمق الخبير البصير الذي يعرف منذ البداية كيف ينقل القارئ خطوة بعد خطوة بما يمليه منطق الحق.

لقد تناول الشهيد الصدر هذا الموضوع الخطير فجاء فيه على وجازته بما لم يسبقه إليه سابق، من قوة الحجة ومتانتها، ورصانة العبارة ودقتها، وحسن العرض ولطافته، مع كثرة نكته وإشاراته التي يفطن اليها كل أديب وأريب، ولكنها تغيب عمن لم يمارس هذا النوع من البحوث الكلامية العميقة، ولم يلج ميدان الحِجاج والمناظرة، ولم يعالج من قبل النصوص النبويّة الشريفة، والوقائع التأريخية. ومع أهمية هذا البحث العميق موضوعاً واسلوباً ومعالجةً، إلاّ أَنّ مما يؤسف له أَنه لم يُخرج إخراجا يليق به، ولم يحظ بالتحقيق والتعليق بما يُرشد إلى مظان الشواهد، ويوضح الدليل في موارد الإشارة، وينبه الى مواطن الحجة حتى يتجلى فيها للقارئ صدق المنطق فيطمئن الى منطق الصدق.

إنّ هذا البحث ـ الذي بين يديك ـ كان في الأصل تصديراً بقلم الشهيد الصدر (رضي الله عنه) لكتاب الدكتور عبد الله فياض الموسوم بـ(تاريخ الإمامية وأسلافهم من الشيعة) الذي صدرت طبعته الأولى في بغداد ـ مطبعة أسد ـ عام 1390 هجري، 1970 م. ثمّ نُشرَ في كتاب مستقلٍّ عام 1397 هجري. فقد نُشر في القاهرة باشراف السيد طالب الحسيني الرفاعي ـ دار أهل البيت ـ مطابع الدجوي ـ عابدين ـ القاهرة، الطبعة الأولى عام 1397 هجري، 1977 م، كما نُشر في العام نفسه من قبل دار التعارف للمطبوعات ـ بيروت. ولكن كلتا الطبعتين لم تكونا وافيتين بالغرض؛ إذ لم تعتنيا بالتحقيق والتدقيق، ولم تهتما بتخريج الأحاديث وتوثيق النصوص، فضلاً عن كثرة الأخطاء المطبعية، على أن طبعة القاهرة قد حظيت ببعض التعليقات النافعة بقلم السيد الرفاعي، وكانت أحسن ضبطاً، وأقل أخطاءً. هذا مع اختلاف الطبعيتن في العنوان، فبينما صدرت طبعة القاهرة بعنوان (التشيّع ظاهرة طبيعية في اطار الدعوة الإسلامية). نجد أن الطبعة البيروتية صدرت بعنوان: (بحث حول الولاية).

من هنا مسّت الحاجةُ إلى أن ينال هذا البحث ما يستحقه من عناية التحقيق والتدقيق والتعليق. وقد جهدت كلّ الجهد أن أضبط العبارة مستفيداً من الطبعات المذكورة، مراعياً التصحيحات اللازمة، أما العنوان فقد استأنست برأي سماحة آية الله السيد محمود الهاشمي الذي أشار عليَّ أن يكون العنوان: (نشأة التشيّع والشيعة). فكان هو العنوان الأنسب.

وأخيراً فقد رأيتُ أن اُلحق بهذا البحث الأصيل للشهيد الصدر (رضي الله عنه) دراسةً علمية أترسم فيها المنهج الرصين نفسه، اُعالج فيها أمراً نبّه إليه الشهيد الصدر (رضي الله عنه)، ولكنه لم يبسط القول فيه ـ اعتماداً على ما يظهر ـ على أنه مما تضافر على نقله الرواة وتداولته كتب السيرة، وذلك هو: الإعداد الفكري والتربوي لإمامة عليٍّ (عليه السلام)، وخلافته.

 عملي في التحقيق:

أولاً: لم يتوفر لدي سوى ما أشرتُ اليه من النسخ المطبوعة، وسوى التصدير الذي في مقدمة كتاب الدكتور عبد الله فياض الموسوم بـ(تاريخ الإمامية وأسلافهم من الشيعة). ولما كانت نسخة طبعة القاهرة التي صدرت بإشراف السيد طالب الرفاعي هي أضبط النسخ وأكملها، لذلك اعتمدتها أصلاً، واستعنت بالطبعتين الاُخريين، طبعة دار التعارف البيروتية، والطبعة في مقدمة كتاب الدكتور فياض البغدادية، وذلك لضبط النص ومعالجة الأخطاء أو الاشتباهات التي وقعت في طبعة القاهرة.

ثانياً: أخرجتُ البحث إخراجاً جديداً، إذ تمَّ توزيعه على تمهيد وفصلين، عُنون الفصل الأول بـ(كيف وُلد التشيّع؟) وكما أراد المؤلف الباحث الشهيد الصدر أن يبرّزه، وقد وزعته على ثلاثة مباحث: اختص المبحث الأول بما عُنون بالطريق الأول وهو السلبية أي إهمال أمر الخلافة، وقد برّزت هذا العنوان طبعة القاهرة، وتناول المبحث الثاني الطريق الثاني وهو الإيجابية ممثلةً بنظام الشورى، وعرض المبحث الثالث الطريق الثالث: الإيجابية ممثلة في إعداد ونصب من يقود الأُمة. أما الفصل الثاني فقد عُنْوِنَ بـ(كيف وجدت الشيعة؟). ووزع أيضاً على ثلاثة مباحث، كان المبحث الأول حول الاتجاهين الرئيسيين اللذين رافقا نشوء الأُمة، واختصّ المبحث الثاني بالكلام على المرجعية الكفرية والقيادية، وعرض المبحث الثالث لمسألة التشيّع الروحي والتشيّع السياسي.

ثالثاً: رجعت إلى المصادر التي أحالَ إليها الشهيد الصدر (رضي الله عنه)، ووثقتُ النصَّ الذي اعتمده، مشيراً إلى الجزء والصفحة في الموارد التي لم يذكر فيها. وقد بلغت الإحالات في طول البحث ثلاثاً وعشرين إحالةً، وضعتُ إزاءها كلمة (الشهيد) بين قوسين كبيرين حفاظاً على الأصل المكتوب بهوامشهِ، وتمييزاً لها من الهوامش والتعليقات التي كتبتُها بقلمي.

رابعاً: بالنسبة إلى النصوص التي أوردها الشهيد (رضي الله عنه)، أو أشارَ إليها، ولم يذكر المصدر قمتُ بتخريجها من مظانها المعتبرة، كما خرّجت الآيات القرآنية والأحاديث النبويّة.

خامساً: الآراء والأفكار التي نبّه اليها الشهيد (رضي الله عنه)، وثقّتُ منها ما يحتاج إلى توثيق.

سادساً: علقتُ بتعليقات مناسبة على كثير من المطالب، إما توضيحاً للمطلب أو تعزيزاً بالأدلة والشواهد.

أرجو الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم. والحمد لله ربّ العالمين.

المحقق دكتر عبد الجبار شرارة