فهرس الكتاب

مكتبة العقائد الإمامية

مكتبة الموقع

 

النداء الثاني يوم الجمعة :

من أمثلة ( الابتداع ) الاخرى التي لا أصل لها في الدين ، ولم تأمر بها الشريعة الاسلامية المقدسة هو النداء الثاني يوم الجمعة ، فقد روى علماء العامة ومحدثوهم في مصادرهم المعتبرة انَّ هذا الاذان لم يكن موجوداً على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وانَّ ( عثمان بن عفان ) هو الذي استحدثه من تلقاء نفسه من دون سابق مثال ، ولا شكَ في انَّ هذا المقدار كاف لانطباق تعريف ( الابتداع ) عليه .
جاء في صحيح البخاري :« كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الامام على المنبر على عهد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، فلما كان عثمان(رضي الله عنه) ، وكثر ، الناس زاد النداء الثالث على الزوراء »(( 1 ) .وورد في ( سنن ابن ماجة ) :« ما كان لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ مؤذن واحد ، إذا خرج أذَّن ، وإذا نزلَ أقام ، وأبو بكر وعمر كذلك ، فلما كان عثمان ، وكثر الناس ، زاد النداء الثالث على دار في السوق يُقال لها الزوراء » ( 2 ) .وورد في ( سنن النسائي ) :« انَّما أمَرَ بالتأذين الثالث عثمان حين كثر أهل المدينة ، ولم يكن لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)غير مؤذن واحد ، وكان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الامام »( 3 ) .وفيه أيضاً:
« كان بلال يؤذن إذا جلس رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) على المنبر يوم الجمعة ، فإذا نزل أقام ، ثم كان كذلك في زمن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما »( 4 ) .

وفي ( مجمع البيان ) للعلامة ( الطبرسي ) :,ا2. « عن السائب بن يزيد قال : كان لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) مؤذن واحد بلال ، فكان إذا جلس على المنبر أذَّن على باب المسجد ، فإذا نزل أقام الصلاة ، وكان أبو بكر وعمر كذلك، حتى إذا كانَ عثمان ، وكثر الناس ، وتباعدت المنازل ، زاد أذاناً ، فأمر بالتأذين الاول على سطحِ دار له بالسوق يُقال لها : الزوراء ، وكان يُؤذَّن له عليها ، فإذا جلس عثمان على المنبر أذَّنَ مؤذنه ، فإذا نزل أقام للصلاة » ( 5 ) .

ففي هذهِ النصوص دلالة صريحة على انَّ هذا النداء انَّما كان محض ابتداع ، ولم يكن له أيُّ أثر فيحياة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولم يرد به الامر من قبل الشريعة ، لا بالدليل العام، ولا بالدليل الخاص ، فهو وارد إلى الدين ـ إذن ـ من خارج حياطه وحدوده ، وبهذا فقد اُدخل في الدين ما ليس منه ، وهذا حدّ ( الابتداع ) كما هو واضح .ويؤيد هذا المعنى ما نقله العامة في كتبهم عن ( ابن عمر ) انه قال صريحاً :« الاذان الاول يوم الجمعة بدعة »( 6 ) .وممن نصَّ على عدم وجود هذا الاذان في عهد رسول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ( ابن تيمية) حيث يقول في فتاواه :« أمّا النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فانَّه لم يكن يصلّي قبل الجمعة بعد الاذان شيئاً ، ولا نقل هذا عنه أحد ، فانَّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كان لا يؤذَّن على عهده إلاّ إذا قَعَد على المنبر ، ويؤذِّن بلال ، ثمَّ يخطب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) الخطبتين ، ثم يقيم بلال ، فيصلّي بالناس »( 7 ) .ومن الملاحظ انَّ هذا النداء المبتدع تارة يسمى بـ ( الاذان الثالث ) ، واُخرى بـ(الاذان الثاني ) ، وثالثة بـ ( الاذان الاول ) ، وكل هذهِ المصطحات تشير إليه ، وتعبّر عنه من لحاظ معيَّن ، فقد سُمي ثالثاً باعتبار إضافته إلى الاذان والاقامة المعهودين في الصلاة من باب إطلاق اسم الاذان على الاقامةِ تغليباً ، وسُمي ثانياً باعتبار الاذان الحقيقي لا الاقامة ، فهو ثان بالنسبةِ إلى الاذان الحقيقي ، وسُمي أولاً باعتبار أنـَّه يؤذَّن به قبل الاذان والاقامة .ومن خلال النظر في النصوص المتقدمة يظهر انَّ المدافعين عن هذهِ ( البدعة ) حالوا أن يوجهوها بالكثرة السكانية الحاصلة في المدينة في عهد عثمان على ما يُدَّعى ، لانـَّهم لم يجدوا مبرراً مشروعاً لها غير ذلك على حدِّ زعمهم ، وهذا وحده كاف للدلالة على عدم إرتباط هذا النداء بالدين كما هو واضح .ولكنَّ الطريف انَّ هؤلاء المدافعين قد أخفقوا حتى في هذا التبرير والتوجيه المزعوم ، ولم يحسنوا تمرير المغالطة التي موَّهوابها هذا الامر ، وأضفوا عليه طابع الشرعية الزائف .على أنَّ الذي ينبغي أن يلتفت إليه قارئنا الكريم هو انَّ هذا التبرير سواء أصحَّ أم لم يصح فهو لا يشفع في إخراج هذا الامر الحادث عن دائرة ( الابتداع ) ، لانه شُرِّع فيمقابل السنة الالهية الثابتة بالنصوص الصريحة التي لا تقبل التلاعب والتغيير بأي حال كان .فسواء برَّر هؤلاء تشريع النداء المحدث بالكثرة السكانية أو بغيرها من التبريرات ، فانَّ النداء الثاني يبقى مطبوعاً بالابتداع من دون ترديد .أما لماذا أخفق هؤلاء في توجيه هذه ( البدعة ) ، والقول بأنـَّها شرعت لتلافي الكثرة السكانية الحاصلة في المدنية آنذاك ، فللاُمور التالية :أولاً : انَّنا لو سلمنا انَّ الكثرة كانت حاصلة في أهل المدينة آنذاك وانَّ الضرورة كانت تدعو لاستيفاء كثرة المسلمين هذه بالنداء ، وتغطية عددهم المتزايد ، فانَّ هذا الامر يدعو لان يناقض الحديث نفسه ، ويقع في التهافت والاضطراب ، إذ انَّ النداء الجديد كان يؤتى به على موضع يُقال له ( الزوراء ) ، وقد فُسّرت ( الزوراء ) بمعان ومواضع متعددة ، لا تبتعد في جميع معاينها المذكورة بمسافة كبيرة عن المسجد النبوي ، وهذا مما لا يفي بالغرض المذكور من دون ريب ، إذ ينبغي أن يكون هذا النداء بفرض صحه الفلسفة من تشريعه ( وإن كان هذا الامر لا يصح إلاّ من قبل صاحب الشريعة ) في موضع بعيد عن المسجد ليسُمعَ مَن لا يسمع الاذان الشرعي ، لا أن يكون الاذانان في دائرة سمعية واحدة!فقد ذكر ( الحموي ) في ( معجم البلدان ) : « انَّ الزوراء : موضع عند سوق المدينة قرب المسجد .. وقيل بل الزوراء سوقُ المدينة نفسه ، ومنه حديث ابن عباس(رضي الله عنه) ، انه سمع صياح أهل الزوراء » ( 8 ) .

وجاءَ في كلٍّ من ( القاموس ) و ( تاج العروس ) انَّ الزوراء بالمدينة قرب المسجد( 9 ) .وجاءَ في ( فتح الباري ) :« وجزمَ ابنُ بطّال بأنَّه ـ أي الزوراء ـ حجر كبير عند باب المسجد ، وفيه نظر لما في رواية ابن اسحق عن الزهري عند ابن خزيمة وابن ماجة بلفظ ( زادَ النداءَ الثالثَ على دار في السوق يُقال لها الزوراء ) ، وفي روايته عند الطبراني : ( فأمرَ بالنداءِ الاول على دار له يُقال لها الزوراء ، فكان يؤذَّن له عليها ، فإذا جلسَ على المنبر أذَّنَ مؤذنُه الاوَّل ، فإذا نزل أقامَ الصلاة ) ، وفي رواية له من هذا الوجه ( فأذن بالزوراء قبلَ خروجه ليُعلم الناسَ انَّ الجمعة قد حضرت ) ، ونحوه في مرسل مكحول المتقدم .وفي ( صحيح مسلم ) من حديث أنس : « انَّ نبيَّ الله وأصحابه كانوا بالزوراء ، والزوراء بالمدينة عند السوق » (10) .فانتَ ترى ـ أيُّها القارئ الكريم ـ من خلال هذهِ الاقوال انَّ ( الزوراء ) التي كانت موضعاً يؤتى النداء الجديد بالقرب منه ، ليست ببعيدة في جميع معاينها المتقدمة عن باب المسجد النبوي الذي يؤذن من عنده لصلاة الجمعة بالاذان الشرعي المسنون .فلماذا إذن ضمُّ النداءِ إلى النداء ، والخروج عن تعاليم الشريعة السمحاء ؟!ثانياً : لو سلَّمنا أنَّ هناكَ كثرة سكانية قد حصلت لاهل المدينة آنذاك ، ولو افترضنا أنَّ ( الزوراء ) كانت موضعاً بعيداً عن المسجد النبوي ، وانَّ هناكَ ضرورة قائمة لاعلام البقية المتبقية من المسلمين بشروع صلاة الجمعة ، فانَّ هذا الامر لا يشفع أيضاً في قبول تبرير هذهِ ( البدعة ) بما ذُكر ولا بغيره من ألوان الانتحالات والاعذار ، إذ إنَّ من الممكن أن يتعددَ المؤذنونَ ، ويلبّوا هذهِ الحاجة من دونِ أن يتكرر النداء ، ويُعمد إلى التشريع في مقابل السنة الثانية .وتعدد المؤذنين لصلاة واحدة أمر جائز ومسنون ، وقد أفتى به علماء العامة في كتبهم ، ورووا له ما صحَّ من الاخبار .قال في ( الشرح الكبير ) : « ولا تُستحب الزيادة على مؤذنَين كما روي انَّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)كان له بلال وابن اُم مكتوم ، إلاّ أن تدعو الحاجة فيجوز ، فانَّه قد روي عن عثمان(رضي الله عنه) انَّه اتخذَ أربعةَ مؤذنين ، وإذا كانوا أكثر من واحد ، وكان الواحد يُسمعُ الناسَ ، فالمستحب أن يؤذِّنَ واحدٌ بعد واحد ، كما روي عن موذني النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ، فإذا كان الاعلام لا يحصل بواحد أذَّنوا على حسب الحاجة ، إما أن يوذِّنَ كلُّ واحد في ناحية ، أو دفعة واحدة في موضع واحد »(11) .
وقال في ( المغني ) :
« وان كانَ الاعلام لا يحصل بواحد أذَّنوا على حسب ما يحتاج إليه ، إمّا أن يؤذِّن كلُّ واحد في منارة ، أو ناحية ، أو دفعة واحدة في موضع واحد .قال أحمد : إن أذَّنَ عدةٌ في منارة فلا بأسَ ، وإن خافوا من تأذين واحد بعد الاخر فواتَ أول الوقت ، أذَّنوا جميعاً دفعةً واحدة » (12) .

وقال العلامة ( الاميني ) في ( الغدير ) : « ولا أجدُ خلافاً في جواز تعدد المؤذنين ، بل رتَّبوا عليه أحكاماً مثل قولهم : هل الحكاية المستحبة أو الواجبة كما قيل تتعدد بتعدد المؤذنين أم لا ؟ وقولهم : إذا أذَّنَ المؤذن الاول ، هل للامام أن يبطئ بالصلاة ليفرغ من بعده، أو له أن يخرج ويقطع من بعد أذانه ؟ وقولهم : إذا تعدد المؤذنونَ لهم أن يؤذّن واحد بعد واحد ، أو يؤذّن كلهم في أول الوقت» (13) .

ثالثاً : إنَّ هناك تجمعات كبيرة وهائلة حصلت في مقاطع زمنية متعددة من تاريخ نبي الاسلام(صلى الله عليه وآله وسلم) ، في الغزوات وغيرها ، ومن أبرزها التجمع الذي حَصَلَ في غدير خم عند النص على خلافة أمير المؤمنين علي(عليه السلام) ، وقبل ذلك في أثناء أداء مناسك الحج .. ولكنَّنا نرى أنـَّه على الرغم من كثرة الناس الذين رافقوا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، لم يُعهد بأنَّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ، قد أمرَ بتشريع أذانين قط ، الامر الذي يدل على أن قضية الاذان للصلاة قضية لا ترتبط بكثرة الناس ولا بغيرها من الاسباب .قال العلامة ( الاميني ) في ( الغدير ) : « وعند خروجه(صلى الله عليه وآله وسلم) أصاب الناس بالمدينة جُدَري ( بضم الجيم وفتح الدال وبفتحهما ) ، أو حصبة منعت كثيراً من الناس من الحج معه(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ومَعَ ذلكَ كانَ معه جموع لا يعلمها إلاّ الله تعالى ، وقد يُقال : خرج معه تسعونَ ألف ، ويُقال مائة ألف وأربعة عشر ألفاً ، وقيل مائة ألف وعشرونَ ألفاً ، وقيل مائة ألف وأربعة وعشرونَ ألفاً ، ويُقال أكثر من ذلك ، وهذهِ عدّة مَن خرجَ معه ، وأمّا الذين حجّوا معه فأكثر من ذلك ، كالمقيمين بمكة ، والذينَ أتوا من اليمن مَعَ علي ( أمير المؤمنين ) وأبي موسى » (14) .

رابعاً : قد قيل بأنَّ العلة تخصص وتعمم على حد سواء ، فإذا كانت الكثرة السكّانية المدّعاة سبباً لاختلاق نداء ثان يجمع الناس إلى الصلاة ، ويعلمهم بدخول وقتها ، فلماذا لا يكون ذلك بشأن الفرائض اليومية ، ولماذا هذا التخصيص بصلاة الجمعة دون الغير ، علماً بأنَّ التجمع للفرائض اليومية لم يكن بأقل من التجمع لصلاة الجمعة، لعدم وجود كثرة في مساجد المدينة آنذاك ليتفرق الناس فيها ؟!خامساً : لو سلَّمنا جدلاً انَّ هناكَ كثرةً في المدينة قد دعت إلى نداء ثان لصلاة الجمعة ، فما بال بقية المناطق والبلدان الاسلامية الاُخرى التي اتخذت هذا الامرَ سنّةً، وتعاملت معه من باب الالزام ؟!وكيف نبرر مشروعية هذا النداء ( الذي هو مختلق من الاصل ) لمنطقة صغيرة لاتضم الاّ مجموعة قليلة من الناس يمكن أن يتحقق بها النصاب الكامل لاداء هذهِ الصلاة ؟!انظر ـ أيها القارئ الكريم ـ إلى ما يقوله ( ابن حجر ) حرفياً في ( فتح الباري ) : «والذي يظهرُ أنَّ الناس أخذوا بفعلِ عثمان في جميع البلادِ إذ ذاكَ لكونِهِ خليفةً مطاع الامر»(15) .وعلى أية حال فانَّه سواء أصحَّ وجود كثرة في نفوس المسلمين آنذاك أم لم يصح، فانَّ القول بأنَّ النداء الثاني ( بدعة ) لا محيصَ عنه ، لانـَّه اُدخل في الدين من خارج حدوده وتعاليمه المشروعة ، ولو أنَّ بطون الكتب والاسفار مُلئت بالتبريرات لهذا الامر لما كان هناك أدنى شفاعة لقبول جواز تشريعه بشكل مطلق .إنَّ الامور العبادية في الشريعة المقدسه ـ بما فيها الاذان ـ اُمور توقيفية لا يصح الاخذُ بها إلاّ من قبل الشارع المقدَّس ، ولا تصح الزيادة أو النقيصه فيها بأي حال من الاحوال ، وذلك لانَّها شُرِّعت بنحو يسدُّ حاجةَ الانسان مهما تقدَّمَ به الزمن ، وتغيرَّت ظروف الحياه من حوله ، وهذا هو أحد أسرار أعجاز الشريعة الاسلامية ودوامها ، كما تقدمت الاشارةُ إليه في صدر هذهِ الدراسة .فمثلاً وردَ في الشريعة وجوب قصر الصلاة الرباعية في السفر إلى ركعتين ، وعُيّنت المسافة التي يتم في حدودها قصر الصلاة ، وكانَ ملحوظاً لدى الشريعة أنَّ هذهِ المسافة التي يقطعها الانسان في ذلك الوقت بوسائل النقل المتاحة قد تستغرق يوماً كاملاً أو ينقص أو يزيد عن ذلك بمقدار، وأنَّ نفس هذهِ المسافة سوفَ يقطعها الانسانُ المتمدِّن خلالَ دقائق معدودة ، عند تقدم الزمن وانفتاح مجالات المعرفة وآفاق العلم أمامه ، إلاّ اننا مَعَ ذلكَ نرى أنَّ الشريعة الاسلامية قد جعلت هذا الحكم أمراً عبادياً ثابتاً ، لا يقبل التغيير والتبديل ، ولم تسمح بأن تمدَّ إليه يدُ التعديل مهما كان موقعها ومركزها ، باعتبار انَّ هذا الامر أمر عبادي توقيفي يلبّي حاجةً ثابتةً في نفس الانسانِ ، لا تربطها أية علاقة بالامور المستجدة والمتطورة من حوله .وهكذا الامر بالنسبة إلى الاذان ، فقد تمَّ تشريع أذان واحد باجماع المسلمين قاطبةً ، وقد لاحظت الشريعة المقدسة من خلال هذا الامر حاجة الانسان الثابتة التي لا تتأثر بالظروف المحيطة به ، وانَّ هذا التشريع يفي بتلبية هذهِ الحاجة ، مهما تطورت حياة الانسان ، وتقدم العلم به ، واختلفت طبيعة المجتمع الذي يعيش فيه ، ولذا فانَّ أي تغيير في هذا الامر سوف يدخل في حيِّز ( الابتداع ) من دون تردد ، ويكون من أبرز مصاديقه وموارده ، فسواء أكثر الناس أم لم يكثروا ، فانَّ الاذان المشروع واحد ، كما ثبت عن طريق الدليل الشرعي القاطع ، وسيبقى واحداً إلى آخر لحظة في الحياة .ثمَّ انَّ هذا النداء المبتدع ، ونتيجة لاختراقه غطاءَ الحصانة الشرعية ، وإصرار البعض على قبوله ، ومحاولة تبرير تشريعه .. قد صارَ مدعاةً للتخبط وتضارب الاقوال والافعال ، ونشوء البدع الاضافية ، والتجرأ على اللهِ ورسوله ، والتلاعب بتعاليم الاسلام المقدسة ، وفقَ الميول والرغبات والاهواء .قال في ( شرح التاج الجامع للاصول ) بخصوص هذا النداء :« وعندي انَّه يتأكَّد عمله ، فانَّ الناسَ في الارياف ليس معهم ساعات ، وربما يكونونَ في أعمالهم في ضواحي البلاد والحقول ، ويعتمدونَ في الذهاب للجمعة على سماع التذكير من المؤذِّن قبل الزوال ، واعتادوا ذلك » .
ثم يضيف :« ولو قيل بوجوبه لم يبعد ، لتوقف الواجب ، وهو الذهاب للجمعة عليه ، ولقوله تعالى : ( وَمَن أَحَسنُ قَولاً مِمَّن دَعَا إِلى اللهِ وعَمِلَ صالِحاً )(16) ، ولحديث : مَن دلَّ على خير فله مثل أجر فاعله ، والله أعلم »(17) !!فما هو رأيكَ بهذهِ الطريقة من الاستدلال ـ أيُّها القارئ المنصف ـ وهل تعتقد أنَّ مثل هذا الامر لو تمَّ في بقية التعاليم السماوية ، وجرى في أحكام الله المنزلة ، أنـَّه سوفَ يُبقي للتشريع قدسيته وحرمته ؟!وتعالَ معنا ـ أيها القارئ ـ لنطالع معاً ما قاله شارح ( سنن الترمذي ) لنرى ما فُتح على ديننا من جرّاء هذهِ التشريعات من باب ، وما ابتُليَ به من مُصاب !يقول ( أحمد محمد شاكر ) :
« ولفظ ( الثالث ) أوجبَ شبهةً عجيبة ، فقد نَقَل القاضي أبو بكر العربي ( ج : 2 ، ص : 305 ) انَّه كان بالمغرب يوذّن ثلاثة من المؤذنين ، بجهل المفتين ، فانَّهم لما سمعوا انَّها ثلاثة لم يفهموا أنَّ الاقامة هي النداء الثالث ، فجمعوها وجعلوها ثلاثة غفلةً وجهلاً بالسنة »!!ويضيف إلى ذلك : « في رواية عند أبي داود في هذا الحديث ( كان يؤذَّن بينَ يدي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إذا جلسَ على المنبر يوم الجمعة على باب المسجد ) ، فظنَّ العوام ، بل كثير من أهل العلم أنَّ هذا الاذان يكونُ أمامَ الخطيب مواجهةً ، فجعلوا مقامَ المؤذّن في مواجهة الخطيب ، على كرسي أو غيره ، وصارَ هذا الاذان تقليداً صرفاً ، لا فائدةَ له في دعوة الناسِ إلى الصلاة، وإعلامهم حضورها ، كما هو الاصل في الاذان والشأنُ فيه ، وحرصوا على ذلكَ حتى لينكرونَ على مَن يفعل غيره .واتّباع السنه أن يكونَ على المنارة أو عند باب المسجد ، ليكونَ إعلاماً لمن لم يحضر ، وحرصوا على إبقاء الاذان قبل خروج الامام ، وقد زالت الحاجةُ إليه ، لانَّ المدينةَ لم يكن بها إلاّ المسجد النبوي ، وكانَ الناس كلهم يجتمعونَ فيه ، وكثروا عن أن يسمعوا الاذان عندَ باب المسجد ، فزاد عثمان الاذانَ الاول ، ليُعلم مَن بالسوق ومَن حولَه حضورَ الصلاة» .ثمَّ يرى الشارحُ بأنْ لا ضرورةَ الانَ إلى هذا النداء باعتبار كثرة المؤذنين وكثرة المنائر !! ، فيقول : « أمّا الان وقد كثرت المساجد ، وبُنيت فيها المنارات ، وصارَ الناس يعرفون وقتَ الصلاة بأذان المؤذن على المنارة : فانّا نرى أن يُكتفى بهذا الاذان ، وأن يكونَ عند خروج الامام ، اتّباعاً للسنة ، أو يؤمر المؤذنونَ عند خروج الامام أن يؤذنوا على أبواب المساجد» (18).

وقال الشافعي : « واُحبُّ أن يكون الاذان يوم الجمعة حين يدخل الامام المسجد، ويجلس على موضعه الذي يخطب عليه خشب أو جريد أو منبر أو شيء مرفوع له ، أو الارض ، فإذا فَعَل أخَذَ المؤذن في الاذان ، فإذا فرغَ قامَ فخطبَ لا يزيدُ عليه ».وأضاف : « وأيهما كان فالامر الذي على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أحبّ اليَّ »(19) .
فأحدهم يضع والاخر يرفع ، وكأنَّ الدينَ الحنيف ليس فيه أصل يُقتفى أو سنة تُتّبع !
ومما وقَعَ فيه المدافعون عن هذا النداء من تهافت ، ما ذكروه من نسبة ابتداع هذا النداء إلى هشام بن عبد الملك ، وانَّه نَقَل الاذان إلى المنارة ، واتفقوا على نعت عمل هشام هذا بالابتداع ، ولم تطاوعهم ألسنتهم على القول بانَّ ( عثمان ) هو المبتدع لهذا النداء .
جاءَ في ( الاعتصام ) ما نصه :
« قال ابن رشد : الاذان بينَ يدي الامام في الجمعة مكروه لانـَّه محدث ، قال : وأول مَن أحدثه هشام بن عبد الملك : وانما كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إذا زالت الشمس وخرج رقى المنبر ، فإذا رآه المؤذنونَ ـ وكانوا ثلاثة ـ قاموا فأذَّنوا في المشرفة واحداً بعد واحد، كما يؤذَّن في غير الجمعة ، فإذا فرغوا أخذ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في خطبته ، ثم تلاه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ، فزاد عثمانُ(رضي الله عنه)لما كثر الناس أذاناً بالزوراء عند زوال الشمس ، يؤذَّن للناس فيه بذلك انَّ الصلاة قد حضرت ، وتَركَ الاذان بالمشرفة بعد جلوسه على المنبر على ما كان عليه ، فاستمر الامر على ذلكَ إلى زمانِ هشام ، فنقَل الاذان الذي كانَ بالزوراء إلى المشرفة ، ونَقَل الاذانَ الذي كانَ بالمشرفة بينَ يديه ، وأمرهم أن يؤذِّنوا صفاً ، وتلاه على ذلكَ مَن بعدَهُ من الخلفاء إلى زماننا هذا ، قال ابن رشد : وهو بدعة » (20) .

فإذا كان نقل ( هشام بن عبد الملك ) للاذان الذي كانَ بالزوراء إلى المشرفة ، ونقل الاذان الذي كانَ بالمشرفة إلى ما بينَ يديه ( بدعة ) على ما صُرِّحَ به ، فما ظنك بأصل إحداث هذا النداء على ( الزوراء ) الذي دلَّ الدليل القاطع وحسب اعتراف الجميع بعدم وجوده في زمن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ؟!


الفصل الثاني

حديث ( سنة الخلفاء الراشدين )

 

 

الحديث ذريعة لنفي الابتداع :

إنَّ الكثير من الدعوات التي يطلقها البعض لنفي ( الابتداع ) عن مثل ( التراويح ) و ( النداء الثالث يوم الجمعة ) ، وغيرها من البدع المحدثة ، تستند أساساً إلى حديث ( سنة الخلفاء الراشدين ) ، وتصحح نسبة هذهِ الاعمال إلى الشريعة الاسلامية من هذا المنطلق ، على الرغم من تلك المهاترات والتناقضات التي وقع فيها المدافعون عن هذهِ ( البدع ) ، وعلى الرغم مما جرَّته تلك ( المحدثات ) على عقائدِ المسلمين من دخائل وتقولات وأباطيل .بل رأينا أنَّ بعضهم كان يناقش في أمر تشريع تلك المحدثات ، ويطرح الاراء الفقهية المخالفة ، على الرغم من بقاء إصراره على هذا الحديث كما هو الامر في ( النداء الثاني ) على ما تقدَّم ، فلماذا لا يعض على هذهِ السنة المزعومة المدافعونَ عنها أولاً لكي يأمروا الناسَ باتّباعها بعدَ ذلك ؟!إنَّ حديث ( سنة الخلفاء الراشدين ) يستحق منّها وقفةً متأنية ، ننظر فيها إلى سندهِ أولاً ، ومضمونه ثانياً ، لانـَّه أصبح يمثل الخط الخلفي العام في مواجهة المتعصبين مَعَ أهل الحق والبصيرة ، وصارَ الذريعة التي يتشبث بها كلّ مَن تُعييه الحججُ ، وتُسدُّ في وجهه المنافذ ، لتبرير دعوات الضلال ، وبدع المبتدعين .وقبل أن ندخل في صميم البحث عن هذا الحديث لا بأس بأن نطالع بعض الاقوال التي تستند في تبرير مثل هذهِ ( البدع ) إلى حديث ( سنة الخلفاء الراشدين ) ، وتعتبره السند الاخير في توجيه القول بمشروعية تلك ( المحدثات ) ، من بعد أن تعجز من الاجابة على الاشكالات التي تثار حول تلكَ الاعمال وتوكّد عدم ارتباطها المطلق بالدين .يقول الشيخ ( الفوزان ) نافياً أن يكون ( النداء الثاني ) ( بدعةً ) في أحد فتاواه :«والاذان الاول يوم الجمعة أمَرَ به أمير المؤمنين عثمان بن عفان(رضي الله عنه) ثالث الخلفاء الراشدين ، وقد قال(صلى الله عليه وآله وسلم) : « عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين » (21) . ويقول الشيخ ( عبد العزيز عيسى ) بهذا الصدد : « الحكم الشرعي بهذا الامر يستشهد بقوله تعالى : ( يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَومِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الَبيْعَ ذلكُمْ خَيرٌ لَكُم إِن كُنتمُ تَعَلمُونَ )(22) ، والمراد بالنداء في هذهِ الاية الكريمة هذا النداء الثاني الذي كان يؤدّى بين يدي النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إذا خرج فجلس على المنبر ، فانَّه كان يؤذن بين يديه قبل الشروع في الخطبة ، وأما النداء الاول الذي زاده الخليفة الراشد عثمان بن عفان(رضي الله عنه) ، فانّما كانَ لكثرة الناس ، وكانَ الغرض منه الاعلام بدخول الوقت ، ليتأهب المسلمون بالتوجه إلى المسجد لسماع الخطبة ، وذلكَ بعد اتساع المدينة وكثرة أهلها ، فإذا سمعوا النداءَ أقبلوا حتى إذا جلسَ عثمان على المنبر أذَّنَ المؤذِّن ، ثم يخطب عثمان ، روى البخاري عن السائب بن يزيد(رضي الله عنه) قال : ما كانَ لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ مؤذن واحد ، إذا خرج ـ أي من حجرته ـ أذَّن، وإذا نَزَلَ ـ أي من فوق المنبر ـ أقام ، وأبو بكر وعمر كذلك ، فلما كان عثمان ، وكثر الناس ، زاد النداء الثالث على دار في السوق يُقال لها الزوراء ، فإذا خرجَ أذَّنَ ، وإذا نَزَلَ أقام، وانّما سمي في الحديث ثالثاً لانَّه أضافه إلى الاقامة ، ومن هذا يتضح لنا مشروعية كلٍّ من الحالتين .فمن أخَذَ بما كان متبعاً في عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأبي بكر وعمر فحسن ، ومَن أخَذَ بما كان متبعاً في عهد عثمان فلا بأسَ ولا حَرَجَ عليه في ذلك » (23) .

ويقول ( سعيد حّوى ) في ( الاساس في السنة وفقهها ) :« ألا ترى انَّ اجماع الصحابة على جمع عمر الناس في صلاة التراويح على امام واحد وجعلها عشرين ، وقول عمر ( نعمت البدعة هذه ) ، وكل ذلكَ قد صحَّ عن عمر وعن الصحابة ، ألا ترى انَّ الذين يضللون عمر بسبب ذلك قد دخلوا في دائرة الضلال ، فعمر من الخلفاء الراشدين المهديين الذين اُمرنا بالاقتداء بهم ، والاقتداء بهديهم » (24) .

وجاءَ في كتاب ( البدعة ) للدكتور ( عزت علي عطية ) ما نصه :« قرن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) سنة الخلفاء الراشدين بسنته .. ففيحديث العرباض بن سارية قال : قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين عضّوا عليها بالنواجذ ) .وانما أمر(صلى الله عليه وآله وسلم) باتباعهم ، لانَّه علم أنهم لا يخطئون فيما يستخرجونه بالاجتهاد، ولانَّه علم أنَّ بعض سنته لا يثبت إلاّ في عصرهم ..وعلى ذلك فالقول : ( بأنَّ كل اجتهاد وقياس من الخلفاء الراشدين يخالف السنة الصحيحة لا ينبغي أن يتمسك به ) هو قول بغير علم .. إذ كيف يأمر(صلى الله عليه وآله وسلم) باتّباع ما يخالف سنته ؟ وكيف تحدث المخالفة بين ما أمر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) باتباعه وبين سنته ؟ ... » (25) .« وفي الصحيح قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) : ( فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الامور ) فأعطى الحديث ـ كما ترى ـ أنَّ ما سنَّه الخلفاء الراشدون لاحق بسنة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، لانَّ ما سنّوه لا يعدو أحدَ أمرِين : إما أن يكون مقصوداً بدليل شرعي ، فذلك سنّة لا بدعة ، وإمّا بغير دليل ـ ومعاذ الله من ذلك ـ ولكنَّ هذا الحديث دليل على إثباته سنة ، إذ قد أثبته ذلك صاحب الشريعة(صلى الله عليه وآله وسلم) »(26) .فمن الملاحظ انَّ عمليات الاستدلال التي تمَّ بموجبها نفي ( الابتداع ) عن ( النداء الثاني يوم الجمعة ) وعن صلاة ( التراويح ) في النصوص المتقدمة قد استندت بشكل واضح على حديث ( سنة الخلفاء الراشدين ) ، واتخذته أساساً مفروغاً عنه ، وأرسلت ذلكَ بشكل عابر من دون النظر إلى خلفيات الامر الذي تم بشأنه هذا الاستدلال .ومن الطبيعي انَّ هذهِ الطريقة لا تكلِّف الباحث أو المفتي عناءً طويلاً لكي يظفر بنتائج الاحكام الشرعية ، كما انَّها لا تجعله يقف عند الزوايا الحرجة التي تُثار حول الكثير من الامور المنسوبة إلى أبي بكر وعمر وعثمان مما هو خارج عن حياط الشرع المبين .ومن الغريب حقاً انَّ هؤلاء القوم يسمحونَ لانفسهم بركوب هذا النمط من الاستدلال على نحو الاستئثار والاستقلال ، في الوقت الذي لا يَدَعونَ فيه أية فرصة من هذا القبيل للطرف الاخر لكي يمارس منهجه الاستدلالي على ضوء مبانيه ومرتكزاته الخاصة .فمن الجائز لديهم الاخذ بسنة ( الخلفاء الراشدين ) ، بل وضرورة العض عليها بالنواجذ ، في مختلف الرؤى والاحكام ، اعتماداً على حديث مروي عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فيه ما فيه ، بينما ليسَ من الجائز في وجهة نظرهم أن يأخذ أتباع مدرسة أهل البيت(عليهم السلام)بخط أئمتهم ونهجهم ، على الرغم من تواتر الروايات الدالة على وجوب الرجوع اليهم وأخذ معالم الدين عنهم(عليه السلام).كما من المفترض لديهم أن يؤمن الاخرون بكل ما وَرَدَ من طرقهم الخاصة ، ويعدّونَ الخارجَ عن ذلك خارجاً عن الدين وتعاليم شريعة سيد المرسلين(صلى الله عليه وآله وسلم) ، بينما لا يرونَ أنَّ من الواجب عليهم الايمان والاذعان لما رواه الاخرون بأي شكل كان ، وليسَ في ذلكَ خروج لهم عن الدين فالدين هو ما يريدونه وما يكتبونه بطريقتهم الخاصة ، لا ما يعتقده ويكتبه الاخرون !!إنَّ هذا لوحده كاف لان يدعونا إلى التوقف في منهجهم في التعامل مَعَ أحكام الشريعة الاسلامية المقدسة ، والنظر في أصل الحديث الذي زعموا فيه الارجاع إلى ( سنة الخلفاء الراشدين ) ، وشيدوا على أساسه اُصول عقائدهم ، واُسس أحكامهم في مختلف الجوانب والمجالات .فالى حيث حديث ( سنة الخلفاء الراشدين ) ندعوك ـ أيها القارئ الكريم ـ أن تُلقي معنا فيه نظرةً بانصاف !!

نظرةٌ في الحديث :

جاءَ في اُمهات الكتب الحديثية لدى أبناء العامة بأسانيد مختلفة :« عن عرباض بن سارية قال : صلّى لنا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) صلاة الفجر ، ثمَّ وعظنا موعظةً بليغة ذرفت منها العيون ، ووجلت منها القلوب ، فقال قائل : يا رسول الله كانَّها موعظة مودِّع فأوصنا ، فقال : اُوصيكم بتقوى الله والسمعِ والطاعة وإن كانَ عبداً حبشياً، فانَّه مَن يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضّوا عليها بالنواجذ »(27).
فيُدّعى انَّ المراد من ( الخلفاء الراشدين ) الوارد ذكرهم في هذا الحديث هم ( أبو بكر ) و ( عمر ) و ( عثمان ) والامام علي(عليه السلام) ، وانَّ هذا الحديث قد نصَّ على وجوب اتّباعهم ، والاخذ بسنتهم ، وجعلوا ذلكَ من المسلَّمات المفروغ عنها ، والتي لا ينبغي أن تخضع للنقاش والتحقيق .ونحن نعتقد بأنَّ هذا الحديث لا يمتلك أهلية الدلالة على المعنى المذكور ، ولا ينهض للوفاء بذلك الامل الكبير الذي عُقد عليه !ولنا على إثبات صحة ما نذهُب إليه طريقيان :الطريق الاول : إننا نعتقد بأنَّ هذا الحديث من الاحاديث الضعيفة جداً ، ولعّله أيضاً من الاحاديث الموضوعة في عصر متأخر عن زمن النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) ، والمنسوبة إليه بغير حق ، على غرار المئات من الاحاديث الاُخرى التي وضعها الواضعون بدوافع مختلفة ، وسوف نبيِّن القرائن التي توجِّه الحديث نحو هذا المسار .الطريق الثاني : انَّنا على فرض التسليم لصحة الحديث ، والتنازل عن القرائن التي أقمناها على ضعفه ، فانَّنا سوفَ نثبت انَّه ليس المقصود من ( الخلفاء الراشدين ) فيه ما قصدَهُ أبناء العامة ، وانَّما المقصود منهم أئمة أهل البيت(عليهم السلام) .

(1) البخاري ، صحيح البخاري ، ج : 1 ، ص : 219 ، باب : الاذان يوم الجمعة ، وعنه : مصابيح السنة للبغوي ، ج : 1 ، ص : 475 ، ح : 984 .
(2) ابن ماجة ، سنن ابن ماجة ، تحقيق : محمد فؤاد عبد الباقي ، ج : 1 ، ح : 1135 ، ص : 359 .
(3) النسائي ، سنن النسائي بشرح السيوطي ، ج : 3 ، ص : 100 ـ 101 .
(4) النسائي ، سنن النسائي بشرح السيوطي ، ج : 3 ، ص : 100 ـ 101 .
(5) الفضل بن الحسن الطبرسي ، مجمع البيان ، ج : 10 ، ص : 366 ـ 367 .
(6) الشوكاني ، نيل الاوطار من أحاديث سيد الاخيار ، ج : 3 ، ص : 100 ـ 101 ، وانظر : فتح الباري لابن حجر العسقلاني ، ج : 2 ، ص : 394 .
(7) ابن تيمية ، الفتاوى الكبرى ، ج : 1 ، ص : 150 .
(8) ياقوت الحموي ، معجم البلدان ، ج : 3 ، ص : 156 .
(9) انظر القاموس المحيط للفيروزآبادي ، ج : 2 ، ص : 42 ، وتاج العروس للحنفي ، المجلد الثالث ، ص : 346 .
(10) ابن حجر العسقلاني ، فتح الباري ، ج : 2 ، ص : 394 .
(11) ابن قدامة المقدسي ، الشرح الكبير ، ج : 1 ، ص : 419 ، وانظر : ابن مسلم ، الجامع الصحيح ، ج : 2 ، ص : 3 .
(12) موفق الدين بن قدامة ، المغني ، ج : 1 ، ص : 445 .
(13) عبد الحسين الاميني ، الغدير في الكتاب والسنة والادب ، ج : 8 ، ص : 127 .
(14) عبد الحسين الاميني ، الغدير ، ج : 1 ، ص : 9 ، عن السيرة الحلبية ، ج : 3 ، ص : 283 ، وسيرة أحمد زيني دحلان ، ج : 3 ، ص : 3 ، وتاريخ الخلفاء لابن الجوزي في الجزء الرابع ، وتذكرة خواص الامة ، ص : 18 ، ودائرة المعارف لفريد وجدي ، ج : 3 ، ص : 542 .
(15) ابن حجر العسقلاني ، فتح الباري ، ج : 2 ، ص : 394 ، وراجع : نيل الاوطار للشوكاني ، ج : 3 ، ص : 263 .
(16) فصلت : 33 .
(17) منصور علي ناصيف ، التاج الجامع للاصول في أحاديث الرسول ، ج : 1 ، ص : 218 ، وقت الجمعة والنداء .
(18) سنن الترمذي ، بشرح : أحمد محمد شاكر ، ج : 2 ، ص : 393 .
(19( الشافعي ، الاُم ، ج : 1 ، ص : 224 ، وقت الاذان للجمعة .
(20) أبو اسحق الشاطبي ، الاعتصام ، ج : 2 ، ص : 16 .
(21) مجلة ( المسلمون ) ، 27 نوفمبر ـ 1992م ـ العدد : 408 .
(22) الجمعة : 9 .
(23) مجلة المسلمون ، نفس العدد السابق .
(24) سعيد حوّى ، الاساس في السنّة وفقهها ، ص : 354 .
(25) د. عزت علي عطية ، البدعة : تحديدها وموقف الاسلام منها ، ص : 149 .
(26) أبو اسحق الشاطبي ، الاعتصام ، ج : 1 ، ص : 187 .
(27) الدارمي ، سنن الدارمي ، ج : 1 ، ص : 57 ، ح : 59 ، باب اتباع السنة .وسنن أبي داود ، ج : 4 ، ص : 200 ، باب : لزوم السنة ، ح : 4607 ، وفيه ( وسنة الخلفاء المهديين الراشدين ).وسنن الترمذي ، المجلد الخامس ، كتاب العلم ، ص : 43 ، باب : 16 ، ح : 2676 .وسنن ابن ماجة ، ج : 1 ، ص : 16 ، ح : 43 ، باب : اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين .ومسند أحمد ، ج : 5 ، ص : 109 ، ح : 16692 ، وح : 16694 ، وح : 16695 .وكنز العمال ، ج : 6 ، ص : 55 ، ح : 14818 ، وفيه : ( ولا تنازعوا الامَر أهله ، وان كانَ عبداً أسودَ ، عليكم بما تعرفون من سنة نبيكم و الخلفاءِ الراشدين المهديين ) .وتلبيس ابليس ، تحقيق : الدكتور الجميلي ، ص : 21 .