البـاب الثـالث تطبيقات للابتداع
الفصل الاول نموذجان بارزان للابتداع
1 ـ صلاةُ التراويح :
ورد
في اُمهات الكتب الحديثية لدى أبناء العامة بما في ذلك ( البخاري ) و ( الموطأ ) (
واللفظ للبخاري ) :« وعن ابن شهاب ، عن عروة بن الزبير ،
عن عبد الرحمن بن عبد القاريِّ أنه قال : خرجتُ مَعَ عمر بن الخطّاب(رضي الله عنه)
ليلةً في رمضان إلى المسجد ، فإذا الناس أوزاع متفرّقون، يصلي الرجل لنفسه ،
ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط ، فقال عمر : إني أرى لو جمعت هؤلاءِ على قارئ
واحد لكان أمثل .ثمَّ عزم فجمعهم على اُبي بن كعب ، ثم خرجتُ معه ليلةً اُخرى ،
والناس يصلّون بصلاة قارئهم ، قال عمر : نعم البدعةُ هذه ، والتي ينامونَ عنها
أفضل من التي يقومون ـيريد آخر الليل ـ وكان الناس يقومون أوَّله »
( 1 )
.وفي ( الموطأ ) انَّ عمر قال : « نعمت
البدعة هذه » .ولنا قرائن عديدة تشير إلى انَّ ( التراويح ) من محدثات الامور في
الشريعة الاسلامية ، ولا يوجد بينها وبين الدين أيُّ ارتباط ، ومن هذهِ القرائن ما
يلي :
1 ـ اطلاق لفظ ( البدعة ) على ( التراويح ) :
يشكّل إطلاق لفظ ( البدعة ) في الحديث المتقدم على
هذهِ الصلاة قرينةً واضحة على عدم وجود أيّ ارتباط بين هذهِ الصلاة وبين الدين
.فمن الواضح أنَّ مفهوم ( البدعة ) قد أخذ بعده الاصطلاحي في مرتكزات الاصحاب ،
نتيجةً لتناول النصوص النبوية له بكثرة وتكرار ، وتأكيدها على ذمِّه وانتقاده ،
ودعوتها إلى ضرورة مواجهته ومكافحته واستئصاله .فلفظ ( البدعة ) الوارد في هذا
الحديث إما ان يُراد به المعنى الاصطلاحي ، أو المعنى اللغوي ، فان اُريد منه
المعنى الاصطلاحي ، فهذا يعني الحادث الذي لا أصل له في الدين ، وهو ثابت بالاتفاق
.وان اُريد منه المعنى اللغوي فهو يعني الامر الحادث من دون مثال سابق ، كما نقلنا
ذلك آنفاً عن الكتب اللغوية ، وهذا يعني انَّ هذهِ الصلاة المخترعة ليست مسبوقة
بمثال، وليس لها أصل ، فيثبت انَّها ( بدعة ) .وممّا يؤيدّ عدم وجود
الارتباط بينَ هذه الصلاة وبين الدين، وكونها تشريعاً ابتدائياً قول عمر في نفس
الحديث :«
إني أرى لو جمعت هؤلاءِ على قارئ واحد لكان أمثل » .فحسب المداليل اللغوية التي
نمتلكها لانفهم من القول « إنّي أرى » إلاّ التشريع الابتدائي ، والاجتهاد الشخصي
في مقابل الوحي المنزل .ونحن لم نعهد على طيلة المسيرة الرسالية من النبي
الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه كان يقول « إنّي أرى » ويشرِّع أمراً من قبل
نفسه ، ولم يكن يتبع إلاّ ما يُوحى إليه ، ولا ينطق عن الهوى، إن هو الاّ
وحي يوحى ، ولا يحيد عن الحكم الالهي قيد شعرة ، وكيف يكون ذلك وقد قال الله تعالى
عنه وهو صاحب الرسالة وربيب الوحي :(
وَلَو تقَّول عَلَينا بَعضَ الاقاويل * لاَخَذْنا مِنهُ باليَمينِ * ثم لَقطَعنا
منه الوتينَ )( 2 ).
2 ـ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ينهى عن صلاة النوافل جماعة ويحث على
إخفائها في البيوت :
إنَّ
من الامور التي تؤيِّد منافاة صلاة ( التراويح ) لمبادئ الشريعة وتعاليمها ، وانَّ
رسـول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لـم يصلِّها ، هو الطائفة الكبيرة من الاحاديث
النبوية التي دلَّت على حـث المسلـمين عـلى صـلاة النوافل عموماً في البيوت ،
لانَّ هذا الامر أقرب للاخلاص، وأدعى للقبول ، بل وورد النهي من قبل رسول
الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عن صلاة النوافل جماعةً لمّا رأى بعض الاصحاب
يصلّون خلفه ، ووجَّههم إلى إخفاء النوافل ، وعدم تشريع الجماعة فيها .وقد وردت
روايات كثيرة في كتب العامة تدل على استحباب إخفاء النوافل والاتيان بها في البيوت
، وأفتى بهذا الامر علماء العامة في مصنفاتهم فقد ورد في (الترغيب والترهيب
) عن عبدالله بن مسعود انَّه قال :«
سألتُ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : أيُّما أفضل: الصلاة في بيتي ،
أو الصلاة في المسجد ؟ قال ، ألا ترى إلى بيتي ما
أقربه من المسجد ، فلان اُصلّي في بيتي أحبُّ إليَّ من أن اُصلّي في المسجد ، إلاّ
أن تكون صلاةً مكتوبةً . رواه أحمد وابن
ماجة وابن خزيمه في صحيحة »( 3 )
.وجاءَ فيه أيضاً :«
وعن أبي موسى(رضي الله عنه) قال : خرج نفر من أهل العراق إلى عمر ، فلَّما قدموا
عليه يسألون عن صلاة الرجل في بيته ، فقال عمر : سألتُ رسول الله(صلى الله عليه
وآله وسلم) ، فقال : أما صلاة الرجل في بيته فنور ، فنوِّروا بيوتكم . رواه ابن خزيمة في صحيحة »(4)
.
وفي ( كنز العمال ) :«
سُئل عمر عن الصلاة في المسجد فقال : قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) :
الفريضة
في المسجد ، والتطوع في البيت »(5)
.من هنا رأى بعض علماء العامة أفضلية قيام المرء في رمضان ببيته على صلاة (التراويح
) المدّعاة فقد ، « قال مالك وأبو يوسف وبعض الشافعية انَّ فعلها ( الصلاة ليلاً
في رمضان ) فرادى في البيت أفضل لحديث : خير صلاة المرء في بيته إلاّ الصلاة
المكتوبة»(6).
وقال
( ابن قدامة ) في ( المغني ) :(
والتطوع في البيت أفضل لقول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) :
«
عليكم بالصلاة في بيوتكم فانَّ خير صلاة المرء في بيته إلاّ المكتوبة » رواه مسلم ، وعن زيد بن ثابت انَّ النبي(صلى
الله عليه وآله وسلم)قال : « صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا
إلاّ المكتوبة » رواه أبو داود)(7) .ولا يمكن الادّعاء بانَّ هذهِ الروايات مطلقة فتُخصص
بما دل على استحباب صلاة (التراويح ) المدّعاة ، لانَّه لا يوجد أيّ سند شرعي ،
ودليل صحيح على كون النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) قد صلّى هذهِ النافلة في
حياته الشريفة ، غير ما يُدّعى بهذا الشأن من النزر القليل المفتعل من الاحاديث
التي يتشبث بها البعض ، إذ الغريق يتشبث بكل حشيش !بل وقد صرَّح إمامان كبيران من
أئمة العامة بأنَّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قد نهى القوم عن هذهِ الصلاة
وعنَّفهم على فعلها ، وأمرهم أن يصلّوا النوافل في بيوتهم على طبق تلك القاعدة
العامة .جاءَ في ( المغني ) : «
وقال مالك والشافعي : قيام رمضان لمن قوي في البيت أحب الينا لما روى زيد بن ثابت
قال : احتجر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حجيرة بخصفة أو حصير ، فخرج رسول
الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فيها فتتبع إليه رجال، وجاؤوا يصلّون بصلاته ، قال :
ثم جاؤوا ليلةً فحضروا ، وأبطأ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عنهم ، فلم
يخرج اليهم ، فرفعوا أصواتهم ، وحصبوا الباب، فخرج اليهم رسول الله(صلى الله
عليه وآله وسلم) مغضباً فقال :( ما زال بكم صنيعكم حتى ظننتُ انَّه
سيُكتب عليكم ، فعليكم بالصلاة في بيوتكم،
فانَّ خير صلاة المرء في بيته إلاّ الصلاة المكتوبة ) رواه مسلم »( 8 )
.
ومما يدل على أنَّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يقم بالناس في نافلة
شهر رمضان ما روي في (كنز العمّال ) :«
عن أبي بن كعب أنَّ عمر بن الخطّاب أمره أن يصلّي بالليل في رمضان ، فقال : إنَّ
الناس يصومونَ النهار ، ولا يحسنون أن يقرأوا ، فلو قرأت عليهم بالليل ، فقال : يا
أمير المؤمنين هذا شيء لم يكن ، فقال : قد علمتُ ، ولكنّه حسنُ ! فصلّى بهم عشرين
ركعة»( 9 )
.
وروى ( الزيغلي ) في ( نصب الراية ) عن نافع :«
انَّ ابن عمر كان لا يصلي خلفَ الامام في شهر رمضان »(10) .وجاءَ في (
الاعتصام ) :«
وخرَّج سعيد بن منصور واسماعيل القاضي عن أبي امامة الباهلي(رضي الله عنه) أنه قال
: أحدثتم قيام شهر رمضان ولم يُكتب عليكم ، انما كُتب عليكم الصيام ... »(11).وجاءَ
في ( صحيح البخاري ) في باب ( فضل مَن قامَ رمضان ) :«
عن أبي هريرة(رضي الله عنه) انَّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال :
مَن
قامَ رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدَّمَ من ذنبه
.قال ابن شهاب : فتوفي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) والناس على ذلك
، ثم كان الامر على ذلك في خلافة أبي بكر ، وصدراً من خلافة عمر
رضي الله عنهما »(12) .فقال (
العسقلاني ) في ( فتح الباري ) ضمن شرح الحديث ما نصه :« قال ابن شهاب فتوفي رسول
الله(صلى الله عليه وآله وسلم) والناس ، في رواية الكشميهني : والامر (على
ذلك ) : أي على ترك الجماعة في التراويح » .وأضاف الى ذلك القول :
«
ولاحمد من رواية ابن أبي ذئب عن الزهري في هذا الحديث ( ولم يكن رسول الله(صلى
الله عليه وآله وسلم) جمع الناس على القيام ) ، وقد أدرج بعضهم قول ابن أبي شهاب
في نفس الخبر ، أخرجه الترمذي عن طريق معمَّر بن أبي شهاب »(13)
.فهذا تصريح واضح من ( ابن حجر العسقلاني ) بأنَّ رسول الله(صلى الله عليه وآله
وسلم) لم يصلِّ هذهِ الصلاة ، ولم يجمع الناس لها .ثم يضعّف ( ابن حجر ) بعد ذلك
الحديث المنتحل الذي يُروى فيه أنَّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قد استحسن
هذهِ الصلاة حين رآها ! فيذكر انَّ لضعفه سببين :الاول : انَّ فيه مسلم بن خالد وهو ضعيف
، والثاني : انَّ الحديث يذكر انَّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قد جَمَع الناس
على اُبي بن كعب ، بينما المعروف انَّ عمر هو الذي صنع ذلك ، حيث يقول :« وأما ما
رواه ابن وهب عن أبي هريرة ( خرجَ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وإذا
الناس في رمضان يصلّون في ناحية المسجد ، فقال :
ما هذا ؟ فقيل : ناس يصلّي بهم اُبي بن كعب ، فقال :
أصابوا ونعم ما صنعوا ) ، ذكره ابن عبد البر ، وفيه مسلم بن خالد
وهو ضعيف ، والمحفوظ انَّ عمر هو الذي جمع الناس على اُبي بن كعب »(14)
.ولكي نطلع على حال ( مسلم بن خالد ) الذي روى انَّ رسول الله(صلى الله عليه وآله
وسلم) قد استحسن صلاة التراويح وأقرَّها ، يكفينا أن نطّلع على ما ذكره ( المزي )
في ( تهذيب الكمال) ، حيث يقول حوله :« .. وقال علي بن المديني : ليس بشيء
.وقال البخاري : منكر الحديث .وقال النسائي : ليسَ بالقوي .وقال أبو حاتم : ليسَ
بذاك القوي ، منكر الحديث ، يُكتب حديثه ولا يحتج به ، تعرف وتنكر »(15)
.وذكر ( النووي ) في شرحه على ( صحيح مسلم ) ما نصه :« قوله ( فتوفي رسول الله(صلى
الله عليه وآله وسلم) والامر على ذلك ، ثم كانَ الامر على ذلك فيخلافة أبي
بكر وصدراً من خلافة عمر ) معناه : استمر الامر هذه المدّة على أنَّ كلَّ واحد
يقوم رمضان في بيته منفرداً ، حتى انقضى صدر من خلافة عمر ، ثم جمعهم عمر على اُبي
بن كعب ، فصلّى بهم جماعة ، واستمر العمل على فعلها جماعة »(16)
.وقال ( القسطلاني ) في ( ارشاد الساري ) :
« ]
قال ابن شهاب [ الزهري ] فتوفي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) والامر على ذلك
[ أي : على ترك
الجماعة في التراويح ، ولغير الكشميهني كما في الفتح : والناس على ذلك
] ثم كان الامر على
ذلك [
أيضاً ]
في خلافة أبي بكر [ الصدّيق ]وصدراً من خلافة عمر
[ رضي الله عنهما»(17).وقل
في موضع آخر : « ]
قال عمر [ : لما رآهم ] نعم البدعة هذه [ ، سماها بدعة لانه(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يسن لهم الاجتماع
لها ، ولا كانت في زمن الصدّيق ، ولا أول الليل ، ولا كل ليلة ، ولا هذا العدد»(18).وجاءَ
في ( الفقه الاسلامي وأدلته ) للدكتور الزحيلي عن ( ابن عباس ) أنَّه قال متحدثاً
عن صلاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في شهر رمضان وفي غيره من الشهور :«كان يصلي في شهر رمضان ، في غير جماعة ، عشرين ركعة والوتر »(19)
.فقيد ( في غير جماعة ) في هذا الحديث مؤشر على انَّ النبي الاكرم(صلى الله عليه
وآله وسلم) لم يشرع صلاة ( التراويح ) ولم يأتِ بها .وتتحدث ( عائشة ) عن صلاة
رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في شهر رمضان ، فلا نرى في حديثها أية اشارة
الى ( التراويح ) من قريب أو من بعيد ، ولو كان النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله
وسلم) قد صلّى هذهِ النافلة ، في المسجد أو في أي مكان آخر لما كان يخفى علينا خبر
هذهِ الصلاة ، ولجاء نقله في كتب الحديث في غاية الوضوح ، ولكن لانَّ رسول
الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يشرع هذهِ الصلاة جاءَ العكس على ذلك ، فقد روى
البخاري في صحيحه قائلاً :« حدثنا اسماعيل قال حدّثني مالك عن سعيد المغبري عن أبي
سلمة بن عبد الرحمن انَّه ( سأل عائشة رضي الله عنها : كيف كانت صلاة رسول
الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في رمضان ؟ فقالت: ما كان يزيد في رمضان ولا
في غيره على إحدى عشرة ركعة ، يصلّي أربعاً فلا تسأل عن حسنهنَّ وطولهنَّ ، ثمَّ
يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهنَّ وطولهنَّ ، ثم يصلي ثلاثاً .فقلت : يا رسول الله
أتنامُ قبل أن توتر ؟ قال : يا عائشة انَّ عيني
تنامان ، ولا ينام قلبي »(20)
.فأين هو موضع صلاة ( التراويح ) من كلِّ ذلك ، وأين الاصل المدّعى لها في
الدين.قال تعالى : ( وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلِسنَتُكُمُ الكَذِبَ
هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفتَروا عَلى اللهِ الكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ
يَفْتَرُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ لا يُفلِحُونَ )(21)
.قال أبو عبدالله الصادق(عليه السلام) :« صوم شهر رمضان فريضة ، والقيام في
جماعة في ليلته بدعة ، وما صلاّها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في لياليه
بجماعة ، ولو كانَ خيراً ما تركه ، وقد صلّى في بعض ليالي شهر رمضان وحده ، فقام
قوم خلفه ، فلَّما أحسَّ بهم ، دخل بيته ، فعل ذلكَ ثلاثَ ليال ، فلما أصبحَ بعد
ثلاث ، صعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :أيُّها الناس لا تصلّوا
النافلةَ ليلاً في شهر رمضان ، ولا في غيره في جماعة فانَّها بدعة ، ولا تصلوا
ضحىً فانَّها بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكلّ ضلالة سبيلها الى النار ، ثم نزل وهو
يقول : قليل من سنة خير من كثير في بدعة »(22)
.وقال الامام موسى الكاظم(عليه السلام) :« قيام شهر رمضان بدعة ، وصيامه مفروض
، قال الراوي : فقلت : كيف اُصلّي في شهر
رمضان ؟ فقال : عشر ركعات والوتر والركعتان قبل الفجر ، كذلك كان يصلي رسول
الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولو كان خيراً لم يتركه »(23)
.3 ـ ( التراويح ) : أمر مبتدع في وجهة نظر الكثير من علماء العامة :ورد في كثير
من أقوال علماء العامة أنَّ عمر هو أول مَن شرع صلاة التراويح ، وجمع الناس عليها
، وهذا يعني انَّها لم تكن موجودة في عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ،
وانَّما هي (بدعة ) محدثة ، وسوف ننقل للقارئ الكريم طائفة من هذهِ الاقوال
:« قال العلاّمة أبو الوليد محمد بن الشحنة حيث ذكر وفاة عمر في حوادث سنة (23
) من تاريخه ـ روضة المناظر:
هو أول مَن نهى عن بيع اُمهات الاولاد ،
وجَمَع الناس على أربع تكبيرات في صلاة الجنائز ، وأول مَن جَمَع الناس على إمام
يصلّي بهم التراويح .. الخ .ولما ذكر السيوطي في كتابه ـ تاريخ الخلفاء ـ أوليات
عمر نقلاً عن العسكري قال :
هو أول مَن سمي أمير المؤمنين ، وأول مَن
سنَّ قيام شهر رمضان ـ بالتراويح ـ وأول مَن حَّرمَ المتعة ، وأول مَن جَمَع
الناسَ في صلاة الجنائز على أربع تكبيرات .. الخ .وقال محمد بن سعد ـ حيث ترجم عمر
في الجزء الثالث من الطبقات :
وهو أول مَن سنَّ قيام شهر رمضان ـ
بالتراويح ـ وجمعَ الناس على ذلك ، وكتب به إلى البلدان ، وذلكَ في شهر رمضان سنة
أربع عشرة ، وجعل للناس بالمدينة قارئَين ، قارئاً يصلي التراويح بالرجال ،
وقارئاً يصلي بالنساء .. الخ .وقال ابن عبد البر في ترجمة عمر من الاستيعاب:
وهو الذي نوَّرَ شَهر الصوم بصلاة الاشفاع فيه »(24)
.(
فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إِلاّ الضَّلالُ فَأَنّى تُصْرَفُونَ )(25)
.4 ـ أمير المؤمنين(عليه السلام) ينهى عن صلاة ( التراويح ) :
من المتفق عليه أنَّ
أمير المؤمنين علياً(عليه السلام) هو أعلم الصحابة وأفقههم وأقضاهم بنص من رسول
الله(صلى الله عليه وآله وسلم) على ذلك ، وقد روى علماء العامة في كتبهم بهذا
الصدد الكثير من الاحاديث التي تدل على هذا المعنى .فمن ذلك أنه(صلى الله عليه
وآله وسلم) قال :« أعلم اُمتي بالسنة والقضاء بعدي
عليُّ بن أبيطالب »(26).
وقال(صلى الله عليه وآله وسلم) :« أعلم اُمتي من بعدي علي بن أبي طالب
»
(27) .
وقال(صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي(عليه السلام) :
« أنتَ تبيِّن لاُمتي ما اختلفوا فيه
بعدي »(28) .
وعن أنس قال :«قيل يا رسول الله ، عمَّن نأخذ العلمَ بعدَكَ ؟ فقال(صلى الله عليه وآله وسلم)
عن علي »(29) .
وقال(صلى الله عليه وآله وسلم) :« علي وعاء علمي ، ووصيي ، وبابي الذي
اُوتى منه »
(30) .
وكان جميع
الصحابة يقرّون لعلي(عليه السلام) بالاعلمية ، ويرجعون إليه عندما تشكل عليهم
اُمور الدين ، ويقبلون حكمه من دون توقف لمعرفتهم بانَّه باب مدينة علم
النبي(صلى الله عليه
وآله وسلم) ، ووارث حكمته ، وقد قال فيه أبو الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب
:ما كنتُ أحسبُ انَّ الامر منصرفعن هاشم ثمَّ منها عن أبي حَسَنِأليسَ أول مَن
صلّى لقبلتكموأعلم الناس بالقرآنِ والسننِوقد ثبت تأريخياً انَّ أمير
المؤمنين(عليه السلام) قد نهى عن صلاة ( التراويح ) ، وزجر الناس عندما رآهم
يؤدّونها ، فقد روي أنـَّه :«لمّا اجتمع الناس على أمير المؤمنين(عليه السلام) بالكوفة سألوه أن ينصب لهم
إماماً يصلّي بهم نافلة شهر رمضان ، فزجرهم ، وعرَّفهم انَّ ذلك خلاف السنة ،
فتركوه ، واجتمعوا ، وقدَّموا بعضهم ، فبعث اليهم الحسن(عليه السلام) ، فدخل عليهم
المسجد ومعه الدرّة ، فلما رأوه تبادروا الابواب وصاحوا : واعمراه »
(31)
.
ولنقرأ معاناة أمير المؤمنين(عليه السلام) ، ومشاعره التي تجيش بالالم واللوعة ،
من خلال ما ورد عنه بهذا الشأن :« قد عملت الولاة قبلي
أعمالاً خالفوا فيها رسولَ الله(صلى الله عليه وآله وسلم) متعمدين لخلافه ، ولو
حملتُ الناس على تركها لتفرَّقوا عنّي ...والله لقد أمرتُ الناسَ أن لا يجتمعوا في
شهر رمضان إلاّ في فريضة ، وأعلمتهم انَّ اجتماعهم في النوافل ( بدعة ) ، فتنادى
بعض أهل عسكري ممن يقاتل معي : يا أهل الاسلام غُيِّرت سنة عمر ! ينهانا عن الصلاة
في شهر رمضان تطوعاً ، ولقد خفتُ أن يثوروا ناحية جانب عسكري ، مالقيتُ من هذهِ
الامة من الفرقة ، وطاعة أئمة الضلال ، والدعاة إلى النار ؟ .. »(32) .فأمير
المؤمنين(عليه السلام) ينص هنا على كون الجماعة في نافلة شهر رمضان ( بدعة ) ، وانَّ
الجماعة لا تشرع إلاّ في الفريضة ، ونصَّ في صدر هذا الحديث أيضاً على انَّ هذهِ
الاُمور قد أصبحت بمثابة السنة الثابتة في نظر عوام الناس على الرغم من أنها لم
تشرّع من قبل صاحب الرسالة(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وانه(عليه السلام) كان
يعانى من تمسك الناس بهذهِ البدع ، وتركهم لسنة رسول الله(صلى الله عليه وآله
وسلم)، ولكنه(عليه السلام) يؤثر السكوت ، ويفضّل الغض عن ذلك ، خوفاً من وقوع
الفتنة بين المسلمين ، وحفظاً لمصلحة الاسلام العليا .
5 ـ التضارب الفاضح في عدد ركعات ( التراويح ) :
على الرغم من الاصرار الكبير لدى البعض للتمسك بمشروعية (
التراويح ) ، والقول بانَّها كانت قائمة في زمن النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله
وسلم) إلاّ انه تركها مخافة أن تفترض على الامة ، إلاّ ان هؤلاء لم يتفقوا على
صيغة محددة وواضحة لكيفية هذهِ الصلاة ، وعدد ركعاتها ، فجاءت أقوالهم متضاربة
ومتعارضة بشكل فاضح ، الامر الذي لم يعهده المسلمون في أية فريضة اسلامية اُخرى ،
فانَّ من الممكن أن تتعدد الاقوال والاراء في بعض المسائل الفرعية من الدين ، أما
أن يقع مثل هذا النحو من التضارب في أصل العبادات التي يدّعى انَّها منتسبة إلى
التشريع وصادرة عنه ، فهذا ما لا يصح بحال من الاحوال ، وخصوصاً في عبادة مثل
الصلاة التي هي أمر توقيفي لا يؤخذ في هيئته وطريقته إلاّ عن مصدر تشريعي موثوق
الصدور، فلننظر إلى هذا التضارب العجيب .يقول ( ابن حجر ) في ( فتح الباري ) :«لم يقع في هذهِ الرواية عدد الركعات التي كان يصلي بها اُبي بن كعب ، وقد اختُلف
في ذلك ، ففي ( الموطأ ) عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد انَّها إحدى عشرة ،
ورواه سعيد بن منصور من وجه آخر ، وزاد فيه ( وكانوا يقرؤن بالمائتين ، ويقومون
على العصى من طول القيام ) .ورواه محمد بن نصر المروزي من طريق محمد بن اسحق ، عن
محمد بن يوسف ، فقال: ثلاث عشرة .ورواه عبد الرزاق من وجه آخر عن محمد بن
يوسف فقال : إحدى وعشرين .وروى مالك من طريق يزيد بن حضيفة ، عن السائب بن يزيد :
عشرين ركعة ، وهذا محمول على غير الوتر .وعن يزيد بن رومان قال : ( كان الناس
يقومون في زمان عمر بثلاث وعشرين ) .وروى محمد بن نصر من طريق عطاء قال : (
أدركتهم في رمضان يصلون عشرين ركعة ، وثلاث ركعات الوتر ) .والجمع بين هذهِ
الروايات ممكن باختلاف الاحوال ، ويُحتمل انَّ ذلك الاختلاف بحسب تطويل القراءة
وتخفيفها ، فحيث يطيل القراءة تقل الركعات وبالعكس .وبذلك جزم الداودي وغيره ،
والعدد الاول موافق لحديث عائشة المذكور بعد هذا الحديث في الباب ، والثاني قريب
منه ، والاختلاف فيما زاد عن العشرين راجع إلى الاختلاف فيالوتر ، وكأنَّه كان
تارةً يوتر بواحدة ، وتارةً بثلاث .وروى محمد بن نصر من طريق داود بن قيس قال : (
أدركتُ الناس في إمارة أبان بن عثمان ، وعمر بن عبد العزيز ـ يعني بالمدينة ـ
يقومون بست وثلاثين ركعة ، ويوترون بثلاث، وقال مالك هو الامر القديم عندنا
).وعن الزعفراني عن الشافعي ( رأيت الناس يقومونَ بالمدينة بتسع وثلاثين وبمكة
بثلاث وعشرين ، وليس في شيء من ذلك ضيق ) .وعنه قال : إن أطالوا القيام وأقلّوا
السجود فحسن ، وإن أكثروا السجود وأخفوا القراءة فحسن ، والاول أحبُّ اليَّ .وقال
الترمذي : أكثر ما قيل فيه انَّها تُصلى إحدى وأربعين ركعة يعني بالوتر ـ كذا قال
ـ .وقد نقل ابن عبد البر ، عن الاسود بن يزيد : تُصلى أربعين ، ويوتر بتسع ،
وقيل: ثمان وثلاثين، ذكره محمد بن نصر عن ابن أيمن عن مالك ، وهذا
يمكن ردّه إلى الاول بانضمام ثلاث الوتر، لكن صرَّح في روايته بأنَّه يوتر
بواحدة فتكون أربعين إلاّ واحدة ، قال مالك: وعلى هذا العمل منذ بضع ومائة
سنة .وعن مالك : ست وأربعين وثلاث الوتر ، وهذا هو المشهور عنه ، وقد رواه ابن وهب
، عن العمري ، عن نافع ، قال : لم اُدرك الناس إلاّ وهم يصلّون تسعاً وثلاثين
يوترون منها بثلاث .وعن زرارة بن أوفى انَّه كان يصلي بهم بالبصرة أربعاً وثلاثين
ويوتر .وعن سعيد بن جبير : أربعاً وعشرين .وقيل ست عشر غير الوتر .وروي عن أبي
مجلز عن محمد بن نصر ، وأخرج من طريق محمد بن اسحق حدثني محمد بن يوسف ، عن جدِّه
السائب بن يزيد قال : كنّا نصلّي زمن عمر في رمضان ثلاث عشرة .قال ابن اسحق : وهذا
أثبت ما سمعتُ في ذلك ، وهو موافق لحديث عائشة في صلاة النبي(صلى الله عليه وآله
وسلم) من الليل ، والله أعلم »
(33) !!!
فانظر
أيها القارئ الكريم أين يؤدي الابتعاد عن الشرع المبين ، والى أيّ طريق يوصل ..فهل
يمكن للشريعة الاسلامية أن تقع في مثل هذا التضارب والتهاتر ؟.وهل يمكن أن تضطرب
تعاليمها إلى هذا المستوى الغريب من التشويش ؟!
إنَّ الاسلام لاسمى من أن تَعلُقَ به
هذهِ الترهات والاقاويل ، وأقدس من أن تُنسب إليه مثل هذهِ السفاسف والاباطيل .
مداخلات :
ومن
الغريب حقاً ماقامَ به صاحب كتاب ( المغني ) من محاولات متعسفة لتبرير هذهِ (
البدعة ) حيث يقول :
«وإذا كان فيه الدعاء إلى الصلاة ، والتشدد في حفظ القرآن، فما الذي يمنع أن
يعمل به على وجه أنه مسنون ؟ »
(34) .
فهل انَّ
الامر المختلف فيه أمر ذوقي يمكن بشأنه الارجاع إلى حكم العقل البشري القاصر عن
إدراك المصالح والمفاسد بأبعادها وتفاصيلها الغائبة عنه ؟! على انَّ الادلة الشرعية
القاطعة تضافرت على نبذ هذا النمط من الاستدلال الذي يعتمد على العقل
والذوق، والردع عن ذلك ، باعتبار انَّ دين الله لا يُصابُ بالعقول .
وهل هذا إلاّ تحكيم للرأي الذي يتقاطع
مَعَ تعاليم الشرع المبين ، ويخالف فلسفة التشريع من الاساس ؟
وهل يمكن لنا من خلال إدراك مصلحة معينة
في فعل معين من أن نشرّع ذلك العمل ، ونعدّه مندوباً ؟!ثم ما أدرانا انَّ الدعاء
إلى الصلاة ، والتشدد في حفظ القرآن الكريم ، يتوقف على الالتزام بمثل هذا العمل ،
وإضفاء صفة الشرعية عليه ؟ولو كان الامر كذلك فلماذا لم يكن أصل الائتمام بالنافلة
مشروعاً ومندوباً ؟ ولماذا هذا التخصيص بنافلة شهر رمضان دون بقية النوافل الاُخرى
؟ أليس في بقية النوافل دعاء إلى الصلاة ، وتشدد في حفظ القرآن الكريم ؟
يقول الله عزَّوجلَّ : (
وَما كانَ لِمُؤمِن ولا مُؤمِنَة إذا قَضَى اللهُ وَرسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ
لَهُمُ الِخَيَرةُ مِن أَمرِهِمْ وَمَن يَعصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ
ضَلالاً مُّبِيناً )(35)
.وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في الحديث المتفق عليه :
« من أحدثَ في أمرنا هذا ما ليسَ منه
فهو ردٌّ »
(36) .
إنَّ هذا
الاستدلال لا يعدو أن يكون محاولة يائسة ، وخارقة لجميع الاُسس التي اتفق عليها
المسلمون بمختلف المذاهب والمشارب .يقول الدكتور ( يوسف القرضاوي ) بشأن التوقيف
في العبادات :« قال شيخ الاسلام ابن تيمية : ( انَّ تصرفات العباد من الاقوال
والافعال نوعان : عبادات يصلح بها دينهم ، وعادات يحتاجون اليها في دنياهم ،
فباستقراء اُصول الشريعة نعلم أنَّ العبادات التي أوجبها الله ، أو أحبَّها ، لا
يثبت الامر بها الاّ بالشرع ، وأما العادات فهي ما اعتاده الناس في دنياهم مما
يحتاجون إليه ، والاصل فيه عدم الحظر ، فلا يحظر منه إلاّ ما حظره الله سبحانه
وتعالى ، وذلكَ لانَّ الامر والنهي هما شرع الله ، والعبادة لابدَّ أن تكون
مأموراً بها ، فما لم يثبت انَّه مأمور به كيف يحكم عليه بأنَّه محظور ) .ولهذا
كان أحمد وغيره من فقهاء أهل الحديث يقولون : انَّ الاصل فيالعبادات التوقيف
، فلا يشرع منها الاّ ما شرعه الله ، والاّ دخلنا في معنى قوله تعالى : ( أَمْ
لَهُم شُرَكاءُ شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ الدينِ ما لَم يَأْذَن بِهِ اللهُ(37) )
(38) .فهل غابت
كل هذهِ الادلة عن بال صاحب ( المغني ) فادّعى ذلكَ غفلةً ، أو علم بذلك إلاّ
انَّه كابر متعسفاً ؟!على انَّ الاكثر غرابةً من ادّعاء صاحب ( المغني ) المذكور
حول ( التراويح ) ، هو المغالطة التي حاول من خلالها ( ابن أبي الحديد المعتزلي )
تبرير هذهِ ( البدعة ) ، والانتصار إلى محدثها ، حيث يقول :« أليس يجوز للانسان أن
يخترع من النوافل صلوات مخصوصة بكيفيات مخصوصة وأعداد ركعات مخصوصة ، ولا يكون ذلك
مكروهاً ولا حراماً ، نحو أن يصلّي ثلاثين ركعة بتسليمة واحدة ، ويقرأ في كل ركعة
منها سورةً من قصار المفصل ! أفيقول أحد انَّ هذا بدعة ، لانه لم يرد فيه نص ولا
سبق إليه المسلمون من قبل ! .. » .ثم أضاف مبرراً لـ ( التراويح ) دخولها في دائرة
الجواز بزعمه :« فان قال : هذا يسوغ ، فانَّه داخل تحت عموم ما ورد في فضل صلاة
النافلة ، قيل له: والتراويح جائزة ومسنونة لانـَّها داخلة تحت عموم ما ورد
في فضل صلاة الجماعة»(39).ولنا
على كلام ( المعتزلي ) هذا ملاحظتان :أولاً : إنَّ العمل العبادي الذي نعته ( ابن أبي الحديد ) بالجواز ، وادّعى انَّه
ليس بمكروه ولا حرام باتفاق الجميع ، لا يخلو من نقاش ، إذ انَّ هناك خلافاً
مستفيضاً بين الفقهاء فيانَّه هل يجوز الاتيان بالنوافل على أية هيئة كانت ،
أو انَّ صلاة النافلة لابدَّ أن تُراعى فيها الشروط التوقيفية التي ذكرتها الشريعة
الاسلامية لها ، فالرأي الذي عليه أتباع مدرسة أهل البيت(عليه السلام) هو عدم جواز
الاتيان بالنافلة التطوعية إلاّ بصورتها التوقيفية التي رويت عن النبي الاكرم(صلى
الله عليه وآله وسلم) ، وأهل بيته الطاهرين(عليهم السلام) ، وهي أن تكون ركعتين
ركعتين .قال السيّد ( محمد كاظم اليزدي ) في ( العروة الوثقى ) :« يجب الاتيان
بالنوافل ركعتين ركعتين »(40)
.فصلاة النافلة وان كان أصلها عملاً تطوعياً مندوباً ، وداخلاً في صميم التشريع ،
إلاّ انَّ الاتيان بها بقصد التقرب إلى الله جل ثناؤُه لابدَّ أن تُلحظ فيه
المقومات الدخيلة في أصل ماهيتها ، فمثلاً من شروط إيقاع النافلة أن تكون مَعَ
فاتحة الكتاب ، وأن يكون المصلّي على طهور ، فقد ورد انَّه ( لا صلاة إلاّ بفاتحة
الكتاب ) ، و ( لا صلاة إلاّ بطهور ) ، ولا يمكن تعدّي هذهِ الشروط ، والاتيان
بصلاة النافلة من دون فاتحة الكتاب ، أو من دون طهور مثلاً ، وهكذا الامر بالنسبة
إلى تحديد ركعات النافلة ، إذ لا يمكن على رأي مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) أن
يؤتى بها بأية هيئة أو كيفية كانت ، وانَّما يجب التقيد بالاتيان بها ركعتين
ركعتين .نعم هناك أفعال مرنة ضمن اطار صلاة النافلة نفسها ، يمكن للمكلف أن يتحرك
في ظلِّها باختياره ، كالتحكّم في طبيعة ( السورة ) التي يقرأها بعد فاتحة الكتاب
، أو نوع الدعاء الذي يدعو به ، أو كميّة الذكر الذي يأتي به .. أو غير ذلك من
الاُمور التي أُو كل التصرف فيها إلى نفس المكلَّف ، شريطة أن تبقى محتفظة بسمة
الشرعية ، ومندرجة تحت العموميات الثابت ورودها عن الشريعة المقدسة .يبقى أمر يجدر
التنبيه عليه ، وهو أنَّ الخروج من كيفية الركعتين في النافلة لا يتم إلاّ عن طريق
الدليل الشرعي ، إذ الاصل هو الركعتان إلاّ ما خرجَ بالدليل ، ومثال ما خرجَ
بالدليل ركعة الوتر التي تُختم بها صلاة الليل .وأما أبناء العامة ، فقد اختلفوا
في ذلك ايضاً ، وان كان أكثرهم على الجواز ، إلاّ انَّ بعضهم نصَّ على انَّ
الزيادة على الركعتين أمر مكروه ، وبعضهم قصر الزيادة على الاربع.. وهكذا
.قال الامام ( القدوري الحنفي ) :
« ونوافل النهار إن شاءَ صلّى ركعتين بتسليمة واحدة ، وإن شاءَ أربعاً ، وتُكره
الزيادة على ذلك ، فأمّا نافلة الليل فقال أبو حنيفة : إن صلّى ثمان ركعات بتسليمة
واحدة جاز ، وتُكره الزيادة على ذلك »
(41) .
وقال ( أبو يوسف ومحمَّد ) :«لا يزيد بالليل على ركعتين بتسليمة واحدة »(42)
.
وقال في ( المهذَّب ) :«والسنة أن يسلِّم من كل ركعتين ، لما روي عن ابن عمر(رضي الله عنه) انَّ النبي(صلى
الله عليه وآله وسلم) قال : (صلاة الليل مثنى مثنى ، فإذا رأيت انَّ الصبح تداركك فأوتر
بواحدة ) ، وإن جمع ركعات بتسليمة جاز ،
لما روت عائشة رضي الله عنها انَّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ( كان يصلي
ثلاث عشرة ركعة ، ويوتر من ذلك بخمس ، يجلس في الاخرة ويسلِّم ، وانَّه أوتر بسبع
وبخمس لا يفصل بينهنَّ بسلام ) ، وإن تطوَّعَ بركعة جاز لما روي انَّ عمر(رضي الله
عنه) ( مرَّ بالمسجد فصلى ركعة فتبعه رجل ، فقال يا أمير المؤمنين انَّما صليت
ركعة ، فقال : انَّما هي تطوع فمن شاء زاد ومَن شاء نقص » .وعقَّب على ذلك (
النووي ) بالقول :« .. في مذاهب العلماء في ذلك : قد ذكرنا انَّه يجوز عندنا أن
يجمع ركعات كثيرة من النوافل المطلقة بتسليمة ، وانَّ الافضل في صلاة الليل
والنهار أن يسلّم من كل ركعتين، وبهذا قال مالك وأحمد وداود وابن المنذر ،
وحكي عن الحسن البصري وسعيد بن جبير، وقال أبو حنيفة : التسليم من ركعتين أو
أربع في صلاة النهار ، سواء في الفضيله ، ولا يزيد على ذلك ، وصلاة الليل ركعتان
وأربع وست وثمان بتسليمة ، ولا يزيد على ثمان، وكان ابن عمر يصلي بالنهار
أربعاً ، واختاره اسحق »(43).
فكيف يمكن أن يُدَّعى بعد كل هذهِ الاقوال والاراء انَّ
أحداً لم يقل بكراهة أو حرمة صلاة ثلاثين ركعة بتسليمة واحدة ، كما قال ذلك
المعتزلي بشكل قاطع ، وأرسله إرسال المسلَّمات .وهذا كلّه طبعاً فيما لو جاء
المكلّف بالعمل على سبيل القربة المطلقة . ولم ينسبه إلى الشريعة الاسلامية المقدسة
، وأما إذا تمت نسبة هذا العمل العبادي المخترع بكيفيته المذكورة والمخصوصة هذهِ
إلى الشريعة ، وادُّعي انَّه مستفاد منها ، وانَّه جزء من تعاليمها ، فلا شكَ ولا
ريب في كونه عملاً محَّرماً ، بل هو من أبرز مصاديق قوله(صلى الله عليه وآله وسلم)
:« مَن أحدثَ في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ » .
وقد مرَّت الاشارة إلى موضوع ( قصد
التشريع ) فيما تقدم ، وذكرنا الضابطة التي يتم بموجبها دخول العمل من هذهِ
الناحية في الدين أو خروجه عنه .قال الشيخ ( يوسف البحراني ) في ( الحدائق الناضرة
) :«لا ريب في انَّ الصلاة خير موضوع ، إلاّ انه متى اعتقد المكلف في ذلكَ أمراً
زائداً على ما دلَّت عليه هذهِ الادلة من عدد مخصوص ، وزمان مخصوص ، أو كيفية خاصة
، ونحو ذلك ، مما لم يقم عليه دليل في الشريعة ، فانَّه يكون محرَّماً ، وتكون
عبادته بدعة ، والبدعية ليست من حيث الصلاة ، وانَّما هي من حيث هذا التوظيف الذي
اعتقده في هذا الوقت ، والعدد ، والكيفية ، من غير أن يرد عليه دليل »(44)
.
ومن الواضح لدينا انَّه حينما سُنَّت هذهِ الصلاة ، وأُمر
المسلمون بها ، وُعيِّن لهم امام خاص يقيمها ، واستُحسنَ ذلك بعد ذلك ، فانَّه لم
يُعمد إلى هذا العمل بما هو عمل عام، يأتي به الشخص بنية القربة المطلقه ، وامتثال
عموميات الادلة التي تحث المسلمين على صلاة النوافل ، أو صلاة الجماعة ـ على الرغم
من أننَّا لا نسلم حتى هذا المقدار لما ذكرناه آنفاً ـ وانَّما الملاحظ انَّه قد
اُريد لهذا العمل أن يكون عملاً دورياً وثابتاً ، وبهذا فهو مقصود بكيفيته الخاصة ،
ومنسوب إلى التشريع بما يحمل من مواصفات وخصوصيات معيّنة ، وهذا يعني قصد التشريع
المنافي والمبطل لاندراجه تحت العموميات المشار اليها في كلام (ابن ابي الحديد ) ،
لو توافقنا معه جدلاً بشأنها .وقد حصل هذا الامر فعلاً ، وجيء بهذهِ النافلة تحت
عنوان الندب الشرعي، وأخذ بعض المسلمين يتعاهدون هذا العمل دهراً بعد دهر على انَّه
سنة ثابتة من صميم التشريع ، ولذا رأينا فيما سبق انَّ المصلين الذين نهاهم أمير
المؤمنين(عليه السلام) عن أداء هذهِ الصلاة وأوضح لهم انَّها ( بدعة ) ، ومخالفة
لحكم الله تعالى ، وسنة رسوله الكريم(صلى الله عليه وآله وسلم)، اعترضوا عليه
ونادوا ، واعمراه ، ومن بعد ذلك أصروا على مزاولتها ، والاقامة عليها .ثانياً :
إنَّ ما يمكن أن تشمله عموميات ما ورد في فضل صلاة الجماعة ، والدعوة إلى إقامتها
على ما ذكره ( المعتزلي ) هو خصوص الامر القابل للاتصاف بهذا العنوان ، والذي يمكن
بشأنه ذلك ، لا الامر المنهي عنه والخارج عن دائرة الصلوات بشكل عام (إمّا لورود
الدليل على عدم صحة الاتيان به ، أو لعدم الدليل عليه ) ، أو الخارج عن دائرة
الصلوات التي تُسن فيها صلاة الجماعة ، على أحسن التقديرين .وقد ورد عن الشريعة
الاسلامية ثبوت بعض الصلوات المستحبة التي يجوز أن تُصلّى جماعةً بالاصالة أو
بالعارض ، ولم نرَ فيما بين هذهِ الصلوات صلاةً يُقال لها (التراويح) ، على انَّ
هناك نهياً عاماً يشمل الصلاة جماعة في النافلة غير ما ذُكر بخصوصه من إستثناء .قال
السيّد ( محمد كاظم اليزدي ) في ( العروة الوثقى ) :« لا تشرع الجماعة في
شيء من النوافل الاصلية وإن وجبت بالعارض بنذر أو نحوه، حتى صلاة الغدير على
الاقوى ، إلاّ في صلاة الاستسقاء ، نعم لا بأس بها فيما صارَ نفلاً بالعارض ،
كصلاة العيدين ، مَعَ عدم اجتماع شرائط الوجوب ، والصلاة المعادة جماعةً،
والفريضة المتبَّرع بها عن الغير ، والمأتي بها من جهة الاحتياط الاستحبابي »
(45). |