هـ : اِقامة المآتم ومجالس العزاء :
وردت
الاحاديث المتظافرة الدالة على استحباب الترحم على الموتى ، وضرورة مواساة
المسلمين بعضهم للبعض الاخر عند نزول الموت ، والمشاركة في مراسيم التشييع والدفن
، وبقية مراسيم العزاء .
وقد
اعتاد المسلمون في الفترات الاخيرة على تجسيد هذا الندب الشرعي المؤكّد ، من خلال
إقامة مجالس الفاتحة على أرواح اُولئكَ الموتى ، وذكرهم بالخيرات ، وقراءة القرآن
والدعاء ، واطعام المعزّين من باب أدب الضيافة .
ولم
يكن ليدّعي أحد من هؤلاء المسلمين بأنَّ هذا العمل ضروري أو واجب ، وانّما يقوم به
أولياء المتوفى كل بحسب شأنه وطاقته ، بل وقد لا يقوم به البعض الاخر لقلّة ذات
يساره ، على أنَّ دعم بقية المسلمين لهؤلاء المصابين ، وقيامهم بأغلب نفقات هذهِ
المآتم ، يحول غالباً دون عدم تحقيق هذا الامر المندوب .
فهذا
أيضاً من نوع تطبيق وتجسيد عموميات الشريعة المقدسة .
ولكنَّ
المؤسف انَّ البعض قد عدَّ هذا العمل من قبيل البدعة المحرّمة ، وتسرَّعَ الى
اطلاق هذا العنوان عليه من دون محاولة التأمل في خلفياته ومبرراته الشرعية ، جاءَ
في (الفقه الاسلامي وأدلته ) :« أما صنع أهل
البيت طعاماً للناس فمكروه وبدعة لا أصلَ لها ، لانَّ فيه زيادة على مصيبتهم ،
وشغلاً لهم الى شغلهم ، وتشبهاً بصنع أهل الجاهلية ، وإن كان في الورثة قاصر دونَ
البلوغ ، فيحرم إعداد الطعام وتقديمه ، قال جرير بن عبدالله : كنا نعدّ الاجتماع
الى أهل الميت وصنعهم الطعام من النياحة »(1).
ويفصّل
( الفوزان ) هذا التحريم بالقول :« ومنها : إقامة
المآتم على الاموات ، وصناعة الاطعمة ، واستئجار المقرئين ، يزعمون أنَّ ذلكَ من
باب العزاء ، أو انَّ ذلك ينفع الميت ، وكل ذلكَ بدعة لا أصل لها ، وآصار وأغلال
ما أنزل الله بها من سلطان »(2).
فمتى
كانت قراءة القرآن ، والدعاء ، واطعام الطعام ( بدع ) لا اصل لها ؟! وما معنى
النصوص الشرعية الخاصة والعامة التي حثت المسلمين على هذهِ الاُمور جميعاً ، وأكدت
على ضرورة مواساة أولياء الميت ، ومشاركتهم في العزاء ، وتقديم العون لهم ، وندبت
المسلمين الى كل ذلك في مختلف الاُزمان والعصور ؟
فقد
ورد عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) انه قال :« مَن عزّى مصاباً
فله مثل أجره »(3).
وعنه(صلى
الله عليه وآله وسلم) :« ما من مؤمن
يعزّي أخاه بمصيبة إلاّ كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة »(4).
فهذه
أدلة عامة تنص على مشروعية ، الاجتماع واللقاء عند المصاب ، وزيارة أولياء الميت ،
ومواساتهم ، وتقديم العزاء لهم .. إضافة الى الادلة العامة الواردة بشأن التعاون
على البر والتقوى ، ومواساة الاخوان ، وزيارة المؤمنين ، وإدخال السرور على قلوبهم
، وصلة الارحام .. وغيرها من العموميات التي تشمل هذا النوع من الاجتماع والائتلاف
والتعاون ، وتدفع الانسان المؤمن للوقوف إلى جنب أخيه المؤمن في الشدائد ومواطن
الابتلاء .
وأمّا
قضية إطعام المعزّين فهي قضية جرى عليها عرف الانسان ، واندفع نحوها بايحاء فطرته البشرية
، كما انَّها وجدت حوافزها ودوافعها الشرعية من خلال النصوص الكثيرة الواردة في
الحث على إكرام الضيف ، وإيصال البر والمعروف الى الناس ، وإنفاق ما زاد عن الحاجة
، وبذل المستطاع من المال والمتاع .. وأوضح مصاديق ذلك هو إطعام الطعام ، وإشباع
المؤمنين تقرباً الى الله تعالى .
فما
دخل هذا العمل الذي يقوم به أولياء الميت بالابتداع ، وكيف يمكن لمتشرع يخاف يوم
الحساب من أن يطبق عليه حدّ ( البدعة ) ويقول بانَّ هؤلاء قد أدخلوا في الدين ما
ليس منه ؟.
وهل
يُعقل أن تحرِّم الشريعة الاسلامية اكرام الضيف المعزّي وتقديم الطعام له ، لا
سيما وانَّ أغلب هؤلاء المعزّين يأتون من مناطق بعيدة ونائية ، ويتركون أعمالهم
وشؤونهم الخاصة ، قاصدين مواساة أولياء الميت والشد على أيديهم ، علاوةً على
انَّهم يتحملون في الغالب عملية إعداد الطعام ونفقاته والاُمور الاُخرى المتعلقة
به ؟
من
هنا نرى انَّ البعض حين يصطدم بالواقع الذي يرفض هذا الاتهام المجحف أشدَّ الرفض ،
يستدرك ما أطلقه من تحريم بالقول :« وإن دعت الحاجة
الى ذلكَ جاز ، فانهم ربَّما جاءَهم مَن يحضر ميتهم من القرى والاماكن البعيدة ،
ويبيت عندهم ، ولا يمكنهم إلاّ أن يضيفوه »(5).
إنَّ
الاسلام أسمى وأقدس من أن يُفهم بهذهِ الطريقة الشلاّء التي يلصقها به الجهلاء
والمضلّلون ، أو يُنظر اليه بهذهِ النظرة السوداوية القاتمة ا لتي تحجبه عن
المجتمع ، وتمنعه من التفاعل معه وفيه .
إنَّ
الاسلام دين الحياة الذي ينفتح معها في مختلف الخصوصيات والابعاد ، ويستجيب
لمتطلباتها مهما اتسعت وتقدمت بالانسان ، والاّ فيكف يمكن أن نأمن على الدين
الاسلامي من أن يواكب المجتمع المتمدن ويحاكي تطور الحياة ؟!
ولكننا
لا نستغرب كثيراً إذا ما أدركنا بانَّ الدين الذي يريده هؤلاء هو دين السلاطين
والملوك ، ودين التحجر والانزواء .
وأمّا
استحباب تلاوة القرآن الكريم ، والتجمع للاستماع له ، فهو لا يتطلب منّا مزيداً من
البيان ، ولا يحتاج الى أن نذكر له دليلاً أو برهاناً ، لكونه أمراً جلياً لا يشكك
فيه إلاّ الجاهل المتعنت ، ولا ينكره إلاّ مَن لاحظ له من العلم بشريعة سيد
المرسلين(صلى الله عليه وآله وسلم).
وأما
ايصال ثواب هذهِ القراءة الى الميت فهو أمر مندوب بالادلة العامة والخاصة ، فروي
مثلاً عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) انَّه قال :« اقرؤها على
موتاكم ، يعني يس »(6)
.
وفي
رواية اُخرى عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) انَّه قال :« ... ، ويس قلب
القرآن ، لا يقرؤها رجل يريد اللهَ تبارك وتعالى والدارَ الاخرة إلا غُفر له،
واقرءوها على موتاكم »(7)
.
وروي
عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) :« من مرَّ على
المقابر فقرأ فيها إحدى عشرة مرةً ( قُل هُوَ الله أحد ) ، ثمَّ وهبَ أجرهُ
الامواتَ ، اُعطي من الاجر بعدد الاموات »(8).
وعن
أبي هريرة عن رسول الله :« مَن دَخَل
المقابر ، ثم قرأ فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد ، وألهاكم التكاثر ، ثم قال: إنّي
جعلتُ ثواب ما قرأتُ من كلامك لاهل المقابر من المؤمنين والمؤمنات ، كانوا شفعاء
له الى الله تعالى »(9).
وعن
عائشة :« انَّ رجلاً قال
لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : إنَّ امي افتُلتت نفسها ، وانَّها لو تكلمت
تصدَّقت ، أفأتصدق عنها ؟ فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : نعم ، فتصدَّق
عنها»(10).
وعن
كعب بن عجرة قال :« ... قلتُ يا :
رسول الله ! انّي اُكثر الصلاة عليك ، فكم أجعل لكَ من صلاتي ؟ فقال : ما شئت ،
قال ، قلت : الربع ، قال : ما شئت ، فان زدت فهو خير لكَ ، قلت : النصف، قال : ما
شئت ، فان زدتَ فهو خير لكَ ، قال : قلت : فالثلثين ، قال : ما شئت ، فان زدت فهو
خير لكَ قلت : أجعل لكَ صلاتي كلَّها ، قال : إذاً تكفى همك ويغفر لك ذنبك»(11)
.
فهذه
الاحاديث والكثير غيرها تدل بوضوح على مطلوبية ذكر الاموات بالدعاء، والقرآن ،
وأعمال البر الاُخرى ، وانَّ ثواب هذه الاعمال يصل الى الميت في قبره وينتفع به .
قال صاحب كتاب ( صاروخ القرآن والسنة ) حول هذا الموضوع :« قال مفتي الديار
الحضرمّية في رسالته المذكورة : أما قراءة القرآن العظيم للاموات ، ثم الدعاء
بعدها بأن يوصل ثواب القراءة الى روح فلان ... الخ ، فقد كفانا المؤونة في ذلك
الامام العلاّمة الشيخ محمد العربي التباني ، المدرس بالمسجد الحرام ، وأحد أساتذة
مدرسة الفلاح بمكة سابقاً ، فانَّه صنف في هذا الموضوع رسالة سماها
إسعاف
المسلمين والمسلمات بجواز القراءة ووصول ثوابها للاموات
، ذكر في صدرها
انَّ قراءة القرآن على الاموات جائزة ، يصل ثوابها لهم عند جمهور فقهاء الاسلام
أهل السنة ، وإن كانت بأُجرة على التحقيق ...
ثم
نقل عن الامام شيخ الاسلام زكريا في شرح الروض
ما مثاله : فرع الاجارة
للقراءة على القبر مدة معلومة ، أو قدراً معلوماً ، جائزة للانتفاع بنزول الرحمة
حين يُقرأ القرآن ، كالاستئجار للاذان ، وتعليم القرآن ، ويكون الميِّت كالحي
الحاضر ، سواء عقَّب القرآن بالدعاء ، أو جعل أجر قراءته له ، أم لا ، فتعود منفعة
القرآن الى الميِّت في ذلك ...
ثم
قال : بل قال السبكي تبعاً لابن الرفعة على انَّ الذي دلَّ عليه الخبر بالاستنباط
انَّ القرآن إذا قُصد به نفع الميت نفعه ...
ثم
نقل عن الامام الرملي في النهاية والشبراملسي في حاشيته عليها ، وعن شيخ الاسلام
في فتاويه ، وعن الحافظ السيوطي ، وابن الصلاح ما يؤيد ذلك ، الى أن قال: وقال
النووي رحمه الله في شرح المهذب : يستحب لزائر القبور أن يقرأ ما تيسر من القرآن ، ويدعو لهم
عقبها ، نصَّ عليه الشافعي واتفق عليه الاصحاب ، وزاد في موضع آخر : إن ختموا
القرآن على القبر كان أفضل ا هـ » .
ثم
نقل عن علماء بقية المذاهب الاربعة ما لا يخرج عمّا ذكر ، الى أن قالَ في الخاتمة
: « والخلاصة قد تحقق وتلخص من كلام العلماء كابن قدامة ، وابن القيمِّ ، وغيرهما
المنقول عن الائمة الاقدمين من أهل الاثر ، إنَّ القراءة على الاموات فعلها السلف
الصالح ، وانَّ عمل المسلمين شرقاً وغرباً لم يزل مستمراً عليها ، وانَّهم وقفوا
على ذلك أوقافاً ، وأطال في ذلك .
ثم
نقل عن الشيخ تقي الدين أبي العباس أحمد بن تيمية انَّه قال : مَن اعتقد انَّ
الانسان لا ينتفع إلاّ بعمله ، فقد خرق الاجماع ، وذلك باطل من وجوه كثيرة ، أحدها
انَّ الانسان ينتفع بدعاء غيره ، وهو انتفاع بعمل الغير ، وأطال الى أن عدَّ
واحداً وعشرين وجهاً .
ثم
قال : ومَن تأمل العلم وجد من إنتفاع الانسان بما لم يعمله ما لا يكاد يُحصى اهـ
كلام ابن تيمية »(12)
.
فهذهِ
هي نصوص الشريعة الاسلامية الناصعة ، وآراء أتباع مدرسة أهل البيت(عليهم السلام)
المستقاة منها ، وهذهِ أقوال أهل السنة وفتاواهم التي يحكى عنها الاجماع ، فأين
نضع قول مَن يقول « ومنها إقامة المآتم على الاموات ، وصناعة الاطعمة ، واستئجار
المقرئين يزعمون انَّ ذلكَ من العزاء ، أو انَّ ذلك ينفع الميّت ، وكل ذلك بدعة لا
أصل لها ، وآصار وأغلال ما أنزل الله بها من سلطان »(13).
فلماذا
التسرع في إطلاق لفظ ( البدعة ) على الاُمور المقطوعة الثبوت في التشريع ؟ ولماذا
الاستعجال بتكفير الاف الموحدين من الطوائف الاسلامية المختلفة لانَّهم يعتقدون
بأمر منتزع من صميم التشريع ، ويمارسونه على هذا الاساس المشروع ؟
إنَّ
التهاون في مثل هذهِ الاُمور ، والتسامح في إطلاق لفظ ( البدعة ) مَعَ ما له من
خطورة وحساسية في التصور الاسلامي ، لا يمكن أن يُغتفر ويُتجاوز عنه ، خصوصاً إذا
ما صدر من شخصيات لها وزنها وموقعها ، في مختلف المقاييس والاعتبارات .
جاءَ
في كتاب ( الروح ) لـ (ابن القيِّم الجوزية ) :« قال الخلال :
وأخبرني الحسن بن أحمد الوراق : حدثني علي بن موسى الحدّاد وكان صدوقاً ، قال :
كنت مَعَ أحمد بن حنبل ، ومحمد بن قدامة الجوهري في جنازة ، فلما دُفن الميت، جلس
رجل ضرير يقرأ عند القبر ، فقال له أحمد : يا هذا إنَّ القراءه عند القبر بدعة !
فلما
خرجنا من المقابر ، قال محمد بن قدامة لاحمد بن حنبل : يا أبا عبدالله ما تقول في
مبشر الحلبي ؟ قال : ثقة ، قال : كتبتَ عنه شيئاً ؟ قال : نعم ، قال : فأخبرني
مبشر عن عبدالرحمن بن العلاء بن اللجلاج عن أبيه أنـَّه أوصى إذا دُفن أنْ يُقرأ
عند رأسه بفاتحة البقرة وخاتمتها ، وقال : سمعتُ ابن عمر يوصي بذلك ، فقال له أحمد
: فارجع وقل للرجل يقرأ »(14)
!!
ويحاول
الشيخ ( الغزالي ) أن يبني نسبة ( الابتداع ) إلى إطعام الطعام ، وتلاوة القرآن
وتوزيع الاشربة والسجائر !! في المآتم .. على قاعدة عقلية عثر عليها في كلمات
المتقدمين! وهامَ إعجاباً بها ، وجعلها شاهداً لكثير من أحكامه بالابتداع على ما
لا ينسجم معها من الامور الحادثة في حياة المسلمين ، فيقول عند التعرض لموضوع
الابتداع:« ومن الفقهاء
الذينَ برزوا في هذا الميدان أبو اسحق الشاطبي ، وأظنه واضع هذهِ القاعدة : ( ما
تركه النبي عليه الصلاة والسلام مَعَ وجود الداعي ، وانتفاء المانع ، فتركه سنة ،
وفعله بدعة ) ، وهي قاعدة جليلة تحمي الاسلام من تقاليد رديئة اختلقها المسلمون في
مناسبات كثيرة ، وحسبها العامة ديناً ، وما هي بدين »(15) .
يستعين
( الغزالي ) بهذه القاعدة على نسبة ( الابتداع ) إلى مَن يقيم مآتم العزاء، ومجالس
الترحم على الموتى ، ويطعم الطعام ، ويقرأ القرآن ، ويوزِّع السجائر والاشربة !
فيقول :« كانَ الناس
يموتون ، ولم يتجاوز الامر عند موتهم الدفن بعد صلاة الجنائز ، ثم قبول العزاء على
نحو عابر لا افتعال فيه .
وربما
كلف جيران الميت باعداد الطعام لاهله ، فانَّ مصابهم شغلهم عن إعداده لانفسهم ،
لكنَّ مسلمي اليوم رأوا أن يجتمعوا عقب الوفاة في أندية أو سرادقات ، يستمعون فيها
الى القرآن ، ويستقبلونَ فيها الوفود ، وتوزع فيها السجائر والاشربة ، ويتكلَّف
فيها أهل الميت ما يبهظهم .
والجماهير
ترى أنَّ قراءة القرآن في حشديضم المعزّين لا بدَّ منه ، ولكنَّ العلماء مجمعون
على أنَّ الرسول وصحابته لم يفعلوا هذا مَعَ وجود الداعي له وهو الموت ، وطلب
الثواب ، وانتفاء المانع فالامن مستقر والتجمع سهل .
وما
دام الامر كذلك فالترك سنة ، والفعل بدعة »(16) .
ونحن
نعجب لصاحب هذهِ الشخصية العلمية كيف ينحى هذهِ الطريقة الخطيرة من التفكير ، وكيف
يسمح لنفسه نعت مثل هذهِ الاعمال المشروعة بالابتداع ، في الوقت الذي لم يُعهد من
ممارسي هذهِ الاعراف القول بانَّها ضرورة لا بدَّ منها كما ذكر في كلامه .
وحتى
القاعدة التي تم استشهاده بها ، والتي كانت تمثل ظفراً علمياً نفيساً بالنسبة اليه
، لا تصلح لان تكون ضابطة لحد الابتداع ، إذ ليس المدار في انطباق مفهوم ( البدعة
) على الاُمور الحادثة هو عدم فعلها في حياة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) مَعَ
وجود الداعي لذلك وارتفاع المانع عنه ، على ما صوَّره ( الغزالي ) في كلامه
المتقدم ، إذ انَّ هناك خصوصيات أساسية متممِّة قد أغفلها صاحب القاعدة ، ومَن
هامَ إعجاباً بها في آن واحد ، تلك هي مراعاة طبيعة المجتمع ، وعاداته ، وأعرافه
.. ومثل هذا الامر موكول الى سليقة الناس، وطبائعهم ، وتقاليدهم الخاصة، يعبّرون
عنه كيف يشاؤون ، ويأتون به بالطريقة التى تفرضها ضرورات الحياة ، ومتطلبات العصر
، وأعراف المجتمع ، بشرط أن لا يصطدموا مَعَ خطوط الشريعة الحمراء ، ولا ينسبوا
العمل بكيفيته التفصيلية الى الشرع المقدس، عندما لا يرد بشأنه دليل خاص ، وهذا ما
يحصل في هذهِ المجالس والمآتم ، فهي تشتمل على الذكر ، والدعاء ، وتلاوة القرآن
الكريم ، وإطعام الطعام ، وإكرام الضيف ، ومواساة المؤمنين ، وتسلية المصاب ...
وكل هذهِ الامور قضايا مندوبة ومستحبة ، ولا توجد أية مساحة للمخالفة الشرعية في
عناوينها وتطبيقاتها في هذهِ المجالس .
أضف
الى انَّ مقيمي هذهِ المجالس وحضّارها لا يدّعون وجوبها وحتميتها ، ولذا نرى أنَّ
بعضهم يكتفي بمراسيم التشييع والدفن ليس غير ، وأما البعض الاخر فيبذل ما يقدر
عليه من برٍّ وإحسان حسب وسعه وطاقته .
فطبيعة
المجتمع إذن لها مدخلية في رسم الصورة النهائية لهذا النمط من التعبير العاطفي
المسموح به في ثوابت الشريعة ، وهو أمر مغروس في نفوس الناس ، ومختزن في أعماقهم ،
غاية الامر انَّ هناك اختلافاً في طريقة ترجمته على الواقع العملي المعاش ، وهذا
الاختلاف ينتج عن الاختلاف في أعراف الناس وطبعائهم .
بل
ويمكن أن نلتمس من نفس كلام ( الغزالي ) شاهداً ومؤشّراً على كون اُصول هذا العمل
كانت موجودةً فيما سبق ، إلاّ انَّها كانت بدرجة محدودة ، وبمستوىً ضئيل، يتناسب
مَعَ طبيعة المجتمع القائم آنذاك ، ونوع الاعراف والتقاليد التي كانت تحكمه وتسوده
، لا سيما إذا أخذنا بنظر الاعتبار أنَّ الناس كانوا جديدي عهد بأحكام الشريعة
وتعاليمها وأسرارها ، فقد مرَّ معنا انَّه يقول : « ثم قبول العزاء بنحو عابر لا
افتعال فيه » .
ويقول
: « وربما كُلِّف جيران الميت باعداد الطعام لاهله » .
وفي
هذا إشارة الى ما ورد في الاثر :« ولما جاءَ نعي
جعفر بن أبي طالب الى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال : إصنعوا لال جعفر
طعاماً ، فانَّه قد أتاهم ما شغلهم »(17).
وفي
رواية اخرى انَّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال :« لا تغفلوا آل
جعفر أن تصنعوا لهم طعاماً فانَّهم قد شُغلوا بأمرِ مصابهم »(18).
وهذا
يدلل على انَّ جذور هذهِ المراسيم كانت قد بدأت تضرب بجذورها في نفوس المسلمين
وطبائعهم ، باعتبار استجابتهم لارشادات الشريعة التي توصي بالاهتمام بآل المتوفى
من جانب ، وتوصي باكرام الضيف وإطعامه والتصدّق عن الموتى بمختلف أعمال البر
والمعروف من جانب آخر ، ثم أخذت هذهِ الممارسة تقوى وتشتد وتستجيب لواقع العصر
مَعَ مرور الزمن ، الى أن اتصفت بالطابع الذي هي عليه الان .
وربما
ينتقل أحد هؤلاء المسلمين الذين نعتهم ( الغزالي ) بالابتداع الى أحد البلدان التي
لا تسود فيها مثل هذهِ الاعراف ، فيبدأ يتكيف مَعَ الجو الجديد ، ويقتصر من مجمل
هذهِ المراسيم المتعارفة على ما هو سائد ومألوف في ذلك المجتمع .
ولا
يحس من نفسه بانَّه ترك واجباً ، أو يشعر بأنَّه ارتكب حراماً !!
فالامر
إذن مرتبط بأعراف الناس ومشاعرهم من ناحية ، وبمستجدات الزمن وتطوراته من ناحية
اُخرى .. هذا بالنسبة الى هيكليته العامة وطابعه الشكلي ، وأمّا في واقع تشريعه
وانتساب مفرداته الى الدين ، فهو مشمول بالادلة التي أشرنا الى بعضها آنفاً .
هذا
ونجد أنَّ ( الغزالي ) يصرِّح بنفسه في موضع آخر بما يخالف دعواه هذهِ بشكل معلن ،
ويستدرك الاذعان المطلق الى القاعدة التي ذكرها سابقاً ، فيقول :« ونحن نحترم هذهِ
القاعدة مَعَ إضافة وجيزة تشرحها !
هناك
أدلة عامة في الدين يجب النزول عندها ، بيد أنَّ صورتها تتجدد على اختلاف الليل
والنهار ، كفعل الخير مثلاً ـ وهناك أمر به ـ وكالتواصي بالحق والصبر ، والتعاون
على البر والتقوى ، والجهاد بالمال والنفس واللسان ... الخ .
إنَّ
صور الطاعات هنا تكثر وتتغاير ، فهل تدخل في باب الابتداع ؟ كلاّ ! لكن ما الضابط
الذي نحترز به من البدع ؟.
المخوف
هو تحويل الصورة التي يقوم بها امرؤ ما الى قانون عام يُحمد فاعلُه ، ويُذم تاركه
، وكأنَّما هو وحي من عند الله » .
ويضيف
:« سُئلت عن
التلاوة الجماعية للقرآن الكريم في بعض مساجد المغرب ؟ فقلت : لا آمر بها ولا ،
أنهى عنها ، والاحبُّ اليِّ أن أقرأ وحدي ، وليس لمن يفعلها أن يشد الناس اليها ،
أو يلوم مَن تخلَّف عنها .
وسُئلت
عن شيخ ينصح تلاميذه ومريديه بالمحافظة على الوضوء وتجديده كلَّما انتقض قائلاً :
إنَّ الشعور بالطهارة الحسية يعين على الطهارة الروحية ، ويبعث على التسامي !
فقلت
: لم يرد أمر بذلك ، وللصفاء الروحي طرق شتى ، قد يكون من بينها أن يجدد المسلم
وضوءَه كلَّما أحدث .
على
أنَّ عدَّ ذلكَ قانوناً عاماً ملزماً لا أصل له »(19) .
فهلاّ
تعامل ( الغزالي ) مَعَ مجالس الفاتحة كما تعامل مَعَ مجالس تلاوة القرآن الكريم،
ومَعَ قضية تجديد الوضوء .. فهل انَّ مجالس التلاوة الجماعية كانت موجودةً في عهد
رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ؟ أليس المقتضي لذلك كان موجوداً وهو طلب
الثواب ، وتعاهد القرآن الكريم ، والتقرب به الى الله تعالى ، وأليس المانع كانَ
مرتفعاً إذ الامن مستقر ، والتجمع سهل ؟!!
ألم
يقل ( الغزالي ) انَّ تجديد الوضوء لم يرد به أمر ، أفلا يمكن لقاعدة ( المقتضي
والمانع ) أن تشمله وتنطبق عليه أيضاً ، فنقول انَّ مقتضيه كانَ موجوداً وهو طلب
الصفاء الروحي ، والمانع كانَ مرتفعاً إذ الماء متوفر ، والعمل سهل ؟!
ألم
يقل ( الغزالي ) انَّ فعل الخير يتجدد على اختلاف الليل والنهار ، أفليسَ هذا
العمل خيراً ومشتملاً على الخير ، أوليس هو من باب التواصي بالحق والصبر ،
والتعاون على البر والتقوى كما قال ؟!
وهل
أضاف ( الغزالي ) جديداً حين قال : « على انَّ عدَّ لك قانوناً عاماً ملزماً لا
أصل له » ، فهل ينكر هذهِ الحقيقة مَن كان له أدنى مستوى من الثقافة الاسلامية
والوعي الديني ؟
فلماذا
هذهِ المفارقة ؟ ولماذا هذا اللف والدوران ؟
والانكى
من ذلك أنَّ ( الغزالي ) ينكر على الشهيد ( حسن البنا ) تجويزه لهذا الامر، ويعتبر
قوله بالجواز مناورةً لتوحيد الاُمة ، ورصِّ صفوفها .
يقول
الشيخ ( الغزالي ) :« والاستاذ حسن
البنا رأى فراراً من الاصطدام بحرّاس البدع الاضافية والتركية أن يدخل الموضوع في
دائرة الخلاف الفقهي ، والخلاف الفقهي يتحمل وجهات النظر المتباينة .
ومن
ثم لم يرَ حرجاً من ترك مؤذن يضم الصلاة على رسول الله الى ألفاظ الاذان ، ولم يرَ
حرجاً من ترك الاُسر الكبيرة والصغيرة تتكلَّف فوق طاقتها ، لاداء مراسم التعزية
المخترعة » .
ويوجِّه
( الغزالي ) ما ذهب اليه الاستاذ ( حسن البنا ) بالقول :« والواقع انَّ
صنيعه(رضي الله عنه) كان سياسة مؤقتة لتجميع الاُمة على اُمهات الدين ، وقواعده
الممهدة ، فقَبِل المكروه إتقاءاً للحرام ، من باب أخف الضررين »(20).
فقل
لي أيها القارئ الكريم ماذا يكره الشيخ ( الغزالي ) من تجميع الامة على اُمهات
الدين وقواعده الممهدة ، ولماذا يعدّ ذلك العمل سياسةً مؤقتة ، ويجعل السياسة
الثابتة خلافَ ذلك ، فيقبل الحرام، ويرتكب أبشع الضررين ؟!
فانّا
لله وإنّا اليه راجعون .
قصد التشريع
لا
شكَّ في انَّ نسبة العمل الى الدين تتوقف على ورود النص الاسلامي الصريح الذي
يذكره بالتفصيل ، ويعينه على نحو الخصوص ، كما هو الامر في نسبة العبادات
والمعاملات والاحكام الشرعية المسلّمة الاُخرى إلى الشريعة ، والقول بانَّها
مأخوذة منها .
كما
انَّ العمل الذي يشمله الدليل العام يمكن أن ينتسب الى التشريع عن طريق تلك
العموميات أيضاً ، ولكن لا يصح أن تتجاوز هذهِ النسبة أصل العمل الى حيث الخصوصيات
والتفاصيل غير المذكورة في لسان الدليل .
وبعبارة
اُخرى انَّ العمل الذي يشمله العنوان العام يتصف بعنوانين :الاول
: هو العنوان العام الذي يكون مشمولاً بالدليل الشرعي الذي يبرر صدوره من المكلف
بصورة مشروعة .
الثاني
: هو العنوان الخاص الذي أتى به المكلف ، والذي قد يحمل عناوين تفصيلية غير مذكورة
في الدليل .
فمن
جهة العنوان الاول يمكن نسبة العمل الى الشريعة ، وأمّا من جهة العنوان الثاني فلا
يصح نسبة العمل الى الشريعة ، وإذا ما نُسب العمل الى الشريعة كذلك ، فهو يدخل في
حيِّز ( الابتداع ) لانَّه إدخال ما ليس من الدين فيه ، وهو ما يُطلق عليه عادةً
بـ ( قصد التشريع ) .
فمثلاً
نجد في الادلة الشرعية العامة انَّها تندب المسلمين الى الصيام طيلة أيام السنة،
باستثناء يومي العيدين المحرّم صيامهما بالدليل الخاص ، فلو أنَّ شخصاً صامَ يوماً
معيناً غير مشمول بأي دليل معين يذكره على نحو الخصوص ، فقد امتثل ذلك الدليل
العام، واستمد صيامُه لذلك اليوم الشرعيةَ من خلال هذا الدليل ، فيستطيع أن ينسب
صيامه الى الشريعة ، ويقول بانَّ هذا الصيام مستفاد من الشريعة الاسلامية وهو جزء
من تعاليمها الثابتة .
وأمّا
إذا نُسب خصوص العمل الذي مارسه الى الدين ، وقال بأنَّ صيام هذا اليوم بعينه
وخصوصياته مطلوب من قبل الشريعة ، في الوقت الذي لا يوجد بشأنه أي دليل خاص ، فقد
قصد التشريع ، ولا يُشك في كونه قد أدخل في الدين ما ليس منه ، إذ انَّ الشريعة لم
تطلب صيام ذلك اليوم بعنوانه الخاص ، وانَّما ندبت الى الصيام بشكل عام .
وهكذا
لو اتخذ الانسان ذكراً ، أو دعاءاً ، أو نسكاً معيناً ، لم يرد به دليل خاص،
ولكنّه يندرج تحت عموميات التشريع ، كأن ألزم نفسه بالاستغفار في كل يوم ، أو بعد
كل فريضه ( أربعين مرةً ) مثلاً ، أو بالصلاة عدداً من الركعات تطوعاً لله مثلاً ،
فان ادّعى انَّ هذا العمل مطلوب بخصوصه من قبل الشرع ، وقصد نسبته الى الدين
بالعنوان الخاص فهو مبتدع ، وإن كان يأتي به بعنوان الامتثال والجري على مقتضى
الادلة العامة ، فهو داخل في دائرة الندب .
ومن
الطبيعي انَّ كل تلك الممارسات المشروعة والمنسوبة الى الدين عن طريق الدليل العام
يجب أن لا تصطدم مَعَ أي عنوان تحريمي آخر ، ولا تكتسب هذا الطابع بأي نحو كان ،
وإلاّ فانَّ التحريم يشملها من هذا الوجه ، كما لو شقَّ الانسان على نفسه بالعبادة
والنوافل والاذكار المشروعة بالدليل العام الى درجة الرهبنة والقسوة بالنفس
والاضرار بها ، فان العمل يخرج بذلك عن نطاقه المشروع ، ويكتسب عناوين ثانوية
اُخرى .
ونفس
الامر يقال بصدد الاعمال المباحة التي لم يرد فيها دليل خاص أو عام ، فحين يأتي
بها المكلف من دون قصد التشريع ، ولا تكتسب عنواناً تحريمياً معيَّناً ، فهي باقية
على وضعها الاولي ، وأمّا إذا قصد المكلف نسبتها الى الشريعة ، فانها تتحول الى
(بدعة )، لانَّه أدخل في الدين ما ليس منه .
ومثال
ذلك ما لو نام الشخص في وقت معيَّن من النهار لم يرد بشأنه دليل خاص، وادّعى انَّ
هذا الامر مطلوب بخصوصيته التفصيلية من قبل الشريعة ، أو أكلَ طعاماً معيناً لم
يرد بخصوصه دليل شرعي خاص ، وادّعى استحبابه أو كراهته ، أو حرمته مثلاً، ونسبَ
ذلك الى التشريع .
والخلاصة
انَّ نسبة العمل الذي لم يرد بشأنه الدليل الخاص الى التشريع بخصوصياته التفصيلية
، والقول بانَّه مطلوب مَعَ هذهِ الخصوصيات من قبل الشريعة ، يعدّ من ( الابتداع )
لانـَّه إدخال لما ليس من الدين فيه .
من
هنا ندرك انَّ بعض مَن حاول معالجة موضوع ( الابتداع ) قد خلط بين هذين العنوانين
، وحاول أن يرمي المسلمين بذلك غفلة عن جواز نسبة هذهِ الامور إلى الدين من جهة
الادلة العامة الشاملة لها ، وانَّ الامر غير مقتصر على القول بتشريعه من حيث
الخصوصيات التفصيلية .
ونجد
الجذور العميقة لهذا النحو من الخلط أيضاً تمتد الى صدر الاسلام الاول ، حيث كان
يظن البعض انَّ الاتيان بأي أمر حادث لم يرد بشأنه الدليل الخاص ، أو انَّه لم يكن
موجوداً في عصر التشريع ، يعدّ من الابتداع ، ولم يلتفوا إلى إمكانية نسبة مثل
هذهِ الاُمور الحادثة الى الدين عن طريق الادلة العامة الواردة بشأنها .
وفي
الحقيقة انَّ هذا الامر راجع الى نوايا المكلفين ودوافعهم النفسية نحو القيام
بالممارسات التي تنضوي تحت العموميات والادلة الكلية المشروعة ، ولا يصح التسرّع
باطلاق لفظ ( البدعة ) على تلك الممارسات بمجرد وقوعها ، لانَّ هذا سيؤدي الى
الخلط في المفاهيم ، والاضطراب في تطبيقاتها على مواردها الحقيقية .
ولولا
أن يطول بنا المقام لاستعرضنا نماذج كثيرة من أقوال البعض حول رمي مثل هذه
الممارسات المشروعة بالابتداع ، مَعَ إمكانية تصحيح صدورها عن طريق النية المذكورة
.
على
أنـّا نكتفي بايراد بعض مظاهر وقوع هذا الخلط في حياة المسلمين الاوائل ، والتي
نقلها البعض في كتبهم من دون أن يوردوا عليها تعليقاً ، أو انَّ البعض كان يعدّ
معالجتها بهذهِ الطريقة الخاطئة ناتجة من دوافع الحرص على التشريع ، وانَّها كانت
من حالات ( الابتداع ) المحرَّمة في حياة المسلمين .
فمن
تلك المظاهر ما مرَّ معنا من : « أنَّ سعداً بن مالك سمع رجلاً يقول : لبيكَ ذا
المعارج فقال : ما كنّا نقول هذا على عهد رسول الله »(21).
فمن
الواضح انَّ هذهِ المقولة يمكن أن تدرج تحت عموميات التشريع ، ولا تكون من قبيل
الابتداع .
وجاءَ
في مدخل ( ابن الحاج ) :« ومن كتاب الامام
أبي الحسين رزين قال : وعن نافع قال : عطسَ رجل الى جنب عبدالله بن عمر ، فقال :
الحمد لله والسلام على رسول الله ، فقال ابن عمر ، وأنا أقول الحمد لله والسلام
على رسول الله ، ما هكذا علَّمنا رسول الله أن نقول إذا عطسنا ، وانما علَّمنا ان
نقول : الحمد لله ربِّ العالمين »(22).
فقد
يكون هناك ذكر مخصوص لامر معيَّن يصح التوجيه له ، والمحافظة عليه ، ولكنَّ هذا لا
يعني إلغاء ما تشمله عموميات الشريعة من أدعية وأذكار تشتمل على الحمد والثناء على
الله تعالى ، والصلاة على رسوله الكريم(صلى الله عليه وآله وسلم) .
وذكر
( ابن الحاج ) في المدخل أيضاً نظير ذلك قائلاً :« وقد كان عبدالله
بن عمر رضي الله عنهما ماراً في طريق بالبصرة ، فسمع المؤذن، فدخل الى المسجد
يصلّي فيه الفرض ، فركع ، فبينما هو في أثناء الركوع ، وإذا بالمؤذن قد وقف على
باب المسجد وقال : حضرت الصلاة رحمكم الله ، ففرغ من ركوعه ، وأخذ نعليه ، وخرج
وقال : والله لا اُصلي في مسجد فيه بدعة »(23).
وهنا
يتضح كل الوضوح انَّ مجرّد القول ( حضرت الصلاة رحمكم الله ) ، لا يشكل ظاهرة
مخالفة للدين ، لو لم يقصد منها التشريع على النحو المتقدم ، وانَّما تبقى محتفظة
بالعنوان الاولي لها ، والتسرع بوصفها بالابتداع في غير محلِّه .
وروي
كذلك انه :« سئل سفيان عن
رجل يكثر قراءة قل هو الله أحد ، لا يقرأ غيرها كما يقرأها، فكرهها وقال : إنَّما
أنتم متبعون ، فاتبعوا الاولين ، ولم يبلغنا عنهم نحو هذا ، وانّما نزل القرآن
ليُقرأ ، ولا يخص شيء دون شيء »(24) .
فتخصيص
شيء دون شيء من القرآن إن كان بقصد الجزئية والتشريع وادّعاء نسبة الامر إلى الدين
من دون دليل شرعي خاص ، فهو من باب ( الابتداع ) وإلاّ فلا يكون كذلك ، فاطلاق
القول بكراهة الامر ، وعدِّه على خلاف الاتباع أمر غير مقبول .
ويأتي
في نفس هذا الاتجاه ما جاءَ في ( تلبيس إبليس ) انَّه :« أخبر رجل
عبدالله بن مسعود انَّ قوماً يجلسونَ في المسجد بعد المغرب ، فيهم رجل يقول :
كبّروا الله كذا وكذا ، وسبحوا الله كذا وكذا ، واحمدوا الله كذا وكذا ، قال
عبدالله : فاذا رأيتهم فعلوا ذلك فأتني وأخبرني بمجلسهم ، فأتاهم فجلس ، فلما سمع
ما يقولونَ ، قامَ فأتى ابنَ مسعود ، فجاءَ وكان رجلاً حديداً ، فقال : أنا
عبدالله بن مسعود! والله الذي لا اله غيره ، لقد جئتم ببدعة ظلماً ، ولقد فضلتم
أصحاب محمد علماً ، فقال عمرو بن عتبة : استغفر الله ، فقال عليكم بالطريق فالزموه
، ولئن أخذتم يميناً وشمالاً لتظلنَّ ضلالاً بعيداً »(25).
فهذهِ
المعالجة غير صحيحة على إطلاقها لما ذكرناه من تفصيل ، على الرغم من انَّ أغلب مَن
ذكر هذهِ الواقعة من علماء العامة عدَّها من مصاديق محاربة ( الابتداع) ومواجهته.
وسوف
نأتي في لاحق دراستنا هذهِ على نماذج اُخرى مشابهة لما ذكرناه قد عُدّت من باب
الحرص على تعاليم الشريعة السمحاء ، إلاّ انَّ تأثيرها كان عكسياً على الدين . |