فهرس الكتاب

مكتبة العقائد الإمامية

مكتبة الموقع

 

الاحتفال بالمولد النبوي الشريف والذكريات الاسلامية :

تظافرت الادلة الشرعية على ضرورة احترام شخصية الرسول الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وتبجيله ، وتوقيره ، حيّاً وميّاً ، من خلال مجاميع كبيرة من الايات والروايات ، وكذلك ورد نفس هذا المعنى في حق أهل البيت(عليهم السلام) ، وقد دأب المسلمون من أتباع مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) على إقامة الاحتفالات البهيجة في يوم مولده(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ومواليد أئمة أهل البيت(عليهم السلام) ، إعتزازاً منهم بهؤلاء الابرار ، وتخليداً لذكراهم ، وتجسيداً لتوصيات القرآن الكريم بحقِّهم .
ولكن على الرغم من وضوح انتساب هذا الامر الى الشريعة ، وارتباطه بالدين ، إلاّ انَّ البعض أصرَّ على إقحام هذا العمل المشروع ضمن دائرة ( الابتداع ) ، والصاق هذا الامر به .
فيقول ( ابن تيمية ) : « وكذلك ما يحدثه بعض الناس ، إمّا مضاهاةً للنصارى في ميلاد عيسى(عليه السلام) ، وإمّا محبة للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ، والله قد يثيبهم على هذهِ المحبة والاجتهاد ، لا على البدع من اتخاذ مولد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عيداً ، مَعَ اختلاف الناس في مولده ، فانَّ هذا لم يفعله السلف ، مَعَ عدم قيام المقتضي له ، وعدم المانع منه ، ولو كانَ هذا خيراً محضاً أو راجحاً لكان السلف ( رض ) أحقُّ به منّا ، فانَّهم كانوا أشد محبةً لرسول الله وتعظيماً له منّا..»(1).
ويضيف القول :« كما انَّ ابن الحاج رغم اعترافه بما ليوم مولد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) من الفضل ، لا يوافق على الاحتفال بالمولد لما فيه من المنكرات ، ولانَّ النبي أراد التخفيف عن امته ، ولم يرد في ذلكَ شيء بخصوصه ، فيكون بدعة »(2).
ويقول ( الفاكهاني ) :« لا أعلم لهذا المولد أصلاً في كتاب ولا سنة ، ولا يُنقل عمله عن أحد من علماء الامة الذين هم القدوة في الدين ، المتمسكون بآثار المتقدمين ، بل هو بدعة أحدثها البطّالون »(3).
ويقول محمد بن عبدالسلام خضر الشقيري عن الاحتفال بالمولد النبوي :«بدعة منكرة ضلالة ، لم يرد بها شرع ولا عقل ، ولو كانَ في هذا اليوم خير كيف يغفل عنه أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي وسائر الصحابة ، والتابعون ، وتابعوهم ، والائمة، وأتباعهم »(4).
وقال ( الحفّار ) :« ليلة المولد لم يكن السلف الصالح وهم أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) والتابعون لهم يجتمعون فيها للعبادة ، ولا يفعلون فيها زيادة على سائر لياليالسنة »(5).
وقد اعتبر الشيخ ( عبدالرحمن بن حسن بن محمد بن عبدالوهاب ) الموالد من البدع المنهي عنها ، حيث لم يأمر بها الرسول ، ولا فعلها الخلفاء الراشدون ، ولا الصحابة، ولا التابعون (6).
ويقول ( ابن الحاج ) :« ومن جملة ما أحدثوه من البدع مَعَ اعتقادهم أنَّ ذلكَ من أكبر العبادات ، وإظهار الشعائر ، ما يفعلونه في شهر ربيع الاول من المولد، وقد احتوى على بدع ، ومحرَّمات جملة»(7) .
ويقول ( محمد جميل زينو ) :« إنَّ الذي يجري في أكثر الموالد لا يخلو من منكر وبدع ومخالفات ، والاحتفال لم يفعله الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولا الصحابة والتابعون ، ولا الائمة الاربعة وغيرهم من أهل القرون المفضلة »(8).
ويقول ( الفوزان ) :« ولكن لا يخصص لمدحه(صلى الله عليه وآله وسلم) وقت ولا كيفية معينة ، إلاّ بدليل صحيح من الكتاب والسنة ، فما يفعله أصحاب الموالد من تخصيص اليوم الذي يزعمون انَّه يوم مولده لمدحه بدعة منكرة » .
ويقول في موضع آخر :« فانَّ غالب الناس من المسلمين قلّدوا الكفّار في عمل البدع والشركيات ، كأعياد الموالد ، وإقامة الايام والاسابيع لاعمال مخصصة ، والاحتفال بالمناسبات الدينية والذكريات .. »(9) .
ويقول الوهابي ( محمد حامد الفقي ) رئيس جماعة ( أنصار السنّة المحمديّة ) في حواشيه على كتاب الفتح المجيد :
« الذكريات التي ملات البلاد باسم الاولياء هي نوع من العبادة لهم وتعظيمهم»(10).
فالذي نلاحظه من خلال كل هذهِ المقولات المتقدمة انَّ الذين حضروا على الناس الاحتفال بيوم المولد ، والمناسبات الاسلامية الاُخرى ، وعدّوا هذا الامر عملاً محرَّماً ، قد بنوا استدلالهم هذا على فهم مغلوط لمعنى ( الابتداع ) ، فقد تصوّروا أن معنى عدم الارتباط بالدين هو عدم وجود الامر في الصدر الاول للتشريع ، أو عدم ورود الدليل الخاص الذي يذكره بشخصه وعنوانه ، ومعنى الارتباط بالدين هو وجود ذلك الامر في عصر التشريع الاول ، أو ورود أمر فيه بخصوصه .
وقد بيَّنا سابقاً انَّ المدار في الابتداع ليس هو ورود الدليل الخاص أو عدم وروده فحسب ، وانَّما يجب النظر في عموميات التشريع والادلة الكلية التي تخرج العمل عن حيِّز ( الابتداع ) ، كما انَّ عدم وجود العمل في العصر الاول للتشريع لا يساوق عدم مطلوبية الشريعة له ، ووجودُه لا يساوق مطلوبيته ، لانَّ المدار في ( الابتداع ) ليس هو وجود العمل أو عدم وجوده في عصر التشريع ، كما مرّ معنا سابقاً .
وأما التذرع بعدم فعل السلف للمولد والذي لمسناه في أغلب الاقوال المتقدمة ، فقد مرَّ الحديث عنه آنفاً ، فليراجع .
وقد حاول البعض أن يضيف دليلاً آخر لتحريم الاحتفال بالمولد النبوي ، وهو اشتمال هذهِ الاحتفالات على الامور المحرَّمة غالباً كالموسيقى ، والغناء ، واختلاط النساء بالرجال .. وغير ذلك .
ونحن في الوقت الذي نرفض فيه وجود هذا النمط المدّعى من السلوك المحرَّم في احتفالات المولد التي يقيمها أتباع مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) رفضاً قاطعاً ، ونعتبر ذلكَ تهمة لا أساس لها .. نؤكد على أنَّ الاقتران بحدِّ ذاته لا يشكل الغاءاً لاصل العمل ، ولا يؤدي الى القول بتحريمه ، إذ انَّ القول بذلك يستلزم القول ببطلان اُصول العبادات المسلَّمة فيما لو اقترنت بأي عنوان تحريمي ، وهذا ما لا يتفوه به أحد ، فلو اقترنت الصلاة الواجبة بالنظر الى المرأة الاجنبية مثلاً الذي هو عمل محرَّم قطعاً ، فهل يُقال هنا بأنَّ الصلاة الواجبة أصبحت ( بدعة ) يحرم الاتيان بها ( والعياذ بالله ) ، وهل يسري التحريم بطريقة تصاعدية الى أصل تشريعها وإيجابها بمجرد هذا الاقتران ؟!
وعلى أية حال فانَّ مناقشة هذهِ الاراء ، والخوض في تفاصيلها ، خارج عن طبيعة الطرح الذي تخضع له هذهِ الدراسة ، على أنَّها قد أخذت موقعها الخاص ، واُشبعت بحثاً وتحليلاً في دراسات الكثير من علمائنا السابقين واللاحقين جزاهم الله عن ذبّهم ودفاعهم عن رسالة الاسلام أوفر الجزاء(11) ، كما وتوجد مصنفات معتبرة لدى بعض أبناء العامة في الرد على القول بتحريم الاحتفال بيوم المولد النبوي الشريف ، قد نتعرض الى ذكر أقوال البعض منها في ذيل هذا الحديث.
والذي يهمنا ذكره هنا هو أنَّ النصوص الشرعية العامة الواردة في مقام التاكيد على ضرورة احترام شخصية الرسول الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وتبجيله ، وتوقيره ، حياً وميتاً ، وكذلك الواردة في شأن أهل البيت(عليهم السلام) ، مما لا يسع أحد إنكارها ، أو التشكيك فيها لكثرتها وتواترها ، وهي كافية لان تصحح عمل المولد ، وتضفي عليه طابع الشرعية ، وتجعله من مظاهرها البارزة ، ومصاديقها الواضحة والجلية .
فمما ورد بشأن الحث على احترام شخصية الرسول الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) في الكتاب العزيز قوله تعالى :
( فَالَّذينَ آمَنُوا بِهِ وَعزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ واتَّبَعواْ النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُوْلئِكَ هُمُ المُفلِحون )(12).
وقد ذكر المفسرون انَّ المراد من ( التعزير ) في الاية ليس مطلق النصرة ، إذ إِنَّه اُفرد عن قوله : ( نصروه ) ، ولو كان بمعنى مطلق النصرة لما كان هناكَ داع للتكرار ، فالمراد من ( التعزير ) هو التبجيل والتوقير والتعظيم ، أو النصرة مَعَ التعظيم(13) .
كما ذكر القرآن الكريم الادب الخاص الذي ينبغي أن يتعامل به المسلمون مَعَ رسول الانسانية(صلى الله عليه وآله وسلم) ، والمكانة التي يتحتم عليهم حفظها له ، ورعايتها بشأنه ، فقد ورد النهي عن أن يرفعوا أصواتهم فوق صوته ، أو يجهروا له بالقول ، لان ذلك سيكون مدعاةً الى أن تحبط أعمالهم، بخلاف اُولئك الذين يظهرون أمامه الادب الرفيع ، ويغضّونَ أصواتهم عنده، كما يقول الله تعالى :( يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوقَ صَوْتِ النَّبيِ وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بالقَوْلِ كَجَهرِ بَعضِكُمْ لِبَعْض أَنْ تَحبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنتُمْ لا تَشعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُولئكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلوبَهُم لِلتَّقْوى لَهُم مَّغفِرةٌ وأَجرٌ عَظيمٌ )(14) .
كما ورد النهي في القرآن الكريم عن أن يُدعى النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) باسمه كما يُدعى سائر الناس ، وذلكَ في قوله تعالى :( لا تَجعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَينكُم كَدُعاءِ بَعضِكُم بَعضاً )(15) .
وكذلكَ ورد النهي عن التسرع في إبداء الرأي والنظر بين يديه ، كما قال تعالى :( يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقدِّمُوا بَينَ يَديِ اللهِ ورَسُولِهِ واتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَميعٌ عَليمٌ)(16).
وجاءَ صريح القرآن يأمر المسلمين أن يذكروا رسولهم بالدعاء ، والصلاة ، والتسليم ، لما له من منزلة عظيمة عند الله جلَّ شأنه ، ومن مقام محمود لديه ، كما قال تعالى:( إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُواْ صَلُّوا عَلَيْهِ وَسلِّمُواْ تَسْلِيماً )(17).
وقد ورد في الاثر عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) انَّه قال :« لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ اليه من ماله وأهله والناس أجمعين »(18).
وروي عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) انَّه قال :« ثلاث مَن كنَّ فيه وجَدَ حلاوة الايمان : أن يكون الله ورسوله أحبُّ اليه مما سواهما، وأن يحبَّ المرءَ لا يحبه إلاّ لله ، وأن يكره أن يعود في الكفر ، كما يكره أن يقذف في النار »(19) .
وروي أيضاً انَّ عمر بن الخطّاب قال :« يا رسول الله لانتَ أحب إليَّ من كلِّ شيء إلاّ من نفسى !، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم) : والذي نفسي بيده حتى أكون أحبَّ اليك من نفسك . فقال له عمر : فانتَ الانَ أحبُّ اليَّ من نفسي، فقال : الانَ يا عمر »(20).
وأما ما ورد بشأن أهل البيت(عليهم السلام) ، فيكفينا ما ألمحنا اليه في صدر البحث من الايات والروايات الدالة على وجوب طاعتهم ، والتمسك بهم ، وحفظ مودتهم ، وقد قال تعالى :( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيهِ أَجْراً إِلاّ المَودَّةَ في القْرْبى )(21)فنرى أن هذهِ الاية تفرض مودة أهل البيت(عليهم السلام) على كلِّ مسلم ومسلمة ، وتجعل هذهِ المودة أجراً للرسالة الاسلامية .
وقد ورد عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) انَّه قال :« اُذكركم اللهَ في أهل بيتي » وكررَّها ثلاثَ مرات(22).
وعن ( ابن عباس ) عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)انَّه قال :« .. وأحبّوني بحبِّ الله ، وأحبّوا أهل بيتي لحبّي »(23).
وقد تركت الشريعة الاسلامية تقدير هذا التبجيل والاعتزاز الى نفس المسلمين ، ليعبّروا عنه على وفق عاداتهم وتقاليدهم الحياتية المتنوعة ، وبما تفيض به مشاعرهم الجيّاشة تجاه هذهِ الشخصيات العملاقة ، على شريطة أن لا يُرتكب عمل محرَّم ، أو مناف للاداب الاسلامية خلال تلك الممارسات ، إرتكازاً على الحقيقة القائلة بانَّ الله تعالى لا يُطاع من حيث يُعصى .
وقد ربطت الشريعة الاسلامية بين ماضي الانسان وحاضره ، من خلال مفردات متعددة ، أبرزها وأهمها هو إحياء المناسبات والذكريات الدينية ، وأكّدت على انَّ الماضي يشكّل الوجه الاهم في صنع قرارات الحاضر ، وديمومة حركته ، ووفرت الاجواء الملائمة التي تجعل الانسان المسلم مرتبطاً بتراثه بصورة دائمة ، من خلال الشعائر والمناسك ، وإحياء المناسبات الدينية المختلفة ، والمحافظة عليها ، والاعتزاز بها ، والاستلهام منها ، فتربط هذهِ الذكريات الاسلامّية الخالدة حاضر الانسان المسلم بعجلة الماضي ، وتسير به في طريق الانفتاح على كل ما من شأنه أن يرقى بسلوكه الى مستوى تحقيق الغايات ، فيشكل الماضي حينئذ وقود حركة الحاضر ، ويحدد المعالم الفاعلة لرؤية المستقبل .
يقول العلامة ( الاميني ) بشأن إحياء الذكريات الاسلامية :« لعلّ تجديد الذكرى بالمواليد والوفيّات ، والجري على مواسم النهضات الدينية ، أو الشعبية العامّة ، والحوادث العالمية الاجتماعية ، وما يقع من الطوارق المهمة في الطوائف والاحياء ، بعد سنيِّها ، واتخاذ رأس كل سنة بتلكم المناسبات أعياداً وأفراحاً ، أو مآتم وأحزاناً ، وإقامة الحفل السار ، أو التأبين ، من الشعائر المطّردة ، والعادات الجارية منذ القدم ، ودعمتها الطبيعة البشرية ، وأسستها الفكرة الصالحة لدى الاُمم الغابرة ، عند كلِّ اُمة ونحلة ، قبل الجاهلية وبعدها ، وهلمَّ جراً حتى اليوم .
هذهِ مواسم اليهود ، والنصارى ، والعرب ، في أمسها ويومها ، وفي الاسلام وقبله، سجَّلها التاريخ في صفحاته .
وكأن هذهِ السنة نزعة إنسانية ، تنبعث من عوامل الحب والعاطفة ، وتُسقى من منابع الحياة ، وتتفرع على اُصول التبجيل والتجليل ، والتقدير والاعجاب ، لرجال الدين والدنيا ، وأفذاذ الملا ، وعظماء الاُمة ، إحياءاً لذكرهم ، وتخليداً لاسمهم ، وفيها فوائد تأريخية اجتماعية ، ودورس أخلاقية ضافية راقية ، لمستقبل الاجيال ، وعظات وعبر ، ودستور عملي ناجع للناشئة الجديدة ، وتجارب واختبارات ، تولِّد حنكة الشعب، ولا تختص بجيل دون جيل ، ولا بفئة دون اُخرى .
وانَّما الايام تقتبس نوراً وازدهاراً ، وتتوسم بالكرامة والعظمة ، وتكتسب سعداً ونحساً ، وتتخذ صيغة مما وقع فيها من الحوادث المهمة ، وقوارع الدهر ونوازله ... »(24) .
من هنا فقد أدرك بعض علماء العامة عمق انتساب هذا الامر الى الشريعة عن طريق الادلة الكلية المتسالمة ، فعبَّر البعض عنه بـ ( البدعة الحسنة ) ، فيقول ( ابن حجر ) بهذا الشأن : « عمل المولد بدعة ، لم تُنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة ، ولكنَّها مَعَ ذلكَ قد اشتملت على محاسن وضدّها ، فمن تحرّى في عملها المحاسن ، وتجنَّبَ ضدها كانَ بدعةً حسنةً ، والاّ فلا »(25).
ويقول الامام ( أبو شامة ) :« ومن أحسن ما ابتُدع في زماننا ما يُفعل كلّ عام في اليوم الموافق ليوم مولده(صلى الله عليه وآله وسلم) ، من الصدقات ، والمعروف ، وإظهار الزينة ، والسرور ، فانَّ ذلكَ مَعَ ما فيه من الاحسان للفقراء مشعر بمحبته(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وتعظيمه في قلب فاعل ذلك ، وشكر الله على ما منَّ به من إيجاد رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي أرسله رحمةً للعالمين »(26).
ويقول السيوطي في رسالته ( حسن المقصد في عمل المولد ) :« عندي انَّ أصل عمل المولد الذي هو اجتماع الناس ، وقراءة ما تيسَّر من القرآن ، ورواية الاخبار الواردة في مبدأ أمر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وما وقَعَ في مولده من الايات ، ثم يمدّ لهم سماط يأكلونه وينصرفون من غير زيادة على ذلك ، هو من البدع الحسنة التي يُثاب عليها صاحبها ، لما فيه من تعظيم قدر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف »(27).
وينقل ( ابن تيمية ) أقوال عديدة تدل على مشروعية الاجتماع والاحتفال بيوم المولد النبوي الشريف على الرغم من أنـَّه من المتشددين على مَن يتخذه عيداً كما يزعم(28)، بل كان متناقضاً في نفس كلامه الذي نقلناه عنه آنفاً .
وعلى أية حال فهو يقول في ( إقتضاء الصراط المستقيم ) :« قال المروزي : سألتُ أبا عبدالله عن القوم يبيتون ، فيقرأ قارئ ، ويدعون حتى يصبحوا ؟ قال : أرجوا أن لا يكون به بأس ... وقال أبو السري الحربي : قال أبو عبدالله : وأي شيء أحسن من أن يجتمع الناس يصلّون ويذكرون ما أنعم الله عليهم كما قالت الانصار » .
وأضاف :« وهذا إشارة الى ما رواه أحمد : حدَّثنا اسماعيل ، أنبأنا أيوب عن محمد بن سيرين قال : نبئت أنَّ الانصار قبل قدوم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) المدينة قالوا : لو نظرنا يوماً فاجتمعنا فيه ، فذكرنا هذا الامر الذي أنعم الله به علينا ، فقالوا : يوم السبت ، ثم قالوا : لا نجامع اليهود في يومهم ، قالوا : فيوم الاحد ، قالوا : لا نجامع النصارى في يومهم ، قالوا : فيوم العروبة ، وكانوا يسمّون يوم الجمعة يوم العروبة ، فاجتمعوا في بيت أبي اُمامة أسعد بن زرارة ، فذُبحت لهم شاة فكفتهم »(29).
إذن فمشروعية الاجتماع للاحتفال والابتهاج بالذكريات الدينية المهمة نزعة إنسانية ، تسير جنباً الى جنب مَعَ الفطرة البشرية ، وتنبعث طبيعياً ما دام الانسان يحيا في جوِّ الجماعة الانسانية ، ولذا نرى انَّ المسلمين لم يتخلفوا عن مجاراة هذا السلوك الانساني في مناسباتهم الدينية المختلفة ، وهذا الذي ينقله لنا ( ابن تيمية ) واحد من عشرات المظاهر التي كانت تعبِّر عن هذا الواقع ، وتعكسه في حياة المسلمين ، بما يتناسب وينسجم مَعَ طبيعة الاعراف والتقاليد والاهتمامات التي كانت تحكم المجتمع آنذاك ، الامر الذي يدلل على أنَّ جذور إقامة الاحتفال ، والاجتماع لاحياء الذكريات الاسلامية كانت ممتدة الى بدايات عصر ظهور الدعوة الاسلامية المباركة .
ولقد كان رأي الاستاذ ( سعيد حوّى ) أكثر تحرراً واعتدالاً من آراء الاخرين في هذهِ المسألة ، حين دعم القول بجواز إحياء الذكريات الاسلامية عموماً وذكرى مولد النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) على نحو الخصوص ، بالادلة المقنعة ، وحَمَل على المتشددين الذين لم يحسنوا فهم معنى ( الابتداع ) ، على الرغم من انَّه لم يبرح عاكفاً على الايمان بأنَّ ( البدعة) تنقسم الى مذمومة وممدوحة ، فيقول :« والذي نقوله : أن يعتمد شهر المولد كمناسبة يُذكّر بها المسلمون بسيرة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وشمائله ، فذلكَ لا حرج ، وأن يعتمد شهر المولد كشهر تهيج فيه عواطف المحبة نحو رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، فذلكَ لا حرجَ فيه ، وأن يُعتمد شهر المولد كشهر يكثر فيه الحديث عن شريعة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، فذلكَ لا حرج فيه ، وانَّ مما اُلف في بعض الجهات أن يكون الاجتماع على محاضرة وشعر ، أو انشاد في مسجد ، أو في بيت بمناسبة شهر المولد ، فذلكَ مما لا أرى حرجاً فيه ، على شرط أن يكون المعنى الذي يُقال صحيحاً .
إنَّ أصل الاجتماع على صفحة من السيرة ، أو على قصيدة في مدح رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)جائز ، ونرجوا أن يكون أهله مأجورين ، فأن يخُصص للسيرة شهر يُتحدث عنها فيه بلغة الشعر والحب فلا حَرَج .
ألا ترى لو أنَّ مدرسة فيها طلاّب خَصصت لكل نوع من أنواع الثقافة شهراً بعينه، فهل هي آثمة ؟ ، ما نظن أن الامر يخرج عن ذلك » .
ويضيف الى ذلك القول :« لقد كانَ الاستاذ حسن البنا رجل صدق ، وثاقب نظر ، وإماماً في العلم ، وكانَ يرى إحياء المناسبات الاسلامية في عصر مضطرب مظلم قد غفل فيه المسلمون ، وجهلوا فيه كثيراً من اُمور دينهم ، ومن كلامه ـ (رحمه الله) ـ في مذكراته : إحياء جميع الليالي الواجب الاحتفال بها بينَ المسلمين ، سواء بتلاوة الذكر الحكيم ، وبالخطب ، والمحاضرات المناسبة ... » .
ثم يحمل على المتشددين قائلاً :« والمتشددون في مثل هذهِ الشؤون تشددهم في غير محلِّه ، فليس الاصل في الاشياء الحرمة ، بل الاصل فيها الاباحة ، حتى يرد النص بالتحريم ، وفهمهم لحديث : (كل ما ليس عليه أمرُنا فهو ردٌّ ) فهم خاطئ .. »(30) .
ففي الحقيقة انَّ التعبير الاجتماعي عن المشاعر والعواطف الدينية التي تختزن في نفوس المسلمين أمر متروك لاعراف الناس ، وطرقهم المختلفة ، وعاداتهم الاجتماعية الخاصة ، ونظير هذا الامر ما تفعله بعض الاُسر في الحياة الاعتيادية من احتفالات بهيجة لمواليدها الجدد ، أو ما يتكرر في الذكرى السنوية ليوم الولادة مما يُسمى بـ ( عيد الميلاد ) ، أو ما تفعله أغلب الدول ، أو كلها بالاحتفال في يوم استقلالها ، إلاّ انَّ الفرق بين هذهِ الاحتفالات العامة ، وبين الاحتفال بذكرى يوم المولد النبوي الشريف ، أو بقية المناسبات الاسلامية المهمة ، هو انَّ تلك الاحتفالات العامة خاضعة الى الرسوم والاداب، والاعراف التي تحكم حياة الناس ، من دون أن تكون مشمولة بعموميات التشريع التي تُدخلها في دائرة الندب والمطلوبية ، وأمّا الاحتفال بالذكريات الاسلامية، ولا سيما بمولد النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) ، فهو مشمول بأوامر الشريعة الاسلامية ، ومأثور عنها كما تقدم الكلام فيه .
وختاماً لا بدَّ من القول بانّا إذا نظرنا الى دوافع ومنطلقات هذا اللون من السلوك الذي يتمسك به أتباع مدرسة أهل البيت(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ويصرون على ممارسته ، والمواظبة عليه في مختلف الذكريات الاسلامية المفرحة ، والمحزنة ، ولا سيما إصرارهم على الاحتفال بيوم المولد النبوي الشريف ، فانّا نجد الحرص الاكيد من قبل هؤلاء على إبقاء معالم شخصية الرسول الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) متألقةً وحيةً في ضمائر المسلمين حيناً بعد حين ، والاعتزاز بتعاليم الرسالة الاسلامية ، وتجديد الانبعاث نحوها ، والتمسك بها ، إذ انَّ المطّلع على برامج هذهِ الاحتفالات، يلاحظ انَّها تستهدف أول ما تستهدف إجلاءَ مكانةِ الرسول الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وإبراز آثاره ومعطياته الخالدة ، من خلال الكلمات ، والقصائد ، والخطب والخواطر ، والمقالات الاسلامية الهادفة ، بل وقد يتضمن البعض منها تقديم الدراسات المتنوعة حول الجوانب المختلفة من حياته الكريمة ، وجهاده الكبير في إعلاء كلمة الله على وجه الارض ، وغير ذلك من الاُمور التي ترتبط به(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وتشد المسلمين نحو سيرته ، وتحثهم على الاقتداء به ، والسير على هداه .
ومما لا شكّ فيه انَّ هذا النمط من السلوك الهادف ، سوف يساهم مساهمة ملموسة في إبقاء معالم التراث الاسلامي الزاخر حيةً وفاعلةً في حاضر حياةالمسلمين ، ويشكّل أحد المفردات البارزة لتلك العموميات التي تأمر المسلمين بتوقير النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ونصرته، وتبجيله ، لانَّه يمثل الالتزام العملي بسلوكه ، والتمسك بسنته وسيرته(صلى الله عليه وآله وسلم) .

د : زيارة قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ومراقد الائمة(عليهم السلام)(عليهم السلام)

ومن الاساليب المندوبة الاُخرى لتجسيد هذا السلوك الهادف ، والاشتراك مَعَ ما تقدم في الدوافع والمعطيات زيارة قبر النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) تبركاً ، والدعاء عنده تقرباً الى الله تعالى ، وكذلك زيارة مراقد أئمة أهل بيت العصمة والطهارة(عليهم السلام) ، لمالهم من وجاهة، ومقام محمود عند الله سبحانه وتعالى .
فاضافةً الى ما ورد من عموميات متقدمة بشأن إحترام وتوقير النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)وأهل بيته الطاهرين(عليهم السلام) ، وردت الادلة الخاصة ... أيضاً للحث على ذلك ، فيكون هذا العمل منتسباً الى التشريع من هذين الطريقين معاً .
فمن ذلكَ الحديث الذي أخرجته اُمّة من الحفّاظ وأئمة الحديث عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) انَّه قال :
« مَن زار قبري وجبت له شفاعتي »(31).
وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم) :« مَن حجَّ فزار قبري بعدَ وفاتي ، كان كمن زارني في حياتي »(32).
وغير ذلك من عشرات الاحاديث الاخرى المروية من طرق الفريقين ، والتي ندبت الى زيارته(صلى الله عليه وآله وسلم) ، والدعاء عنده ، والتبرك بقبره(33) ، وكذلك أهل بيته الطاهرين(عليهم السلام)، باعتبار الاشتراك في الدوافع والاثار والمعطيات المترتبة على هذا الاهتمام ، بينهم(عليهم السلام) وبين رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، لانَّهم يمثلون الامتداد الشرعي لموقعه الديني في الرسالة الاسلامية .
وكتُبُنا الحديثية المعتبرة مليئة بالروايات الصحيحة التي تحثّ على هذا السلوك، وتوضِّح تعاليمه وآدابه وخصائصه التفصيلية الاُخرى .
وفي الحقيقة انَّ قضية التبرك بآثار الانبياء والاوصياء قد وردت فيها الدلالة واضحة من قبل الشريعة ، وعلى رأس ذلك ما ورد في قوله تعالى :( اذْهَبُوا بِقَميصي هذا فَأَلْقُوهُ على وَجهِ أَبي يَأتِ بَصيراً )(34) .
فنلاحظ ان النبي يوسف(عليه السلام) يرسل قميصه الى أبيه لكي يكون وسيلة وواسطة لارتداد البصر اليه باذن الله تعالى ، وهذا من أظهر مصاديق التبرك ، وقد قال تعالى بعد ذلك :( فَلَمّا أَن جَاءَ البَشِيرُ أَلقاهُ عَلى وَجْهِهِ فارتَدَّ بَصيراً )(35) .
وأما الاحاديث فهي كثيرة منها ما رواه ( البخاري ) عن أبي جحيفة انَّه قال :« خرج علينا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بالهاجرة ، فاُتي بوضوء ، فتوضأ ، فجعل الناس يأخذون من فضل وضوئه ، فيتمسحون به »(36).
وروى ( البخاري ) عن الجعد انَّه قال :« سمعتُ السائب بن يزيد يقول ذهبت بي خالتي الى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقالت : يا رسول الله انَّ ابن اختي وقع ، فمسح رأسي ، ودعا لي بالبركة ، ثمَّ توضأ فشربت من وضوئه .. »(37) .
وفيه عن ( ابن سيرين ) انَّه قال :« قلت لعبيدة عندنا من شعر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أصبناه من قبل أنس ، أو من قبل أهل أنس ، فقال : لان يكون عندي شعرة منه أحبُّ إلىَّ من الدنيا وما فيها »(38) .
وفيه أيضاً عن ( أنس ) انَّه قال :« انَّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا حلقَ رأسه كان أبو طلحة أوّل مَن أخذ من شعره »(39) .
وقال ( ابن حجر ) في ( الاصابة ) :« كل مولود ولد في حياة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يُحكم بأنـَّه رآه ، وذلك لتوفّر دواعي إحضار الانصار أولادهم عند النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) للتحنيك والتبرّك ، حتى قيل : لما افتُتحت مكة جعل أهل المدينة يأتون الى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بصبيانهم ، ليمسح على رؤوسهم ، ويدعو لهم بالبركة»(40).
وجاء في ( مسند أحمد ) عن ( عائشة ) انَّها قالت :« كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يؤتى بالصبيان فيحنكهم ويبرّك عليهم .. »(41) .
وجاءَ في ( اُسد الغابة ) :« انَّ بلالاً رأى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في منامه وهو يقول : ما هذهِ الجفوة يا بلال ؟ ما آن لكَ أن تزونا ؟ فانتبه حزيناً ، فركب الى المدينة ، فأتى قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وجعل يبكي عنده ، ويتمرّغ عليه ، فاقبل الحسن والحسين ، فجعل يقبّلهما ويضمهما ..»(42).
وفي ( البخاري ) عن أبي جحفة قال :« خرج رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بالهاجرة الى البطحاء ، فتوضأ ، ثم صلّى الظهر ركعتين والعصر ركعتين .. الى أن قال وقام الناس فجعلوا يأخذون يديه فيمسحون بها وجوههم، قال : فأخذت بيده فوضعتها على وجهي ، فاذا هي أبرد من الثلج ، وأطيب رائحةً من المسك »(43).
وورد في ( الطبقات الكبرى ) :« عن ابراهيم بن عبدالرحمن بن عبدالقارئ أنـَّه نظر الى ابن عمر وقد وضع يده على مقعد المنبر حيث كان النبي يجلس عليه ، ثم وضعها على وجهه »(44).
وروي عن علي أمير المؤمنين(عليه السلام) أنـَّه قال :« قدِم علينا أعرابي بعد ما دفنّا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بثلاثة أيام ، وحثى من ترابه على رأسه ، وقال : يا رسول الله! قلت فسمعنا قولك ، ووعيت عن الله سبحانه فوعينا عنك ، وكان فيما أنزل الله عليك : ( وَلَوْ أَنَّهُم إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُم جاءُوكَ .. )(45) ... وقد ظلمتُ وجئتكَ تستغفر لي ، فنودي من القبر ، قد غُفر لك »(46)
ولكنّا نرى أيضاً على الرغم من عمق انتساب هذا العمل للدين ، وقوة ارتباطه بالتشريع قد نُعتَ من قبل الكثيرين بالابتداع ، وحاول البعض أن يصوّر زيارة مراقد أهل البيت(عليهم السلام) ، والدعاء عندها ، والتبرك بها ، عبادة لاصحاب هذهِ القبور ، بهتاناً وزوراً وافتراءاً ، وقلباً للحقائق ، والتفافاً حولها ، مَعَ أنَّ الذي يطالع ويطّلع على لغة الزيارة التي يلهج بها أتباع منهج أهل البيت(عليهم السلام) لهؤلاء الابرار(عليهم السلام) ، يلمس الادبَ الرسالي الرفيع، والروحَ التوحيدية الخالصة التي تطفح بوضوح من بين جنبات هذهِ المقاطع الاسلامية الموروثة عن أهل البيت(عليهم السلام) أنفسهم بنحو غالب .
فلننظر الى ما يقوله ( الفوزان ) حول هذا الموضوع :« ولكنَّ التحريم يتفاوت بحسب نوعيه البدعة ، فمنها ما هو كفر صراح ، كالطواف بالقبور تقرّباً الى أصحابها ، وتقديم الذبائح والنذور لها ، ودعاء أصحابها ، والاستغاثة بهم .. ومنها ما هو من وسائل الشرك كالبناء على القبور ، والصلاة والدعاء عندها »(47).
ونحن لا نريد هنا أن نتبنّى الاجابة على ذكره ( الفوزان ) وما يذكره غيره من المغرضين من طعن وتجريح لاتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام) في خصوص الموارد التي ذكرها، لانّا قلنا بانَّ لمثل هذهِ الاجابات التفصيلية موضعها الخاص من كتب ومصنفات علمائنا المتقدمين والمتأخرين .
ولكننا نعجب حقاً لهذهِ اللغة الرخيصة التي لا تنسجم مَعَ الاعراف ، والاخلاق، والمنطق العلمي السليم ، ونعجب من هذا التسامح المفرط في تكفير الطوائف الاسلامية ، وإلغاء عقائد الملايين من الموحدين من أبناء الاسلام بكلمة واحدة لا يعرف هؤلاء المتحجرون من مفردات الثقافة الاسلامية المترامية سواها ، وهي كلمة ( بدعة ) ، فكل أمر لا ينسجم مَعَ أهوائهم وميولهم الخاصة أطلقوا عليه هذا اللفظ ، ونعتوه بهذا الوصف .
وفي الواقع انَّ ما يقوله ( الفوزان ) اليوم و ما يقوله غيره من الوهابيين ، هو ترديد و تكرار لما قاله اُستاذهم ( ابن تيمية ) الذي نظَّر لهذا الامر في مصنفاته المختلفة ، وشكّل بذلكَ باعثاً على زرع التفرقة بين المسلمين ، وشق عصا وحدتهم وتماسكهم .
على أنـّا نجد ان نفس ( ابن تيمية ) يتناقض مَعَ نفسه ، حين تفرض الحقائق نفسها على كتاباته ، ولا يجد من ذلكَ بدّاً ومخرجاً ، فعلى الرغم من أنَّ مصنفاته تطفح بالتشنيع والنيل من أتباع مذهب أهل(عليهم السلام) ، ومؤاخذتهم بعنف على ما يمارسونه من زيارة لمراقد أهل البيت(عليهم السلام) ، وتبرك بآثارهم المقدسة ، وتوسل الى الله تعالى بجاههم العظيم ، نجد انه يصرِّح بأصل مشروعية الاتيان للمشاهد في ( اقتضاء الصراط المستقيم ) حيث يقول :« قال سندي الخواتيمي : سألنا أبا عبدالله عن الرجل يأتي بهذهِ المشاهد ويذهب اليها : ترى ذلك ؟ قال : أمّا على حديث ابن اُم مكتوم انَّه سأل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يصلي في بيته حتى يتخذ ذلك مصلى ، وعلى ما كان يفعل ابن عمر رضي الله عنهما ، يتبع مواضع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وأثره ، فليس بذلك بأس أن يأتي الرجل المشاهد ، إلاّ انَّ الناس قد أفرطوا في هذا جداً وأكثروا فيه .
وكذلكَ نقل عنه أحمد بن القاسم ولفظه : سُئل عن الرجل يأتي هذهِ المشاهد التي بالمدينة وغيرها ، يذهب اليها ؟ قال : أمّا على حديث ابن اُم مكتوم انَّه سأل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أن يأتيه فيصلي في بيته حتى يتخذه مسجداً ، وعلى ما كان يفعله ابن عمر ، يتبع مواضع سير النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وفعله حتى رؤيَ يصب في موضع ماء ، فسُئل عن ذلك ؟ فقال : رأيتُ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يصب ههنا ماء ، قال أمّا على هذا فلا بأس »(48).
فهذا الكلام الذي ينقله عن الامام ( أحمد بن حنبل ) ، يدل بشكل واضح وصريح على أصل مشروعية إتيان المشاهد ، والتبرك بآثار النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) .
ويقول في موضع آخر في نفس الموضوع :« فكما انَّ تطوع الصلاة فرادى وجماعة مشروع من غير أن يتخذ جماعة عامة متكررة تشبه المشروع : من الجمعة ، والعيدين ، والصلوات الخمس ، فكذلك تطوّع القراءة والذكر والدعاء جماعة وفرادى ، وتطوع قصد بعض المشاهد ، ونحو ذلك كلُّه من نوع واحد .. »(49) .
bsp;فاذا كان اتيان المشاهد مشروعاً ، والتبرك أيضاً مشروعاً ، فلماذا هذا التهجم على الموحدين من أبناء الاسلام ، ونعت عملهم بالابتداع ؟ ولماذا تحميل هذا العمل المشروع عناوين اُخرى لا واقع لها من الاساس ؟ ولماذا لا يُحمل عمل المسلمين على الصحة وفقاً لتلك العموميات التي ندبت الى تبجيل النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأهل بيته(عليهم السلام) ، وتوقيرهم ، ونصرتهم أحياء وأموات؟
ولكنَّ العجب العجاب أنَّ نفس ما لم يكن يسمح به ( ابن تيمية ) من تبرك بالاموات ، ونفس ما كان يعتبر فاعله مشركاً وخارجاً عن الدين .. قد حصل بشأنه بعد الموت ، ولكنَّ أحداً من خواصه ومريديه والمدافعين عن عقائده المضللة ومبانيه لم ينبس ببنت شفة ، ولم يقل بأنَّ هذا الامر مشمول بالابتداع ، عدا ما أظهره محقق كتاب ( العقود الدرّية ) عند هذا الموضع من إمتعاض باهت وسريع .
فقد ورد في الكتاب المذكور بلهجة الاطراء والثناء على ( ابن تيمية ) بعد موته :« وحضر جمع الى القلعة ، فاُذن لهم في الدخول ، وجلسَ جماعة قبل الغسل ، وقرأوا القرآن ، وتبركوا برؤيته وتقبيله ، ثم انصرفوا .
وحضر جماعة من النساء ، ففعلنَ مثل ذلك ثمَّ انصرفنَ .. وألقى الناس على نعشه مناديلهم وعمائمهم للتبرك ..
وشرب جماعة الماءَ الذي فضل من غسله ، واقتسم جماعة بقية السدر الذي غُسِّل به .
وقيل : إنَّ الطاقية التي كانت على رأسه دُفع فيها خمسمائة درهم ، وقيل : الخيط الذي فيه الزئبق الذي كان في عنقه بسبب القمل ، دفع فيه مائة وخمسونَ درهماً » .
ثم يضيف قائلاً :« وتردد الناس الى قبره أياماً كثيرة ليلاً ونهاراً ، ورؤيت له منامات كثيرة صالحة»(50) .

(1) شابن تيمية ، إقتضاء الصراط المستقيم ، ص : 294 .
(2) جعفر مرتضى العاملي ، المواسم والمراسم ، عن المدخل لابن الحاج / ج : 2 / ص 3 فما بعدها الى عدة صفحات .
(3) جعفر مرتضى العاملي ، المواسم والمراسم ، ص : 51 ـ 52 ، عن القول الفصل ، ص : 50 و 53 ، والحاوي للفتاوي للسيوطي، ص : 190 ـ 192 .
(4) جعفر مرتضى العاملي ، المواسم والمراسم ، ص : 53 ، عن منهاج الفرقة الناجية ، عن كتاب السنن والمبتدعات ، ص : 138/ 139 .
(5) جعفر مرتضى العاملي ، المواسم والمراسم ، ص : 52 ، عن القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد سيد الرسل ص 53 عن كتاب الاعيار المعرب ص 99 ـ 101 .(6) جعفر مرتضى العاملي ، المواسم والمراسم ، ص : 53 ، عن منهاج الفرقة الناجية ص : 55 عن مجموعة الرسائل والمسائل النجدية ، قسم : 2 ، ص : 357 ـ 358 ، والدرر السنية ، ج : 4 ، ص : 389 .
(7) ابن الحاج ، المدخل ، ج : 2 ، ص : 2 .
(8) محمد جميل زينو ، منهاج الفرقة الناجية ، ص : 107 .
(9) صالح الفوزان ، البدعة : تعريفها ـ أنواعها ـ أحكامها ، ص : 17 .
(10) جعفر السبحاني ، الوهابية في الميزان ، ص : 195 ، عن الفتح المجيد ، ص : 154 .
(11) انظر لمزيد من الاطلاع حول هذا الموضوع البحثَ القيِّم الموسوم بـ ( المواسم والمراسم ) للعلامة المحقق السيد جعفر مرتضى العاملي ( حفظه الله تعالى ) .
(12) الاعراف : 157 .
(13) قال ( الطباطبائي ) في تفسير الميزان ، ج : 8 ، ص : 296 : « التعزير : النصرة مَعَ التعظيم » ، وقال ( الطبرسي ) في مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 604 : « وعزروه : أي عظموه ووقروه ومنعوا عنه أعداءَه » ، وقال ( ابو حيان الاندلسي ) في البحر المحيط ، ج : 5 ، ص : 196 : « وعزروه أثنوا عليه ومدحوه » ، وقال ( ابن كثير ) في تفسير القرآن العظيم ، ج : 9 ، ص : 265 : « ونصروه : أي عظموه ووقروه » .
(14) الحجرات : 2 ـ 3 .
(15) النور : 63 .
(16) الحجرات : 1 .
(17) الاحزاب : 56 .
(18) مسلم ، صحيح مسلم بشرح النووي ، ج : 3 ، ص : 275 ، و ج : 4 ، ص : 183 ، وفي مسند أحمد : ج : 4 ، ح : 13499، ص : 183 ، وفي النسائي بشرح السيوطي ، ج : 8 ، ح : 5029 ، ص : 488 ، وفيه أيضاً عن أبي هريرة عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): ( والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ اليه من ولدِهِ ووالده » ، النسائي ، ج : 8 ، ح : 5030 ، ص : 489 ، وفي البخاري ، ج : 1 ، ص : 9 ، باب : حب الرسول من الايمان ، ح : 1 و2 .
(19) البخاري ، صحيح البخاري ، ج : 1 ، باب : حلاوة الايمان ، ح : 1 ، ص : 9 ، وفي مسند أحمد ، ج : 3 ، ح : 11591 ، ص : 539 ، و ج : 4 ، ح : 12354 ، ص : 9 ، و ج : 4 ، ح : 13500 ، ص : 184 . بتفاوت يسير .
(20) سعيد حوّى ، كي لا نمضي بعيداً عن احتياجات العصر ، السيرة بلغة الحب والشعر ، ص : 15 .
(21) الشورى : 23 ، انظر للاطلاع على مورد نزول الاية الكريمة : حسين الشاكري ، علي في الكتاب والسنة ، ج : 1 ، ص : 435 ـ 441 ، فمن المصادر التي ذكرت نزول الاية في حق أهل البيت(عليهم السلام) : ( النور المشتعل ) لابي نعيم الاصبهاني ، ص : 207 ، ح : 57 ، و ( حلية الاولياء ) ، ط بيروت ، ج : 3 ، ص : 201 ، و ( شرف المصطفى ) للخركوشي ، ط طهران ، ص 252 و261 ، و ( إحياء الميت ) للسيوطي ، ط مصر ، ص : 110 ، و ( الدر المنثور ) ، ط مصر ، ج : 6 ، ص : 7 ، و ( الاكليل ) ، ط مصر ، ص : 190 ، و ( مقتل الحسين ) للخوارزمي ط النجف ، ج : 1 ، ص : 57 ، و ( الفضائل ) لاحمد بن حنبل ، ص : 187 ، ح : 263 ، و ( الكشاف ) للزمخشري ، ط القاهرة ، ج : 3 ، ص : 402 ، و ( بحار الانوار ) ، ج : 23 ، ص : 228 ـ 253 . و ( تفسير البرهان ) ، ج : 4 ، ص : 121 ـ 126 ، و ( إحقاق الحق ) ، ج : 3 ، ص : 2 ـ 23 و 533 ، وج : 9 ، ص : 92 ـ 101 ، و ج : 14 ، ص : 106 ـ 115 ، و ج : 18 ، ص : 336 ـ 338 و 538 .
(22) مسلم ، صحيح مسلم بشرح النووي ، ج : 15 ، ص : 180 ،من كتاب ( فضائل الصحابة ) باب : ( فضائل علي بن أبي طالب) ، 4 / 1873 ، وفي مسند أحمد بن حنبل ، ج : 5 ، ح : 18780 ، ص : 492 . وفي الفضائل : 1167 .
(23) الترمذي ، سنن الترمذي ، تحقيق : أحمد محمد شاكر ، ج : 3789 ، ص : 622 .
(24) جعفر مرتضى العاملي ، المواسم والمراسم ، ص : 93 ـ 94 ، عن سيرتنا وسنتنا للعلامة الاميني ، ص : 45 ـ 46 .
(25) جعفر مرتضى العاملي ، المواسم والمراسم ، ص : 62 ، عن رسالة المقصد المطبوعة مَعَ النعمة الكبرى على العالم ، والتوسل بالنبي وجهلة الوهابيين ، ص : 114 .
(26) جعفر مرتضى العاملي ، المواسم والمراسم ، ص : 63 ، عن السيرة الحلبيه ، ج : 1 ، ص : 83 ـ 84 .
(27) سعيد حوّى ، كي لا نمضي بعيداً عن احتياجات العصر ، ( 6 ) السيرة بلغة الحب والشعر ، ص : 42 .
(28) انظر للاطلاع على مشروعية اتخاذ هذا اليوم عيداً والمباني الشرعية والتاريخية لذلك ( المواسم والمراسم ) ، ص : ( 95 ـ 107) .
(29) ابن تيمية ، إقتضاء الصراط المستقيم ، ص : 304 .
(30) سعيد حوّى ، كي لا نمضي بعيداً عن احتياجات العصر ، ( 6 ) السيرة بلغة الحب والشعر ، ص : 36 ـ 39 .
(31) ذكره الاميني في ( الغدير ) ، ج : 5 ، ص : 93 ، عن أكثر من أربعين راوياً ومحدثاً من أئمة المذاهب الاربعة .
(32) ذكره الاميني في الغدير ، ج : 5 ، ص ( 98 ـ 100 ) عن خمسة وعشرين حافظاً ومحدّثاً ، وانظر على سبيل المثال بعض مدارك الحديث في كنز العمال لعلاء الدين الهندي ، ج : 15 ص : ( 646 ـ 657 ) ، الاحاديث : ( 42551 ـ 42607 ) .
(33) راجع ( الغدير ) للاميني ، ج : 5 ، ص ( 86 ـ 208 ) ، باب زيارة مشاهد العترة الطاهرة ، فقد روى عن مصادر العامة اثنين وعشرين حديثاً حول زيارة قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ونقل كلمات أربعين علماً من أعلام المذاهب الاربعة حول زيارته(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وَبَسط الكلام في ذلك بالحجة البالغة ، والقول السديد .
(34) يوسف : 93 .
(35) يوسف : 96 .
(36) البخاري ، صحيح البخاري ، ج : 1 ، كتاب الوضوء ، ص : 55 .
(37) البخاري ، صحيح البخاري ، ج : 1 ، كتاب الوضوء ، ص : 56 .
(38) البخاري ، صحيح البخاري ، ج : 1 ، كتاب الوضوء ، ص : 50 ـ 51 .
(39) البخاري ، صحيح البخاري ، ج : 1 ، كتاب الوضوء ، ص : 51 .
(40) جعفر السبحاني ، الوهابية في الميزان ، ص : 214 ، عن الاصابة ، ج : 3 ، ص : 631 .
(41) أحمد بن حنبل ، ج : 6 ، ح : 25243 ، ص : 212 .
(42) ابن الاثير ، اُسد الغابة ، ج : 1 ، ص : 208 .
(43) البخاري ، صحيح البخاري ، ج : 4 ، كتاب المناقب ، ص : 165 .
(44) جعفر السبحاني ، الوهابية في الميزان ، ص : 216 ، عن الطبقات الكبرى ، ج : 1 ، القسم الثاني ، ص : 13 .
(45) النساء : 64 .
(46) عبد الحسين الاميني ، الغدير ، ج : 5 ، ص : 148 ، عن الحافظ ابي عبدالله بن نعمان المالكي في مصباح الظلام ، والشيخ شعيب الحريفيش في ( الروض الفائق ) ج : 2 ، ص : 137 ، والسيد نورالدين السمهودي في ( وفاء الوفا ) ج : 2 ، ص : 412، و القسطلاني في ( المواهب اللدنية ) .. وآخرين .
(47) صالح الفوزان ، البدعة ، ص : 17 .
(48) ابن تيمية ، إقتضاء الصراط المستقيم ، ص : 305 ـ 306 .
(49) ابن تيمية ، اقتضاء الصراط المستقيم ، ص : 305 .
(50) الحافظ أحمد بن عبد الهادي ، العقود الدرية في مناقب شيخ الاسلام أحمد بن تيمة ، بتحقيق محمد حامد الفقي ، ص : 369 ـ 371 .