حرص مقلوب !
ونرى
انَّ من المناسب في هذا المقام أن نوقف قارئنا الكريم على بعض النماذج التأريخية
من أفعال السلف ، والتي بنيت على أساس فهم خاطئ لمعنى الاتباع ، والتمسك بالسنة ،
والاقتداء بهدي الرسول الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) ، والتزام سيرته ، فبدلاً
من أن تعبّر هذهِ المظاهر عن حالة الحرص على الدين ، أصبحت ذات مردودات عكسية
وآثار سلبية ، نتيجة للخطأ في فهم خصوصيات التشريع ، وحدوده ، فبينما يتصور أصحاب
هذا النمط من السلوك أنَّهم متَّبعون ومقتفون لاثار الرسول الكريم(صلى الله عليه
وآله وسلم) ، وتعاليم الاسلام ، وإذا بهم يسيرون في واقع الامر في عكس الاتجاه
الذي يهدف اليه التشريع .
ومن
أبرز هذه المظاهر ما يلي :
1 ـ عن عروة بن
عبدالله بن قُشير قال : حدثني معاوية بن قرة عن أبيه قال :« أتيتُ رسول
الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في رهط من مُزينة(1) فبايعناه ،
وانَّه لمطلق الازرار ، فادخلتُ يدي في جنب قميصه ، فمسستُ الخاتم .
قال
عروة : فما رأيت معاوية ، ولا ابنه قط في شتاء ولا صيف ، الاّ مطلقي الازرار»(2).
فنحن
نلاحظ هنا انَّ الاقتداء بمثل الامر المذكور في الرواية لا يعدّ اتباعاً بالمعنى
الشرعي ، ولا يمثل الاقتداء المطلوب في نظر الشريعة بالرسول الاكرم(صلى الله عليه
وآله وسلم) ، إذ انَّ الامر يتعلق بقضية حياتية خاصة ، لا علاقة لها بالحكم الشرعي
ولوازمه .
وهكذا
الامر فيما روي عن زيد بن أسلم انه قال :« رأيت ابن عمر
يصلّي محلولاً أزراره ، فسألته عن ذلك ، فقال: رأيتُ رسول الله(صلى الله عليه وآله
وسلم) يفعله »(3)!
2 ـ روي عن مجاهد
انَّه قال :« كنّا مَعَ ابن
عمر رحمه الله في سفر ، فمرَّ بمكان فحادَ عنه ، فسُئل لم فعلتَ ذلكَ ؟ قال : رأيت
رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فَعَل هذا ففعلت »(4) !
وهذا
المظهر أيضاً لا يدخل تحت عنوان الاتباع ، والتمسك بسيرة الرسول الكريم(صلى الله
عليه وآله وسلم) والاقتداء بسنته ، وإن حاول البعض أن يمتدحه ، ويشيد به ، ويحشره
ضمن موارد الاتّباع ، والحرص على الدين .
3 ـ روي عن ابن
سيرين انَّه قال :« كنتُ مَعَ ابن عمر
رحمه الله بعرفات ، فلما كان حين راح رحتُ معه ، حتى أتى الامام فصلّى معه الاُولى
والعصر ، ثم وقف وأنا وأصحاب لي ، حتى أفاض الامام ، فأفضنا معه ، حتى انتهى الى
المضيق دون المأزمين ، فأناخَ وأنخنا ، ونحن نحسب انَّه يريد أن يصلّي، فقال غلامه
الذي يمسك راحلته : انَّه ليس يريد الصلاة ، ولكنَّه ذكر أنَّ النبي(صلى الله عليه
وآله وسلم) لمّا انتهى الى هذا المكان قضى حاجته ، فهو يحب أن يقضي حاجته »(5)!!
ولا
نظن انَّ الامر يحتاج منّا الى شيء من التعليق !
4 ـ روي عن مروان
بن سويد الاسدي انَّه قال :« خرجتُ مَعَ أمير
المؤمنين عمر بن الخطّاب من مكّة الى المدينة ، فلمّا أصبحنا صلّى بنا الغداة ، ثم
رأى الناس يذهبون مذهباً ، فقال : أين يذهب هؤلاء ؟ ، قيل : يا أمير المؤمنين !
مسجد صلّى فيه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، هم يأتون يصلّون فيه ، فقال :
إنّما هلكَ مَن كان قبلكم بمثل هذا ! يتبعون آثار أنبيائهم فيتخذونها كنائس وبيعاً
، مَن أدركته الصلاة في هذهِ المساجد فليصلّ ، ومَن لا فليمضِ ، ولا يعتمدها »(6)
.
وفي
الحقيقة انَّ هذهِ المبالغة في نهي الناس عن الصلاة في مسجد صلّى فيه رسول الله لا
تقترب من الصواب ، وانَّ هذا الحرص لم يكن في محلِّه ، بل لعلَّه يسير باتجاه
معاكس ، وذلك لشرافة المسجد الذي يصلّي فيه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)
أولاً ، ولانَّ في مراعاة الصلاة فيه وقصده لاجل ذلك إحياءاً لسنن الشريعة ،
وأحكام الاسلام ، وحفظاً لاثار الرسول الكريم(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وتخليداً
لمبادئه وذكراه .
5 ـ قال ( ابن
وضّاح القرطبي ) في كتابه ( البدع والنهي عنها ) :« أمَرَ عمر بن
الخطّاب بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقطعها ،
لانَّ الناس كانوا يذهبون فيصلون تحتها ، فخاف عليهم الفتنة »(7)
.
وهذا
المضمون يتجه اتجاه الامر السابق في ترتب الاثار السلبية ، والمردودات العكسية
لحالة الحرص الخاطئة .
6 ـ ذكر ( الشاطبي
) في ( الاعتصام ) :« انَّ عمر قد ترك
الاغتسال من الاحتلام ، حتى طلع عليه الصباح ، وانَّ قوماً من الصحابة راجعوه ، وسألوه
عن سبب تركه للاغتسال مَعَ انَّه كان بامكانه أن يأخذ من أثوابهم ما يصلي به ، ثم
يغسل ثوبه عند سعة الوقت ، فأجاب بأنَّه لو فعله لكان سنة ، وقال : بل أغسل ما
رأيت ، وأنضح ما لم أرَ »(8)
.
وهذا
التبرير غير مقبول ، إذ انَّ الحرص على السنة يقتضي وفقاً للمبادئ الاسلامية
الثابتة القيام بواجب الله تعالى ، والذي هو هنا أعظم الواجبات الاسلامية على
الاطلاق ، ووجوب المبادرة الى الاغتسال من الاحتلام ، وأداء الصلاة الواجبة قبل
انقضاء الوقت ، ما دام ذلكَ ممكناً .
ونجد
ما يشابه هذا التبرير فيما رواه في ( الاعتصام ) أيضاً عن عثمان بن عفان ، إذ يقول
مبرراً له ترك السنة الثابتة ، واتمام الصلاة في السفر :« و منه ما ثبت عن
عثمان(رضي الله عنه) انَّه كان لا يقصر في السفر ، فيُقال له : ألستَ قصرتَ مَعَ
النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ، فيقول : بلى ! ولكنّي أمام الناس ، فينظر اليَّ
الاعراب ، وأهل البادية اُصلّي ركعتين فيقولون : هكذا فُرضت » !
وأضاف
الشاطبي الى ذلك القول :« فالقصر في السفر
سنّة أو واجب ، ومَعَ ذلك تركه خوف أن يُتذرّع به لامر حادث في الدين غير مشروع »(9)
.
وهذا
من الموارد التي جاءَ العذر فيها أقبح من الذنب !
7 ـ جاءَ في (
الاعتصام ) عن ابن العربي انَّه قال :« كان شيخنا أبو
بكر الفهري يرفع يديه عند الركوع ، وعند رفع الرأس منه ، وهو مذهب مالك والشافعي ،
وتفعله الشيعة ، فحضر عندي يوماً في محرس أبي الشعراء بالثغر موضع تدريسي عند صلاة
الظهر ، ودخل المسجد من المحرس المذكور ، فتقدَّم الى الصف الاول ، وأنا في مؤخره
قاعداً على طاقات البحر ، أتنسَّم الريح من شدّة الحر ، ومعي في صف واحد ( أبو
تمنة ) رئيس البحر وقائده ، في نفر من أصحابه ، ينتظر الصلاة ، ويتطلّع على
المراكب ، فلمّا رفع الشيخ الفهري يديه في الركوع وفي رفع الرأس منه ، قال ( أبو
تمنة) وأصحابه : ألا ترى الى هذا المشرقي كيف دخل مسجدنا ؟ قوموا اليه فاقتلوه
وارموا به في البحر فلا يراكم أحد !! فطار قلبي من بين جوانحي وقلت : سبحانَ الله
! هذا الطرطوشي فقيه الوقت ، فقالوا لي : ولِمَ يرفع يديه ؟ فقلت : كذلك كان
النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يفعل ، وهو مذهب مالك في رواية أهل المدينة عنه .
وجعلت
اُسكتهم ، واُسكنهم ، حتى فرغ من صلاته ، وقمتُ له الى المسكن من المحرس ، ورأى
تغيّر وجهي فأنكره ، وسألني ، فأعلمته ، فضحك ، وقال : من أين لي أن اُقتل على سنة
؟! فقلت له : ويحلّ لك هذا ؟ فانَّكَ بين قوم إن أقمتَ بها قاموا عليكَ ، وربّما
ذهبَ دمكَ ، فقال : دع هذا ، الكلام وخذ في غيره »(10) !
2 ـ عدم وجود دليل شرعي على الامر الحادث من الدين
إنَّ
هذا القيد يعدّ من أوضح قيود ( البدعة ) ، ومن أهم مقوماتها الاساسية .. إلاّ انَّ
هذا القيد لم يُشخّص بشكل شامل و دقيق ، الامر الذي أدّى الى وقوع اختلاف كبير في
الموارد التطبيقية لمفهوم الابتداع ، وعدم وجود ضابطة موحّدة ، يتم بموجبها دخول
الامر الحادث أو خروجه عن هذا المفهوم .
فمن
الشروط الاساسية التي تزج بالامر الحادث في دائرة الابتداع ، هو أن لا يكون لهذا
العمل أصل وأساس في الدين ، لا على نحو الخصوص ، ولا على نحو العموم ، يقول الله
تعالى :( وَمَنْ أَظلَمُ
مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِباً أَوْ كذَّبَ بآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفلحُ
الظّالِمونَ)(11).
ويقول
عزَّ شأنه : ( قُلْ ءآللهُ أَذِنَ لَكُم أَمْ عَلى اللهِ تَفتروُنَ )(12)
.
فاذا
وجد لدينا دليل خاص ينطبق على الامر الحادث ، فان هذا الدليل يخرج هذا الامر عن
حدّ ( الابتداع ) ويجعله داخلاً في صميم السنة والتشريع ، كما انَّه لو وُجد لدينا
دليل عام يمكن تطبيقه على الامر الحادث ، فانَّ هذا الدليل يخرج الامر الحادث عند
حدّ (الابتداع ) أيضاً .
هذا
كلُّه طبعاً بفرض صحة الادلة الخاصة والعامة ، والتأكد من صحة صدورها من الشارع
المقدس وارتباطها به ، لكي يتحقق ارتباط الامر الحادث بالدين ، على نحو القطع
واليقين .
وقد
أصبح هذا القيد الدخيل في رسم الصورة النهائية لمفهوم ( البدعة ) ، مثاراً لوجود
الالتباس في أذهان البعض ، بقصد أو من دون قصد .
وسوف
نستعرض نماذج توضيحية لما ورد بشأنه الدليل الخاص ، ثم لما ورد بشأنه الدليل العام
.
استثناء ما ورد فيه دليل خاص
إذا
ورد دليل شرعي خاص بشأن أمر معيَّن ، ولم يكن ذلك الامر موجوداً في حياة النبي
الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) ، أو في طيلة عصر التشريع ، فانَّ هذا الامر يأخذ
العنوان الشرعي، الذي ذكره الدليل الخاص بشأنه ، ولا يدخل أخذه لهذا العنوان
الشرعي ضمن دائرة (الابتداع ) ، إذ ليس المدار في الامر المبتدع هو وجوده أو عدم
وجوده في عصر التشريع، وانَّما المدار هو انَّه هل ينطبق عليه دليل خاص أو عام ،
أم لا ينطبق عليه ذلك .
sp;ولنوضح
هذهِ الفكرة من خلال بعض النماذج .
أ
ـ وردت أدلة شرعية توجب صلاة الايات عند حدوث ( الزلزلة ) ، فلو افترضنا انَّ
زلزلةً لم تقع في عصر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، أو طيلة زمان عصر
التشريع ، ثم وقعت في زمان متأخر عن ذلك ، فانَّ القول بوجوب صلاة ( الزلزلة )
حينئذ ليس ( بدعة ) ، باعتبار انَّ هذا الامر حادث ، ولم يقع في زمان النبي(صلى
الله عليه وآله وسلم) ، بل هو من صميم السنة الشريفة ، لانَّه وجب عن طريق الدليل
الشرعي الخاص ، غاية الامر أن مورده لم يكن متحققاً في صدر التشريع .
ورد
عن عبدالله بن الحارث :« انَّ الارض
زلزلت بالبصرة ، فقام ابن عباس فصلّى بهم ، فركع ثلاث ركعات ، ثم سجد سجدتين ، ثم
قامَ فركع ثلاث ركعات ، ثم سجد سجدتين »(13) .
وفي
رواية اُخرى عن عبدالله بن الحارث أيضاً قال :« صلّى بنا ابن
عباس بالبصرة في زلزلة كانت ، صلّى ست ركعات في ركعتين ، فلما انصرف قال : هكذا
صلاة الايات »(14).
فهل
يمكن أن يدّعي أحد أن القول بوجوب صلاة الايات ( بدعة ) باعتبار انَّها لم تُصلَّ
في زمن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ؟ وهل يمكن أن يُنظر اليها من زاوية
كونها أمراً حادثاً مَعَ قصر النظر عن الدليل الخاص ؟
إنَّ
الذي نريد قوله هو انَّ مثل هذا الامر لا يقبل الاتصاف بالابتداع بشكل مطلق.
ب
ـ وردت نصوص شرعيّة تحرِّم على الرجل أن يتزيّى بزي النساء ، وتحرِّم على المرأة
أن تتزيّى بزي الرجال .
فعن
رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) انه قال :« لعن الله الرجل
يلبس لبسة المرأة ، والمرأة تلبس لبسة الرجل »(15) .
وعنه(صلى
الله عليه وآله وسلم) :« ليس منّا مَن
تشبَّه بالرجال من النساء ، ولا مَن تشبَّه بالنساء من الرجال »(16)
.
فتشبه
الرجال بالنساء ، وتشبه النساء بالرجال ، أخذ عنوانه الشرعي من خلال النص الخاص ،
وإن كان أمراً حادثاً بعد عصر التشريع ، فلا معنى لدرجه ضمن مفهوم (البدعة ) ،
والادّعاء بأنَّ القول بتحريم هذا الامر من البدع باعتبار انَّه لم يكن موجوداً
فيما سبق ، وانَّما ينبغي درج القول بتحريمه في صميم الامور الشرعية .
جـ
ـ هناك أحاديث كثيرة تنص على النهي عن زخرفة المساجد ، فلو افترضنا انَّه لم يكن
في عصر التشريع مسجد مزخرف ، ثم سادت هذهِ الظاهرة في العصور اللاحقة ، فان هذا لا
يجعل القول بكراهة هذا الامر من موارد الابتداع ، باعتبار كونه أمراً حادثاً لم
يكن له وجود في عصر التشريع ، وانَّما ينبغي إدخاله في الدين ، باعتبار ارتباطه
فيه من خلال النص الخاص.
والخلاصة
أنَّ النص الخاص يبعد الامر الحادث عن مفهوم الابتداع ، ويخرجه عن موضوعه من
الاساس ، ويبقى الامر الحادث مَعَ عنوانه الشرعي الذي اكتسبه من خلال ذلك النص
الخاص .
استثناء
ما ورد فيه دليل عام
هناك
اُمور عامة تناولتها تعاليم الشريعة الاسلامية ، وتركت تشخيص مواردها وموضوعاتها
موكولاً الى المكلف نفسه ، شريطة أن يضمن اتصاف عمله التفصيلي بعنوان ذلك العام
المقطوع الورود .
وهذهِ
النقطة في التشريع هي سرّ عمومية الرسالة ، وشموليتها ، وانطباقها على مختلف موارد
الحياة ، ومستجدات الوجود ، والاّ لو كانت موارد الاحكام الشرعية منحصرة في فترة
زمنية محددة ، أو ظرف حياتي خاص ، لما بقي للشريعة الاسلامية أيّ أثر ، ولما
امتدَّ وجودها الى آخر لحظات وجود الانسان على وجه هذهِ الارض .
وقد
جاءت دلالات الكثير من الاحكام الشرعية الاسلامية عامة وكلية ، يُترك الامر لنفس
المكلف في تطبيقها على مواردها ، من خلال نصوص عديدة نستعرض ادناه قسماً منها .
قال
الله تعالى : ( فَمَنِ اضطُرَّ غَيرَ باغ وَلا عاد فَلا إِثمَ عَليهِ )(17).
وقال
تعالى : ( وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُم بَينَكُم بالباطلِ )(18)
.
وقال
تعالى : ( وَلَن يَجعلَ اللَّهُ لِلكافِرينَ عَلى المُؤمِنينَ سَبِيلاً )(19)
.
وقال
تعالى : ( وَتعاوَنُوا عَلى البِرِّ والتَّقْوى وَلا تَعاوَنُواْ عَلى الاِثمِ
وَالعُدْوانِ)(20)
.
وقال
تعالى :( وَالمُؤمِنونَ والمُؤْمِناتُ بَعضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعض )(21)
.
وقال
تعالى :( مَا عَلى المُحْسِنينَ مِن سَبِيل )(22) .
وقال
تعالى :( وَما جَعَلَ عَلَيكُم في الدِّينِ مِن حَرَج )(23) .
وقال
تعالى :( إِن جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنبإ فَتبيَّنواْ )(24) .
وقال
تعالى :( وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنهُ فانتَهُواْ )(25)
.
فمن
الواضح أنَّ هذهِ الايات القرآنية تمتلك دلالات كلية عامة قابلة للانطباق على
مختلف الازمنة والعصور ، شريطة أن تتحقق موضوعات الاحكام المذكورة فيها على نحو
الدقة ، وتُحرز على نحو اليقين .
كما
انَّ هناك مجاميع اُخرى من الايات القرآنية الكريمة تمتلك شبيه هذهِ الدلالات، لم
ندرجها هنا مراعاةً للاختصار .
وورد
نظير ذلكَ في الاحاديث الشريفة أيضاً ، فقد ذُكرت قواعد كلية لمختلف القضايا التي
تكتضّ بها حياة الانسان ، ويحفل بها سلوكه الفردي والعام .
فمن
هذهِ الاحاديث ما ورد عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) انَّه قال :« رُفع عن اُمتي
تسعة : الخطأ ، والنسيان ، وما اُكرهوا عليه ، وما لا يطيقون ، وما لا يعلمون ،
وما اضطرّوا اليه ، والحسد ، والطيرة ، والتفكّر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق
بشفة »(26)
.
وعنه(صلى
الله عليه وآله وسلم) :« انَّ الناسَ
مسلَّطون على أموالهم »(27)
.
وعنه(صلى
الله عليه وآله وسلم) :« لا ضررَ ولا
ضرارَ على مؤمن »(28)
.
وعنه(صلى
الله عليه وآله وسلم) :« المسلمون عند
شروطهم »(29).
وعنه(صلى
الله عليه وآله وسلم) :« المغرور يرجع
الى مَن غرَّه »(30)
.
وعنه(صلى
الله عليه وآله وسلم) :« الاسلام يعلو
ولا يُعلى عليه ، والكفّار بمنزلة الموتى ، لا يحجبون ، ولا يورثون»(31).
وعن
أمير المؤمنين(عليه السلام) :« مَن كان على
يقين ، فأصابه شك ، فليمضِ على يقينه، فانَّ اليقين لا يُدفَع بالشك»(32).
وعنه(صلى
الله عليه وآله وسلم) :« ليسَ على
المؤتمن ضمان »(33).
وعن
موسى بن بكر قال :« قلتُ لابي
عبدالله(عليه السلام) : الرجل يُغمى عليه اليوم أو يومين أو ثلاثة أو أكثر من ذلك
، كم يقضي من صلاته ؟، فقال(عليه السلام) : ألا اُخبركم بما ينتظم هذا وأشباهه ،
فقال(عليه السلام) : كل ما غلب اللهُ عليه من أمر ، فالله أعذر لعبده .
وزاد
فيه غيره انه(عليه السلام) قال : وهذا من الابواب التي يفتح كلّ باب منها ألف باب»(34)
.
وعنه(عليه
السلام) :« لا سهو على مَن
أقرَّ على نفسه بالسهو »(35)
.
وعنه(عليه
السلام) :« انّما علينا أن
نلقي اليكم الاصول ، وعليكم أن تفرِّعوا »(36) .
وعن
محمد بن حكيم قال : سألت أبا الحسن(عليه السلام) : «عن القرعة في أيِّ شيء ؟ فقال
لي : كل مجهول ففيه القرعة »(37)
.
وقد
دلَّت الشواهد التاريخية على انَّ المسلمين كانوا يمارسون عملية تطبيق مثل هذهِ
الاحكام الكلية العامة على الموارد المختلفة ، فيأتي التأييد من قبل الشارع المقدس
على نحو الاقرار ، أو التشجيع ، أو الاستحسان ، أو الى غير ذلك من الحالات ، التي
توحي بانَّ مثل هذهِ الممارسات نابعة من صميم الدين الاسلامي الذي يواكب الحياة
على مرّ الازمنة والعصور .
فاذا
حدث في حياة المسلمين أمر معيَّن لم يكن له وجود في عصر التشريع الاسلامي ، فان
وجدَ هذا الامرُ الحادث له عنواناً كلياً عاماً يندرج تحته من أحكام الشريعة
العامة ، فانَّه يخرج بذلك عن دائرة ( الابتداع ) ، ويكتسب شرعيته من خلال ذلك
النص الكلي العام حتى لو لم يرد فيه نص خاص ، يذكره على نحو الاستقلال والانفراد .
ومن
النماذج التأريخية التي أقرَّت الشريعة الاسلامية فيها هذا النمط من السلوك
التطبيقي ما ورد في ( الطبراني ) بسنده :
« انَّ النبي عليه
الصلاة والسلام مرَّ على أعرابي وهو يدعو في صلاته ويقول : ( يا مَن لا تراه
العيون ، ولا تخالطه الظنون ، و لا يصفه الواصفون، ولا تغيِّره الحوادث ، ولا يخشى
الدوائر ، يعلم مثاقيل الجبال ، ومكاييل البحار ، وعدد قطر الامطار ، وعدد ورق
الاشجار ، وعدد ما أظلم عليه الليل ، وأشرقَ عليه النهار . لا تواري سماء منه سماء
، ولا أرض أرضاً ، ولا بحر ما في قعره ، ولا جبل ما في وعره ، اجعل خيرَ عمري آخره
، وخير عملي خواتمه ، وخير أيامي يوماً ألقاكَ فيه ) .
فوكل
رسول الله بالاعرابي رجلاً ، وقال : إذا صلّى فائتني به ، وكان قد اُهدي بعض الذهب
الى رسول الله ، فلما جاءَ الاعرابي ، وهبَ له الذهب ، وقال له : تدري لم وهبتُ لك
؟!
قال
الاعرابي : للرحم التي بيني وبينَك !
قال
الرسول الكريم : إنَّ للرحم حقاً ، ولكنّي وهبتُ لكَ الذهب لحُسن ثنائكَ على الله
»(38)
.
فنرى
هنا انَّ هذا الاعرابي قد دعا بدعاء رفيع ، أخذ مضامينه السليمة والعالية من
تعاليم الرسالة الاسلامية وأحكامها العامة ، وان لم تكن الفاظه وتراكيبه اللغوية
مما وردت على نحو الخصوص في لسان الشرع .
ونظير
هذا الحادث ما روي عن أنس انَّه قال :« اُقيمت الصلاة
فجاء رجل يسعى، فانتهى وقد خفزه النفس أو انبهر ، فلما انتهى الى الصف قال :
الحمدُ للهِ حمداً كثيراً طيِّباً مباركاً فيه .
فلما
قضى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) صلاته قال : أيكم المتكلم ؟، فسكت القوم ،
فقال : أيكم المتكلِّم ، فانَّه قال خيراً ، أو لم يقل بأساً .
قال
: يا رسول الله أنا ، أسرعت المشي ، فانتهيتُ الى الصف ، فقلت الذي قلت ، قال : لقد
رأيت اثني عشر ملكاً يبتدرونها أيهم يرفعها ، ثم قال : إذا جاءَ أحدكم الى الصلاة،
فليمشِ على هينته ، فليصلِّ ما أدرك ، وليقضِ ما سبقه »(39).
فهذا
الحديث أيضاً على فرض صحته يدل على ما تمت الاشارة اليه من جواز ابتكار أذكار
معيَّنة ودعوات خاصة ، لم تكن موجودة بتراكيبها اللفظية الخاصة في عصر التشريع ،
ما دامت منسجمة مَعَ مضامين التعاليم الشرعية العامة ، وغير مخالفة لها .
فكلّ
أمر حادث ورد بشأنه الدليل العام ـ إذن ـ لا يعدّ من مصاديق ( الابتداع )، وانما
هو منبثق من صميم السنة والتشريع . ومن هنا ندرك سذاجة التفكير الذي كان يحصر
الامور الشرعية في خصوص ما ورد بشأنه الدليل الخاص فقط ، ويُعدّ الزائد على ذلك من
( البدع ) الدخيلة على الدين ، فقد مرَّ معنا اَنَّ سعداً حينما سمع رجلا يقول : (
لبيكَ ذا المعادج ) ، علَّق على عبارته هذهِ بالقول : « ما كنّا نقول هذا على عهدِ
رسول الله »(40)
!
وكذلك
ما روي عن ( الشاذلي ) انَّه كان يقول : «مَن دعا بغير ما دعا به رسول الله فهو
مبتدع »(41)
.
وقد
اشترك مَعَ هذا النمط الخاطئ من التفكير مجموعة اُخرى من علماء العامة ، واتهموا
من خلال ذلك أتباع مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) بشتّى ألوان التهم والافتراءات ،
وأطلقوا على أغلب العبادات الشرعية التي يمارسها الموحدون بقصد التقرب الى الله
تعالى ، ومن باب انسجامها مَعَ مضامين الشريعة العامة ، والامر بها من خلال الادلة
الكلية .. أطلقوا على هذهِ العبادات لفظ ( البدعة ) بعفوية واسترسال ، ومن دون أن
يكلِّفوا أنفسهم النظر في خلفيات هذهِ الممارسات و دوافعها الشرعية ، والتثبّث عند
اطلاق لفظ (البدعة ) على مثل هذهِ الامور المنتسبة الى الدين عن طريق الادلة
القطعية العامة إذا لم يكن وارداً بشأنها الدليل الخاص ، كما هو الغالب في هذهِ
الممارسات .
ولكي
نستوعب هذا القيد بصورة أفضل نحاول أن نذكر بعض النماذج والامثلة التوضيحية لبعض
الامور الحادثة ، التي لم يرد فيها دليل خاص ، إلاّ انَّها ترتبط بالدين عن طريق
الدليل الشرعي العام :
أ ـ الاهتمام بالقرآن الكريم :
إنَّ
الشريعة الاسلاميه قد ندبت المسلمين الى الاهتمام بالقرآن الكريم ، وحفظه ، وتعاهد
أمره ، وصيانته ، والاعتزاز به ، وكانَ من موارد حفظه آنذاك أن يتدارسه المسلمون ،
ويتعاطوه باستمرار ، ثم حَدَثَ أنْ شرعَ المسلمون بأمر تدوينه ، وكتابته .. ثم
تطوَّر الامر في الازمنة اللاحقة الى طباعته وتكثيره ، بالاساليب الحديثة والاجهزة
المتطورة ، وإخراجه بالحروف الفنية الرائقة ، وقد خُصصت لاجل حفظ القرآن وتلاوته
في الاونة الاخيرة مؤتمرات دورية عامة ، ومحافل متنوعة ، ومسابقات إقليمية وعالمية
متتابعة ، واتُفق على قواعد عامة للتحكيم ، وضوابط مشخصة للمفاضلة بين القرّاء ،
وخُصصت هدايا لتكريم الفائزين في الحفظ والتلاوة .. وما الى ذلك من الاُمور التي
تعكس الاهتمام الجدّي والمشروع بالقرآن الكريم .
فكل
هذهِ الاهتمامات تعبِّر عن مصاديق بارزة وجلية لتلكَ الاحكام العامة التي دعت الى
الاهتمام بالقرآن الكريم ، والاعتزاز به ، كمعجزة خالدة للاسلام العظيم ، ولا تمت
مثل هذهِ الاُمور الى ( الابتداع ) المصطلح بأَيّةِ نسبة تُذكر .
ب ـ صيام يوم الخامس عشر من شعبان و قيام ليلته
حثت
الشريعة الاسلامية أتباعها على الاهتمام بالصيام ، وندبت اليه طيلة أيام السنة ، و
استثنت من ذلك يومي العيدين ( الفطر ) و( الاضحى ) ، وعدَّت صيامهما محرَّماً..
وأمّا ما عدا ذلك فبابه مفتوح لمن يحب الاستزادة من فعل الخير والعمل الصالح .
وكذلك
ندبت الشريعة الاسلاميه الى الاهتمام بقيام الليل وإحيائه ، بالذكر، والعبادة ،
والتهجد ، والدعاء ، يقول الله تعالى :
( وَمَا
تَفعَلُواْ مِنْ خَير يَعْلَمْهُ اللهُ وَتَزوَّدُواْ فَإِنَّ خَيرَ الزَّادِ
التَّقوَى .. )(42).
ويتأكد
هذان الامران في الايام والليالي الفاصلة في تاريخ الاسلام ، كليلة القدر ، ويوم
المبعث النبوي الشريف ، وليلة الخامس عشر من شعبان ، ويومه .
وعلى
الرغم من وضوح هذا الامر ، وجلاء اتصاله بالشرع المبين ، إلاّ انَّ بعض علماء
العامة لم يرضَ لنفسه إلاّ أن يدرج بعض مفردات هذا الامر العبادي ، ضمن دائرة
(الابتداع ) وخصوصاً تلك المظاهر التي يمارسها أتباع مدرسة أهل البيت(عليهم
السلام) ، فيقول (الفوزان ) فيما يعد من النماذج المعاصرة للبدع على حدِّ زعمه :« ومن ذلكَ تخصيص
ليلة النصف من شعبان بقيام ، ويوم النصف من شعبان بصيام ، فانَّه لم يثبت عن
النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في ذلكَ شيء خاص به »(43).
ويقول
في موضع آخر تحت عنوان ( أنواع البدع ) :« ما يكون بتخصيص
وقت للعبادة المشروعة لم يخصصه الشرع ، كتخصيص يوم النصف من شعبان وليلته بصيام
وقيام ، فانَّ أصل الصيام والقيام مشروع ، ولكنَّ تخصيصه بوقت من الاوقات يحتاج
الى دليل »(44).
وقد
سبق ( الفوزان ) الى ذلك بعض علماء العامة أيضاً ، فقد نقل ( ابن وضّاح ) عن
عبدالرحمن بن زيد بن أسلم انَّه قال:
« لم اُدرك أحداً
من مشيختنا وفقهائنا يلتفتون الى ليلة النصف من شعبان .. »(45).
وذكر
أيضاً عن ابن أبي مليكة انه قيل له :« انَّ زياد
النميري يقول انَّ ليلة النصف من شعبان أجرها كأجر ليلة القدر ، فقال ابن أبي
مليكة : لو سمعته منه ، وبيدى عصا ، لضربته بها ، وكانَ زياد قاضياً »(46)
.
ولا
يخفى على القارئ الكريم انَّ طبيعة النهج الاستدلالي الذي تم بموجبه اطلاق (البدعة
) على صيام يوم النصف من شعبان و قيام ليلته ، قد بُني في الكلمات المتقدمة على
اُسس خاطئة و غير مقبولة ، فنرى انَّ ( الفوزان ) يدَّعي عدم وجود النص الخاص بشأن
صيام هذا اليوم وقيام ليلته فهو يقول :« ولم يثبت عن
النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في ذلكَ شيء خاص به » .
ويقول
: « ولكنَّ تخصيصه بوقت من الاوقات يحتاج الى دليل » .
وفي
نفس الوقت يُقر بانَّ هذا العمل مندرج تحت العموميات الشرعية الثابتة التي حثت
المسلمين على الصيام والقيام ، فيقول : « فانَّ أصل الصيام والقيام مشروع » .
ونحن
على الرغم من أننا سننقل ورود النص الخاص بهذا الشأن والمروي من قبل الفريقين ،
ومن الكتب الحديثية المعتبرة عند أبناء العامة على نحو الخصوص إلاّ اننا نعود
فنقول بأنَّه يكفي لتصحيح العمل ورود النصوص العامة بشأنه ، وبامكان هذهِ النصوص
أن تحرِّك المكلف نحو الاتيان بهذا العمل ، وتحثه عليه ، ويقع في النتيجة العمل
مقبولاً ومرضياً ، ويترتب الثواب الموعود عليه .
كما
انَّ بامكان المكلف نسبة هذا العمل الى الدين من خلال هذهِ النصوص الكلية الثابتة
كما أوضحناه سابقاً ، وأما تخصيصه بالعبادة والاتيان به بهذا العنوان الخاص ،
وانَّه مطلوب من قبل الشريعة بعنوانه المشخَّص ، فهو ما وردت بشأنه الادلة الوافية
من قبل الفريقين ، والتي سوف نتعرض لها بعد قليل إن شاء الله تعالى .
فقصر
النظر على ورود النص الخاص ـ إذن ـ ليس صحيحاً على اطلاقه ، إذ يمكن أن يوتى
بالعمل من زاوية كونه أمراً عبادياً مندرجاً تحت العموميات المتفق على ثبوتها على
حدّ قول الجميع ، وتصحيح أعمال المسلمين وعقائدهم انطلاقاً من هذا الاساس ، إن كان
هناك دوافع خيّرة في النفوس نحو جمع شتات المسلمين ، ووحدة كلمتهم ، وان انطوت
النوايا على تطلعات مخلصة لصالح رسالة ، الاسلام واعلاء كلمته في الارض .
على
اننا نمتلك علاوة على ذلك النص الشرعي الخاص الذي يقطع النزاع ، ولا يدع
للمنتحلينَ مسلكاً آخر يركبوه .
فسوف
يأتي بعد قليل أن أصل هذا الامر ( وهو صيام اليوم الخامس عشر من شعبان ، وقيام
ليلته ) مشمول بأدلة صريحة عامة مقطوعة الصدور ، كما انَّ تخصيصه كذلك مما وردت
فيه الادلة الصريحة من قبل الفريقين . وأمّا ما نقله ( ابن وضّاح ) عن محمد بن زيد
بن أسلم من انَّه لم يدرك أحداً من مشايخه يلتفت الى ليلة النصف من شعبان، فهو مما
لا نلتفت نحن اليه ، ولا نعدّ له أية قيمة في الاستدلال ، ولا نرى له اعتباراً في
مقام الطرح العلمي مطلقاً .
وقال
( أبو اسحق الشاطبي ) ، فيما يذكر من البدع :« ومنها التزام
العبادات المعيَّنة في أوقات معيَّنة ، لم يوجد لها ذلكَ التعيين في الشريعة ،
كالتزام صيام يوم النصف من شعبان ، وقيام ليلته »(47).
وقد
حاول أن يؤطّر القول بتحريم قيام ليلة النصف من شعبان ، وصوم يومه ، وعدِّه من (
البدع ) ، عن طريق عناوين جانبية اُخرى ، إلتفاقاً على أصل المطلب ، وتمويهاً
لحقيقة الامر فيه بعد أن اتضحت حقيقة ارتباطه بالدين بشكل واضح وصريح ، فيقول
(الشاطبي ) بهذا الشأن :« فنحن نعلم انَّ
ساهر ليلة النصف من شعبان لتلكَ الصلاة المحدثة لا يأتيه الصبح إلاّ وهو نائم ، أو
في غاية الكسل ، فيُخل بصلاة الصبح ، وكذلك سائر المحدثات»(48).
ومن
الواضح أنَّ الاخلال بصلاة الصبح أمر مستقل ، لا علاقة له بأصل إحياء ليلة النصف
من شعبان ، واستحباب هذ الامر .
وإذا
ما حصل في مورد من موارد الاحياء حصول بعض حالات الاخلال بالواجبات بشكل نادر وغير
مطّرد ، باعتبار انَّ الذي يندفع لممارسة هذهِ الاعمال العبادية المستحبة ، ويحيي
الليل بالتهجد ، والذكر، والعبادة ، والدعاء غالباً ما يندفع الى التمسك بالامور
الواجبة ، فانَّ حصول مثل هذهِ الموارد لا يستلزم القول بعدم استحباب الاحياء ،
ولا نظن انَّ هذا الامر يحتاج منا الى فريد من البيان ، ألا ترى انَّ الانسان قد
يتهجد بالليل ، ويسهر بالعبادة والدعاء ، فتفوته في بعض الاحيان صلاة الصبح ، أفهل
يقول أحد هنا بأنَّ صلاة الليل ( بدعة ) لانـَّها اضرَّت بالصلاة الواجبة ، وأدت
الى فواتها، أوانَّ النهي يتوجه الى خصوص هذهِ المفردة من العبادة التي فوَّتت على
الانسان ذلك الفرض الواجب . كما هو معلوم في الشرع من النهي عن النوافل إذا أدت
ممارستها الى ترك شيء من الواجبات ؟؟
وماذا
يقول ( الشاطبي ) بشأن التهجد في ليلة القدر ، وإحيائها بالعبادة والدعاء إذا حصلت
في بعض مواردها مثل هذهِ الحالات النادرة الوقوع ، بل حتى لو حصلت فيها حالات
كثيرة من هذا القبيل ، فهل يصفها بالابتداع ، ويطلق القول بذلك كما صنع هنا ؟؟
وما
هو دخل أصل تشريع صلاة الليل أو إحيائه بما لو أدّى ذلك الى فوات الفريضة ، بعد أن
قامت الادلة على النهي عن النوافل التي تخل بالواجبات ، وما دام بالامكان التفكيك
بين أصل مشروعية العبادة ، وبين اتصافها بوصف يخرجها عن طابع الندب أو الجواز ،
ولا يؤثر على أصل مشروعيتها ويمتد الى قلع جذورها من الدين ، ويدرجها ضمن قائمة (
الابتداع ) ؟؟
انَّ
مما يؤسف له انَّ هذا النمط من التمويه قد مارسه الكثير من الباحثين الذين
تعرَّضوا لتطبيقات ( البدعة ) على موارد إدّعائية تحكما ً ، وأضفوا عليها عناوين
جانبية، لا تمس أصل تشريع العمل .. ولولا أن يطول بنا المقام لاستعرضنا ما يشير
الى هذهِ الحقيقة من أقوال الكثيرين ، على انَّه تكفينا هذهِ الاشارة التي
سجّلناها على كلام (الشاطبي ) المتقدم ، و نستغني عن الخوض في هذا المطلب بما ستتم
الاشارة اليه أيضاً بين طيّات الحديث.
وعلى
أية حال فانَّ من الطريف أن نجد انَّ قيام ليلة النصف من شعبان ، وصيام نهارها
الذي رماها هؤلاء بالابتداع ، من الموارد التي تندرج تحت كلٍّ من الدليل العام
والدليل الخاص معاً ، وتتصل بالشريعة المقدسة عن هذين الطريقين معاً ، ومن خلال
ذلك نرى أنَّ المسلمين الموحدين من اتباع مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) قد واظبوا
على الاتيان بهذا الامر ، واهتموا به اهتماماً بالغاً ، لانـَّه نابع من صميم
الدين .
وسوف
نتناول كلاً من الدليل الخاص والدليل العام على قيام ليلة النصف من شعبان ، وصيام
نهارها .
فأمّا
بالنسبة الى قيام ليلة النصف من شعبان ، فهو مشمول بالادلة العامة التي حرَّضت
المسلمين على إحياء الليل بالعبادة ، واكتساب أكثر ما يمكن اكتسابه واستثماره من
ساعات الليل في هذا المجال ، كرصيد روحى وأخلاقي لتربية النفس وتهذيبها ، والفوز
بالنعيم الاخروي المقيم .
فمن
ذلك قوله تعالى : ( وَمِنَ اللَّيلِ فَتَهجَّدْ بِهِ نافِلةً لَّكَ عَسَى أَن
يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَّحْموداً )(49).
وقوله
تعالى : ( إِنَّ المُتَّقِينَ في جَنّات وَعُيُون * آخِذِينَ ما ءَاتاهُمْ رَبُّهُم
إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذلِكَ مُحسِنينَ * كَانُوا قَليلاً مِّنَ اللَّيلِ ما
يَهجَعُونَ * وَبالاَسْحارِ هُم يَسْتَغفِرُونَ )(50).
وقوله
تعالى : ( تَتَجافى جُنُوبُهُم عَنِ المَضاجِعِ يَدعُونَ رَبَّهُم خَوْفاً
وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْناهُم يُنْفِقونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ماأُخْفِيَ
لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُن جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلونَ )(51).
وعن
رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) انه قال :« يُحشر الناس على
صعيد واحد يوم القيامة ، فينادي مناد فيقول : أينَ الذين كانوا تتجافى جنوبهم عن
المضاجع ؟ فيقومون وهم قليل، فيدخلونَ الجنةَ بغير حساب ، ثمَّ يؤمر بسائر الناس
الى الحساب »(52).
وعنه(صلى
الله عليه وآله وسلم) :« عليكم بقيام
الليل ، فانَّه دأبُ الصالحين قبلكم ، ومقربة لكم الى ربِّكم ، ومكفرة للسيئات ،
ومنهاة عن الاثم ، ومطردة للداء عن الجسد »(53).
وعن
علي(عليه السلام) أنَّه قال :« قيام الليل مصحة
للبدن ، ورضاء الرب ، وتمسك باخلاق النبيين ، وتعرّض للرحمة »(54).
وقد
ورد علاوة على هذهِ الادلة العامةالدليل الخاص على الندب لاحياء هذهِ الليلة
المباركة على نحو الخصوص بالدعاء ، والعبادة ، والاستغفار أيضاً ، وذلكَ من خلال
طائفة معتد بها من الاحاديث الواردة في المصادر المعتبرة لدى أبناء العامة ، وهذا
فضلاً ـبطبيعة الحال ـ عن مصادرنا وطرقنا الخاصة .
فمن
ذلك ما ورد عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) انَّه قال :« إذا كانت ليلة
النصف من شعبان ، فقوموا ليلها ، وصوموا نهارها ، فانَّ اللهَ ينزل(55)فيها لغروب الشمس الى سماء الدنيا فيقول : ألا من مستغفر فأغفر له ، ألا مسترزق
فأرزقه ، ألا مبتلى فاُعافيه ، ألا كذا ، ألا كذا .. حتى يطلع الفجر »(56).
وروي
عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) انَّه قال :« إنَّ اللهَ
ليطلع في ليلة النصف من شعبان ، فيغفر لجميع خلقه إلاّ لمشرك ، أو مشاحن »(57).
وروي
عن عائشة انَّها قالت :« فقدتُ النبي(صلى
الله عليه وآله وسلم) ذات ليلة ، فخرجتُ أطلبه فاذا هو بالبقيع ، رافع رأسه الى
السماء ، فقال : يا عائشة أكنتِ تخافينَ أن يحيف الله عليكِ ورسوله ، قلتُ : ظننتُ
أنكَ أتيت بعض نسائك ، فقال : إنَّ الله تعالى ينزل ليلة النصف من شعبان الى سماء
الدنيا فيغفر لاكثر من عدد شعر غنم كلْب »(58).
وفي
كنز العمّال عن علي(عليه السلام) انَّه قال :« رأيتُ رسول
الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ليلة النصف من شعبان قامَ فصلّى أربع عشر ركعة ،
ثم جلس بعد الفراغ فقرأ بأُم القرآن أربع عشر مرّة، و ( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ )(59)
أربع عشره مرّة : و ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ )(60) أربع عشر
مرّة ، و ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ )(61)أربعَ
عشرة مرّة ، وآية الكرسي مرّة ، و (لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِّن أَنفُسِكُمْ ..
الاية )(62)فلمّا
فرغ من صلاته ، سألته عمّا رأيت من صنيعه ، قال : مَن صنَع مثل الذي رأيت كان له
كعشرين حجةً مبرورة ، وصيام عشرين سنة مقبولة ، فان أصبح في ذلكَ اليوم صائماً ،
كان له كصيام سنتين : سنة ماضية ، وسنة مستقبلة»(63).
وقال
الدكتور الزحيلي في كتابه ( الفقه الاسلامي وأدلته ) :« ويُندب إحياء
ليالي العيدين ( الفطر ) و ( الاضحى ) ، وليالي العشر الاخير من رمضان لاحياء ليلة
القدر ، وليالي عشر ذي الحجة ، وليلة النصف من شعبان ، ويكون بكلِّ عبادة تعمُّ
الليل أو أكثره ، للاحاديث الصحيحة الثابتة في ذلك »(64).
هذا
بالنسبة الى قيام ليلة النصف من شعبان ، وأمّا صيام يوم النصف من هذا الشهر ، فهو
مشمول بالنحوين من الادلة أيضاً ، إذ هو مندرج تحت أدلة الندب العامة ، كقوله
تعالى :( فَمَن تَطوَّعَ
خَيراً فَهُوَ خَيرٌ لَّهُ )(65).
وقوله
تعالى : ( وما تُقدِّمُوا لاَِنْفُسِكُمْ مِّن خَير تَجدُوهُ عِندَ اللهِ هُوَ
خَيْراً وأَعْظَمَ أَجْراً )(66).
وورد
عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) انه قال :« لو أنَّ رجلاً
صامَ يوماً تطوعاً ، ثم اُعطي ملء الارض ذهباً ، لم يستوفِ ثوابه دونَ يوم الحساب
»(67)
.
وعنه(صلى
الله عليه وآله وسلم) :« مَنْ صامَ يوماً
في سبيل الله ، جعل الله بينه وبين النار خندقاً ، كما بين السماء والارض »(68)
.
وعنه(صلى
الله عليه وآله وسلم) :« مَن صامَ يوماً
تطوّعاً ابتغاء ثواب الله ، وجبت له المغفرة »(69) .
وعنه(صلى
الله عليه وآله وسلم) :« مَن صامَ يوماً
في سبيل الله في غير رمضان بَعُد من النار مائة عام ، تسير المضمر الجواد »(70)
.
وعنه(صلى
الله عليه وآله وسلم) :« مَن صامَ يوماً
في سبيل الله ، باعَدَ الله وجهه عن النار سبعين خريفاً »(71)
.
وأما
الدليل الخاص الوارد في الندب لصيام اليوم الخامس عشر من شهر شعبان فقد اتخذ ثلاثة
أنحاء : النحو
الاول : الحث على صيام أيام شهر شعبان على الخصوص ، فمن ذلكَ ما روي عن عائشة انها
قالت :« ما رأيت رسول
الله استكمل صيام شهر إلاّ رمضان ، ومارأيته اكثر صياماً منه في شعبان ، كان يصومه
الاّ قليلاً ، بل كان يصومه كلَّه »(72).
وروي
عن اُم سلمة انّها قالت :« ما رأيتُ النبي
يصوم شهرين متتابعين إلاّ شعبان ورمضان »(73) .
وعن
الامام الباقر(عليه السلام) انَّه قال :« إنَّ صوم شعبان
صوم النبيين ، وصوم أتباع النبيين ، فمن صامَ شعبان فقد أدركته دعوة رسول الله ،
لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) : رحم الله مَن أعانني على شهري »(74)
.
و
عن الحلبي قال : « سألت أبا عبدالله(عليه السلام) : هل صامَ أحد من آبائكَ شعبان
قط ؟ قال(عليه السلام) : صامه خير آبائي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) »(75)
.
النحو
الثاني : الحث على صيام الايام البيض من كلِّ شهر ، وهي عبارة عن اليوم الثالث عشر
والرابع عشر والخامس عشر ، ومن الواضح انَّها تنطبق على اليوم الخامس عشر من شهر
شعبان ، باعتباره واحداً منها :فقد
ورد عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) انَّه قال :« صيام ثلاثة أيام
من كلِّ شهر ، صيام الدهر أيام البيض ، صبيحة ثلاث عشرة ، وأربع عشرة ، وخمس عشرة
»(76)
.
وعنه(صلى
الله عليه وآله وسلم) :« إن كنتَ صائماً
فعليكَ بالغُرِّ البيض ثلاث عشرة ، وأربع عشرة ، وخمس عشرة»(77)
.
وعنه(صلى
الله عليه وآله وسلم) :« صوموا أيام
البيض ثلاث عشرة ، وأربع عشرة ، وخمس عشرة ، هنَّ كنز الدهر»(78)
.
وعنه(صلى
الله عليه وآله وسلم) :« مَن كان منكم
صائماً من الشهر ، فليصم الثلاثَ البيض »(79) .
وعن
ابن عمر قال :« انَّ رجلاً سأل
النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) عن الصيام ، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم) : عليكَ
بالبيض : ثلاثة أيام من كلِّ شهر »(80).
وروى
عن أمير المؤمنين علي(عليه السلام) انَّه كان ينعت صيام رسول الله(صلى الله عليه
وآله وسلم) بالقول:
« صامَ رسول الله
الدهر كلَّه ما شاءَ الله ، ثم تركَ ذلك وصامَ صيام داود يوماً لله ويوماً له ما
شاءَ الله ، ثم تركَ ذلك فصام الاثنين والخميس ما شاء الله ، ثم ترك ذلك وصامَ
البيض ثلاثة أيام من كلِّ شهر ، فلم يزل ذلك صيامه ، حتى قبضه اللهُ اليه »(81).
وعنه(عليه
السلام) قال :« سُئل رسول
الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عن صوم أيام البيض ، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم)
: صيام مقبول غير مردود »(82).
النحو
الثالث : الحث على صيام يوم الخامس عشر من شعبان بخصوصه ، وتعيينه باسمه ، كما ورد
في الحديث المروي في ( سنن ابن ماجة ) من انَّ رسول الله(صلى الله عليه وآله
وسلم)قال :sp;« إذا كانت ليلة
النصف من شعبان فقوموا ليلها ، وصوموا نهارها..»(83).
وقال
أيضاً :« فان أصبحَ في
ذلكَ اليوم صائماً ، كان له كصيام سنتين : سنه ماضية ، وسنة مستقبلة »(84).
وقد
مرَّ ذكر الحديثين .
فكيف
يمكن لمتشرع بعد أن يطّلع على هذهِ النصوص الصريحة والواضحة من أن يحكم بالابتداع
على قيام ليلة النصف من شعبان و صيام نهارها ؟
وهل
يمكن لنا أن نفسِّر هذهِ المخالفة للنصوص الشرعية المتظافرة إلا على أساس التعصب ،
وحبِّ اثارة الفتن ، والتفرقة بين المسلمين ؟
وأي
ضير في أن تلتقي ذكرى ولادة مهدي أهل البيت(عليهم السلام) مَعَ هذا اليوم ،
فتتعانق الذكريات الاسلامية ، وتتوافق في الاهداف والمعطيات ؟!
إننا
على يقين من انَّ هذا اليوم لو لم يقترن بهذهِ الذكرى المقدسة في حياة أتباع مدرسة
أهل البيت(عليهم السلام) ، لما قال ( الفوزان ) ومَن سبقه ما قالوا ، ولما نعتوا
هذا العمل بالابتداع ، ولكنَّهم عمدوا الى تشويه معالم الشريعة الاسلامية المقدسة
، وقلب حقائقها من أجل النيل من مبادئ مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) المعطاء :
( وَيأبى اللهُ
إِلاّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الكافِرونَ )(85)
. |