الفصل الرابع
مفهوم ( البدعة ) بين الاطّراد والانعكاس
( البدعة ) بكلمة
واحدة هي : ( ادخال ما ليس من الدين فيه ) ، فيكون المفهوم متقوماً بأمرين :
أولاً
: الاختصاص بالامور الشرعية .
ثانياً
: عدم وجود دليل شرعي على الامر الحادث من الدين .
1 ـ الاختصاص بالامور الشرعية
يختص
مفهوم ( البدعة ) بالامور الشرعية التوقيفية ، ولا يتعدى ذلك الى حيث العادات
المتغيرة ، والمباحات السائدة ، والاعراف المختلفة لدى الناس ، فمثلاً كان الانسان
يستعمل الدواة في الكتابة ، وهو الان يستعمل آلات الطبع الالكترونية ، وكان يركب
الدواب في الاسفار ، والان يركب السيارة والطائرة ، وكان يستعمل الزيت في الاضاءة
والتدفئة ، والان يستعمل الغاز والكهرباء والطاقة الشمسيّة .. وهكذا .
وقد
اختلفت بناءاً على هذا التطور الحاصل في جميع مرافق الحياة طريقة الانسان في
التعامل مَعَ كثير من الامور الشرعية .. كتدوين الحديث ، وتصنيفه ، وتبويبه ،
والاستماع الى القرآن ، وتشييد الاماكن المقدسة ، وإقامة التجمعات الدينية ،
وإنشاء المدارس والمؤسسات الاسلامية ، وإحداث المنتديات العامة ، وترويج الاسلام
عن طريق الاذاعة ، والتلفزيون ، والمطبوعات ، بالاساليب المختلفة ، ووضع أساليب
جديدة للتربية والتعليم .. وغير ذلك من الامور التي تختلف باختلاف عادات الناس ،
وطبعائهم، وأعرافهم الخاصة .
فكل
هذهِ الامور لا علاقة لها بالابتداع ، وإن كانت اُموراً حادثةً ، وغير موجودة
سابقاً في عصر التشريع الاول ، لانها موكولة الى طبيعة انتخاب الانسان لاساليب
حياته المتنوعة ، وراجعة الى طريقته في التعامل مَعَ الاشياء التي تزخر بها حياته
، ومرتبطة بقدرته على تسخير الطاقة الكامنة في هذا الوجود ، واكتشاف الاسرار
المودعة في هذا الكون لصالح تقدمه ورقيِّه وتطوره .. بما لا يصطدم ـ طبعاً ـ مَعَ
تعاليم الشرع المقدَّس ، ويوجب الاخلال بالنظام الاجتماعي العام .
وقد
حاول بعض المتحجرين مما يتسمّى باسم العلماء توسعة معنى ( البدعة ) ، وجعله شاملاً
لكل أمر حادث لم يكن في زمن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولو كانت تُشم
منه رائحة الارتباط بالدين ، تحت غطاء الحرص على الشريعة الاسلامية ، وبذل غاية
الوسع في الذبِّ عنها .
وقد
تفشَّت هذهِ الظاهرة عند ( الوهابيين ) بشكل ملفت للنظر ، وخارق للحدود المشروعة ،
وأخذوا يطلقون كلمة ( البدعة ) على الصغيرة والكبيرة في حياة الناس ، بحجة عدم
وجودها في زمن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ، أو عدم فعل السلف لها !، أو عدم
ورود النص الخاص بها من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) .
فقد
تصوّر الكثير من هؤلاء ان كل أمر شرعى لا بدَّ أن يروَ بشأنه النص الخاص المشير
اليه بشكل صريح ، وانَّ كل ما لم يردَ بشأنه دليل شرعي خاص ، فانَّه مندرج في
قائمة الابتداع ، ومتصف بهذا العنوان ، وكأنَّ الشريعة الاسلامية شريعة عقيمة ، لا
تمتلك الضوابط العامة ، والقوانين الكلية ، بتعدد لتتعدد الموارد ، والموضوعات
المستجدة والمتنوعة .
وكان
على رأس هذه المدرسة ( ابن تيمية ) الذي غرس بذور الفرقة والشقاق في عقائد
المسلمين باتهاماته هذه ، وأخذ يرمي المسلمين الموحدّين بألوان شتى من التهم
والافتراءات التي ما أنزل الله بها من سلطان ، متذرعاً بمفهوم الابتداع ، ومتوسلاً
بالمغالطات والاباطيل ، ومموهاً بادخال الامور الاعتيادية العامة بالامور العبادية
.
بينما
نرى انَّ ( ابن تيمية ) بنفسه يقرّ بان العادات موكولة الى أعراف الناس وطبائعهم ،
وان الاصل فيها هو الحلية وعدم الحظر حيث يقول :« فالاصل في
العبادات لا يشرع منها الاّ ما شرعه الله ، والاصل في العادات لا يحظر منها الاّ
ما حظره الله »(1)
.
وقد
ورث ( الوهابيون ) طريقتهم في رمي الطوائف الاسلامية بالشرك والابتداع ، من
اُستاذهم في الضلال ( ابن تيمية ) ، وجعلوا أقواله وآراءه أساساً لكل مفردات
بنائهم الفكري المضلل ، ومحوراً لتقولاتهم ونظرياتهم الموجّهة ضد الاسلام من
الاساس .
جاءَ
في دائرة المعارف الاسلامية :« وتطوَّر مدلول
كلمة ( البدعة ) ، وانقسم الناس حياله الى فريقين : الاول : محافظ، والاخر : مجدد
، وكانَ أتباع الفريق المحافظ أول الامر الحنابلة بنوع خاص ، ويمثلهم الان
الوهابيون ، وهذا الفريق آخذ في الزوال ، ويذهب هذا الفريق الى أنَّه يجب على
المؤمن أن يأخذ بالاتباع ( اتباع السنة) ، وأن يرفض الابتداع ، والفريق الاخر
يسلِّم بتغيُّر البيئة والاحوال »(2) .
فهناك
إذن توجّه اعتقادي متطرّف يعطي لمفهوم ( البدعة ) معنىً مغلوطاً وواسعاً ، ويطبقها
على كل أمر حادث في حياة المسلمين ، ويوسِّع دلالتها الى مختلف شؤون الحياة بدعاوى
الحرص والتقيّد والاتباع ، بما في ذلكَ الامور التي ترتبط بعادات الناس وأعرافهم
المتغيِّرة ، أو التي ليست لها علاقة مَعَ اُصول التشريع ومبانيه .
ولا
شكَ في انَّ هذا النمط من التفكير لا يعني إلاّ الانغلاق الكامل عن الحياة ،
والانزواء المطبق الذي يعزل الشريعة عن التفاعل مَعَ المجتمع بشكل كامل ، ويؤدي في
نتيجته بالشريعة الاسلامية الى التلاشي والانقراض ، مَعَ أول وأبسط نقلة حياتية
تطورية تحدث في حياة الانسان .
ولكي
تقف ـ أيها القارئ الكريم ـ على حقيقة هذا الانحراف الفكري ، ندعوكَ لان تطالع
هذهِ النماذج التي تجسّد هذا الخط المتطرف في شريعة السماء السمحاء :
1 ـ جاءَ في (
الاعتصام ) انَّ أبا نعيم الحافظ روى عن محمد بن أسلم : « انَّه وُلدَ له ولد ،
قال ـ محمد بن القاسم الطوسي ـ فقال : اشترِ لي كبشين عظيمين ، ودَفَع اليَّ دراهم
، فاشتريتُ له ، وأعطاني عشرة اُخرى ، وقال لي : اشترِ بها دقيقاً ولا تنخله
واخبزه!
قال
: فنخلتُ الدقيقَ وخبزتُه ، ثم جئت به ، فقال : نخلتَ هذا ؟ وأعطاني عشرة اُخرى ،
وقال : اشترِ به دقيقاً و لا تنخله ، واخبزه! ، فخبزته وحملته اليه ، فقال لي : يا
أبا عبدالله ! العقيقة سنة ، ونخل الدقيق بدعة ، ولا ينبغي أن يكون في السنة بدعة
، ولم اُحب أن يكون ذلك الخبز في بيتي بعد ان كان بدعة »(3)
!!
2 ـ روي أن رجلاً
قال لابي بكر بن عياش : « كيفَ أصبحتَ ؟ فما أجابه ، وقال : دعونا من هذهِ البدعة
»(4)
!!
3 ـ وروي عن أبي
مصعب صاحب مالك انه قال : « قدم علينا ابن مهدي ـ يعني المدينة ـ فصلى ووضَعَ
رداءَه بينَ يدي الصف ، فلّما سلَّم الامام رمقه الناس بأبصارهم ، ورمقوا مالكاً ،
وكانَ قد صلّى خلفَ الامام ، فلّما سلَّم قال : مَن ههنا من الحرس ؟ فجاءه نفسان ،
فقال : خذا صاحبَ هذا الثوب فاحبساه ! فحُبس ، فقيل له : انه ابن مهدي ، فوجَّه
اليه وقال له : أما خفتَ الله واتقيته أن وضعتَ ثوبكَ بينَ يديكَ في الصف ، وشغلتَ
المصلين بالنظر اليه ، وأحدثت في مسجدنا شيئاً ما كنّا نعرفه ، وقد قال النبي(صلى
الله عليه وآله وسلم) :( مَن أحدثَ في
مسجدنا حدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ) ؟ فبكى ابن مهدي ، وآلى
على نفسه أن لا يفعل ذلك أبداً في مسجد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ولا في
غيره »(5)!!
4 ـ وقد نقل ( ابن
الحاج ) في كتاب ( المدخل ) ألواناً شتى من هذهِ الاباطيل ، وحشد كتابه بما يجسد
هذا التفكير المنحرف ، وأطلقَ ( البدعة ) على شتى ما تفرضه قوانين الحياة من مظاهر
وأحكام وضرورات ، وسوف ننقل لكَ ـ أيها القارئ الكريم ـ نماذج مقتطعة من كلمات (
ابن الحاج ) هذه ، لترى بنفسك الى أين وَصَل هؤلاء المتحجرون بشريعتنا الاسلامية
السمحاء ، وكيف ضيّقوا على المسلمين ، وافتروا على دين الله ما لم ينزل به سلطاناً
:* يقول ( ابن
الحاج ) فيما يتخيله من البدع المحدثة في المساجد : « ومن هذا الباب الكرسي الكبير
الذي يعملونه في الجامع ، ويؤبدونه ، وعليه المصحف الكبير ، لكي يُقرأ على الناس
.. وأول مَن أحدثَ هذهِ البدعة في المسجد الحجاج ، أعني القراءة في المصحف، ولم
يكن ذلكَ من عمل مَن مضى »(6)
!!
* ويقول أيضاً حول
نفس الموضوع : « و من هذا الباب أيضاً ما أحدثوه في المسجد من الصناديق المؤبدة ،
التي يجعل فيها بعض الناس أقدامهم وغيرها من أثاثهم ، وذلك غصب لموضع مصلّى
المسلمين »(7)!!
* ويقول أيضاً : «
ومن هذا الباب الدكّة التي يصعد عليها المؤذنون للاذان يوم الجمعة ، ولا ضرورة
تدعو للاذان عليها ، بل هي أشد من الصناديق ، إذ يمكن نقل الصناديق ، ولا يمكن
نقلها »(8)!!
* ويقول ايضاً : «
وأما بلاد المغرب فقد سلموا من تقطيع الصفوف ، لكن بقيت عندهم بدعتان : أحدهما كبر
المنبر على ما هو هنا ، و الثانية : أنَّهم يدخلون المنبر في بيت إذا فرغ الخطيب
من الخطبة ... ومنبر السُّنة غير هذا كلِّه ، كان ثلاث درجات لا غير»(9)!!
* ويُعدُّ وجود (
المراوح ) في المساجد من البدع أيضاً حيث يقول : « وَقَد مَنَع علماؤُنا رحمة الله
عليهم المراوح ، إذ إنَّ اتخاذها في المساجد بدعة »(10)!!
* كما ويعتبر
المصافحة بعد الصلاة من البدع ، ويخص المصافحة المشروعة في حالة لقاء المسلم بأخيه
المسلم فقط ! فيقول في ذلك : « وينبغي له ـ يقصد لامام صلاة الجماعة ـ أن يمنع ما
أحدثوه من المصافحة بعد صلاة الصبح ، وبَعدَ صلاة العصر ، وبعد صلاة الجمعة ، بل
زاد بعضهم في هذا الوقت فعل ذلك بعد الصلوات الخمس ، وذلك كلُّه من البدع .
وموضع
المصافحة في الشرع انّما هو عند لقاء المسلم لاخيه ، لا في إدبار الصلوات الخمس .
وذلكَ كلُّه من البدع ، فحيث وضعها الشرع نضعُها ، فينهي ـ أي الامام ـ عن ذلكَ ،
ويزجر فاعله لما أتى من خلاف السُّنة »(11)!!
* ويعد ( ابن
الحاج ) سكب ماء الورد على قبر الميت من البدع فيقول : « ثمَّ العجب من كونهم
يأتون بماء الورد ، فيسكبون ذلكَ عليه في القبر ، وهذهِ أيضاً بدعة اُخرى ، لانَّ
الطيب إنَّما شرّع في حق الميت بعد الغُسل لا في القبر ، فكيف يجتمع طيب ونجاسة »
؟!!
* ويعتبر ( ابن
الحاج ) أيضاً فرش البسط والسجادات قبل مجيء أصحابها من البدع المحدثة ، فيقول :
وينبغي له ـ أي لامام المسجد ـ أن ينهى الناس عمّا أحدثوه من إرسال البسط
والسجّادات وغيرها قبل أن يأتي أصحابها . وقد تقدمَ ما في ذلكَ من القبح، ومخالفة
السلف الماضين رضي الله عنهم أجمعين »(12) !!
* وحول دخول
السقائين الى المساجد يقول : « وينبغي له ـ أي لامام المسجد ـ أن يمنع السقّائين
الذين يدخلونَ المسجد وينادونَ فيه على مَن يسبِّل لهم ، فاذا سبَّل لهم ينادون :
غفر الله لمن سبَّل ، ورحم الله مَن جعل الماء للسبيل ، و ما أشبه ذلك من ألفاظهم،
ويضربون مَعَ ذلك بشيء في أيديهم له صوت يشبه صوت الناقوس ، وهذا كلُّه من البدع ،
وممّا ينزَّه المسجد عن مثله »(13)!!
* ولا تسلم الثياب
التي يرتديها الانسان في قيمتها ومقدارها من معزوفة ( ابن الحاج ) في البدع حيث
يقول : « ولا يظن ظان أنِّ ما ذُكر من لبس الحسن من الثياب هو ما اعتاده بعض الناس
في هذا الزمان ، بل ذلكَ على ما دَرَجَ عليه السلف ، وكانوا رضوان الله عليهم على
ما نقله الامام أبو طالب المكّي رحمه الله في كتابه : أثمان أثوابهم القمص كانت من
الخمسة الى العشرةِ فما بينهما من الاثمان ، وكان جمهور العلماء وخيار التابعين ،
قيمة ثيابهم ما بينَ العشرين والثلاثين ، وكان بعض العلماء يكره أن يكون على الرجل
من الثياب ما يجاوز قيمته أربعينَ درهماً ، وبعضهم الى المائة ، ويعدُّه سرفاً
فيما جاوزها ، انتهى .
فعلى
هذا فما زادَ على ذلكَ فهو من البدع الحادثة بعدهم »(14) !!
* ولم يكتفِ ( ابن
الحاج ) بالقول بأنَّ فرش البسط قبل مجيئ أصحابها بدعة كما تقدم ، وانما أعرب عن
قناعته بما هو أكثر من ذلك بالقول : « وأمّا فرش البسط في المسجد فهو بدعة »(15)
!!
* ويحذّر ( ابن
الحاج ) من فرش السجّادة على المنبر ، لانَّه ليس موضعاً للصلاة ! كما يحذِّر من
فرش درج المنبر يوم الجمعة ، لانَّ ذلك لم يكن فيما مضى ، فهو إذن من البدع
المحدثة ! فيقول في ذلك : « وليحذر أن يفرش السجّادة على المنبر لانَّ ذلكَ بدعة ،
إذ انَّه لم يأتِ عن النبي&
، ولا عن أحد من الخلفاء بعده ، ولا عن أحد من الصحابة ، ولا السلف رضي الله عنهم
أجمعين ، فلم يبقَ إلاّ أن يكون ذلك بدعة ، ولا ضرورة تدعو إليها، لانَّه ليسَ
بموضعِ صلاة .
وكذلكَ
ينبغي أن يُمنع ما يُفرش على درج المنبر يوم الجمعة ، فانه من باب الترفه ، ولم
يكن من فعل مَن مضى ، فهو بدعة أيضاً »(16) !!
* ويعتبر أيضاً
اتخاذ إمام الجمعة السجادةَ للصلاة عند محرابه بدعة ، فيقول : «فاذا فرغ ـ أي امام
الجمعة من خطبته ودعائه ـ منه ، فليُقم المؤذن الصلاة ، فاذا دخل المحراب ، فينبغي
له أن يصلّي على ما هناك من الحصير ، ويترك السجادة ، إذ انِّ اتخاذها للصلاة بدعة
»(17)
!!
* كما يجعل بعض
العلماء على ما ينقله ( ابن الحاج ) عنهم قعودَ إمام الجمعة في مصلاه ، بعد فراغه
من الصلاة ، على هيئته التي كان عليها في أثناء الصلاة ، من البدع المحدثة ، فيقول
: « قال علماؤنا رحمة الله عليهم : و بعض الائمة ـ أي أئمة الجمعة ـ يقعد في
مصلاّه على هيئته التي كانَ عليها في صلاته ، وذلكَ بدعة ، لانَّه عليه الصلاة
والسلام لم يفعله ، ولا أحد من الخلفاء ، ولا من الصحابة بعده ، رضي الله عنهم
أجمعين »(18).
الى
غير ذلكَ من السفاسف والاباطيل التي يدرجها في هذا الباب(19)
.
ويكفي
لكل مَن كان يمتلك أدنى اطلاع عن تعاليم الشريعة الاسلامية ، ومصادرها الاساسية ،
وما تتمتع به من حيوية ، ومرونة ، وشمولية لجميع مرافق الحياة أن يتبين الاساس
الخاطئ الذي بُني عليه هذا اللون من التفكير الذي يحمله ( ابن الحاج)، وامثاله ممن
ملا الدنيا تشنيعاً على أتباع مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) ، ونيلاً من
معتقداتهم الحقّة التي تتنزه عن مثل هذهِ الاقاويل الجوفاء ، وتنزه شريعة الاسلام
عن مثل هذا التحجر ، والجمود ، والانزواء ، ونحن نعتقد اعتقاداً جازماً انَّ مثل
هذا السلوك لم يكن من باب الحرص على الشريعة الاسلامية ، ومبادئها ، وتعاليمها ،
بقدر ما هو ذريعة لاتهام الاخرين ، والصاق الافتراءات بهم ، تحت هذا الغطاء والعنوان
المفتعل ، تلبيةً لنزوات الحقد الدفين ، وإيغالاً في شق صفوف المسلمين ، ووحدة
كلمتهم .
فلِمَ
التشبث بما فعله السلف ، وترك السير على هدي عدلاء القرآن الكريم ، وامناء وحي
الله في أرضه ؟ ولِمَ التخلف عن ركوب سفينة النجاة ، والانحراف عن صراط ائمة الهدى
، الذين أمر الله تعالى بالاقتداء بهم ، والاخذ منهم ، والرجوع اليهم ، واستقاء
مفردات التشريع نقيةً صافيةً من معينهم الثر الذي لا ينضب ، ما دام قريناً للقرآن
الخالد؟
فهل
يُعقل أن يجمد الاسلام في وجه متغيرات الحياة ومستجداتها الى هذا المستوى من
الركود ؟ وهل من الممكن أن يبقى التشريع ساكناً في خضم حركة الحياة الصاعدة ،
ويعود بالانسان في كل خصوصيات الحياة الى حيث ما كان ، فيحجبه بذلكَ عن ترشيد وعيه
، وإطلاق العنان لفكره الخلاّق ، وإبداعاته المختزنة ؟!
وهل
يعنى الاسلام إلاّ الانفتاح على كل ما من شأنه أن يرقى بحياة الانسان نحو التقدم
المشروع ، ويجرّ الخير والسعادة الى البشرية جمعاء ؟
إنَّ
هذا الفهم الساذج والمغلوط لـ ( البدعة ) نجد جذوره ممتدةً في عمق التاريخ
الاسلامي الى حيث الصدر الاول للتشريع ، فقد كانَ بسطاء الناس يقصرونَ النظر الى
الامور من زاوية كونها اُموراً محدثة لم تكن موجودة على عهد رسول الله(صلى الله
عليه وآله وسلم) ، بطريقة ذات اُفق ضيق ومحدود ، وفهم ساذج ومغلوط .
فيروى
مثلاً : « انَّ سعداً بن مالك سمع رجلاً يقول : ( لبيكَ ذا المعارج ) ، فقال : ما
كنّا نقول هذا على عهد رسول الله »(20) .
إنَّ
هذهِ الحادثة وإن كانت مبنية على عدم التفريق بين ما ورد فيه دليل عام ، وبين ما
ورد فيه دليل خاص .. إلاّ انَّها تعكس مدى ما كان يحمله بعض المسلمين من فهم ساذج
لمفهوم الابتداع .
ونظير
ذلك ما ذكره ( ابن الحاج ) في ( المدخل ) حيث يقول : « و قد كانَ عبدالله بن عمر
رضي الله عنهما مارّاً في طريق بالبصرة ، فسمع المؤذن ، فدخل الى المسجد يصلّي فيه
الفرض فركع ، فبينما هو في أثناء الركوع ، وإذا بالمؤذن قد وقف على باب المسجد
وقال: حضرت الصلاة رحمكم الله .
ففرغ
من ركوعه ، وأخذ نعليه ، وخرج ، وقال : والله لا اُصلّي في مسجد فيه بدعة»(21).
لقد
نشأ هذا الفهم الخاطئ لمعنى ( البدعة ) من الاعتقاد بأنَّ كلَّ أمر حادث لم يكن
موجوداً في عصر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولم يرد بشأنه دليل معيّن
يخصه بالذكر ، فانَّه داخل في حيِّز الابتداع .
ومن
هنا يأتي ما طالعناه آنفاً من العبارات المتقدمة التي يُعدُّ البعضُ فيها نخلَ
الدقيق من البدع المحدثة في الدين ، ويعدُّ البعض الاخر وضعَ المرء رداءه بين يدي
الصف في الصلاة من البدع أيضاً ، كما يرى آخر انَّ التحية بعبارة ( كيف أصبحت ) من
مصاديق الابتداع ، ويعدّون أيضاً إدخالَ المراوح الى المساجد ، والمصافحةَ بعد
الصلاة ، وسكبَماء الورد على القبر ، وفرشَ البسط في المساجد أو على المنابر ،
ولبسَ ما زادت قيمته على المائة درهم من الثياب ... يعدّون كل ذلك بدعاً محرَّمة ،
يجب محاربتها ، والقضاء عليها . وما كان حجتهم في ذلك إلاّ أنّ هذهِ الامور
وأمثالها لم تكن موجودة في عصر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وانَّها
تفتقد الى النص الخاص الوارد بشأن إباحتها ، أو مطلوبيتها، أو انَّه لم يُعهد من
السلف المتقدِّم مزاولتها ، والاتيان بها .
ولنا
مَعَ هذا اللون من التفكير الخاطئ وقفة اُخرى أكثر تفصيلاً في مواضع مناسبة من
هذهِ الدراسة باذن الله تعالى ، نتبيَّن من خلالها أنِّ الامر الذي لم يرد بشأنه
الدليل الخاص لا يكون بدعة ، إلاّ إذا لم يجد له عنواناً شرعياً عاماً ينضوي تحته
، وينتسب الى الدين من خلال كونه واحداً من موارده ومصاديقه ، وأما إذا مّا وُجد
دليل عام يشمل الامر الحادث ، فان دخوله تحت عنوان هذا الدليل يخرجه عن حدّ
الابتداع وحقيقته ، حتى لو لم يكن ذلك الامر الحادث موجوداً في عصر الرسول
الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولم يرد بشأنه دليل معين يذكره بالخصوص .
وأمّا
قضية الاحتكام الى فعل السلف ، فهو ما سنتعرض له بالمقدار الذي يتعلق بموضوعنا هذا
بايجاز .
فعل السَلَف :
إنَّ
الملاحظ على الكثير من الدراسات التي دونها علماء العامة حول موضوع (البدعة ) ،
وحول الكثير من الموارد التي ألصقوا بها عنوان الابتداع ، قد بُنيت على أساس حجية
فعل السلف ، ومساوقته لشرط الارتباط بالدين ، فما فعله السلف والتزموا به كان تركه
( بدعة ) ، وما تركوه كان فعله ( بدعة ) حسب رأيهم .
وقبل
أن نقوم بمناقشة هذا الرأي في خصوص ما نحن فيه ، نحاول أن نستعرض بعض النماذج من
أقوال علماء العامة التي بنت القول بالابتداع في القضايا المتعددة على فعل السلف ،
وجعلت هذا الامر في عداد المصادر الاساسية للتشريع ، لكي يطلّع القارئ الكريم
بنفسه على هذا النمط من الاستدلال ، ويقف معنا بعد ذلك على حقيقة الامر فيه .
* يقول ( ابن
تيمية ) حول المولد النبوي الشريف : « .. فانَّ هذا لم يفعله السلف مَعَ قيام
المقتضي له ، وعدم المانع منه ، ولو كانَ هذا خيراً محضاً أو راجحاً ، لكان السلف
رضي الله عنهم أحق به منّا ، فانَّهم كانوا أشد محبةً لرسول الله(صلى الله عليه
وآله وسلم) ، وتعظيماً له منّا ، وهم على الخير أحرص »(22).
فعمدة
الدليل عند ( ابن تيمية ) لرمي الاحتفال في يوم المولد النبوي بالابتداع ، هو عدم
فعل السلف له ، وفي حقيقة الحال انَّ هذهِ الذريعة هي آخر ما يمكن أن يتشبث به
(ابن تيمية ) لادخال هذا الامر في دائرة الابتداع ، إذ لا يسعه إنكار ما ورد بشأن
الحث على توقير رسول الله ، ونصرته ، وتبجيله ، من نصوص غفيرة ، كما لا يتسنى له
القول بانَّ مظاهر الاحتفال بالمولد النبوي الشريف لا تعبر عن تلك الادلة العامة ،
ولا تكون مصاديق وموارد تطبيقية لها .. فاذن لا يوجد محيص عن اعتبار فعل السلف
حجّة ، والتمسك به ، لادخال الاحتفال بالمولد في دائرة الابتداع !
ومما
يدلل على اعتراف ( ابن تيمية ) باندراج عمل المولد تحت عموميات التشريع التي تحث
المسلمين على محبته ، وتوقيرة ، وتبجيله(صلى الله عليه وآله وسلم) قوله : « وكذلك
ما يحدثه بعض الناس إمّا مضاهاةً للنصارى في ميلاد عيسى(عليه السلام) ، وإمّا
محبةً للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وتعظيماً له ، والله قد يثيبهم على هذهِ
المحبة والاجتهاد ، لا على البدع ، من اتخاذ مولد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)
عيداً ، مَعَ اختلاف الناس في مولده »(23).
فهذا
النص يوضّح انَّ الاحتفال بالمولد من مظاهر محبة النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله
وسلم) ، ومن مصاديق الاجتهاد في تعظيمه ، وتوقيره(صلى الله عليه وآله وسلم) ،
وانَّ بالامكان أن يُحمل عمل المحتفلين بالمولد النبوي على هذا العنوان ، ويكون
عملهم داخلاً في صميم التشريع ، ومن أبرز مصاديق السنة والاتباع ، إلاّ انَّ
التعسف والتحميل يمكن أن يضفي عناوين وعناوين للايهام بعدم مشروعية هذا العمل ،
كاتخاذ المولد عيداً ، أو اختلاف الناس في مولده ، وغير ذلك من الانتحالات
المدفوعة ، مما يبرز لنا الوجه الحقيقي للاصرار القابع خلف هذهِ الاتهامات ،
ومحاولة الوصول بها الى مرحلة التحدي ، مهما كان الثمن باهضاً .
ومما
يدلل على وقوع ( ابن تيمية ) في الاضطراب بعد أن رمى الاحتفال بالمولد النبوي
بالابتداع قوله : « فتعظيم المولد ، واتخاذه موسماً ، قد يفعله بعض الناس ، ويكون
له فيه أجر عظيم ، لحسن قصده ، وتعظيمه لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) »(24)
.
و
ما دام الامر كذلك ، وليس هناك بدّ من حلِّ الروابط الوثيقة بين الاحتقال بالمولد
النبوي ، وبين اُصول التشريع وتعاليمه الصريحة ، فلا بدَّ من البحث عن مبرر لالصاق
لفظ ( البدعة ) به ، وإخراجه عن الدين ، فكان أن وقع الاختيار على فعل السلف!
* وجاءَ في (
القول الفصل ) عن بعضهم : « .. وأما اتخاذ موسم غير المواسم الشرعية كبعض ليالي
شهر ربيع الاول التي يقال انَّها ليلة المولد ، وبعض ليالي رجب ، أو ثامن عشر ذي
الحجّه ، وأول جمعة من رجب ، أو ثامن شوال الذي يسمّيه الجهال عيد الابرار ،
فانَّها من البدع التي لم يستحبها السلف ، ولم يفعلوها »(25).
* وقال ( الحفّار
) : « ليلة المولد لم يكن السلف الصالح ، وهم أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله
وسلم) ، والتابعون لهم ، يجتمعون فيها للعبادة ، ولا يفعلون فيها زيادة على سائر
ليالي السنة .. »(26).
;* وقال ( ابن
الحاج ) في ( المدخل ) : « فالسعيد السعيد مَن شدَّ يده على الكتاب والسنة ،
والطريق الموصلة الى ذلك ، وهي اتباع السلف الماضين رضوان الله عليهم أجمعين ،
لانَّهم أعلم بالسنة منّا ، إذ هم أعرف بالمقال ، وأفقه بالحال ، وكذلك الاقتداء
بمن تبعهم باحسان الى يوم الدين .. » .
ويضيف
محذِّراً من الاحتفال بيوم المولد باعتباره ليس من عمل السلف الماضين : « وليحذر
من عوائد أهل الوقت ، وممن يفعل العوائد الرديئة ، وهذه المفاسد مركبة على فعل
المولد إذا عمل بالسماع ، فان خلا منه ، وعمل طعاماً فقط ، ونوى به المولد ، ودعا
اليه الاخوان ، وسلم من كل ما تقدم ذكره ، فهو بدعة بنفس نيته فقط ، إذ انَّ ذلك
زيادة في الدين ، وليس من عمل السلف الماضين ، واتباع السلف أولى ، بل أوجب من أن
يزيد نية مخالفة لما كانوا عليه ، لانهم أشد الناس اتباعاً لسنة رسول الله(صلى
الله عليه وآله وسلم) ، وتعظيماً له ، ولسنته(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولهم قدم
السبق في المبادرة الى ذلك ، ولم يُنقل عن أحد منهم انَّه نوى المولد ، ونحن لهم
تبع ، فيسعنا ما وسعهم »(27).
* وقال ( الشاطبي
) : « فكل مَن خالف السلف الاولين فهو على خطأ »(28).
* ويقول محمد جميل
زينو حول الاحتفال بالمولد : « والاحتفال لم يفعله الرسول(صلى الله عليه وآله
وسلم) ، ولا الصحابة ، ولا التابعون ، ولا الائمة الاربعة ، وغيرهم من أهل القرون
المفضلة »(29).
* وقال أبو الحسن
القرافي : « انَّ الماضين في الصدر الاول حجة على مَن بعدهم ، ولم يكونوا يلحنون
الاشعار ، ولا ينضمونها بأحسن ما يكون من النغم ، إلاّ من وجه إرسال الشعر ،
واتصال القوافي ، فان كان صوت أحدهم أشجن من صاحبه ، كان ذلك مردوداً الى أصل
الخلقة ، لا يتصنعون ، ولا يتكلّفون »(30).
* ويقول ابن الحاج
فيما يعد من بدع المساجد : « ومن هذا الباب الكرسي الكبير الذي يعملونه في الجامع
، ويؤبدونه ، وعليه المصحف لكي يقرأ على الناس ... ولم يكن ذلكَ في عمل مَن مضى »(31).
ويقول
أيضاً : « وكذلك يغيِّر ما يعلقونه من خرق كسوة الكعبة في المحراب وغيره ، فان ذلك
كله من البدع ، لانَّه لم يكن من فعل مَن مضى »(32).
الى
آخر ما ذكرناه عنه في بداية فصلنا هذا .
فالملاحظ
على كل هذهِ النصوص المتقدمة والكثير غيرها مما لا يسعنا ذكره لضيق المقام ،
انَّها قد اعتمدت القاعدة السابقة التي تنص على ان ما لم يفعله السلف فهو بدعة ،
وضلالة محرَّمة ، وانطلق البعض من هذا المبنى ، ليشيد ركاماً من البدع التي لا
أساس ولا واقع لها ، ويقذف المسلمين بغير حق .
ونحن
نعتقد انَّ عمل السلف ليس مصدراً من مصادر التشريع كما صوَّره الكثير من علماء
العامة ، وفرَّعوا على حجيته الكثير من الاحكام الشرعية التفصيلية ، ولا يمتلك عمل
السلف بحد ذاته أية مشروعية في الدين الاسلامي ، ولا يوجد لدينا أي دليل يشير الى
اعتباره وحجيته في مجال الاحكام الشرعية وما يتعلق بذلكَ من قريب أو بعيد.
إضافةً
الى انَّ قبول هذا المبنى يعني استسلام الشريعة المقدسة الى البدع والمحدثات ،
واختلاط الحلال بالحرام ، والوقوع في تناقضات أفعال السلف ، التي طفحت بها كتب
الرواية والحديث .
والامر
الوحيد الذي نمتلكه بهذا الصدد هو انَّ فعل المتشرعة الذين يمثلون الطبقة الطليعية
في المجتمع الاسلامي ، والذين يحكي تصرفهم وسلوكهم عن واقع الاحكام الشرعية ،
باعتبار حرصهم على تطبيق تعاليمها ، والجري على منهجها ، انَّما هو حجة من ناحية
كونه كاشفاً عن تلّقي الامر عن مصدر التشريع .
ومن
الواضح انَّ هذهِ الدائرة لا يمكن أن تتسع لتشمل فعل جميع السلف بصورته المفترضة ،
وانما تقتصر حجيتها في حدود المتشرعة منهم خاصة ، وقد تناولت الدراسات المتخصصة في
علم ( اُصول الفقه ) هذا النمط في الاستدلال ، وبيَّنت الخصوصيات التفصيلية لطبيعة
الاستدلال بسيرة المتشرعة ، وشرائط حجيتها .
وأما
بخصوص فعل السلف الذي تفترض الحجية له ، فنحن لا نمتلك موقفاً موحداً يجمع آراء
السلف في أغلب القضايا الشرعية ، وأكثرها حساسية وعمقاً ، في المقطع الزمني الواحد
، فكيف إذا كان الامر متوزعاً على المقاطع الزمنية المتعاقبة ؟ بل وقد نقل لنا
التاريخ وقوع الاختلاف الذي لا يمكن بشأنه الجمع ، وحصول الاجتهادات المتضاربة
التي لا تقبل التوفيق بين آراء الصحابة والتابعين في الكثير من القضايا الشرعية ،
مما لا يسع المتتبع إنكاره بوجه من الوجوه .
مَعَ
ان هناك الكثير من الاعمال المنسوبة الى السلف في جانبي الفعل والترك ، كانت
محكومة بالاجواء السياسية السائدة آنذاك ، وقد نشأت من جراء ذلك التزامات عامة ،
وتروك عامة ، نتيجة لمماشاة العوام مَعَ رأي السلطات الارهابية في تلك العصور ،
مما يفرض الحاجة الى دراسة خلفيات تلك الممارسات الصادرة من السلف ، والاطلاع على
دوافع نشوئها ، وعدم التعامل معها كمصدر تشريعي ثابت ، لا يقبل الجدل والنقاش .
فأفعال
السلف قد تنشأ من حالة الخوف والسطوة المشار اليها آنفاً ، وقد تنشأ من حالة
التسامح وعدم الاكتراث باُمور الشريعة ، وقد تنشأ من فهم خاطئ وتأويلات غير دقيقة
للنصوص الشرعية ... الى غير ذلك من الدواعي والمسبِبات .
ونحن
على يقين من انَّ أصحاب الرأي القائل بوجوب اتّباع السلف ، لا يمتلكون أية ضابطة
تحدد لهم هوية هؤلاء السلف المتَّبَعون الذين قد تم إعطاؤهم هذا الحجم الخطير من
الثقة والتعويل في اُمور الشريعة المقدسة ، فمن هم هؤلاء السلف ؟ وما هي هويتهم
مَعَ هذه الكثرة الغفيرة في فرق المسلمين وطبقاتهم ؟ وكيف يمكن لشخص أن ينتظم في
سلك هؤلاء ، ويكون فرداً منهم ؟ وما هي الوسيلة التي تضمن الاطلاع على استقصاء
السلف في مطلب معيّن ، والحصول على جميع آرائهم فيه ؟
;
إنَّ
من الغريب حقاً أنَّ ( ابن تيمية ) الذي طالعنا له النصوص المتقدمة في اعتماده على
فعل السلف بشكل معلن ، وهو ممن اشتهر في تعصبه لهذا المبنى في مختلف استدلالاته
وأحكامه ، نراه ينظّر لعدم جواز التعويل على إجماع الامة وإقرارها بالقول :« فكيف يعتمد
المؤمن العالم على عادات أكثر مَن اعتادها عامة ، أو مَن قيدته العامة ، أو قوم
مترئسون بالجهالة ، لم يرسخوا في العلم ، ولا يعدّون من اُولي الامر ، ولا يصلحون
للشورى ، ولعلهم لم يتم إيمانهم بالله وبرسوله ، أو قد دخل معهم فيها بحكم العادة
قوم من أهل الفضل من غير رويّة ، أو لشبهة أحسن أحوالهم فيها أن يكونوا فيها
بمنزلة المجتهدين من الائمة والصديقين »(33).
;
فاذا
كان أهل الفضل يدخلون في العادات السائدة لدى عوام الناس ، من غير روية، أو عن
طريق الشبهات الطارئة ، أو يكونوا في أحسن أحوالهم من المجتهدين ، فأين هذا من
القول بحجية فعل السلف ؟ وكيف يمكن التعويل على مثل هذهِ التناقضات والتهافتات
المطّردة ؟
وعلى
أية حال فنحن على الاعتقاد الراسخ بأنَّ مصدر التشريع الاساسي الذي يمتلك الكلمة
الفاصلة بشأن التشريع ، والذي تُستقى من خلاله أحكام الدين الحقيقية ، يجب أن يكون
مصوناً عن الخطأ ، ومحفوظاً من أدنى ما يمكن تصوره من حالات التفاوت، والاختلاف ،
والاشتباه ، ويستحيل عقلياً أن يقع في التناقض ، أو يُبنى على أساس الاجتهاد ،
وانَّ أي مصدر تشريعي مفترض آخر لا بدَّ أن ينتهي الى هذا المصدر المعصوم ، ويستمد
شرعيته من هذا الطريق ، وانَّ الذي يحدد ذلك هو كلام الله المنزل على رسوله(صلى
الله عليه وآله وسلم) ، باعتباره المصدر الاساسي الاول للتشريع ، والمتفق عليه بين
المسلمين جميعاً ، وقد تقدمَ معنا في بداية هذا البحث انَّ النص القطعي في الكتاب
الكريم قائم على وجوب اتّباع الرسول الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) ، واَهل بيته
الطاهرين(عليهم السلام) ، وقد ثبتت طهارة وعصمة أهل البيت(عليهم السلام) بنص قوله
تعالى : ( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أَهلَ البَيتِ
وَيُطهِّرَكُم تَطهيراً )(34).
وثبت
أيضاً عن الرسول الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) في ( حديث الثقلين ) المتواتر
والمروي من طرق الفريقين انَّ أهل بيته(عليهم السلام) سيواكبون الرسالة الاسلامية
الى آخر لحظات الحياة ، وانَّهم(عليهم السلام) الثقل الذي لن يفترق عن الكتاب
الكريم حتى يردا الحوض .
وما
دام كلامنا يتجه نحو الامور المرتبطة بأعراف الناس وتقاليدهم المتغيرة على مرِّ
الازمان والعصور ، وانَّ مثل هذهِ الامور لا ترتبط بالابتداع ، وانَّما هي متروكة
لانتخاب الانسان ، واختياره الخاص ، ما دام لا ينسبها الى الشرع ، وما دامت لا
تخضع لعنوان تحريمي خاص ... فانَّ من المناسب أن نلوي عنان الحديث لخصوص هذهِ
النقطة ، ونتحدث عن فعل السلف وما يدّعى له من حجية في مثل هذهِ الامور ، لا سيما
إذا أخذنا بنظر الاعتبار انَّ أكثر الموارد التي نُسب اليها الابتداع قد نُظر
اليها من زاوية شكلياتها العرفية المتفاوتة بين المجتمعات ، وادّعي عدم وجودها في
حياة السلف ـ على الرغم من اننا لا نقيم لهذا الدليل وزناً ـ من باب عدم وجودها
الشكلي والتقليدي الذي صارت اليه في الازمنة المتأخرة كما سنرى .
فالذي
تهمنا الاشارة اليه في المقام هو انَّ من غير الممكن لنا قبول التحجمّ في اطار
الامور العرفية العامة التي لا ترتبط بالدين ، ولا تمس اُصول التشريع ومبانيه في
نطاق فعل السلف ، ولا نتعقل بشكل مطلق إمكانيه الجمود على ما كان سائداً في عصر
التشريع الاول ـ أو في أي عصر مفترض آخر ـ من عادات وأعراف وتقاليد ، والبقاء في
نطاقها الموروث في مختلف الازمنة التي يمر بها الانسان المسلم ، مهما كانت الذرائع
والحج ، ومهما تُكلِّف لذلك من إدعاءات وبراهين .
فالدين
الاسلامي هو الدين هو الدين السماوي الشامل لجميع الامم والقوميات البشرية ، ولا
يمكن لتعاليمه الخالدة أن تتحجم ضمن عادات وأعراف خاصة ، أو تنحصر في نطاق جوِّ
تقليدي معيِّن ، بل هو فوق كل هذهِ الاعراف المتفاوتة ، والتقاليد المتغيرة ،
لانَّه يعالج واقعاً ثابتاً في صميم الانسان ، ويطرح أنظمة وقوانين عامة تتكفل
هداية البشر كافة الى سبيل السعادة والنجاة ، فلا يمكن أن تتبدل قيمة ومبادئه
بتبدل المكان ، أو بحركة الزمان ، أو بتطور العلوم ، وارتقاء المعارف والفنون بشكل
مطلق .
ومن
المتفق عليه انَّ العقل البشري يقضي باختلاف الاعراف ، والعادات ، والتقاليد ،
لنفس المجتمع الواحد ، خلال فترات متعاقبة ، فكيف بالمجتمعات المتضاربة في أعرافها
، والمتفاوتة في عاداتها وتقاليدها الخاصة .
ولا
يعني كلامنا هذا أنَّ الدين الاسلامي لا يقيم أية موضوعية للاعراف الاجتماعية في
أحكامه الشرعية ، ولا يعتدّ بشيء منها ما دامت محكومةً بالاختلاف والتغير المستمر
، وانما نعني عبر هذهِ الاشارة العاجلة انَّ الحكم الاسلامي لا يتحجم ضمن زمن خاص
، وينطبق في دائرة تقليدية معينة ، ولا يقف حائلاً دونَ حركة الحياة، وتقدمها
بالانسان ، أو يأمر الاعراف بالمراوحة عند واقع زمني محدد ، وهو عصر نزول الوحي ،
وانبثاق فجر التشريع .
وبعبارة
اُخرى انَّ العرف الانساني العام بما يحمل من أبعاد التغير ، والتطور ، والاختلاف
، يعدُّ أمراً ملحوظاً من قبل الشريعة ، ومنظوراً اليه من خلال زوايا متعددة في
التشريع ، وأمّا العرف الخاص بمجتمع معيَّن ، أو قومية محددة ، فلا يمتلك موضوعية
خاصة به في التشريع الاسلامي ، الاّ من خلال كونه داخلاً تحت عنوان العرف الانساني
العام الذي أشرنا اليه .
فالعرف
الانساني العام إذن موضع لاهتمام الشريعة الاسلامية واحترامها ، ولذا نرى انَّ
الشريعة باحكامها المتنوعة ، لا تكاد تتجاهل موقع العرف في حياة الانسان ، وتغض
النظر عنه بشكل مطلق ، وتغمض عن المداخلات التي يتفاعل فيها مَعَ التشريع ، بل نرى
انَّها تدخله فيصلاً في كثير من المجالات الشرعية ، وتأمر بالرجوع والاحتكام اليه
، ضمن حدود وشرائط خاصة ، لا يمكن الاستطراد بذكرها هنا .
وعلى
نحو العموم فانَّ التشريع الاسلامي يشق مساره في الحياة ، مهما تنوعت الاعراف ،
وتغيرت النواميس والتقاليد ، ولا يأمر بالتوقف عند نقطة معينة ، على طول هذا الخط
الانساني المديد .
وإذا
ما حاول البعض أن يتشبث بعدم فعل السلف لمثل هذهِ الامور المتغيرة ، والعادات
المتفاوتة بين الناس ، ويجعل عدم فعل السلف لها ذريعةً الى رمي العمل بالابتداع ،
فان هذا البعض قد ارتكب جناية لا تغتفر بحق التشريع الاسلامي ، لانَّه حكم ضمناً
على تعاليم السماء بالقصور ، والتخلف ، والانكفاء .
وفي
الحقيقة انَّ القول بحجية فعل السلف في اُمور العادات ، والاعراف ، والتقاليد، يصل
الى حد من الشناعة التي لا تستحق منّا الاستفاضة في إطالة الاجابة والرد عليه .
وكيف
يمكن أن يكون في ترك السلف لعمل عرفي معين دلالة على عدم جواز الاتيان بذلك العمل
من قبل الاخرين ؟ وما هو المسوِّغ لالصاق مفهوم الابتداع بمثل هذا النمط من
الافعال المحكومة بالتغيّر والتبدّل على مرِّ الازمنة والعصور ؟
فصحيح
انَّ الامور العبادية ، والاحكام التشريعية الاخرى لا يمكن أن تُقتطع عن الممارسات
الاجتماعية والعرفية التي يزاولها الانسان في حياته ، ولا يصح أن تُلغى تلكَ
العادات والاجواء المتغيرة التي تحف بالامور الشرعية ، والتي تختلف عادةً باختلاف
طبائع الناس وأساليبهم الحياتية المتنوعة من جهة ، وتتغير تبعاً لتصاعد الزمن من
جهة اُخرى ، ولكنِّ هذا لا يعني عدم إمكانية النظر الى الامور العبادية ، والاحكام
التشريعية التوقيفية الاخرى ، بمعزل عن هذه التغيرات ، وتحصينها من التعديل
والتبديل ، وايجاد الاغطية الشرعية الكافية لحمايتها من ظاهرة ( الابتداع ) ، بل
نجد انَّ هذهِ التعاليم المقدسة تحتفظ بجميع خصائصها ومميزاتها وأهدافها التربوية
في كل الازمنة ، ولمختلف القوميات والاقليات البشرية ، ولا يمكن أن يطرأ عليها
التغير ، باعتبار أنَّها تنطلق من واقع فطرة الانسان ، وتنسجم مَعَ توجهاته
الفطرية الثابتة في كل مراحله وعصوره ، على حد سواء .
فنحن
نجد أنَّ هناكَ فرقاً كبيراً وشاسعاً بين مَن يسافر الى الحج على ظهر الدابة ،
ومَن يسافر لاداء هذهِ الفريضة على متن الطائرة ، وبين مَن يصلّي على الارض أو على
بساط من الخوص ، ومَن يصلي وتحت قدميه سجادة فاخرة ، وبينَ مَن يقرأ القرآن على
الالواح والاكتاف والجلود ، ومَن يقرأه على الاوراق الصقيلة وبالحرف الجميل الواضح
، وبينَ مَن يتعبّد في المساجد في الحرّ القائض وهو يروِّح على وجهه وجسده بثيابه
، ومَن يتعرض خلال ذلك لنسيم مكِّيفات التبريد ، وبينَ مَن يطلق صوته على المنبر
بأقصى ما يمتلكه من طاقة ووسع ليسمع البعيد من الحاضرين المواعظَ والخطبَ
الاسلامية ، وبين مَن يستعين بمكبرات الصوت الحديثة من دون تكلّف أو عناء ، وبينَ
مَن يُجري صفقةَ بيع كبيرة مَعَ تاجر يبعد عنه آلاف الاميال من خلال سفره أو سفر
وكيله بمشقة اليه لايقاع صيغة العقد ، ومَن يُجري نظير هذهِ الصفقة خلال مكالمة
هاتفية قصيرة .
إنَّ
روح الاحكام الشرعية وحقائقها لا يطرأ عليها التغير والتبديل ، على الرغم من تنوع
مظاهر الحياة ، واختلاف العادات ، والاعراف ، والوسائل ، التي تكتنفها ، وتحفُّ
بها .
والشريعة
الاسلامية قد خصت ظاهرة ( الابتداع ) بجوهر الاحكام الشرعية وحقائقها ، دون الامور
الخارجة عنها ، وغير المرتبطة بها ، والتي لا يُعقل أن تكون ثابتة على طول خط
التشريع الذي يواكب الحياة الانسانية حتى اللحظات الاخيرة .
فاذا
ما حدثت زيادة أو نقيصة في ذات الامر الشرعي المعيَّن كالصلاة مثلاً ، فانَّ هذا
الامر يكون داخلاً ضمن معنى الابتداع ، لانَّه إدخال لامر ليس من الدين فيه ،
وأمّا إذا ما تغيرت ظروف الانسان ، وأعرافه الخاصة ، بما لا يؤثر على حدود الصلاة
، وواجباتها ، وحقيقتها ، ولم يكن مندرجاً تحت أمر محظور ، ولم يكن منهياً عنه من
قبل الشريعة ، فهو ما لا يقبل الوصف بالابتداع ، ويخرج عن موارد ( البدعة ) من
الاساس .
إنَّ
هناك اموراً شرعيّة كثيرة كان يمارسها الناس في العصور المتقدمة باسلوبهم الحياتي
المألوف ، وكانت موجودة بشكلها الاولي الذي ينسجم مَعَ طبيعة المرحلة القائمة
آنذاك ، وظروفها وأجوائها الخاصة ، إلاّ انَّ المسلم اليوم يمارس نفس ما كان يمارسه
السابقون باُسلوب آخر ، حسب أجوائه الحياتية الجديدة ، وهو مَعَ ذلك يُتَّهم
بالابتداع ، ويُخرج من الدين ، لمجرَّد تغيّر الاساليب والاعراف .
إنَّ
أغلب الامور الشرعية الحادثة التي يمارسها الانسان المسلم في مراحله المختلفة تتصف
بخاصيتين :الخاصية
الاولى : هو ما نستطيع أن نطلق عليه ( الجانب الشرعي للامر الحادث)، وهو عبارة عن
أصل الممارسة المشروعة ، والمبتنية على الادلة الثابتة في التشريع .
الخاصية
الثانية : هو ما نستيطع أن نطلق عليه ( الجانب العرفي للامر الحادث ) ، وهو عبارة
عن شكلية الممارسة المشروعة ، واُسلوب وقوعها ، الذي يختلف حسب تطور الزمن ،
وطبيعة الاعراف ، والتقاليد السائدة في المجتمع ، من دون أن يؤثر على أصل
مشروعيتها ، وارتباطها بالدين .
ومسلمو
اليوم يعملون الكثير من الامور المشروعة من جهة جانبها الشرعي الثابت والمتسالَم
عليه ، إلاّ انَّ تجسيدهم لها قد أخذ طابعاً حياتياً جديداً ، فاذا حصل هناك تغيير
عمّا كان عليه المسلمون في السابق ، فهو انَّما ينحصر في الجانب العرفي للامر
الحادث ، لا في الجانب الشرعي منه ، وتغيّر الجانب العرفي أمر تتطلبه ضرورة الحياة
، وتقتضيه ضغوطات الواقع ، ومستجداته الملحّة .
فقضية
اقامة الاحتفال في المولد النبوي ، والذكريات الاسلامية مثلاً ، تجد قواسمها
المشتركة في جميع الاُزمنة والعصور التي يمرّ بها المسلمون ، كما وتجد دوافعها
الشرعية الثابتة التي لا تقبل الترديد ، فاحترام شخصية الرسول الاكرم(صلى الله
عليه وآله وسلم) ، والاهتمام بالمقدسات الاسلامية ، والذكريات الفاصلة في تاريخ
الاسلام ، اُمور مقطوعة الثبوت عند الجميع في جوانبها الشرعية الثابتة ، وهي موارد
إعتزاز واهتمام جميع المسلمين ، إلاّ انَّ تجسيدها ، والتعبير عنها واقعياً ،
يختلف حسب أساليب الناس المتنوعة ، وأعرافهم المتفاوتة .
وبكلمة
اُخرى نستطيع القول بأنَّ عدم ثبوت الامر الحادث في حياة السلف من جوانبه العرفية
المتغيرة باطّراد ، لا يعني عدم ثبوته من جوانبه الشرعية ، هذا كله بفرض التسليم
للرأي القائل بحجية فعل السف جدلاً .
وقد
بيّنا فيما سبق بأنَّنا لا نقبل القول بحجية فعل السلف المدّعاة ، لا على مستوى
الامور الشرعية ، ولا على مستوى الامور العرفية ، ونعتقد بانَّه قداُتخذ ذريعةً
لتبرير رمي المسلمين بالابتداع . |