الفصل الثالث مفهوم البدعة في النصوص الاسلامية البدعة : تقابل السنّة .
إنَّ النص الاسلامي الصريح هو الذي يمتلك
الكلمة الفاصلة في تحديد هوية أية مفردة من
مفردات الثقافة الاسلامية ، وهو الذي يوضح ما
يمكن أن تكتنف به بعض المفاهيم الاسلامية من
غموض وابهام . ( البدعة ) : تقابل السُّنةورد عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال :« لا يذهب من السنة شيء ، حتى يظهر من البدعة مثله ، حتى تذهب السنة ، وتظهر البدعة ، حتى يستوفي البدعة مَن لا يعرف السنة فمن أحيى ميتاً من سنتي قد اُميتت ، كان له أجرُها ، وأجر مَن عمل بها ، من غير أن ينقص من اُجورهم شيئاً ، ومَن أبدَعَ بدعةً ، كان عليه وزرها ، ووزر مَن عمل ، بها لا ينقص من أوزارهم شيئاً »(1) . وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال :« لا ترجعنَّ بعدي كفّاراً ، مرتدين ، متأولين للكتاب على غير معرفة ، وتبتدعون السنة بالهوى ، لانَّ كل سنة وحدث وكلام خالف القرآن فهو ردٌّ وباطل »(2). وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم) :« يأتي على الناس زمان وجوههم وجوه الادميين ، وقلوبهم قلوب الشياطين .. السنة فيهم بدعة ، والبدعة فيهم سنّة »(3). وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم) :« مَن أدّى إلى اُمتي حديثاً يُقام به سنّة ، أو يثلم به بدعة ، فله الجنة»(4) . وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم) :« إيّاكَ أن تسنَّ سنة بدعة ، فان العبد إذا سنَّ سنةً سيئة ، لحقه وزرها ، ووزر مَن عمل بها .. »(5) . وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم) :« مَن أحدثَ حدثاً ، أو آوى محدثاً ، فعليه لعنة الله ، والملائكة ، والناس أجمعين ، لاُيقبل منه عدل ولا صرف يوم القيامة .
فقيل : يا رسول الله : ما الحدث ؟ وعن أمير المؤمنين علي(عليه السلام) أنه قال :« وأما أهل السنة ، فالمتمسكون بما سنَّه اللهُ لهم ورسوله ، وإن قلّوا ، وأما أهل البدعة ، فالمخالفون لامر الله تعالى وكتابه ولرسوله ، والعاملون برأيهم وأهوائهم ، وإن كثروا ، وقد مضى منهم الفوج الاول ، وبقيت أفواج ، وعلى اللهِ فضُّها واستيصالها عن جدبة الارض »(9). وسأل رجل الامام علياً(عليه السلام) عن السنة ، والبدعة ، والفرقة ، والجماعة ، فقال(عليه السلام) :« أمّا السنة : فسنة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأما البدعة : فما خالفها ، وأمّا الفرقة ، فأهل الباطل وإن كثروا ، وأمّا الجماعة ، فأهل الحق وإن قلّوا »(10) . وعنه(عليه السلام) :« واعلموا أنَّ خير ما لزم القلب اليقين ، وأحسن اليقين التقى ، وأفضل اُمور الحق عزائمها ، وشرّها محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وبالبدع هدم السنن»(11). وعنه(عليه السلام) :« ما اُحدثت بدعة إلاّ تُرك بها سنة ، فاتقوا البدع ، والزموا المهيع ، إنَّ عوازم الامور أفضلها ، وانَّ محدثاتها شرارها »(12). وعنه(عليه السلام) :« واعلم أنكم لن تعرفوا الرشد حتى تعرفوا الذي تركه ، ولن تأخذوا بميثاق الكتاب حتى تعرفوا الذي نقضه ، ولن تمسكوا به حتى تعرفوا الذي نبذه ، ولن تتلوا الكتاب حقَّ تلاوته حتى تعرفوا الذي حرَّفه ، ولن تعرفوا الضلالة ، حتى تعرفوا الهدى ، ولن تعرفوا التقوى ، حتى تعرفوا الذي تعدّى ، فإذا عرفتم ذلك ، عرفتم البدع والتكلّف ، ورأيتم الفريةَ على الله وعلى رسوله ، والتحريف لكتابه »(13) . وعنه(عليه السلام) :« فاستقيموا على كتابه ، وعلى منهاج أمره ، وعلى الطريقة الصالحة من عبادته ، ثم لا تمرقوا منها ، ولا تبتدعوا فيها ، ولا تخالفوا عنها ، فانَّ أهل المروق منقطع بهم عند الله يوم القيامة .. واعلموا عبادَ الله أنَّ المؤمن يستحل العام ما استحلَّ عاماً أول ، ويحرّم العام ما حرَّمَ عاماً أول ، وانَّ ما أحدث الناس لا يحل لكم شيئاً مما حُرِّم عليكم .. وانّما الناس رجلان : متبع شرعة ، ومبتدع بدعة ، ليس له من الله سبحانه برهان وسنة ، ولا ضياء وحجّة »(14) . وعنه(عليه السلام) من كتاب له إلى عثمان :« فاعلم انَّ أفضل عباد الله عند الله إمام هُديَ وهَدى ، فأقامَ سنة معلومة ، وأماتَ بدعةً مجهولة ، وانَّ السنن لنيِّرة لها أعلام ، وانَّ البدع لظاهرة لها أعلام ، وانَّ شرَّ الناس عند الله إمام جائر ضَّل وضُلَّ به ، فأماتَ سنةً مأخوذةً ، وأحيى بدعةً متروكة »(15).
وعنه(عليه السلام) في حق بني اُمية :« قد خاضوا بحار الفتن ، وأخذوا بالبدع دونَ
السنن »(16). ( البدعة ) : تعني الغش والضلال واتباع الاهواء
ورد عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه
قال :« مَن غشَ من اُمتي ، فعليه لعنةُ اللهِ
والملائكة والناس أجمعين ، قالوا : يا رسول
الله، وما الغش ؟ فقال(صلى الله عليه وآله
وسلم) :أن يبتدعَ لهم بدعة فيعملوا بها »(22). وعن أبي جعفر الباقر(عليه السلام) في قوله تعالى : ( قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بالاَخْسَرينَ أَعمالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُم في الحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً )(24) قال(عليه السلام) :« هم ا لنصارى ، والقسيسون ، والرهبان ، وأهل الشبهات والاهواء من أهل القبلة ، والحرورية ، وأهل البدع »(25) .
وعنه(عليه السلام) في قوله تعالى : (
وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جزاءُ
سَيِّئَة بِمِثْلِها وَتَرْهَقُهُمْ
ذِلَّةٌ ماَلُهم مِنَ اللهِ مّنْ عاصِم )(26) ،
قال(عليه السلام) :« هؤلاء أهل البدع والشبهات والشهوات ،
يسِّود الله وجوههم ، ثم يلقونه »(27) . ( البدعة ) : أدنى مراتب الكفر والشركعن أمير المؤمنين(عليه السلام) أنه قال :« .. وأدنى ما يكون به العبدُ كافراً ، مَن زعَمَ أنَّ شيئاً نهى اللهُ عنه أنَّ اللهَ أمَرَ به ، ونصبه ديناً يتولّى عليه ، ويزعم انَّه يعبد الذي أمره به ، وانما يعبد الشيطان ... »(28) .
وعن الحلبي قال : قلتُ لابي عبدالله(عليه
السلام) : ما أدنى ما يكون به العبد كافراً ؟ فقال(عليه
السلام) : أن يبتدعَ شيئاً فيتولّى عليه ،
ويبرأ ممَّن خالفه »(29) . البدعة : موارد وتطبيقات .
وردت في النصوص الاسلامية عدة تطبيقات على
موارد معينة كانت تجسِّد بوضوح ظاهرة
الابتداع ، كما ورد أيضاً نفي الابتداع عن
موارد اُخرى ، وسوف نستعرض أمثلة تاريخية
لكلا القسمين ، لكي نتمكن من خلال ذلك أخذ
صورة واقعية عن طبيعة هذهِ التطبيقات ،
والحدود التي تمت فيها .
فأنزل الله عزَّوجلَّ عليه : يا محمَّد : (
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لامَنَ مَن فِي الاَرْضِ
كُلُّهمُ جَميعاً )(31) على سبيل الالجاء
والاضطرار في الدنيا ، كما يؤمنونَ عند
المعانية ورؤية البأس في الاخرة ، ولو فعلت
ذلك بهم لم يستحقّوا مني ثواباً ولا مدحاً ،
لكنّي اُريد منهم أن يؤمنوا مختارين غير
مضطرين ، ليستحقوا مني الزلفى والكرامة ودوام
الخلود في جنة الخلد : ( أَفَأَنتَ تُكْرِهُ
النّاسَ حَتى يَكُونُوا مُؤمِنيِنَ )(32) »(33) .
( أيها الناس لا تصّلوا النافلة ليلاً في شهر
رمضان ، ولا في غيره ، فانَّها بدعة ، ولا
تصلّوا الضحى ، فانَّها بدعة ، وكل بدعة ضلالة
، وكل ضلالة سبيلها إلى النار ) .
فقال(عليه السلام) : كَفَرةُ أهل الكتاب :
اليهود والنصارى ، وقد كانوا على الحق ،
فابتدعوا في أديانهم ، وهم يحسبون أنَّهم
يحسنون صنعاً . 5 ـ طبقت ( البدعة ) على قول المؤذن ( الصلاة خير من النوم ) ، وعدِّهِ جزءاً من الاذان الشرعي ، وذلك باعتبار انَّ هذا القول ليس له أصل في الدين ، فقد وَردَ عن أبي الحسن(عليه السلام) أنه قال :« الصلاة خير من النوم بدعة بني اُمية ، وليسَ ذلكَ من أصل الاذان، ولا بأس إذا أراد الرجل أن ينبّه الناس للصلاة أن ينادي بذلك ، ولا يجعله من أصل الاذان ، فانّا لا نراه أذاناً »(38) . 6 ـ طبقت ( البدعة ) على الاذان الثالث يوم الجمعة الذي أحدثه عثمان بن عفان ، ولم يكن له أية صلة بالتشريع ، فقد وردَ عن أبي جعفر(عليه السلام) أنه قال :« الاذان الثالث يوم الجمعة بدعة »(39) . 7 ـ طبقت ( البدعة ) على الجدال في القرآن بغير علم ، فعن اليقطيني قال :« كتبَ أبو الحسن الثالث(عليه السلام) إلى بعض شيعته ببغداد : بسم الله الرحمن الرحيم ، عصمنا الله واياكَ من الفتنة ، فان يفعل فاعظم بها نعمة ، والاّ يفعل فهي الهلكة ، نحن نرى أنَّ الجدال في القرآن بدعة ، اشترك فيها السائل والمجيب ، فتعاطى السائل ما ليسَ له ، وتكلَّف المجيب ما ليس عليه ، وليس الخالق إلاّ الله ، وما سواه مخلوق ... »(40) . هذا بالنسبة إلى تطبيق ( البدعة ) على بعض الموارد البارزة لها في لسان الروايات ، كما جاءَ أيضاً نفي الابتداع عن موارد اُخرى لعدم انطباق حدود المفهوم عليها ، ولما تمتلكه من اُصول دينية مشروعة ، فمن تلكَ الموارد :1 ـ انَّه نُفي الابتداع عن سجدة الشكر بعد الفريضه باعتبار ارتباط هذا العمل بالدين ، ووجود أصل له فيه ، فقد سأل محمد بن عبدالله الحميري من صاحب الزمان(عليه السلام)عن سجدة الشكر بعد الفريضة ، هل يجوز أن يسجدها الرجل بعد الفريضة ، فان بعضَ أصحابنا ذكر أنَّها ( بدعة ) ، فأجاب(عليه السلام) :« سجدة الشكر من ألزم السنن وأوجبها ، ولم يقل انَّ هذهِ السجدة بدعة إلاّ مَن أراد أن يحدث في دين الله بدعة ... »(41) . 2 ـ انَّه نُفي الابتداع عن إظهار البسملة ، باعتبار وجود أصل لها في التشريع فعن خالد بن المختار قال : سمعت جعفر بن محمد(عليه السلام) يقول :« ما لهم قاتلهم الله عمدوا إلى أعظمِ آية في كتاب الله فزعموا انَّها بدعة إذا أظهروها ، وهي بسم الله الرحمن الرحيم »(42) . |
|
(1) علاء الدين الهندي ، كنز العمال ، ج : 1 ، ح : 1119
، ص : 222 . |